سوفوكليس صوّر الوباء في جبروته وبازوليني أسقطه بخبطة إصبع

مشهد من فيلم “أوديب ملكاً” لبيير باولو بازوليني (اندبندنت عربية)

مَنْ منّا يجهلُ مسرحية سوفوكليس الشهيرة “أوديب”؟ ومَنْ منّا لا يعرف أنها في الأصل مُستقاةٌ من حكايات أسطورية إغريقية؟ لتعبر الأماكن والأزمنة وصولاً إلى فرويد، الأب الشرعي للتحليل النفسي، فيجعل منها العِماد الأساس لهذا الصنف العلمي (الطبي)، حتى ولو نوقض في هذا كثيراً، وتعرّضت جبهته إلى انشقاقات بسبب ذلك.

ونعرف طبعاً أنّ “عقدة أوديب” نتجت عن بحوث فرويد وعدد من أخلص تلاميذه، لا سيما منهم إرنست جونز كاتب سيرته، والمؤلف الباهر لكتاب عن أوديب لا يتوانى عن جمعه بهاملت الشكسبيري في بوتقة واحدة.

لقد كانت مسرحية سوفوكليس عن أوديب في جزأيها على أي حال: “أوديب ملكاً” و”أوديب في كولونا” التي كتبها بعدها بعام، ومنذ ألوف السنين واحدة من أشهر المسرحيات في تاريخ هذا الفن، لكنّ فنوناً عديدة أخرى عرفت كيف “تسطو” عليها أيضاً، ومنذ بداية ظهورها بقلم سوفوكليس الذي كان واحداً من أعظم ثلاثة كتبوا المسرحيات التراجيدية الإغريقية، وتناوبوا على الفوز بجوائزها الكبرى في العصر الذهبي لأثينا، علماً أنّ “أوديب ملكاً” لم تحلّ إلا في المرتبة الثانية بالمسابقة السنوية آنذاك!

السينما ولكن في تفسير مختلف
المهمُ، أنّ الفن التشكيلي والأوبرا والشعر والرواية نهلت دائماً من تلك المسرحية قبل قرون من وصول فرويد إليها، وطبعاً قبل قرون من وصول الفن السابع إلى اقتباسها مباشرة أو في ثنايا حبكاته.

ولعل من المفيد هنا أن نذكر أنّ المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي كان شاعراً وناقداً ومنظّراً وصحافياً في الوقت نفسه، حقق ما يمكن اعتباره حتى الآن، أفضل اقتباس سينمائي مباشر لرائعة سوفوكليس في فيلمه “أوديب ملكاً” الذي حققه في عام 1967، جامعاً فيه الممثل الشاب فرانكو تشيتي في دور أوديب، ببعض عمالقة السينما والمسرح في ذلك الحين: سيلفانا مانغانو، وجوليان بيك، وكارميلو بيني.

من ناحية مبدئية، وكما اعتاد أن يفعل معظم مقتبسي العمل الأوديبي، لم يجد بازوليني ما يدفعه في السيناريو السينمائي الذي كتبه بنفسه، إلى إحداث كثيرٍ من التغييرات الجوهرية في العمل. فعمل سوفوكليس كان يُعدُّ على الدوام من الكمال، بحيث إنه أبداً ما كان في حاجة إلى تدخّل كبير من المقتبسين.

ومع هذا، إلى جانب “العصّرنة” التي أضافها بازوليني إلى المسرحية في مشاهدها الأخيرة، حين صوّر لنا الملك المشرّد والضرير، إذ فقأ عينيه بنفسه كما سنتذكّر بعد سطور، يقوده آنجلو وقد اتّخذ سمات عازف ناي ضرير في روما المعاصرة لنا وهو يعبر كاتدرائية متجهاً إلى حيّ عمّالي في ضاحية رومانية، بدلاً من أن تقوده ابنته أنطيغون كما الحال في المسرحية الأصلية. إلى جانب هذه العصرنة يوجد تغيير آخر قد يبدو للوهلة الأولى أقلّ أهمية، وقلّ أن شعر به المتفرجون غير المتنبهين عند مشاهدة الفيلم، لكنه حافل بالمعاني كما سوف نرى.

أصل الحكاية
نعرفُ أنّ المسرحية التي قال عنها أرسطو إنها “المسرحية المثال”، تدور من حول حكاية النبوءة التي فاه بها عرّاف معبد دلفي، في طيبة الإغريقية، بأنّ الوليد الذي أنجبته جوكوستا لزوجها الملك لايوس سوف يقتل أباه حين يشبّ عن الطوق، ويتزوج أمه.

وبالتالي، ما إن يسمع لايوس النبوءة حتى يبعث الطفل ليترك في الجبال حيث ستلتهمه الوحوش. لكنّ راعياً سيعثر على الطفل، فيشفق عليه، ويحتفظ به ليربيه بعيداً عن حياة الملك ومن القصر والوالدين، حتى يشبّ ويسلّمه إلى فوليبوس، بحيث لا تتحقق النبوءة.

لكن، الأقدار هي الأقدار. وهكذا حين تبدأ المسرحية بعد أن تُروى لنا بداية الحكاية كما يُروى لنا من طريق الكورس، كيف أنّ الشاب أوديب الذي شبّ في دارة فوليبوس اصطدم عند مفترق طرق بجماعة من مقاتلين، ظنّهم لصوصاً فقاتلهم وقتلهم ليكتشف عند وصوله إلى المدينة أنّ الملك لايوس كان على رأسهم.

وهكذا، إذ كان جاهلاً بحقيقة نسبه يصل أوديب إلى القصر الملكي، ويستولي على العرش متخذاً من الملكة زوجة له، كما تقضي تقاليد الحروب. وبعد ذلك مع بدء المسرحية، نجدنا في حضرة كريون شقيق جوكاستا العائد الآن من معبد دلفي حاملاً أخباراً في غاية السوء عن الوباء الذي انتشر في المنطقة كنوع من لعنة صبّتها الآلهة عقاباً للمدينة على كونها تؤوي الرجل الذي قتل لايوس.

في المدينة يسمع أوديب الأخبار، ويقصد العرّاف الضرير تيريزياس سائلاً إياه كلام الحكمة، فيخبره هذا بأن قاتل لايوس موجود هنا حقاً، ويزيد أمام ذهول أوديب بأن هذا الأخير هو القاتل، لأنه هو في حقيقة الأمر ابن لايوس. طبعاً يغضب أوديب غضباً شديداً، ويتهم تيريزياس ومعه كريون بالكذب، إذ يعتقد أنهما يتآمران لخلعه عن عرش استحقه. ولإبعاده عن جوكاستا التي ورثها ملكة، إذ حلّ مكان لايوس في الملك! وهنا تتدخل جوكاستا لتطمئن أوديب بأن العرّاف أخطأ، وأن ابنها اختفى بل مات منذ طفولته، وأنه هو أوديب ليس من الممكن أن تكون له علاقة بالأمر، طالما أن الابن تُرك في منطقة معزولة في الجبال وأكلته الوحوش.

حين تنكشف الحقيقة ويحل الوباء
غير أنّ الطمأنينة لن تدوم طويلاً، وذلك لأن أوديب سوف يكتشف لهوله أنّ الراعي الذي كان التقطه سيعترف بأن الولد لم يُقتل، بل ربّاه إلى حين سلّمه إلى فوليبوس الذي ربّاه كابن له، حتى صار مقاتلاً شجاعاً من دون أن يُدلي بالسرّ إلى أحد.

وهكذا، يفهم أوديب أنه ليس في حقيقته سوى ابن لايوس وقاتله، ومحقّق النبوءة ومنتهك القوانين الدينية والأعراف بزواجه من أمه. وهكذا يذهل أوديب ويلاحق أمه جوكاستا محاولاً أن يفهم ويعاقب، لكنها كانت وصلت قبله إلى القصر، وشنقت نفسها أمام هول هذا الواقع الجديد.

وإذ يرى أوديب ما يحدث لا يجد أمامه إلا أن يعاقب نفسه فاقئاً عينيه، ثم يلتقي كريون الذي يتسلّم الملك مكانه، وقد عهد إليه أوديب بابنتيه إيسمين وأنطيغون، قبل أن يرتحل هائماً على وجهه.

تلكم هي كما نعرف الأحداث الأساسية التي انبنت عليها مسرحية سوفوكليس، كما نعرف أنّ ثمة أعمالاً مسرحية أخرى تتابع هذه الأحداث وصولاً إلى صراع أنطيغونا مع خالها، وما إلى ذلك من أحداث لا تهمنا كثيراً هنا، بل يهمنا الشقّ المتعلق بالحدث الجلل الذي يفتتح هذا الجزء من المسرحية، وأحدث فيه بازوليني ذلك التبديل الأساسي والحافل بالمعاني الذي أشرنا أعلاه إليه. وهو كما ألمحنا يتعلق بالوباء الذي استشرى في طيبة عقاباً من الآلهة لإيواء المدينة قاتل لايوس.

أيّ لغز هذا؟!
ففي المسرحية السوفوكلية الأصلية حين يُخبَر أوديب، إذ يصل إلى المدينة بأن خلو شوارعها من البشر الأحياء سببه تلك اللعنة التي إذ تسلّمها أبو الهول، الوحش الرابض عند مدخل المدينة، راح يطرح على كل من يمرّ به لغزاً إذا أتى بحل له ينجو، وإن عجز عن ذلك تكون الإصابة بالوباء مصيره.

وهكذا، إذ يصل أوديب إلى الوحش يتمكّن من حل اللغز والمتعلق بما هو الشيء الذي يسير أولاً على أربعة، ثم على اثنتين، ومن ثمّ على ثلاثة، يجيب إنه الكائن البشري الذي يدب في طفولته على أربعة، ثم يسير على اثنتين بشكل طبيعي، حتى إذا وصل إلى شيخوخته يتوكأ على عصا أي على ثلاثة. ما ينجيه من أذى أبي الهول.

أمّا بازوليني، الذي اعتبر حكاية اللغز سخيفة، فقد أُبدل المشهد بآخر رائع ينظر فيه أوديب ناحية الجهة، التي قيل له إنّ أبا الهول مقيمٌ فيها، ثم، وقد ارتسم العزم على وجهه، يركض مندفعاً بقفزة متواصلة حتى يصل إلى الوحش، فينقضّ عليه غير آبه بجبروته، ثم يخبطه بإصبعه بكل بساطة قاضياً عليه.

وطبعاً، قد لا نكون في حاجة هنا إلى الإمعان في تفسير فكرة بازوليني في القضاء على الخوف أكثر مما على الوحش! وبهذا أيضاً يكون السينمائي الإيطالي عصّرن المسرحية أيضاً، غارقاً في تفسيرات فرويدية قد لا يكون المجال متسعاً هنا للغوص فيها، وبالتالي يمكن الاكتفاء بهذه الإشارة بوصفها تحثّ على تفكير مختلف عمّا تحثّ عليه مسرحية سوفوكليس، وكلّ من تابعوها في تفسيراتها.

https://www.independentarabia.com/n