كان يقارب الـ 90 من عمره حين انهزم الهتلريون الألمان الذين راهن عليهم كثيراً

جنون كنوت هامسن لم يمنعه من أن يكتب عام 1949 واحداً من أجمل نصوصه غير الروائية “عبر الدروب التي ينمو فيها العشب” (اندبندنت عربية)

لم يكن النرويجي كنوت هامسن والفرنسي لوي فردينان سيلين ابني جيل واحد بل ابني جيلين متتاليين، ومع هذا جمعت بينهما أمور عديدة لا بدّ من أن نضع في مقدمها موهبتهما الهائلة في مجال الكتابة وتوقهما الدائم إلى البعيد، ولكن أهم من هذا انجذاب كل منهما، وكل على طريقته، نحو النازية الهتلرية ومن ثم المصير المتشابه الذي وحّد بينهما إذ لم ينقذهما من عقاب القضاء في بلديهما بتهمة النازية، سوى “اكتشاف” أنهما مجنونان، ولولا هذا الجنون لعرف كل منهما بئس المصير، أما بـ “فضله” فاكتفي بتغريم أولهما مبلغاً من المال بينما نُفي الثاني داخل الوطن وعُزل، بيد أن كلاً منهما واصل إبداعه حتى سنواتنه الأخيرة كما سنرى في حال كنوت هامسن الذي نتناول هنا بعض حياته وواحدة من رواياته.

الآتي من اللامكان

مهما يكن من أمر، فإن رواية هامسن “خفايا” التي نتناولها هنا كانت واحدة من أولى رواياته كتبها عقوداً حتى قبل ظهور هتلر والنازية وكانت هي ما رسّخ مكانته الكبرى في عالم الأدب إذ ظهرت في العام 1892 بين روايتيه الكبيرتين “الجوع” (1890) و”بان” (1894)، لكن هذه الروايات الثلاث لم تكن معاً سوى الانطلاقة الأولى لكاتب كان بالكاد تجاوز الـ 30 من عمره حينها، ناهيك بأن لا شيء في مواضيعها أو حبكاتها أو أجوائها العامة كان يشي بأن الكاتب سوف يُغرى بالسقوط في أحضان النازية يوماً، ولعل في إمكاننا قول الشيء نفسه عن سيلين ورواياته الكبرى.

المهم أن هذه الرواية، حتى وإن كانت بالنسبة إلى القراء والنقاد قد اعتبرت أقل شأناً من سابقتها ولاحقتها، تتخذ أهميتها الكبرى من كونها الأكثر قدرة على أن تكشف خفايا الروح لدى الكاتب نفسه، بمعنى أن كل أسرار كتاباته وفكره وعلاقته بالأدب إنما تكمن هنا، وبحسب الباحث أن يتغلغل في عمقها ثم يقرأ بقية أعمال الكاتب ليكتشف أنه تمكن من الوصول إلى عمق روحه.

“خفايا”

ومع هذا ليس موضوع “خفايا” معقداً، بل هو في منتهى البساطة، ففي قرية ساحلية نرويجية تعيش حياتها بسكون ورتابة، يحدث أن يصل ذات يوم رجل غريب وغامض سنكتشف لاحقاً أنه نصّاب ظريف، لكنه كذلك مدافعاً عن البيئة قبل أن يولد بقية المدافعين عنها، لكن الرجل ويدعى يوهان لن يعيش طويلاً في القرية بل سرعان ما سيختفي كما جاء ومن دون أن يعرف أحد حقاً ما الذي جاء يفعله هنا، كل ما في الأمر أنه يرتبط بمجنون القرية المدعو مينوتي ومن خلاله يحاول التسلل إلى العديد من أسرار تتعلق بأمور وأحداث لا يريد أحد التحدث عنها، ومينوتي غير المحبّ للثرثرة يكتفي بالإجابة السريعة وأحياناً المبهمة عن أسئلة يوهان: ومنها مثلاً، من قتل كارلسن الذي عُثر على جثته في الغابة؟ ومن هي الآنسة كليليند؟ من هي فردريكّه؟ ثم حين يكتشف يوهان أن مينوتي يحاول التملص من الإجابة يتجه إلى العانس مارتا عارضاً عليها الزواج مكللاً إياها بالذهب ومن ثم طارحاً عليها أسئلته من جديد.

ثم يعود الى مينوتي محاولاً أن يثأر له ممن خدعوه، وهكذا ينتهي ذلك كله باختفاء يوهان بشكل غامض تماماً كما كان ظهر بشكل غامض، فما الذي يبقى؟ تبقى كل الخفايا والأسئلة التي صحيح أن يوهان لم يعثر لها على حلول، لكن القرية كلها انتهى بها الأمر إلى أن تتحرك من سباتها طارحة إياها، ولكن لماذا؟ ترى أوليس إبقاء الخفايا خفايا أفضل ألف مرة للسلم الاجتماعي من كشفها؟ وفي هذا الإطار يعود السؤال للإلحاح: من هو يوهان ولماذا ظهر واختفى؟ لقد أيقظ المسكوت عنه، ومع هذا ما إن اختفى حتى عاد الغموض غموضاً مسكوتاً عنه ولكن ليس عن جهل هذه المرة بل عن تواطؤ بين الجميع.

خائن في الـ 90 من عمره

كان هامسن يقارب الـ 90 من عمره حين انهزم الهتلريون الألمان الذين راهن عليهم كثيراً، هو الذي كان قبل ذلك بأشهر قبل بأن يمثّل حكومة بلاده الموالية للنازيين، خلال مؤتمر الصحافيين العالمي في فيينا، من هنا حين سقط النازيون، وسقطت حكومة بلاده (النرويج) المناصرة لهم، كان من الطبيعي له ان يحاكَم بتهمة مناصرة النازيين، وبالخيانة العظمى بالتالي، غير أن المحكمة وكما لمحنا سابقاً، لم تحكم عليه بالسجن أو بالإعدام بل بدفع مبلغ من المال كغرامة، صحيح أن المبلغ كان يعادل ما جمعه هامسن من ثروة وأملاك طوال حياته، لكنه دفعه صاغراً راضياً هو الذي كان يعتقد أن مصيره سيكون أسوأ من ذلك بكثير، أما حجة المحكمة لتغريمه نقوداً بدل الإعدام، فكان خبله العقلي، إذ اعتبر كنوت هامسن في ذلك الحين مجنوناً.

غير أن جنونه لم يمنعه من أن يكتب في العام 1949 واحداً من أجمل نصوصه غير الروائية “عبر الدروب التي ينمو فيها العشب” النص الذي صالحه مع الوطن وأتى كتكفير عن ماضيه النازي، وجعل له شفاعة حتى رحيله في وطنه عام 1952.

حياة بائسة لمبدع كبير

كان كنوت هامسن إذاً، مثل زميله الفرنسي لوي فردينان سيلين والأميركي عزرا باوند، من الكتاب الكبار الذين اقتنعوا بالنازية وبالفاشية، لسبب أو لآخر، والطريف أن الجنون كان هو الذي واكب سنوات حياتهم الأخيرة، فهل في الأمر مصادفة، أم أنه قدر مرسوم ومنطقي؟

سؤال لا مجال للإجابة عنه هنا، فقط نحاول أن نرسم الخطوط الرئيسية لحياة ذلك الكاتب النرويجي الكبير الذي يمكن، بأي حال من الأحوال، اعتباره واحداً من كبار الكتاب الذين عرفهم العالم في القرن الـ 20، بل ولربما كان من شأن هامسن أن يشغل مكانة متقدمة في الصف الأول لولا حكاية افتتانه بالنازية، وكانت قيمة هامسن الأدبية قد اكتشفت قبل ذلك، بكثير، منذ روايته الكبيرة الأولى “الجوع” التي نشرها في العام 1890 وكان في الـ31 من عمره، وأحداثها الهذيانية تدور في مدينة كريستيانا (أوسلو لاحقاً)، وتتحدث عن شخص يمتصه الجوع ويدفعه الى الجنون والهذيان، ولقد رأى فيها الكثيرون ملامح من سيرة هامسن الذي عاش، بالفعل، كل ضروب الجوع والحرمان في بلده عند طفولته وصباه، ثم في الولايات المتحدة التي مارس فيها عشرات المهن من دون أن يفلح في واحدة منها، بل يروى أنه طرد من عمل كان يقوم به كجاب في القطار، لأن المفتش قبض عليه وهو يقرأ مسرحية لـ “يوريبدس”، بدلاً من أن يجبي النقود من الركاب.

“الجوع”

المهم، أن رواية “الجوع” حققت فور صدورها نجاحاً كبيراً، جعل هامسن يكتب بلا انقطاع بعد ذلك، ويعثر على من ينشر له من دون صعوبات، وظل ذلك دأبه حتى العام 1920 حين فاز بجائزة نوبل للآداب، وكان من أبرز الروايات التي نشرها قبل ذلك “خفايا” التي جعل بطولتها لآفاق عاشق للطبيعة، مناصر للبيئة، الشخصية التي نجدها كثيراً في أعمال كثيرة لهامسن بعد ذلك، ما يجعله، بحق، واحداً من أوائل الكتاب الرواد في مجال الدفاع عن البيئة، وخلال تسعينات القرن الـ 19 نشر هامسن نصوصاً عدة غير روائية منها واحد عن الحياة الثقافية في أميركا، كما نشر من الروايات “بان” و”الشريد يعزف صامتاً” و”تحت نجوم الخريف”.

وعندما أطل عليه القرن الـ 20، كان هامسن قد أضحى كاتباً معروفاً ومعترفاً به، وراح القراء والنقاد يُقبلون على أعماله من دون تردد، حتى وإن كان بعض النقاد الحديثين قد بدأوا يجدون فيها تقليدية، وأحياناً تقليداً للفرنسي أميل زولا، مهما يكن، فإن هامسن ما بعد نوبل، كان غير الكاتب الذي كانه قبلها، فلم يعد أدبه يحمل تلك السمات التي جعلته عند منعطف القرنين، الكاتب المرجع، وجعلت اسحاق باسفيتش سنجر يقول عنه، بعد ذلك بزمن طويل “مجمل نتاج المدرسة الروائية الحديثة في العالم خلال القرن الـ 20 يبدو لي وكأنه متحدر من كتابات كنوت هامسن».

https://www.independentarabia.com/node/