بريد السّماء الافتراضي

حوار مع الشاعر الياباني ماتسوو باشو

松尾芭蕉

1644-1694

كتابة وحوار :أسعد الجبوري 

 

كان هارباً من نفسه ومن الآخرين،هكذا تخيّلنا المشهد ، عندما رأيناه راكضاً بتلك السرعة الفائقة، وهو يقطع الغابة بمعية سربٍ من النحل ،كان يحلقُ فوق رأسه أشبه بغيمة داكنة الألوان .لم ننتظر طويلاً،إنما قررنا اللحاق بالشاعر الياباني ماتسوو باشو ،مهما اعتبر مطاردتنا له بالعمل غير الشرعي وغير اللائق بشخص شعري، لا يريد الإفصاح عن وجوده ،ولا ‘ن أفكاره في السماء   .

لحقنا به،وحاصرناه ونحن نبتسم. لم يذعن في البداية لرغبتنا في الحوار معه،إلا أنه سرعان قرر الإصغاء ،وهو يُبعدُ غيمةَ النحل بيديه من فوق رأسه. 

آنذاك قلنا له :

 

■ بعضهم وِلّدَ وفي فمهِ ملعقةٌ من الذهب،فيما أنت يا سيد باشو ،فوِلّدتَ وفي يدكِ سيف ساموراي.أي قدرٍ كان ذلك ؟

ـــ كان ذلك تقليداً عائلياً بالنسبة للمحاربين ،فتلقيت الدروس على يد مخدومي( يوشيتادا) ابن اللورد الإقطاعي المحلي تودو يوشيكيو مبكراً،ليمتزج دمي ببريق سيوف الساموراي في صومعة شيوخ المعقل.ومن ثم لأنتقل لصومعة (باشو –آن) أي لشجرة الموز في ((ايدو)) أي طوكيو التي كانت تسمى اليوم.والتي منحتني اسمي :باشو .

■ تعني أنكَ أخذتَ من شجرة الموز اسم باشو ومن حديد السيوف القوةَ ،لتمنحها إلى الشعر كما تفعل المرضعةُ بتوفير الحليب للطفل؟

ـــ بالضبط.فمثلما يخضع المحاربُ لتربية السيوف المؤرقة لأحلام المقاتل،مثلما تفرض عليك شجرة الموز ، أن تحيى متشابكاً على بعضك البعض الآخر،وكل أعضاء جسمك تتدلى ما بين  تلك المرحلةُ العزلةَ ،لتفتح أمام العقل بوابات التأمل وكتابة الأفكار بالحبر الشفهي أولاً بأول .

■ كيف تمكن المعلمُ باشو إلى إحداث ذلك الشرخ الكبير في الشعر الياباني،ليؤسس بعد (كيتامورا كيجين ) طريقاً  الهايكو بنفسه ؟

ـــ كان الشعر الياباني مجموعة غابات للهايكاي والتانكا والسيداوكا و كاتاوتا الخ.. لذلك شعرت بضرورة تنظيف تلك الغابات من الأوراق المتساقطة التي دفع بها الخريفُ إلى الموت،ومضايقتي .

■ تنظيف الغابات من أوراق الأسلاف ،والتأسيس لمرحلة الهايكو تقصد ؟

ـــ نعم.كان الشعر في بلادي بحاجة لعاصفة الهايكو،وقد تم لي التأسيس لشعر مكثف وخالٍ من التعقيدات،ويتمتع بقدر عالٍ من الجماليات التي تعيد تكوين الطبيعة بالرحم الشعري ذو المنشأ الصوفي الذي لا يعتد على التصنيع اللغوي .

■ هل تعتبر السذاجة والتأليف الفطري المرتبط بمجرى الأنهار ونقيق الضفادع وحكايات السحالي جزءاً لا يتجزأ من الهايكو ؟

ـــ الهايكو  في صورته الأعمق:حوضٌ لغويٌّ لسباحة كلّ من يقدر على مقاومة الغرق في الشعر.

■ وباشو ضد الغرق بالشعر كما نفهم ؟!

ـــ لا يمكنني الاعتقاد بأن غرق ضفدع في قصيدة هايكو،سيجعل النصّ خالداً .الطبيعة الجغرافية برأيي،أقوى من طبيعة اللغة .

■ هل لأن الطبيعتين متناقضتين ،ولا يمكن الجمع بينهما برأيك؟

ـــ الطبيعة اللغوية،كما أدرك،هي طبيعة ضآلة.فيما طبيعة الأرض ثابتة حتى أمام الأعاصير والزلازل .

وكلُّ عنصرٌ من عناصرها،أقوى من العناصر التي تتكون منها اللغات في عالم الأمس واليوم والغد أيضاً.

■ أليست هذه النظرةُ يائسة ؟

ـــ ومن قال أن الشعر ،كان من مجوهرات الأمل؟

 

■ ربما الفلاسفةُ يعتمدون صيغاً من ذلك القبيل،فيؤكدون على أن الشعر رئة الإنسان الثالثة ؟

ـــ أجل.ولكنها الرئةُ الفاشلة التي لا تعرف كيف تتعامل مع الأوكسجين .

 

■ هل لديك مثل تلك الرئة يا باشو ؟

ـــ أنا مثقلٌ بالرئات .كلما كتبتُ نصّاً ،تفتحتْ تحت جلدي نافذةٌ جديدةٌ للهواء. الشعراء التنافسيين،يتنفسون الهواء بالأمتار ،حتى يصبح الأوكسجين نوعاً من نباتات أجسادهم اللا متناهية .

■ والعواطف يا سيد باشو،هل هي أوكسجين أم هيدروجين  ؟

ـــ يوم خرجت من رحم أمي ،لم يكن الأوكسجين أو الهيدروجين مكتشفاً .ومع ذلك،فأعتقد بأن العواطف هيدروجينية خفيفة وحارقة ،وكذلك لأنها تشكل ثلاثة أرباع حجم الكون .

 

■ ولكنك،ودون دراية ، كتبتَ المزيد من نصوص الهايكو عن المخلوقات المرتبطة بذلك الغاز ؟

ـــ لست شاعراً هيدروغرافيا (مختصاً بالوصف والتّحليل العلميّ للظُّروف الفيزيائيّة والحدود وكمّيّة التّدفُّق والصِّفات المماثلة للبحار والمحيطات والأنهار) .فكلّ ما كتبتهُ عن تلك المخلوقات،ربما كان تعبيراً عن فراغ ما.

 

■ بمعنى أنك في زمنكَ،كنتَ فاقداً للحبّ يا سيد باشو ؟!!

ـــ كنت محتاجاً للشغف بالضبط.لذلك ،كلما وجدتُ نفسي وحيداً،سرعان ما أهرع لشجرة كرز،وألتصق بها،لتقتبسَ عيناي نقاطاً حمراء بدلاً عن الدموع القديمة ،فأشفي جسدي من التحجر بالحبّ.

■ وما مقام النساء البغايا من فراديسك الشعرية ؟

ـــ لم أرَ في الشعر سريراً ، لأنتمي إلى ما يُسمى باللذّة العظمى.

■ هل كنت تخاف من الحبّ يا باشو ؟

ـــ نعم.كمن يواجه نمراً في مصعد كهربائي.

■ ألا تعتقد بأن نسبة التخيّل منخفضة أو ضعيفة في الهايكو باعتباره موسمياً ؟

ـــ لم يحدث ذلك بسبب الخوف من تدمير اللغة،بل يحدث بسبب نوعية الصنارة التي بيد الشاعر في كل فصل من فصول السنة.

 

■ متى يصبح الشاعرُ ماءً ،يستطيع أن يصيد به نفسه،تخلصاً من كل الركام والآلام والجنون ؟

ـــ ليس بالضرورة أن يحدث ذلك أبداً .فالشعرُ الذي كتبته على مدار سنوات من حياتي،ما كان ليتمحور حول تلك الحشرات والحيوانات والنباتات،لو لم يكن هو الأفضل في وجودنا المضطرب على خطوط الزلازل وفي الحمامات الدموية لحروب الظاهر الساموراي والباطني الشعري على حدّ سواء .

 

■ لمَ أدرتَ الظهر للتقليد برباطة جأش،وأطلقتَ القدمين بحثاً عما بعد السلف ؟

ـــ فعلتُ ذلك وأنا في حالة من الارتباك الضخم.فعندما شعرتُ بأن رأسي بدأ يشهد تساقط مريعاً للأحجار،حاولت الهرب إلى خارجي،لأفتح في اللغة نافذةً لاختصار حياتي.

 

■ ممزوجةً بالطين والملح والماء والتغريد والريح والذبول والمطر وصمت الجبال المغطاة بالثلج كما نفهم ؟!!

ـــ أنا قتلتُ التكرار في الشعر الياباني ،موضوعاتٍ وأزمنةً ومحطاتٍ. رأيت أن التكرار غريزة سّامة يجب تلافيها من أجل النهوض بطبيعة غير مكبلة للنصّ الشعري في رحم اللغة .

 

■ هل ما فعلته يعد ثورة في الشعر الياباني؟

ـــ إن تمزيق ثياب السردّ عن الشعر،وطرد الثرثرة والحكي المستفيض عن الشعر الياباني،لا يمكن اعتباره ثورةً،بقدر ما كان رغبة للاندماج بنصوص يكون فيها المعنى أقوى من المبنى.هناك أحاسيس لغوية ملتهبة،ولكنها خالية من النيران.وذاك ما تم خلقه في لحظة كتابة الهايكو.

 

■ كأن الهايكو قطعة لحمٍ،ينتنُ بسرعة في جو التكنولوجيا الحارّ ؟

ـــ هذا مؤكدٌ. فالهايكو نسيج من روح الطبيعة بالدرجة الأولى.لذلك يرتدي الحزنَ الضبابي،لتكتمل صورتهُ في البعد الإنساني المشوش والمليء بالوحشة .

 

■ هل كنت مغرماً بالعزلة يا سيد باشو ؟

ـــ الشاعر والعزلةُ ،هما المكانُ المشتركُ لإقامة الشعر .

 

■ ومن برأيك الدليلُ للخروج من التوحش الشعري المفروض على الشاعر ؟

ـــ ليس إلا الموت .

 

■ الموتُ نصاً أم الموت إكلينيكياً ؟

ـــ لقد عشت في مختلف التجارب مع الموت داخل اللغة،حتى رأيتُ  تضاريس جسدي

في بعض الأحايين،مثل مرايا تنزُّ بالدم بشكل مرعب.ومع ذلك قضيت أعماراً وأنا أتعايش مع ظلال العدم.

■ ولماذا لم تقم بالانتحار على طريقة السيبوكو أو هارا كيري ؟

ـــ لم أفعل ذلك بسبب اضمحلال فكرة الساموراي عندي.لقد تغلبتْ عليها فكرةُ الاغتسال بالكلمات، عوضاً عن ارتداء اللباس الأبيض وتمزيق الأحشاء ببطء السيف ولمعان نصله،كما هي الطريقة المفضلة للانتحار لدى الرجال العسكريين في بلادي.

 

■ هل الحبُ ،هو ما ينقصُ الشاعر الياباني ليس غير  ؟!!

ـــ كثير من قلوبنا تشبه سمك السردين النائم في علب الصفيح،ولكن بفارق واحد،سمك الصفيح متبلٌ بالفلفل الحارّ والزيت،فيما قلوبنا سردينٌ متحجر خلف صدورنا الشبيهة بالسجون المتعفنة من شدّة اليأس المغلفة برائحة الخريف

 

■ هل دفع بكم ذلك اليأس ،للهجرة من الحب الآدمي، وإلى الطبيعة كتعويض عن الخسائر الجنسية وانكسارات الأرواح ؟

ـــ سأقول لك شيئاً مهماً ،يخصُ تعلقنا بالطبيعة.فمثلما كانت هي الأمُ التي أخرجتنا من رحمها على وقع الزلازل المتكررة،لتلقي بنا على اليابسة وحيدين منفردين،مثلما وجدنا أنفسنا متعلقين بالأرض، ومعلقين بزواج كاثوليكي مع خطوط التو سنامي.كل فكرة تخص فكّ الارتباط بالطبيعة،تعني انتحار مادي وروحي.

■ هل من أجل تلك الفكرة،نجد الرهبان والنسّاك مستغرقين بكتابة الشعر ؟

ـــ هكذا هم يصعدون السلالّم لكتابة ما في أعماقهم من تثلج وتوحش وتيه.

■ ألا تعتبر البوذية بمثابة موسيقى للهايكو ؟

ـــ لا تربة لاهوتية ،وتصلح لنشوء شعر دون أقفاص أو ثياب أو معتقلات وأبراج.

■ يقول أحد الكتّاب – عبد الجليل علي السعد- :  ((إن قصيدة الهايكو هي درة الشعر الياباني، وتعد من أكثر أشكاله شهرة وأهمية، وهي قصيدة تتكون من 17 مقطعاً موزعة على ثلاثة سطور، أقدم نماذجها المجموعة، المعروفة، ترجع إلى القرن الثامن الميلادي في بعض الآراء . لقد تطورت قصيدة الهايكو من ( رنجا )، فـ( هايكاي )، فـ( هوكو )، فـ( هايكو ) الذي بدأت مرحلته من العام 1650م تقريباً . ويرفض الشاعر ( شيكي ) الاعتراف بوجود الهايكو قبل مرحلة جنكو وكو ( 1668 – 1703 م ) مؤكداً وجود نماذج لهذا الفن قبل ذلك العصر إلا أنها تظل من وجهة نظره نماذج لا يُعْتَدُّ بها . ولهذا الرأي وجاهته إذ أن الهايكو لم يتحقق وجوده بوصفه شكلاً شعرياً لقصيدة مستقلة إلا في العام 1891م؛ أي بعد شيكي ولكن هذا لا يعني أنها ظهرت فجأة بل سبق ذلك تاريخ طويل لتكونها وتحولاتها . وهذه القصيدة كما يراها باشو تطمح إلى نقل حالة الصفاء المحيطة بالموضوع الطبيعي والابتهاج بمعرفة حقيقة الأشياء وبصائرها ( باشو: هايكاي رونشو، 71 ؛ وكينيث ياسودا: الهايكو اليابانية، 17 )) فماذا يقول باشو عما ورد من أفكار في هذا السياق؟ كأنكَ سرقت جهد الآخرين ،لتُكتب لك الشهرة وحدك؟!

ـــ لم أتحايل .ولم أسرق أحداً،فيوم قمت بذلك الاختراق،كانت قدماي في الثلج،بينما كانت رأسي أشبه ببرج تعشُّش فيه اللقالق.

■ تعني أنك كنت في حالة من الاضطراب يا سيد باشو ؟

ـــ بالضبط.كنت تحت تأثير صدمة ذلك الاضطراب المصحوب بالكآبة .

■ ولكن الشعر هو خط الاضطراب السريع الذي يمضي عليه الشعراءُ.أليس كذلك ؟

ـــ ليس المهم وجود ذلك الاضطراب،المهم تفاعله مع بنى جسم الشاعر وحواسّهِ. فأن ترسم جسماً مضطرباً بالطَّباشير،غير أن تُخضِع ذلك الجسم للتّشْريح؟

 

■ كيف تفسرُ علاقةَ الشاعر بالحشرات ومخلوقات الطبيعة المختلفة ؟

ـــ أنت لم تأتِ على ذكر الجماد،باعتباره مصدر قوة الكائنات الحيّة.فمثلما يوفر النهرُ الحياةَ للأسماك ومشتقاتها من المكونات البحرية،مثلما توفر الجبالُ للدببة والأيائل الحماية ،عندما تفتح في هياكلها الكهوف العميقة،للإيواء .

■ كأن لا أحد يريد البقاء وحيداً ومنعزلاً ،بما في ذلك الجماد؟

ـــ كل شئ يتحرك بالمجال الحيوي للآخر.وعندما يقع الشاعرُ بالعزلة،فذلك لأنها مجمعٌ أو حوضٌ شمولي تجتمعُ فيه كل العناصر القادرة على بناء النصوصّ الحارّة العالية .

■ ألا تشعر بأن إيقاعَ شاعر الهايكو،هو  إيقاع حيواني بالدرجة الأولى؟

ـــ كل فصل من فصول العام،هو حيوان بليغٌ برأيي.لذلك يحتاجُ كل من تلك الفصول إلى عناية خاصة به.حيوان الشتاء،هو غير حيوان الخريف هو غير حيوان الصيف هو غير حيوان الربيع.هذا الشتاءُ هزيل حزين في ركن الغرفة المظلمة،وذاك الربيع جنسي تحت سقف الغيوم.فيما الخريف يشبه هرّ منتوف الفروة ،ولا يقدر على المواء.بينما تجد الصيف ضحكة متقطعة الأوصال على رمال الشاطئ.

■ هل يرى باشو أن هدف الشعر يكمنُ في خدمة الطبيعة وحسب ؟

ـــ نعم.ولو عشتُ تحت الشمس،لتبدلتُ شعرياً من الثلج إلى الهجير.فالنار التي تضج هناك،هي من يمنح نصوصاً تتمتعُ بالصلابة،ولا تنتمي كلماتها إلى الخوف والبرد والتكلس العاطفي.

■ لو لم يكن باشو شاعراً،فما العمل الذي يليقُ به ؟

ـــ شجرة بلوط على الطريق،تعملُ بموجب عقد مشترك ما بين اللغة وبين الريح.فلقد ضجرت من شجرة الموز التي أخذت منها اسمي الفني المستعار:باشو – آن.

■ هل ما زلت ممسوكاً بفكرة صومعة الناسك شعرياً ؟

ـــ هنا تحررتُ من خرائط النُسّاك،بعدما وجدتُهم أشبه بالبالونات التي لم تصمد في الاختبار اليومي للحياة الروحانية التي طالما بشروا بها على الأرض دون طائل.

■ كأنك دون إيمان يا باشو ؟

ـــ أنا مؤمن باتحاد النفس والجسد ليس غير .

■ هل بسبب كونك رَحَّالةً جابَ الأصقاع  ؟

ـــ الأقدامُ أهم من أصابع الكفين في كتابة الشعر .فأن تمشي طويلاً،فذلك يعني أنك تطبعُ على الأرض نصوصاً صامتةً ،تقرأها نفسُّكَ بعمق عبر تيار مغناطيسي رابطٍ ما بين معادن التربة وشبكة أعصاب القدمين المشاءتين على الطرقات  .

■ أنت التحقت بخدمة السيد الشاب، تودو يوشيتادا،أحد أقرباء الإقطاعي حاكم المنطقة.هل أثر ذلك على حريتك كوصيف عند سيد  ؟

ـــ أجل.وسرعان ما تحررتُ من تلك الفكرة بواسطة الشعر،عندما جعلت (تودو يوشيتادا )تابعاً لي في كتابة الشعر ،عندما أراد ذلك.وقد نشرنا قصائدنا في كتاب مشترك .

■ لم يكن النشر مشتركاً وحسب،بل الحب المشترك مع زوج سيدك يوشيتادا من جهة،وزوج شقيقك الأكبر من جهة أخرى ،بالإضافة إلى علاقتك الغرامية بواحدة من خادمات يوشيتادا .ما مدى صحة أخبار قلبك يا باشو؟

ـــ كان قلبي مشوشاً .والذي فعلتهُ،لم يكن مُخِلاً بالنظام الخاص للعاشقين.

■ متى تعتبر ذلك شيئاً منطقياً ؟

ـــ ما أن يصل القلبُ إلى مرحلة الهذيان،فلا بَدّ من إسكاته .

■ وكيف يتم ذلك برأي باشو؟

ـــ ليس غير أن نرمي القلبَ المشوشَ بمستشفى المحبوب.

■ أليس الانتحارُ طريقةً أفضل ؟

ـــ تواردتْ إلى ذهني فكرةُ الانتحار كثيراً،ولكنني فضلت أن أمنح جسدي قرباناً للشعر،على أن يأخذني السيفُ بأسبابه الأخرى.

■ وأين تضع عشيقتك جوني من كل تلك الأحداث العاطفية التي شقت لك حياتك بالنصف؟

ـــ تلك المرأة دخلت بوابة العالم الآخر ،وأصبحت راهبة ؟

■ هل دفعتها أنت إلى ذلك بعدما أنجبتْ لكَ أولاداً ؟

ـــ أجل.فأن تكون ربّ عائلة،فذلك يعني أن ترث كلّ أدوات الاستقرار،وتصبح كوخاً للأسرة فقط.

■كتب ماكوكو أودا عنك قائلاً: ((حاول باشو بدافع حب استطلاع الشباب أن يجرب كل أنماط الأشياء الحديثة السائدة بين الشباب اللاهي في تلك الأيام. كتب في وقت لاحق “حدث في وقت أني كنت معجباً بأساليب حب الجنس المثيل “. “غير أن الحقيقة التي لا جدال فيها أن باشو لم يفقد الاهتمام يوماً بكتابة الشعر. )) ماذا وراء تلك الفكرة ؟

ـــ ستغرق السحبُ الصديقين،

بعد الهجرة
رحيل الإوزة البرية

■ فهمتُ.إذا كان هذا هو الجواب يا سيد باشو. ولكنك كتبت في وقت لاحق: “تعبت حيناً من كتابة الشعر وأردت تركه، وفي أحيان أخرى عزمت على أن أكون شاعراً حتى يمكنني إرساء اسم يفتخر به يفوق الآخرين. تصارعت الخيارات في ذهني وجعلت حياتي مليئة بالقلق. )) ماذا كنت تريد من وراء ذلك .وظيفةً وبيتاً للاستقرار على سبيل المثال ؟

ـــ أجل.ففي من سنة 1680 ((اشترك اثنان من أتباعي البارزين في مسابقتين: “الهايكو الريفي ومسابقة الهايكو دائمة الخضرة”. وكنتُ الحكم في المسابقتين. في ذلك الشتاء شيد تلاميذي بيتاً صغيراً في منطقة ريفية هادئة من(( إدو )) وقدموه لي. وبعد بضعة أشهر زرعت شجرة موز في ساحة البيت مضفية على البيت الاسم الشهير الذي عرفت به. وهكذا أصبحتُ مالك بيت للمرة الأولى في حياتي.)) .

■ ولكنك طالما هجرت البيت للانضمام إلى رحلاتك العديدة المديدة ما بين مدن البلاد.ما المدى الذي تلعبه الأسفار في حياة الشاعر  ؟

ـــ الدور الذي منحته لنفسي كرحالة،كان بهدف تقوية العمود الفقري للهايكو ،خاصة بعد أن أصبح له أتباع كثر.وكل شاعر حقيقي وعظيم،لا يأتي إلا من خلال التّرحْال والرحيل.

■ كأن الاستقرار يضرّ بالشعر ؟

ـــ يقتلهُ.ويجعل منه فندقاً موحشاً للغربان.

■ كتبت مرةً عن ضجرك قائلاً  “أشعر بالوحدة حين أحدق بالقمر، أشعر بالوحدة حين أفكر في نفسي، وأشعر بالوحدة حين أتأمل في حياتي التعيسة هذه. أريد أن أصرخ بأني وحيد، غير أن أحداً لا يسألني كيف أشعر”. هل كان ذلك بدافع الكآبة؟

ـــ لم تكن كآبتي إلا تعبيراً عن حالة من الـ ((زِنْ)) التي كنت أحاكي بها نفسي طوال الليل،مستغرقاً بالتفكير وبالتأمل.

■ وكنت تطمح للعودة إلى أصولك الأولى في البوذية ؟

ـــ لم اشعر يوماً بأنني كنت من طائفة ((الماهايانا)) شعرياً.ولكن تأثراتها على حياتي النفسية ،كانت تبعث على القلق.

■ هل كنت تطمح إلى الوصول إلى حالة الاستنارة مثل معلمك الأعظم بوذا ؟

ـــ لا.كنتُ طموحاً بتعاليم الراهب ((هان تشان)) فبعد أن (( تأسست وتطورت فرقة “تشان” في الصين في القرن الـ7 للميلاد، يفسرها البعض على أنها ردة فعل داخلية في أوساط المجتمع الصيني ضد البوذية التقليدية، أثرت تعاليم المدرستين الطاوية والكونفشيوسية بشكل بالغ على أتباع هذه الفرقة. اقتبسَ المذهب الجديد المبادئ والتعاليم التي أقرتها المدارس الأخرى التي سبقته، تُركز هذه التعاليم على أهمية النفس، انبثقت من هذه العناصر المختلفة الفكرة الرئيسية لمذهب “تشان“: إن توصل الإنسان إلى حالة الاستنارة، يعني أنه استطاع أن يُدرك ويتحسس طبيعة بوذا الكامنة في نفسه، بغض النظر عن المكان والزمان الذين يتواجد فيهما. كان أفراد الطائفة الأولى لمذهب تشان من رجال العلم الذين رفضوا التقيد بالنصوص المكتوبة، كانوا يريدون أن يخوضوا تجربة شخصية، على غرار ما فعل الراهب “هان تشان“، حين ذهب يسير في الجبال وقد أخذ يعلق أبيات من الشعر على أغصان الأشجار. )) .

■ هل كان الراهب  “هان تشان”  من أوائل السرياليين ؟

ـــ عليك بطرح السؤال على أندريه بريتون ،فهو الأعرف بأنه ما كان إلا تابعاً لسريالية الكونفشيوسية الني حسبت الوجود بمقياس التخيّل ليس إلا .

■ ألا تعتبر ممارسة الزنْ مع الكاهن بوتشو،بمثابة علاج نفسي لما في الباطن من أمراض وخرائب وأشباح ؟

ـــ المعابدُ مستشفياتٌ .

■ قال أحدهم  عن كتاب يومياتك: ((يعتبر كتاب ” الدرب الضيق إلى أعماق الشمال” واحداً من أرفع الانجازات في تاريخ اليوميات الشعرية في اليابان. لا ريب أن انجازه الأدبي كان نتيجة نضوجه العميق كرجل، إذ أدرك نمطاً من الحياة يحل بعض أعمق المعضلات وبلوغ الصفاء الذهني. قام الكتاب على فكرة سابي، القائلة إن المرء يحصل على الصفاء الروحي الكامل بانغماسه في إنكار الذات وحياة الطبيعة غير المتأثرة بالمشاعر الشخصية. الاستغراق التام لذات المرء الصغيرة في الكون الشاسع القوي والعظيم)) ما مدى انسجامك مع هكذا أفكار ؟

ـــ في رحلة، عليل
أحلامي تهيم
فوق مستنقع مهلك.

■ هل حقق باشو أحلامه بالوصول إلى السماء ، شاباً ساموراي تملؤهُ الغبطةُ ؟

ـــ ليس ثمة فرع للساموراي في الفردوس .لقد قضى الربُ على وجودنا كمقاتلين .المرء هنا،يُصاب بالحنين إلى السيوف والخناجر والدروع والهراوات وملابس الساموراي وتجهيزاته.

■ أليس مبهجاً أن تنسى الإرث الدموي الذي تلقنتَ على يديهِ الدروس القاتلة يوم كنت على الأرض يا باشو؟

ـــ لا تصدق الياباني إذا أماطَ عن نفسه اللِّثام.فهو لن يكشف لك عن كلّ مدخرات بواطنه المليئة بالأشعار التي تسكنها جذوةُ النار الانفجارية للأب بوذا .

■ كيف لمْ تفكَ ارتباطكَ بالمرجعيات القديمة،وتتحرر هنا بالسفر في القطار السريع نحو منابع النور في الضفة الأخرى من السماء الرابعة؟

ـــ لأنني في الطور البدائي لتكوين الحواسّ السماوية الجديدة،ولا أريد أن أكون طفرةً وراثية في التاريخ الكونفشيوسي،فأحمل آلام شعوبي القديمة.

■ ولكن السموات مناطق للتطهر من كل شوائب الديانات والتقاليد والفلسفات ومدارس الآداب والفنون التي سبق وأن مرّ بها الكائنُ يوم كان إنساناً هناك؟

ـــ وأنا أرفض تفريغي من محتوياتي القديمة.لا أريد محو ما كنتُ ممتلئاً به،خوفاً من غضب الأب العظيم بوذا.وفي النهاية ،لا يكسبُ الشاعرُ إلا شغافَ روحهِ .