شعراء من لبنان

(( صيّادون في بخار الروشة ))

أنطولوجيا الشعر العربي المعاصر

1905 – 1986

شاعر وصحفي

من مواليد لبنان /في قرية سحمر – البقاع الغربي .

من شعراء المهجر

تأليف وتوثيق وإعداد :أسعد الجبوري

 

ولد عبد اللطيف محمد علي  الخشن في قرية سحمر البقاع _لبنان.

تعلم في دمشق برعاية المجتهد الأكبر السيد محسن الأمين وهاجر إلى بوينس أيرس عام 1924 وفيها انصرف إلى مزاولة الصحافة العربية مجارياً طبعه، ومعاكسا مجرى التيار المادي في المهجر الأعجمي. ترأس تحرير جريدة (الفطرة ) عام 1928 وفي عام 1934 تركها وأسس جريدته الخاصة (العلم العربي) ووضع فيها كل جهده، وكل فنه، فعاشت وراجت وأحدث دويّاً ترامى من المهاجر إلى الأوطان.

 

لأدبه طابع خاص مستمد من اسمه (اللطيف الخشن) اجتمعت فيه خصائص الصحافي الحق ، رشاقة الأسلوب، وخفة الروح ، ودقة الملاحظة، وسرعة الخاطر، وبراعة الغمز، وسهولة الكر والفر، وبروز الشخصية الأدبية.

 

مدخل:

  • توفي والده عندما طفلاً صغيراً ، فذهبت به والدته إلى دمشق بسبب ضيق ذات اليد وبحثاً عن الرزق، وكان برفقته شقيق آخر اسمه عبد الجليل وتوفي الأخير عن عمر صغير، كما وتبنت أمه طفلاً آخر معهما ما لبث أن توفي هو الآخر .

 

  • أقاموا في حي القساطلية في دمشق، وعملت والدته مربية في منزل السيد محسن الأمين، ومن هنا تأتي علاقته بأبناء السيد فيما بعد واستقباله لابن السيد هاشم الأمين في الأرجنتين.

 

  • تلقى دراسته الابتدائية في المدرسة المحسنية في دمشق ، وكان من بين معلميه السيد / شريف مرتضى، وبرز نبوغه ومواهبه وحذقه منذ كان طالباً صغيراً في المدرسة ( عندما وضع كم الورد في جيب صديقه سعيد شعبان حتى لا ينال العقاب بسبب قطفه الممنوع للورد في المدرسة) .

 

  • واصل تعليمه لغاية كلية الحقوق ، وكان إلى جانب ضلوعه باللغة العربية وصرفها ونحوها يجيد التركية ويلم بالفرنسية إلى جانب الإسبانية التي أتقنها من خلال إقامته لأكثر من ستين عاماً في الأرجنتين.

 

  • تزوج من رضية وهبة ابنة الزعيم الروحي لقريته السيد / محمد وهبه، وأنجب منها ابنه كمال، ولكنه ونتيجة ضيق ذات اليد من جهة وشعوره من جهة أخرى بالغربة في الوطن نفسه من جراء الجهل المستفحل آنذاك قرر الهجرة إلى أمريكا وبالذات إلى الأرجنتين.

 

  • كان يأمل أن تلحق به زوجته غير أن الفارق الشاسع في العادات والتقاليد والدين جعل كل منهما يتمنّع عن اللحاق بالآخر فكانت الغربة بمثابة عملية طلاق فعلية.

 

  • وقصة الهجرة بحد ذاتها كانت ملتبسة كغيرها من قصص الهجرة الكثيرة حيث كان لعبد اللطيف شقيقان من والده يقيمان في الأرجنتين أحدهما الأكبر سناً واسمه قاسم وكان عمره آنذاك نحو ستين عاماً وكان من طلائع المهاجرين إلى الأرجنتين، وكان يعمل تاجراً وقد استدعى قاسم شقيقه عبد الكريم ليعينه في عمله، وكان الأخير خاطباً لفتاة من القرية، وبعد ردح من الزمن ورغبة من عبد الكريم في الزواج واللحاق بأسرته في الوطن، طلب من عبد اللطيف الخشن المجئ إلى الأرجنتين ليحل محلّه .

 

  • هاجر عبد اللطيف عام 1924 تاركاً وراءه زوجته وطفله كمال وعمره نحو سنة ونصف، وفوجئ لدي نزوله في الأرجنتين بأن شقيقه الأكبر قاسم لا يقاسمه في شئ من عاداته ولا تمسكه بالدين، بل ولم يكن ليعير أية أهمية للعلم والأدب مما أدى إلى اصطدامه الدائم معه لينتهي الأمر بالفراق بينهما.

 

  • بعد فترة قليلة من إقامته في الأرجنتين ونتيجة قناعته بصعوبة العودة إلى الوطن وصعوبة مجئ زوجته إلى الأرجنتين اقترن عبد اللطيف في الأرجنتين بفتاة منحدرة من أصل عربي لبناني جنوبي هي أديلينا ناصر الدين، وانقطعت كلّياً بعد ذلك صلاته بزوجته وابنه في الوطن.

 

  • أنجبت أدلينا ناصر الدين ثمانية أبناء، أربعة ذكور وأربع إناث، وأكبرهم طارق، وعلى الرغم من محبته وتفانيه لأسرته الجديدة فإن الفارق الثقافي معها كان يزداد اتساعاً مع مضي الوقت، وكان الارتباط الرئيسي لعبد اللطيف يعود تدريجياً إلى ابنه كمال الموجود في الوطن والذي لم يعرف الأرجنتين إطلاقاً، كما كان يعود إلى أحفاده الذين تابعوا مسيرته في الأدب والصحافة. وهي ظاهرة تحتاج إلى دراسة منفردة تتداخل فيها العوامل النفسية والتربوية والدينية والثقافية التي توضح بأن الإنسان أعجز من أن يتحكم بانتمائه الثقافي والروحي مهما بلغت ارتباطاته في الغربة.

 

  • برزت البراعة الأدبية لعبد اللطيف من خلال مشاركته في نشاطات الجمعيات العربية في الأرجنتين، وقد عمل بادئ الأمر محرراً في جريدة الفطرة الإسلامية، وهي من أرقى الصحف العربية الإسلامية التي كانت تصدر في الأرجنتين في حقبة العشرينات، وكان محرر الجريدة آنذاك الأديب المصري المعروف سيف الدين رحّال.

 

  • وفي عام 1928 تسلّم عبد اللطيف الخشن رئاسة تحرير جريدة الفطرة التي كانت تصدر أيضاً باللغة الإسبانية، وواصل رئاستها لمدة خمس سنوات .

 

  • في عام 1934 أصدر عبد اللطيف الخشن جريدته النصف شهرية الخاصة به وسمّاها ” العلم العربي” وكانت أول مقالة افتتاحية لها بعنوان ” جريدة جديدة أم مصيبة جديدة ؟!!” . وكذلك رفعت الجريدة صوت العروبة والإسلام من خلال إيرادها للحديث النبوي الشريف القائل : ” أحب العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، ولغة أهل الجنة عربية”. وقد كان إصدار الجريدة بمثابة مغامرة نتيجة عدم توفّر الموارد المالية اللازمة، ونتيجة معاناة عبد اللطيف الخشن من مرض “التراخوما” الذي أضعف نظره إلى درجة كبيرة، وكادت التجربة الصحفية تلاقي الإحباط لأن معظم الأعداد الأولى عادت “مرتجعة”، ولكن قوة الإرادة التي اتسم بها عبد اللطيف الخشن طوال حياته جعلته يواصل الطريق ومنذ ذلك التاريخ عايشت الجالية

 

  • أصبحت جريدة العلم العربي رمزاً لاستقامة واستقلالية الرأي، وللانتقاد اللاذع لكل المواربات والمحاباة. وخصوصاً في الزاوية التي أطلق عليها عبد اللطيف الخشن عنوان “دعبلياتي” أو زاوية “بالقلم الخشن” .

 

  • كانت جريدة العلم العربي منصة للدفاع عن قضايا التحرر في كافة أقطار العالم العربي وهي الأقطار التي لم تكن معالمها قد اتضحت بصورة جليّة آنذاك، فإلى جانب نزعة العروبة كانت هناك نزعات أخرى كالشرقية والفينيقية والفرعونية وغيرها.

 

  • لعبت جريدة “العلم العربي” دوراً بارزاً في مجال الدفاع عن القضية الفلسطينية ومحاربة الصهيونية حيث أن تأسيسها تزامن تقريباً مع بوادر قيام الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية.

 

  • لم يقتصر جهاد عبد اللطيف الخشن على فلسطين بل رافق الثورات التحررية في كل الأصقاع العربية بدء من تونس والمغرب والجزائر وليبياً وصولاً إلى مصر وسوريا والعراق، وقد كان لعبد اللطيف الخشن إلى جانب مقالاته اتصالات بقادة الثورات العربية من أمثال سلطان باشا الأطرش، وأحمد مريود، وصالح العلي، وحسني الزعيم، ومفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني، والبطل المغربي عبد الكريم الخطابي، والزعيم التونسي الحبيب بورقيبة أثناء فترة الثورة، والزعيم السوري عدنان المالكي، والمطران المعوشي، والكثيرين غيرهم.

 

  • ولا شك أن الحرب العالمية الثانية كانت نقطة انعطاف في تاريخ جريدة العالم العربي حيث حازت الجريدة على امتياز نشر مقالات الأمير شكيب أرسلان التي شكلت قاعدة الارتكاز للموقف العربي أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد جمعها عبد اللطيف الخشن وأصدرها في كتاب باللغتين العربية والإسبانية بعنوان “عروة الاتحاد بين أهل الجهاد” واعتبره من “أهم ما قام به في حقل السياسة في تلك الأيام”. وكانت جريدة العلم العربي أثناء الحرب مؤيدة لدول المحور شأنها شأن معظم المواطنين العرب ، الأمر الذي أدى إلى إدراجها في “القائمة السوداء” من قبل “الحلفاء” وأدى بالتالي إلى حرمانها من أية إعلانات رسمية.

 

  • وعن مراحل النضال الصحفي في تلك الفترة يقول عبد اللطيف الخشن: “كنت آنذاك شاباً منطلقاً بعيداً عن مضايقة الاستعمار والاستبداد بمختلف أشكاله التي كانت موجودة في الوطن العربي، وكنت أملك كامل الحرية للكتابة في الأرجنتين وقد كنا في الجريدة نعرّي الاستعمار في الوطن العربي، ونبرز نواياه وأهدافه، وكنا نرفض الإغراءات الكثيرة لشراء الضمير من قبل سفارات الاستعمار رغم أن بعض الصحف العربية كانت تخضع لسفارة بريطانيا والأخرى للسفارة الفرنسية في بوينس أيرس ومنها جريدة (الزمان) التي دأبت على شتم الاسلام والمسلمين مع جريدة أخرى اسمها (المرسل) بينما كانت هناك جريدة اسمها (السلام) يحررها أخواننا من الشباب المسيحي الوطني المخلص، وكنا – نحن وهم – في صراع مع أولئك الذين تخصّصوا في تبنى وجهة النظر الاستعمارية، وكنا نحارب هذه “الدسائس”.

 

  • كان من الطبيعي أن يكون عبد اللطيف الخشن من كبار المؤيدين لثورة 23 تموز المصرية وبالذات للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي أرسى عملياً دعائم العروبة في العالم العربي، والذي أقدم هو والرئيس السوري شكري القوتلي على أول محاولة وحدوية جادة في العالم العربي، ولذلك فإن جريدة العلم العربي تحفل بالإشادة بخطوات الرئيس جمال عبد الناصر، وبكل الخطوات العروبية اللاحقة.

 

  • عاد عبد اللطيف الخشن إلى العالم العربي في أول رحلة له عام 1958 بدعوة من الحكومات المصرية والسورية والسعودية والعراقية والأردنية واللبنانية ، وحصل أثناء تلك الرحلة على وسام الشرف من قبل الحكومتين السورية واللبنانية.

 

  • حافظ عبد اللطيف الخشن على خطه العربي الإسلامي، وواجه في سبيله الكثير من المصاعب سواء من الاستعمار أم من غير المتوافقين معه في فكرة الانتماء العروبي، واضطر لأكثر من مرة لكتابة الجريدة بخط يده بسبب الافتقار إلى مطبعة عربية في الأرجنتين.

 

  • نتيجة رواج واستقامة جريدة العلم العربي وبراعة عبد اللطيف الأدبية والصحفية والشعرية فإنه ارتبط بالكثير من رجال الفكر والعروبة أمثال أكرم زعيتر، وأحمد صافي النجفي، وعاتكة الخزرجي، وصاحب جريدة العرفان الشيخ علي الزين، والشاعر القروي رشيد سليم الخوري، والشاعر جورج صيدح، والأخوين معلوف، والشاعران زكي والياس قنصل، والشاعر نظير زيتون، ووديع فلسطين والكثيريني غيرهم.

 

  • تلقى عبد اللطيف الخشن دعوات رسمية لزيارة البلدان العربية مثل مثل مصر، وسوريا، ولبنان، والعراق، والأردن، والمملكة العربية السعودية، وقطر ، والإمارات العربية المتحدة. وعلى إثر تلك الزيارات بدأ بإعداد كتاب بعنوان ” “رصيد أربعين عاماً في دنيا الغربة وأربعة عشر شهراً في دنيا العرب” ضمنه مقابلاته مع قادة الأمة العربية وزعمائها، بالإضافة إلى ملاحظاته حول أوضاع العالم العربي ، ولكن المنية وافته قبل إنجاز ذلك الكتاب.

 

  • أصدر عبد اللطيف الخشن أيضاً كتاباً باللغة الإسبانية بعنوان “الإسلام دين التوحيد” وجرى توزيع نسخه على الشخصياتالعربية والأجنبية، وقد نفدت طبعة ذلك الكتاب.

 

  • كان عبد اللطيف الخشن ينظم بعض الرباعيات الشعرية في كل واحد من أعداد العلم العربي وهي رباعيات انتقادية سياسية واجتماعية ، جمعها في ديوان أطلق عليه اسم ” أصفار على اليسار” وقال في مقدمته: ” أستغفر أمراء الشعر أن أفرض نفسي شاعراً في هذه “الأصفار” وأضاف ” نعم ما حاولت مرة أن أفرض نفسي شاعراً فرضاً كما يفعل الكثيرون من غواة الشعر فتبعث بهم طفرة الغرور إلى القفز دفعة واحدة من السباحة في الساقية إلى الغوص في كل بحر يهدر بالأمواج: وقال : “نحن ننظم لا لنعيش مما نذيبه إذابة الرصال للدفاع عن الوطن الذبيح والعروبة، ولا لنتّجِر إنما نبعث في كل بيت من هذه القوافي أنّة طبعتها كارثة من كوارث الوطن، وآهة قذفتها حمى الغيرة عليه والمحبة له والتضحية في سبيله حتى النفس الأخير” وأضاف : ” هذه كلمتي كمقدمة لهذه الرباعيات راجياً أن أكون خدمت “بهذه الأصفار” وطناً لم يعش من الشعر والشعراء، وإن كان ، ولايزال الشاعر المخلص لوطنه المترجم الأول لمأساة الوطن وأحداثه ومشاكله، والرسام الماهر لصور ذات ألوان شتى انطبعت في خاطره وجاشت في صدره”.

 

  • نقلت مجلات أدبية كثيرة مثل “الأديب” اللبنانية أشعاراً من ديوان عبد اللطيف الخشن كما وكتبت صحف كثيرة في كل من ليبيا ومصر ولبنان والإمارات العربية المتحدة والسعودية عن تاريخ نضاله الصحفي. ولعل أجمل ما كتب عنه كان ماورد في كتاب “أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأمريكية” الذي ألفه الشاعر جورج صيدح وجاء فيه ما يلي :

 

عبدأحد سنان جردته الصحافة العربية في وجه الاستعمار والصهيونية والخيانات الوطنية، هو قلم عبد اللطيف الخشن، هذا القلم الظريف النظيف الذي يصول ويجول على صفحات جريدة العلم العربي في بوينس أيرس، قلم سفّاك، فتّاك متى غضب، جذاب مطراب متى رضي،تحوطه لعنات المارقين، وصلوات المخلصين.

مع الرئيس السوري شكري القوتلي

 

مع ملك العراق فيصل الثاني

 

 

ببلوغرافيا:

 

في الشعر

“أصفار على اليسار”

وفي الدراسات

-عروة الاتحاد بين أهل الجهاد

 

 

ما كتب عنه:

إمعاناً بالتواضع ينظم الشعر تفكها، لا يدّعي منزلة بين الشعراء وفي ذلك يقول:

 

يطالبني بنظم الشعر صحبي                         كأني البحتري أو ابن هاني

إذا خطرت لنفسي خاطرات                           تلجلج في إباحتها لساني

وكم شعر إذا أملاه قلبي                     توقف عن كتابته بناني

حبست على ثمانية صغار                             شعوري والقريحة والمعاني

 

والحق أن في شعره عفوية تدل على أصالة ولكنها لا تلمع إلا في جو الفكاهة، والسخرية، كأن مسؤولية الثمانية صغار جعلته يستخف بالمشكلات. وبالأخص مشكلة الشعر والشعراء ، اسمعه يناجي المقص ويعدد فضائله:

 

بحدك قد تأستذ كل لص            ونال العلم من ذنب المقص

فكم أعطيت ألقاباً لغرٍّ                         له في كل عرس ألف قرص

فهذا شاعر من غير شعر           وذلك كاتب من غير نص

أيا شيخ الصحافة عش مديداً                فأنت منزه عن كل نقص.

 

ويؤلمه استهتار المواطنين بالصحافة فيقول:

 

ماللجرائد أمست بيننا هدفا                 للنقد حيناً وللتجديف أحيانا

هذا يراها بلا نفع، مبلبلة           وذلك يحسبها زوراً وبهتانا

وغيره يحسب الآداب شعوذة               وقادة الرأي والأفكار (زعرانا)

ويلي على أمة ضاع الأديب بها   وحقّه صار (معروفاً وإحسانا)

 

وكتب إلى زميله يوسف الصارمي في موسم المآدب في بوينس أيرس:

 

رصيفي يا أخا العقل الحصيف      وجيب قُدَّ من جيبي النظيف

ليسبح غيرنا بالمال سبحاً                   كفانا منه تحصيل الرغيف

فتات الزاد يغني عن دجاج                   وصحن الرز يغني عن خروف

تسيل على محابرنا دمانا          بصف الحرف لا صف الألوف

على حسك اليراعة قد مشينا              كما تمشي الكماة على السيوف.

 

ونشر في “علمه” قصيدة وداع وعتاب قال في مقدمتها:

 

” إن صيدح ترك الأرجنتين دون أن يودع زملاءه بقافية ( أو بلا قافية..) مع أنهم عندما يغادرون البلد يودعونه ويقبلونه.. وهذا مطلع القصيدة:

 

يامن تعشّق دنيا غير دنيانا                  ليقطف الورد من أغراس لبنانا

نقلت شيطانك الخنّاس من بلد   لما يجد بعده للشعر شيطانا

 

فأجبته بهذه الأبيات:

 

أتحسب البعد عن ناديك أسلانا   يا أعرف الناس لم تعرف طوايانا

نحن الألى حملوا أحبابهم فكراً   يكاد يغشى علينا حين تغشانا

في كل كأس رشقناها ننادمهم  ولا بدلهم بالغيد ندمانا

يقطّر الليل نجوى من سرائرنا     ويشرب الفجر معنى من تحايانا

ما طالعتنا وجوه الحسن في بلد إلا حسبنا وجوه الحسن خلاّنا

وإن نزلن على لبنان ذكّرنا                   أنا تركنا وراء البحر لبنانا

وكم عطفنا على الأطيار نسألها  أن لا تهيج بنا شوقاً وتحنانا

حتى أتانا رسول الشعر من (علم)         يعيد تذكار ما كنا وما كانا

يفضي بشكواه لا فظّاً ولا (خشنا)         كأن (عبد اللطيف) استل شكوانا

يلومنا كيف نمضي لا نودعه                 وقد نودع أجلافاً وزعرانا

تراه يضمن أن نقوى على سفر   بعد العناق ولا تصطك رجلانا؟

 

في عام 1958 قام عبد اللطيف بسياحة في الأقطار العربية مدعوا من حكوماتها وحل ضيفاً عزيزاً على جميع الحكومات العربية الأخرى، واتصل بالمسؤولين في كل عاصمة وسجّل أحاديث صحافية هامة مع ولاة الأمر وقادة الفكر في دنيا العرب.

 

يبنىى على تلك المعلومات دراسات قيمة بدأ بنشرها في جريدته بعد عودته إلى بوينس أيرس عازماً على طبعها بعد ذلك في كتاب، ولكن صعوبات الطباعة باللغة العربية في تلك البلاد عرقلت مشروعه وأثرت على جريدته “العلم العربي”.

 

فلاش

كتب أسعد الجبوري:يعتبر تاريخ هذا الرجل الشاعر الصحفي مليئة بالمآسي والتجارب الضخمة الكبرى.فقد كانت سطوة لسانه في المهجر أشبه بجمرة على ورق الصحافة وجلد الغربة .حاولوا النيل منه،فكان سيفاً نظيفاً منذ أن ولد وحتى غيابه في غمد الأرض.

 

رئيس الوزراء صبري العسلي يعلق وسام الاستحقاق السوري على صدر الشاعر

 

نماذج:

 

سِفْر في صِفْر

 

 

 

إليكَ سفراً فلا تحسبــه أصفــــاراً

في كلِّ حرف ترى رمزاً وأسرارا

وكلُّ قافــــــــيةٍ سطّــــرتُها بدمـــــي

تُريك ناراً على نــور وأنـــــــــوارا

شعورُ حرٍّ أديبٍ عاش في وطن

لم يدَّخر فيه حتى اليوم دينارا

كم واحـــة غرستها كفُّ مغتربٍ

لم يجنِ منها سوى الآلام أثمارا…

 

ما للجرائـــد أمســـت بيننا هدفاً             للنقــد حينـاً وللتجديــف أحيانا

هـــذا يراهــا بلا نفـــع مبلّلـــــة              وذاك يحسبها زوراً وبهتانـــــا

وغيره يحسب الآداب شعـــوذة              وقادة الرأي والأفكار (زعرانا)

ويلي على أمّة ضاع الأديب بها        وحقُّه صــار معروفـاً وإحسانـا

 

*  *      *

 

كان الناظم ينصح إخوانه في الجمعيات والنوادي الأرجنتينية أن يشاركوا إخوانهم المنكوبين بشعورهم، ممتنعين عن حفلات الرقص والفرح في ذكرى نكبة فلسطين، وجاءت هذه الرباعية تأنيباً لهذه الجمعيات:

 

فرحنـــــا يـــوم مأتمكـم جميعـــاً       ولــم نرحـــم عجــوزاً أو رضيعــا

وزغردنــا وحنّينــا الأيــــــــادي          كمـا حنّــا الدِمــا منكــــــم وضيعـا

ألا يا راقديـــن علــى قتـــــــــاد        تنــادون الحنيفــــة واليسوعـــــــا

فلا تتلمّســــوا منّـــــــا رغيفـــاً        وموتـــوا كلكــــم برداً وجوعــــــا…

 

*  *      *

 

قالوا البكاء يزيل الهَـمَّ قلتُ لهــم      إن البكــــاء يزيـد المـرء آلامـــــا

لا تبك من أزمة واصمد لها أبـداً  إن مُثِّـلت جلمـداً كن أنت أهرامــا

كم أهلك الخوف في الدنيا عمالقة    وأنقـذ الحـزمُ والإيمــان أقزامــــا

خفَّفتُ بالصبـــــر عنّي كلَّ نائبــةٍ      وزادني البأس في الأرزاء إقداما

 

*  *      *

 

نُصيـــــغ لكلِّ طفــل جــاء إسماً        وننحـــــــت منـــه ( لؤلؤة) ودُرّا

وننعتــه بنعــت (الخير) ظلمــــاً         فيأتــي للوجــود (الخيرُ) شـــــرّا

متـى أجـد النجابة فـي( نجيبٍ )       ونـوراً فـي الذي سمّـوه ( بدرا )

وأسمــاءٌ بــدون مسمّيــــــــات         كتسميــة العقوق ، العبد حرّا …

 

*  *      *

 

أعُبـّاد الدراهــم كــم عبدتـــــــم إلـــه الـمـــــال دون الله جهـــــرا

لقد صلَّيتمـــــو للمــــال دهـــراً   فهـــل صلَّيتمــــو لله شهـــــــرا؟

فلو أن الجبال الشـَّم أمســـــــت      بأيديــــكم –  بـــــإذن الله  – دُرّا

لما شبعــت نفوسكـــمُ وقلتـــــم     إلهـــــي صـــيِّر الأبحار تبرا  !!

 

*  *      *

 

بفضل مديحـنا قد صـار زينـاً       فــلان بعــدمــا قــد كان شينــا

كأن المدح صار عليك فرضاً        إذا لــم تقضــه قد ظــلَّ دَينــــا

ألا ياطالبــاً مدحــي رويــــداً      أتطلب من رسول الشعر مَينـا

فأجعـل منـك بالألقـاب نمــراً            وأنت خُلِقت في الدنيا(بُسينا)؟

 

*  *      *

 

قـل للذين يمرِّغـون وجوهـهـم          وجباهـهـم للأجنبــي جهـــــارا

لم يبق عبد في البريّة أبيـــضٌ         أو أســودٌ إلا وهــبَّ وثـــــــارا

فاختر لنفسك أن تعيش محرَّراً         من كلِّ قيـدٍ سيِّــداً معــــــــوارا

أو أن تعـيش كما تمـوت مقيَّداً         لا تستحي من ناعتيك (حمارا)

 

*  *      *

 

الكبار الصغار الأربعة

 

كبــارٌ ليتهـــم ظلّـــوا صغـــارا     فكــــم هدمــــوا ببغيهــــم ديارا

يلاعـن بعضـهم بالســرِّ بعضـاً    ويكــرم بعضهـم بعضــا جهـارا

فليــس سلامهــــم إلا حــروبـاً   وليــــس بناؤهــــم إلا دمـــــارا

لقد باعوا المسيح بدون شرطٍ    وباعوا المسلمين مع النصارى…

 

*  *      *

 

ألفيت أمسي ويومي في العلى شرعا      ما دمت بالطرس والأقلام مضطلعا

لا فـرق ما بيـن عام مـرَّ من عمـري     وبيــن عـامٍ علــى أنقاضــه طلعـــا

لم أنتظـر من غـدي المنـشود مائـدة    من السمــاء لتغنينـــي بــه طمعـــا

ولا أسفــت عـلى الماضــي لميـسرة   ما دمـت في قسمة الرّزاق مقتنعــا

 

*  *      *

 

ياغارقاً في كؤوس الراح معتقداً  بأنهـا ُتذهـب الأحــزان والنصبــا

لو كنت تدري ما تجنيه من علـلٍ لعفت من أجلـها ياصاحبي العنبـا

الخمـر مُذهبــةٌ للعقـــل سالبـــــةٌ     مهابة المرء، والأخلاق، والنشبا

فاعجب لداء يزيل العقل من أمم       وجلَّ شبّاننا ( أضحى لهم طربا )…

 

*  *      *

 

شغفتــــم بالمديــح ومـا علمتــم            بأن المــدح لــم يرفــع وضيعــــــا

هبونــي قســت للعمــلاق قزمــاً            أيغدو القــزم في مدحــي رفيعـــا؟

فكـــم صغتـــم لكــذّاب نعوتــــــاً             وأشعلتــم لطاغـــوت شموعــــــــا

فمـــن يمــدح لغايتـــه شنيعـــــاً      كمــن يذمــم لغايتــه يسوعــــــــــا

 

*  *      *

 

 

جامعة الدول العربية

 

وجامعـــة يضـجّ العُــربُ منها            شكونــاها، وكــم نشكــو إليهـــــــا

فهـــذا قائــــل لاخيـــر فيـــــها                وذلــك ساخــــطٌ أبـــداً عليهـــــــــا

وما زالـــت تسـدُّ فماً لخصـــم          تحطِّـــــم راحتيـــــــه براحتيهـــــــا

أسيرتُكـم – أسيرةُ كل عضو –          شللتـــــم في تنازعكـــــم يديهــــــا …

*  *      *

 

وداعٍ للتساهــــل وهـــو صـــــلُّ يسيـــل لعابــــــه سمّـــاً زعافـــــــا

يـرى في الأبعديــن ذئـاب شـــرٍّ       ويلمـس فـي ( رعيته ) الخـرافــــا

عذيـــري مـن نطاسـي عليـــــل       مريض بالتعصُّــب ..  ما تعافــــى

فإن المـرء فـي الدنيــــا كتـــابٌ        دع العنــوان وافتــــــض الغلافـــا…

 

*  *      *

 

نظمت هذه الرباعية عقب نكسة توقفت خلالها جريدة العلم العربي مدّة شهر عن الظهور :

 

تمنَّيتــــم بأن ألقـــي السلاحــــا            وأشفــي فــي حيازمكــم جراحــــا

أنا الجبـل الذي لــن تصدعــوه          ولـو كنتـــم صواعـــق لا رياحــــا

فمـن ألِــفَ الجهـاد مشـى إليــه            وعانـق فـي معاركـــه الرماحــــــا

هـي الدنيــا فـذلــك فـي فـــراغ       وهــــذا راح يملـــــؤها كفاحـــــــا

 

*  *      *

 

حيارى فـي سياستهــم سكارى            يـــرون البـــوم بينهــــم هــــزارا

فكيـــف يروقـــهم لحنـي وإنـي        أراهـــم كلّمــا كبــروا صغـــــارا؟

هـي الدنيــا ألم تــرها تضحـــّي       حصانــاً كــي تقيــت بــه حمـــارا

عليــك بعزلـــة كحبيـــس ظلــمٍ        وبـــدر لـــن تـــزور ولــن تُزارا …

*  *      *

 

سكرتـــم نخــب عزلتنـا، هنيئاً         –  بحرمانـي ونسيانـي  – مريئـــا

كفانـــي أننــي لـم ألــق وجهـاً        عبوسـاً، أو أجـد خصمـاً مسيئــــا

بلانـي الله فــي رهــط رمانــي        بــــداءٍ لـــم يكــــن منـه بريئــــــاً

يصـــادق كــلَّ مأفـــونٍ دعــيٌّ                لينكــــي كاتبـــاً حـــراً جريئـــا !!

 

*  *      *

 

تطبَّـع فـي طبـاع الخـلق طـرّا          وخالـــط آبقــــاً منهـــــم وحــــرّا

فكـم خالطـتُ في الدنيــا لئيمـاً        لأنـــي لـــم أر الخــــلَّ الأبـــــــرّا

يضيـع الخيـر في الدنيا إذا لم           تجـد فـي النـاس إحسانـاً وشــرّا

يعالـج بالسموم الطبُّ مرضى          ويسقيهــم لقتــل الــداء مــــُرّا …

 

*  *      *

 

بحثـت عـن العدالـة كـلَّ قطرٍ           فـلم أرَ عـادلا فـي النـاس طـــرّا

يمــزِّق سترهـا مـن يدَّعيهــا           ولا يهتـك لـرب الظلــم ســـــترا

وأنكـى ما يكون وجود طـاغٍ       يمـــزِّق أُمــــّةً ليعيـــــش حـــُرّا

يبيـــع بلاده مــن أجــل فلسٍ           ويقتــل ضيغمـــاً ليقيـــت هــــرّا

 

*  *      *

 

رآنــي صاحبــي يومــاً أُصلّي           وأضــرع مستغيثــاً مستجيــــرا

فقال وما اقترفتَ؟ فقلت يكفي        بأني صـرت أصطحـب الحميـرا

أفُـــــرُّ مـن الغبــيِّ فـرار جانٍ           حبيــس طالبـــاً شمســاً ونــورا

فمن أشقى الحياة رفيق جهـلٍ        يحـاول أن تكـــون لــه سميـــرا

 

*  *      *

 

رأى فــي ساحــة الهيجـا غباراً        جبــان خلــف سوأتــه تــوارى

رأى في ذل شعـب الضـاد عـزّاً        وفـي تحريــره ذلا وعـــــــــارا

ألا يا لائمــي فــي حــبِّ شعــبٍ            عظيــم أفعـــم الدنيـــا فخــــارا

بـــــلاداً لا تحرِّرهــــا فأحــــرى   بمثلك أن يعـيش بها حمـارا !!

 

*  *      *

 

أتجهــــر بالحقيقــة كلَّ يـــــــوم        وتمـــلأ هــذه الدنيــا صياحـــــا

وتبحــث في الزوايا عن قُضــاة   تـــردُّ إليـــك حقّــــــاً مُستباحـــا

أتُقنِع مـن يرى في الجـور عدلاً         ويحسـبُ كلَّ تضليــل صلاحـــا؟

فلُذْ بالصمت إنَّ الصمتَ أَولـــى        فكم ضمَّدتُ في صمتي جراحا …

 

*  *      *

 

( إلى الرئيس شكري القوتلي   )

 

هَرَعَــتْ إليـك ولسـتَ مــن طُلاّبهـا   وقفتْ ببابــكَ لاوقفــتَ ببابــها

أقدمــتَ لكــن فـي سبيــل عقيــــدةٍ يسعـى اللئيم لهدمهـا وخرابها

ضحكت دمشق وهلَّلت واستبشَرتْ   ومشـت إليـك بشيبـها وشبابها

تأبى العروبــة أن يكـون رئيسهـــا     إلا مواسيــها بعهــد مصابهــا…

 

*  *      *

 

أَوَيْلــي منــكَ أو ويلـــي عليكــــا فكــم حمـَّلــت وزراً والديـــــكَ

فهـــذا ناعـــتٌ إيـــاك باشـــــــــا وذلـــك ناعــــتٌ إيـــاك بَيْــــكا

تفــــرُّ من المكــــارم والعطايــــا        وتقتُلــــُها إذا وصلــــت إليــكَ

حلفـــتَ بأن تمــوت بـــدون بذلٍ       ولــو ثقبــوا بمسمـــار يديـــكَ …

 

*  *      *

 

نظمــتُ الشعــرَ لا أبغـي نــوالاً        علـى نظمـي ولا أبـغي مديحــا

كفانــي أننــي لــم أرث ميتــــــاً       غنيـاً عاش في الدنيـا شحيحـا

ولـم أمسـخ مـن الدجّـال شهمـاً            وأجعل من “مسيلمةً” مسيحـا

ورُب شويعــر قــد عـاب نظمي         ولـم أقـرأ لــه بيتـاً صحيحـــــاً