حوار مع الشاعر الانكليزي
ويليام بتلر ييتس

الوفاة28 يناير 1939، كان، فرنسا

كتابة وحوار:أسعد الجبوري

أن تجد شاعراً يجلسُ على رصيف الجادة الخامسة من فردوس الآمال المحطمة في السماء الأولى ،ويلعبُ الشطرنج مع حيوان (التوتاي) الشبيه بدب الباندا،فذلك أمرٌ يتضمن شيئاً من الغموض، خاصة إذا ما عرفنا أن الشخص المقصود ،هو الشاعر الإيرلندي ويليام بتلر ييتس الذي سبق وان وصفَ بأعظم شعراء الغرب في عصره.
ما أن امتدت الأيادي لمصافحته،حتى نهض مبتسماً على الرغم من الشحوب الذي كان يفترسُ وجهه في ذلك النهار القرمزي.
وما هي إلا دقائق ،وكنا على ظهر زورق راح يقطع بنا نهر (الشفاه) إلى ضفته الأخرى، حيث نزلنا من على ظهر الماء،لنكون على متن ذلك المقهى المنشور على طول تلك الضفاف البيضاء من ذلك النهر الهادر.
هل ترغب بأن نبدأ بالحوار مع الشاعر ييتس ،أم ان الوقت ما زال مبكراً على ذلك؟
سألنا الشاعر مبتسمين،ونحن نحدق مليّا بملامح وجهه الذي ما زال يحتفظ ببعض الحيوية على الرغم ذلك الاكتئاب .
مثلما تريدون.سنبدأ بالحوار،وستكون أصوات (التوك) هي الموسيقى التصويرية لنا في هذه اللحظات.تفضلوا.
ما أن نطقها ييتس مبتسماً ومستجيباً لرغبتنا باجراء هذا الحوار ،حتى اشعل النار في تبغ الغليون وأمتثل للصمت الكليّ .آنذاك طرحنا عليه السؤال التالي:

س/ ما أن يدخل القارئ إلى رأس ويليام بتلر ييتس،حتى يجدهُ مكاناً مُحتَلاً من قبل الإنكليز.هل توافقُ على تلك الفكرة ؟
ج/بالتأكيد.فأنا وَجدتُ نفسي قطعةً محترقةً من الأثاث البريطاني.
س/وهل كنتَ كرسيّاً أم سريراً أم شيئاً آخر ؟ً
ج/لا هذا ولا ذاك. فالبريطانيون لا يحبون سوى مصاطب الأقبية والمغاور والكهوف ،لأنها الأمكنة السريّة المُفضلة لحياكة المكائد .وإنكلترا الأم الثانية لذلك الاختراع،وربما لديمومتها إلى الأبد.
س/كيف تشكّل الشعرُ في جسد ويليام بتلر ييتس وهو قطعة لحمٍ تحت الاحتلال ؟
ج/بعد طرد النوم من الجسد أولاً وقبل كل شئ .
س/كيف .وما القصدُ من وراء ذلك؟
ج/المقصود أن تكويني الأدبي ،سرعان ما بدأ بالتشكل خارج عالم النوم،وذلك عندما بدأتُ التفكير بمشروع مقاومة احتلال بلادي إيرلندا من براثن الإنكليز بالطرق السلمية.
س/إذا لم يكن الشعر بندقيةً،فما الذي يمكن أن يفعله الشاعرُ في النضال السلمي:خدامٌ في المؤتمرات على سبيل المثال؟!!
ج/طالما سألت نفسي ذلك السؤال ،وبقيتُ ألعبُ على الحبال الصوتية في مقاومة الاحتلال لا أكثر ولا أقل .
س/وهل أنقذتَ شيئاً.هويتك الوطنية ،أو جانباً من تراث ايرلندا وشخصيتها على سبيل المثال؟
ج/من نامَ في حضن محتل،تَخدّر.
س/وما مدى تأثير التخدير الاستعماري على الشعر برأيك ؟
ج/كان التأثير حافلاً.فقد استطعت حسب ما ذكرته جائزة نوبل في حيثيات قرارها بمنحي تلك الجائزة عام 1923 أن شعري ملهم وفني بدرجة عالية ومعبّر عن روح وطنية.
س/زواجك من ((تدي جورج لي)) كان ردّةّ فعل بسبب خيبتك من رفض المناضلة السياسية ((مود جن)) الارتباط بك . أليس كذلك يا سيد ييتس ؟
ج/كل استغراق غرقٌ.وما فعلهُ حبي مع (تدي) كان مُقلقاً إلى درجة توحي بالمحو .ولذلك كانت الاستدارة نحو المرأة الأخرى ،بمثابة اندماج بالأولى ولو بشكل سرّي.
س/والحبُ أين ؟
ج/الحب.. لا وجود له إلا على أوراق النصوص.فهو اللامكان اللا زمان.هكذا أرادت حبيبتي الروحية ((مود جن)) أن نقضي الغرامَ على سطور القصائد مدةً قاربت النصف قرن من زمن الاندماح الصوفي القسري بعد رفضها طلبي للزواج لاربع مرات .كل تلك الطلبات باءت بالرفض والفشل.يا للجنون!!
س/ربما أرادت ادخار طاقاتك للشعر وليس للزواج،باعتبار أن الأخير سرعان ما يحوّل الشغف إلى قطعة عجين.ثم أليست هي التي كتبت لك ذات يوم لتخبرك بأن شكاواك عن قلة السعادة وهم ومجرد افتراء : “لا لا، بل أنت سعيد، إذ تخرج هذه القصائد الجميلة، مما تسميه أنت التعاسة. وأنت سعيد بذلك. الزواج سيكون أمرًا مضجرًا مملًا. على الشعراء ألا يتزوجوا مطلقًا. وعلى العالم أن يشكرني، لأنني لم أتزوجك”.
ج/ذلك ما حدث قبل سفري إلى هنا بأيام .لقد كانت ( مود) قاسية ولاهيةً وسادية بعض الشئ ،تلذذت بتعذيبي حتى وأنا على فراش الموت،ربما لأنها استطاعت تحويل الحب إلى ثكنة عسكرية،كما كانت تطلب بحمل السلاح من أجل استقلال إيرلندا.
س/هل تعني أن الحبَ بخارٌ يتطايرُ فوق الزمن والأمكنة والأجساد كما تظنُ سيد ييتس ؟
ج/لم أتدرب على أن أكون بخاراً بعد.أنا في مرحلة تكوين الماء الذاتي في مجرى حياتي.
س/هل ما زلت بدائي التكوين كما كنت في حياتك الأولى على تلك الأرض؟
ج/نعم.وبالقدر الذي جعل قوتي تفطرُ القبر ،وأسافر إلى هنا.
س/هل انتقلت من الأرض إلى السموات في باص لنقل الموتى ، أم على ظهر طير ؟
ج/ لم أتذكر.لقد أعطاني أحدهم حبة تشبه الأسبرين،فوصلت إلى هنا نائماً.أجل .فما أن استيقظتُ،حتى وجدت نفسي على باب الجنة .
س/وكيف عرف ذاك الباب باباً للجنة دون سواها من الأمكنة والمباني المنتشرة هنا وهناك؟
ج/عرفتُ ذلك من كثرة العراة المحتشدين خلف ذلك الباب الزجاجي الأعظم. كانت أجساد الألوف من النساء العاريات تتلألأ خلفه .
س/وماذا فعلت أنت بنفسك بعد تلك القيلولة.هل أخذت دورك ،فوقفت بالطابور؟
ج/ بل فعلت الأهم من ذلك،عندما قدمني كبير الشياطين لتلك الحشود العارية شاعراً بريد السماء الافتراضي
في حوار مع إلى الحياة الجديدة.
س/وكيف كان تجاوب تلك الحشود مع أشعارك يا سيد ييتس ؟
ج/لقد طلبوا شعراً في الحب والغزل والإيروتيكا.بل ومن شدّة حماس بعضهم،عندما قاموا بطباعة سطور من تلك القصائد على جلودهم،لإغواء نساء الفردوس.
س/كنت شاعراً رومانسياً متأثراً برموز تلك المدرسة من أمثال كيتس وشيلي ،هل اختلف انتماؤك بعد خروجك من الأرض؟
ج/لم تبق قدماي ثابتتين في سجلات تلك المدرسة الرومانسية،إذ سرعان ما أنتقلت إلى مدرسة الواقع السلمي للقتال بالكلمات بعد الانتفاضة الإيرلندية عام 1916-1922 ضد تقسم إيرلندا إلى شمالية وجنوبية .
س/هل كان للشاعر عزرا باوند أثراً بتكوينك الشعري سياسياً ؟
ج/أجل.لقد أخذت منه الكثير من الجماليات لبناء القصيدة ،وجعل طقوسها أكثر حرارة بالاندماج بالوقائع اليومية لمجريات التاريخ،وذلك عبر غنائية من نوع خاص.
س/ولكنك كنت تكتب شعراً بأقفال عصية تحتاج إلى مفاتيح دقيقة،لتفكيك أبعاد معانيها التي حافظت على سياق يربط ما بين (الفكرة والعبارة) .أليس كذلك ؟
ج/كل بناء شعري،يرتبط ارتباطاً عضوياً بالمبنى الروحي للشاعر.وأنا لا أتحكم بقوة قصائدي ونفوذها عند الآخرين.يمكنك طرح السؤال هذا على الشاعر ت.س.أليوت.
س/لماذا لا نسأل (تورمان جيفرز) الذي كتب عنك كما ترجم المقالة ياسين طه الحافظ: أن «ييتس كان يتتبع الكلام النابض بالحياة الذي يتعلمه من ليدي جريجورى ومن فلاحي جالوي» .
ج/ حسناً تفعل.قل له ما خبرتك النقدية عن ييتس ،ومن بعد ذلك ننتقل لمكان آخر من اللغة.
س/وهل اللغة برأيك وليام ييتس، غرف متلاصقة أم متباعدة في مبنى الوجدان الضخم للمخلوق الشعري؟
ج/ الشاعرُ هو حامل فيروسات التخيّل إلى اللغة الأم،فيخترع لكائناتها اللغات الفرعية الأخرى ،حيث ينفض الغبار عن المقاعد،ويحرك الكراسيّ،ومن ثم يخرج بمخلوقاتته إلى الفضاءات التي يريد الاصدام بنجومها أو الطيران حول مدارها.
س/هل تؤمن بالتطهير اللغوي للقصيدة من الدَنس؟
ج/لا.ثم ما هو الدَنس اللغوي بالضبط ؟!
س/قد يكون مرضاً ما،عندما يُصيب الكلمات بالكساح،فلا تتحرك الأحرفُ دون الاعتماد على عكاكيز الأفكار الضيقة والصور البالية.
ج/ لو يحصل أمرٌ مثل ذاك،هل سيكون موت القصائد أفضل.
س/ هل على الشاعر أن يكون محتالاً برأي ييتس ؟
ج/بالتأكيد.وربما يحتاجُ الأمرُ إلى أن يأخذ الشاعرُ دورَ مهرج سيركوي أيضاً.الشعر لا يستحقُ الجدية المطلقة،لأنها تؤدي إلى الطلاق ما بينه وبين شعوب القراءة .
س/ أنتَ كتبت ذات يوم قائلاً: (( هناك ثلاثة أشياء متعارضة لا يكف الإنسان عن البحث عنها: العاطفة اللانهائية، المعركة اللانهائية والراحة اللانهائية… ومنها كانت الجزر الثلاث)).كيف تعايش ييتس مع تلك الأشياء اللا نهائية؟
ج/لم أكن منفعلاً في تاريخي إلا مع كل ما هو لانهائي.إيماني بالموضوعات العابرة أو الثابتة ضيقٌ إلى حدّ كبير،لذلك فان كانت فكرة التوكل على المرجعيات المتعارضة،أمراً ضرورياً يمنح الشعرَ قوةً غامضة لتنشيط البروتين الخيالي للغة.فاللانهائيات بالتالي ،ما هي إلا وجهاً من أوجه العدم بالضبط.
س/هل حاولت التناص مع الأساطير؟
ج/أجل.فعلت ذلك في المسرح.عندما قدمت مسرحية ((الكونتيسة كاثلين)) التي أسندت بطولتها إلى الممثلة (مود جون ) التي كانت بطلة ورمزاً للمقاومة الإيرلندية.حاولت من خلال أفكاري أن أدمج الحب بالنار ،لتشكيل أسطورة بعيدة المنال ،وبأبطال يمتزجون بالواقع والخيال على حد سواء.

س/هل عثرت في المسرح على ما يسدّ رمق ييتس أكثر مما وجدته في الشعر؟
ج/كان الشعرُ عندي بمثابة قوة لنمو الألم المُحرِضُ.ربما يكون الألم شخصاً مثل شمشون الجبار القادر على قتال الآخرين ببراعة،ويستطيع الانتصار على من يتعاركون في باطنه.
س/ هل من أجل ذلك ابتكرت مصطلح ((روح العالم)) في أثناء كتابتك للمجئ الثاني الذي أعدّه النقاد بمثابة كتاب لاهوتي ،تملؤه رؤاك عن نفسك وعن الوجود .فيما قال آخرون بأنك كنت تقصد به (( مستودعاً كونياً لصُور لم تعد مُلكَ هذا الشخص أو تلك الروح، بل باتت في متناول كلّ الشعراء عبر التاريخ.))؟
ج/ كثيراً ما كنت امتلئ بالغبار النرجسي أثناء التأليف الصوفي ،أو ما يطلق عليه بالنصوص الروحانية.ان صنع بطل صوفي،يحتاج إلى القيام بحرث اللغة،وتقلّيب تربتها ،والتفتيش عما يكون نائماً مع الجذور في العميق من الجسد.
س/ما العلاقة التي كانت تربطك بالمسيح ؟
ج/الصليب فقط.
س/ كيف يعني.هل تتطابق رؤيتكَ مع واقعة صلب افتراضية ،وعلى قصتها خلافاتٌ لم يستطع بابا الفاتيكان حسمها بعد قرون من الزمن؟
ج/سواء صلب المسيح أو مات. نهض أو قام .طار للسماء أو دخل التراب ،ليس هناك مشكلة فيما ذهبت أنت إليه.لأن السيد المسيح غير موجود على الأرض في كل الأحوال.لكن الأفظع ،أن الرسول يختفي ولا تتحقق إلا قيام الوحش القاتل وهو يحاول بسط نفوذه البشع على الأرض.
س/ في الزمن اللاهوتي القديم تقصدُ ؟
ج/ لا أبداً.فلقد اندمج الوحش القديم بالوحش الجديد الذي تسلحَ بالتكنولوجيا، فبات يهدد العالم الأخلاقي والوجودي للبشرية عموماً.ان اندماج الوحشين في جسد واحد،لا يخلق لنا رعباً يرهبُ مخلوقات العالم وحسب،بل يكاد يقوم بتطهير العقل من الأفكار الأدبية الخلاقة ويقتل الجماليات في الأنفس،وكأن عالمنا بات مُسوّدةً من ظلام ودم أزرق وتلال عظمية .
س/ لمَ أردت عدم ايقاظ المسيح في الرؤيا التي كتبت فصولها ؟
ج/كي لا يقوم بين تلك الأقوام الشريرة ويُقتل.أردت له أن يستمر في الحلم،ولا ينهض فيرى نفسه مُطوقاً بظلام العقول التي كانت تعيش حوله.لكن رؤيتي تلك، سرعان ما غرقت في قرارة باطني المظلم،فكان الخراب سيد الموقف في حربين كونيتين سحقتا رؤوساً بعدد ذرات رمال صحراء شاسعة.
س/ثمة من يشير إلى تجربتك الشعرية بالقول عنك : ((يثير شعر «ييتس» إشكاليات عديدة حول علاقته بالحداثة أو بالرمزية أو بحركة «الشعر الحر» عموما، ويعده بعض النقاد ممثلا للمرحلة الانتقالية بين الحداثة الشعرية وما قبلها في حين يقارن البعض الآخر قصيدته الشهيرة «الظهور الثاني» برائعة ت إس إليوت «الأرض اليباب»، أو «الأرض الخراب»، فيما تقدمه من رؤية لانهيار وشيك للحضارة الغربية، ومن أهم مجموعاته الشعرية «الخوذة الخضراء» و«مسؤوليات»، و«البرج»، و«السلالم الملتوية»، و«قصائد جديدة)) فإلى أي مدى تتطابق أنت مع هذه النظرة ؟
ج/لم أكن قلقاً بالقدر الكافي لبناء نصوص شاسعة،تتراكم فيها الغربانُ والآلامُ والمجاعات حتى رأيت أول شبح في حياتي يوم كنت في قصر جدي لأمي في مدينة (سليجو) فأدرك إذاك،بأنني ذلك الطفل المسروق من الأمكنة الهادئة والمرفهة إلى عوالم الجنيات والساحرة بأنوفهم الشبيه بخراطيم الأفيال.
س/ومن أجل ذلك كتبت قصيدة((الطفل المسروق )) توكيداً على دخولك عالم الأشباح ؟
ج/ لا تنشأ القصيدة العظيمة بعيداً عن الطقوس الشبحية.فالشاعر العملاق،هو صديق دائم للساحرات.وهو دار حضانة للأشباح المولودين من نصفه الخفي الآخر ،أي ممن يقودون العمليات الشعرية داخل أفران اللغة وكهوفها بكل فنية وجمال واقتدار.
س/هل أصبت يوم كنت على الأرض بمسّ من الجنون يا سيد ييتس؟
ج/أجل.فطالما كنت لاعباً في أحضان الجنّ،وسبق لي وأن مارست الجنس مع ساحرة عمياء في العشرينات تدعى ((مارسولا)) .كانت تمضغني جيداً،وكنت أتبددُ في نشوة عظمى ما تزال تسري في عروقي حتى بعد موتي وسفري إلى هنا.
س/وربما قمتَ من أجلها بتأسيس مسرحين .الأول (المسرح الأدبي الإيرلندي) والثاني ((آبي)) لتكون تلك البغي هي اللاعبة رقم واحد على الخشبتين ؟
ج/لقد حاولتُ اختراع مسرحين .الأول من أجل الاستغراق بالوهّم الأسطوري.فيما كان المسرح الثاني من أجل تقبل العدم،بعد أن يتم اللعب معه بشكل درامي.
س/ ألمْ تكن خائفاً من الموت قبل المجئ إلى هنا يا ييتس ؟
ج/أبداً.لقد شاركت برسمه على لوحة سبق لأغلب عظماء الفنانيين بتصميمها والنوم داخها مع تلك الرياح الملّونة التي ربما تجدها الآن وقد خمدت على القماش وعلى بؤبؤ العين وكذلك بالذكريات التي يتركها الموت متقدّة،ويساهم بنشر عويلها على الحبال الصوتية للبشر.
س/هل اجتمعت بعشيقتك الأرضية ( مود جن) هنا ؟
ج/حاولتُ وفشلتُ .
س/ومن كان وراء ذلك الفشل ؟
ج/هي بالذات.فما تزال مود مصرّةً على تحطيم قلبي بقسوتها وبممارسة حماقاتها بالحفاظ على المسافة الصوفية فيما بيننا،دون أن تتعلم بأن أغلب المتصوفة هم رعاة سريّون للشهوات.
س/ كيف ومتى أصبح الصوفيون رعاة لذلك الشأن الإيروتيكي ؟
ج/هم هكذا بالولادة.يخشون العلاقات الغرامية الطارئة غير العميقة،كونهم يبحثون عن كلّ الجوهر الأكبر.أي يبحثون عن كلّ ما هو خرافي وباذخ من الشهوات التي تتقدُ ناراً بدواخلهم ،فتُشعل فيهم لحوم الأجساد ،ليتبادلوا شم أدخنة حرائقهم ،وذلك من أجل أن يُعيدوا إنتاجها في الحريق الرباني الخاص بجعل اللذّة مكاناً للعبادة عوضاً عن الأمكنة الحجرية.
س/سأطرح عليك سؤالاً مهماً يتعلق بـ (ليدا) الطفلة المُغتَصبة من قبل الإله (زيوس) الذي جعلته متنكراً في هيئة بجعة.لماذا استخدمت هذا الطائر الجميل كوحش يمارس الجريمة في قصيدة (ليدا والبجعة) ؟
ج/أردت القول بأن بعض الآلهة وحوش ،ويتمتعون بقلوب وعواطف قاسية وقادرة على التدمير .
س/أردت تحطيم شئ من الأساطير؟
ج/بالضبط.وكذلك لدمج المقدس بالرذيلة،وتشكيل أفكار جديدة ناجمة عن اجتماع الاثنين جسداً وروحاً وما ينتج عنهما من آثار ووقائع تخص الحياة.
س/أنت لم تحب التاريخ العيني الذي مررت به،ولا ذاك القديم الذي تستعيده بذاكرتك.انهما العالمان اللذان حاولت تشريحمها كما في قصيدة((الاقلاع إلى بيزنطة)) .أليس كذلك يا ييتس ؟
ج/ لقد سبق لي وأن ضغطتُ مختلف تلك العوالم في رؤيا مختصرة،أنتجت أفكاراً،ومن ثم أقفلت الباب على نفسها ،أو انتحرت ضجراً من الوجود الحسي للعصر المسيحي الذي كنت أشعر بفقدانه للتوازن أمام عجلات القيم الحديثة في عصر النهضة .
س/لم تكن كامل الإيمان بشئ من الأشياء.حتى إيمانك بالشعر كان من خلال وضعه تحت غلاف الأساطير والخرافات ((كان ييتس طوال حياته الشعرية يسعى لاعادة تجسيد الروح الجامحة الحرة عن طريق الرموز التقليدية التي تحتويها الاساطير والاقاصيص الشعبية القديمة.)) ما ردّك ؟
ج/كان ذلك الكلامُ صحيحاً.فلم يكن إيماني بالدولة أو بالدين أو بالسلاح كاملاً.كنت كمن يبحث عن معجزة لتصحيح العالم في حانةٍ مُكتظة بالسكارى.ولكنني كنت مشغولاً بالأدب الشعبي وما ينشأ عن العلاقة ما بين غبار الأنفس ومياه الأرواح.
س/ وماذا كنت تنظرُ للجنس ؟
ج/لم أجد في شعوب عالم الأمس، ما يمثل براءة الحب من الأوساخ وكلّ ما هو حيواني.كان الجنس رمزاً لنقيق الأجساد البشرية بحوض عظيم لسباحة الضفادع .
س/كأن الطهارة لازمة الجنس الأبدية لاهوتياً وأخلاقياً .كيف يحدث ذلك، ولماذا يقترنُ هذا الفعل البيولوجي بالدنس ؟
ج/ربما لأن من أسسَ لمثل تلك النظرة الدونيّة،كان مخصيّاً ويعاني من مرض يحول دونه ودون نشوء اللذّة.ولذلك جعلها مقرونةً بالدنس،مع انها من أعظم الأفعال التي تبني لحوم الشعوب وتقوم بديمومة نسل الوجود.
س/يكتب عنكَ الناقد الأمريكي م.ا.روزنتال قائلاً: ((إذا استعرضنا قائمة ياشهر أشعار ييتس ،وجدنا انها تضع بين ايدينا سلسلة من الرموز النموذجية التي تدور حول موضوع الغموض الجنسي بدرجا متفاوتة : (اغتصاب ليدا) وحش كأبي الهول يجر فخذيه ببطء فوق الصحراء في الوقت الذي تعيد فيه البشرى تنظيم مصير الإنسان،عاهرة عجوز ترخ في وجه قسيس يدعو إلى التمسك بالعقيدة بطائفة من الآراء العميقة الجميلة الفاحشة،فردوس أرضي يجد فيه الحكماء العِظام والأبطال التقليديون متعتهم الجنسية نفي حين يعود أبرياء العهد الجديد (الانجيل) يمرون بتجربة الموت والحياة مرات ومرات،وتلتقي حوريات البحر مع المخلوقات الخرافية (التي يتكون نصفها الأعلى من البشر والنصف الأسفل من الماعز) في زبد الماء ،فيتم الاتصال الجنسي بينها.وفي جميع هذه الأمثلة نجد ان الرؤيا الخالصة ،لا يمكن فصلها عن أصولها الجسدية.)) فهل كنت متمسكاً بالجنس كنظرية لنمو الوعي ؟
ج/التعايش الوجودي مع الجنس كنوع من الأعمال الدراماتيكية،هو ما يتسبب بتوفير ذلك الوعي الإنساني.كل رموز التاريخ الأسطوري،كانت تقوم على أساس جنسي لترويض الشهوة ،او جعلها تفيض طوفاناً في الأجساد قبل أن تجف العروق ،وتموت النزعة الأيروتيكية في الأعماق.
س/وكيف وجدت النظرية اللبيدوية في السماء .هل هي سارية المفعول ،أم جرى ضغطها وتحجيم ثعابينها الحريرية إلى درجة الصفر؟
ج/لقد أجريتْ تغييراتٍ فادحة على فكرة الجنس في الفراديس.بعبارة أدق،لم يعد الجنس فعلاً شهوانياً لإنتاج اللذّة وحدها.
س/ماذا تعني بتلك التغييرات يا سيد ييتس ؟
ج/ذلك ما لم استوعبه حتى الآن.فأنا أعيشُ صدمة كبرى ،بعدما دخلتُ مرحلةَ تجفيف حشرات اللبيدو في جسدي .لذا ،وكلما حاولتُ مقاومة أعمال تجميد الشهوات،وجدت نفسي زجاجةً فارغةً من كلّ مراهقة.
س/ربما تكون عشيقتك الأولى ( مود جن) وراء ذلك .ألا تعتقد بصحة شئ من هذا القبيل؟
ج/ ومنْ هي (مود جن ) التي تتحدث عنها ؟!!