صيّادون في بخار الروشة

شعراء من لبنان

أنسي الحاج

شاعر

الميلاد27 يوليو 1937، جزين، لبنان
الوفاة18 فبراير 2014

كتابة وإعداد وتوثيق : أسعد الجبوري

 

 

 

من مواليد لبنان /

– تعلّم في مدرسة الليسه الفرنسية ثم في معهد الحكمة.

– بدأ ينشر قصصاً قصيرة وأبحاثاً وقصائد منذ 1954 في المجلاّت الادبية وهو على مقاعد الدراسة الثانوية.

– دخل الصحافة اليومية (جريدة “الحياة” ثم “النهار”) محترفاً عام 1956، كمسؤول عن الصفحة الأدبية. ولم يلبث ان استقر في “النهار” حيث حرر الزوايا غير السياسية سنوات ثم حوّل الزاوية الأدبية اليومية الى صفحة أدبية يومية.

– عام 1964 أصدر “الملحق” الثقافي الأسبوعي عن جريدة “النهار” وظلّ يصدره حتى 1974. وعاونه في النصف الأول من هذه الحقبة شوقي ابي شقرا.عام 1957 ساهم مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة”شعر” وعام 1960 اصدر في منشوراتها ديوانه الأول “لن”، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية.

 

ببلوغرافيا:

 

–        في الشعر

– “لن” 1960،

– “الرأس المقطوع” 1963

-“ماضي الايام الآتية” 1965

– “ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة” 1970

“الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع” 1975

– “الوليمة “1994

–       

-محاولات

-كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو “كلمات كلمات كلمات” 1978، وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو “خواتم” في جزئين 1991 و 1997، ومجموعة مؤلفات لم تنشر بعد. و “خواتم” الجزء الثالث قيد الاعداد.

-ترجمات

-نقل الى العربية منذ 1963 اكثر من عشر مسرحيات لشكسبير ويونسكو ودورنمات وكامو وبريخت وسواهم، وقد مثلتها فرق مدرسة التمثيل الحديث (مهرجانات بعلبك)، ونضال الاشقر وروجيه عساف وشكيب خوري وبرج فازليان.

– تُرجمت مختارات من قصائده الى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والبرتغالية والأرمنية والفنلندية.

 

ماكتب عنه

أنسي الحاج ثائر قبل أن يكون شاعراً. شعره فعله الثوري الوحيد. شعره بالنسبة له هو الجنون… الجنون هو الوصمة التي يحملها من إختار أن يكون حراً.

لقد أقصته غرابته عن الساحة العامة. الشعر إذن بالنسبة لأنسي الحاج فعل تحرّر بالدرجة الأولى، فعل إلتقاء وانتقال الى الآخر(…)

غادر أنسي الحاج مباهج الجسد الخارجية الآنية العارضة وتوغّل فيه. لم تستلفته الأشكال ولا ظواهر المشكلات بل عاش الوحدة وتفكك العالم من الداخل. ولكن هل توغل بعيداً بعيداً حتى غاب عن الكثيرين؟ لغرابة عالمه وبعده جاءنا صوته غريباً. لقد توغّل بعيداً عنا في العتمات التي لم نجرؤ على إقتحامها، لكنه هناك نسي الإلتفات إلينا، لم يغنّ، لم يوضح (…) قدّم لنا عطاءً جديداً  مرهقاً، شعراً متفحّم المشاعر يضخّ مرارةً، يكشف أدغالاً مجهولة عن نفس تتوهج بالموت. أليس عطاء الإنسان الأهم، هو الكشف، الكشف، الكشف؟

خالدة سعيد

أعزو هذه الغرابة في التعبير عند أنسي الحاج ونعْت هذا التعبير بأنه غير عربي، إلى كون أنسي الحاج قد أدخل إلى المفردات الشعرية العربية تعابير غير متداولة في الشعر. وهو لم يدخل فقط ألفاظاً جديدةً، بل إنه أغنى القاموس الشعرى العربي- إذا صحّ التعبير- بمفردات أدخل الكثير منها دفعة واحدة فظهرت غريبة خارجة على المألوف. لكنه لم يكتف بإدخال مفردات جديدة على التعبير الشعري العربي: إن الكلمة التي حملها، قد حمّلها أكثر مما تعوّدنا أن نرى. أللغة في “لن” تنفجر بمعان غير مألوفة، وهي موضوعة في سياق غير مألوف، هذا هو وجه الغرابة.

لولا الشعر تموت اللغة، تموت بالفعل. ومن هذا المنظار، أهمية “لن” إنها أدّت خدمة كبيرة في إحياء اللغة وتجديدها. وهذه الناحية تنعكس، بدون ريب، على طبيعة شعر أنسي الحاج وموقفه من الحياة. لقد رأينا أنه رافض. وهكذا رَفَضَ التقليد، رفَضَه شكلاً ومضموناً.

يوسف الخال

أنسي الحاج رفع قصيدة النثر إلى مستوى الشعر الحقيقي. فلغته لغة حضارية، لمّاحة، متوهّجة، ناضرة، شفّافة. أنسي رفيقي على درب الشعر الطويل، وأنا فخور بكل كلمة كتبها أو سيكتبها. إنه نموذج للشاعر الحقيقي حيث يلتقي الشعر والرسولية في جسد واحد. إني أحبه وأحلم دائماً أن أقتني واحداً من خواتمه.

نزارقباني

… تلك الحركة الخارقة، من تصادم الصور بالصور والكلمات بالكلمات والكلمات بالصور، والتي تلفّ الجزء الأكبر من “لن” وخصوصاً الجزء الأول، رغم عدوانيتها اللغوية، كأنَما في سفكها الطازج للمتراكم والراسب والعادي والشائع، تخبىء وصولاً جمالياً خاصاً، يرسو في بقعة جمالية تتجاوز المد المخرب الزاجر الهادم، إلى بناء لغوي- شعري متهيىء وفاتح.

القصيدة ترفع الخراب (العدوانية) والتمرّد والرفض، تطحن الكلمات لتسحب منها نشيداً، نشيداً حياً لا يلبث أن ينتقل في الجزء الثاني من “لن” من الأشكال الجسدية والحواس المستنفرة في فجاجتها إلى الأشكال المجرّدة والغنائية، ذات المد المستلين على حدة، ليبرز نوع من “التأليف” هو أقرب إلى كتابة ترجمة جوّانية للتجربة الإنسانية والنفسية، حيث يطل نَفَس تأملي عالٍ وفاجع. كأنما بعد تلك الرحلة المحمومة والمجنونة تراكمت كل اللحظات في لحظة درامية متفجّرة وقف فيها البطل في خراب الزمن ليتلو نهاية المرثية، أو بدايتها.

بول شاوول

الحرب قد لا تبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج. هو تؤامي (…) أحترم أنسي الحاج لأنه بقي في بيروت تحت القصف، وأحبه شاعراً شاعراً وناثراً وصامتاً.

محمدالماغوط

 

 

طقوس:

في حياتنا لا مكان لفيروز , كلّ المكان هو لفيروز وحدها , ليكن للعلماء علم بالصوت و للخبراء معرفة ، و ليقولوا عن الجيِّد و العاطل , أنا أركع أمام صوتها كالجائع أمام اللقمة ، أحبه في جوعي حتى الشبع ، و في شبعي أحبه حتى الجوع , أضم يديّ كالمصلّين وأناديكَ : إحفظْها ! إحفظها ! إذا كنتَ الله فهي برهانك ، و إذا لم تكن فهي بديلك ! لقد وقعتُ سابقاً في بشاعة الكبرياء فكتمتُ إعترافي , والآن أقول اعترافي : إني لا أؤمن إلا بها , و أعيش لأنها هي الحياة , باقي ما أفعله أفعله مرغماً , أنا مرهون بنزوات حنجرتها ، عاقد مصيري على نظرها و خنصرها و آثار قدميها , لقد أعادت اختراع الينابيع , ليست هي طريق الحياة بل الحياة , إني أتكلم من أعماق البصيرة حيث الصدق لا يختبىء من الخجل و لا يتدلّل لكي يتعرّى , يا رب إحفظها ! يا رب إخدمها ! يا رب اعطني كلاماً يليق بها ! لقد ساقوا إليها المديح ، و ارتكبوا بحقها خطيئة التعظيم , ولكن يا رب .. لماذا أناديك ؟ وهل أنت سوى غريب آخر ؟ وسط الجماهير المتمازجة القاسية ، أخاف فلا ينقذني إلا صوتها , في فراغ المكان ، يتردد كالبشارة في ضميري , في الوقت والأبدية ، هو حبي , إني أشتهي أن أضمه بيديّ كيديّ , أو أنفخه فيطير كرماد وردة.

تغنّي لنا الأسرار التي جهلناها ، و الأحلام التي نسيناها , تغنّي و صوتها مكشوف كاليد المفتوحة ، وتغنّي و صوتها محجّب كوجه خفضه العذاب و الخفر إلى رجاء الأرض , حتى لو لم يُكتب لها شعر جميل ، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي كلام شعراً جميلاً ، حتى لو لم يكن اللحن رائعاً ، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي لحن رائعاً , لأن صوتها هو الشعر، و الموسيقى ، و .. الصوت , لأن صوتها هو الأكثر من الشعر و الموسيقى و الصوت , صوتها و تمثيلها و حضورها , إن في وجودها إشعاعاً يبهر كالبرق ، و يستولي على الناظر إليها كما يستولي الكنز على المسافر , صوتها الذي أسمعه فكأنه هو الذي يسمعني ، بل كأنه أحسن من يصغي إليّ و أنا أصغي إليه , صوتها الساقط فينا كالشهيد ، المُخمِد حولنا العواصف ، المُلهب فينا غرائز البراءة و الوحشية , صوتها كمصابيح في المذبح ، و كزهرة جديدة حمراء في حديقة قديمة , لا صوتها في سمعنا فحسب ، بل إلى الأمام من حياتنا , صوتها المنوِّر , الذي تنويره كتنوير الصليب , لنتوقف و نقدّم لفيروز الشكر في جميع العالم ، لأن صوتها راعي الرعشة ، لأنه هو الرعشة ، وهو نار الحب الأخيرة الممشوقة كعروس فوق الماء.

أقول “صوت فيروز” وأقصد “فيروز” , تلك المرأة اللامحدودة العطايا ، التي ليس لجمالها نهاية , كلها بكاملها ، متحرّكة وجامدة , كلها ، بأصغر تفاصيلها , إني لا أعرف فناً غيرها , و أحبها بإرهاب ، أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب , إن صوتها هو عصرنا , ولصوتها سبعون نافذة مفتوحة على الصباح , للصرخة إذا خفضناها قليلاً قوّة أشدّ , هكذا صوتها عندما لا يتفجّر كله , وحين يتفجّر كله يصبح الكون بعده جميلاً كغصن شجرة حرقته صاعقة , وما زال أمام صوتها وأمام عبقريته جميع الفرص.

يُقال أحياناً : “فيروز !! نعرف ، نعرف” … ماذا نعرف ؟ تقريباً لا شيء , لنسمع صوتها جيّداً ولننظر إليها بعيون نقيّة , عندئذٍ نعرف أنها في كل مرة تبدأ الآن , فهي في كل مرة نضرة كرنّة الثلج في الكأس , ومع هذا فما تخبئه هو أغنى مما أباحته , ليتني أستطيع أن ألمس صوتها , أن أحاصره و ألتقطه كعصفور ، كأيقونة , أن أكتنفه و أشربه و أكونه , أن أصير هو , أن لا يعود يحبس أنفاسي كلّما سمعته وكلّما تذكرته و كلّما نسيته , ليتني أستطيع أن أضمّه على صدري فيصبح لي و أرى أسراره ، و لا يعود ممكناً إنتزاعه مني و لا بالموت , أن ما يحدث لي تجاه صوتها ليس فعل السحر , أنه اجتياح , إنه فعل الإتحاد التام , عندما أسمعها أصبح إنساناً ناقصاً صوته , أصبح بصوتها , إنها الجمال الذي ضاع منذ الخليقة , وعندما تسكت فبوحشية يصير المسرح تحت سكوتها مقاطعة تتنفس الحنين إليها ، ثم تصرخ عطشى إلى كلام فيروز , كم سكوتها مؤلم !! إنه يأخذ الأسرار التي إن لم تقلها لنا تختنق , هل هي تفرح بعذابنا أمام سكوتها ؟ وها هي تقطع الصمت , ها هو وجودها يغضب كالضوء ، يموج كالبجع الأبيض ، يرقّ كنداء العينين , وتبكي و تضحك بلا بكاء و لا ضحك ، و تملأ الدنيا بقليل منها ، لأن القليل منها أكثر من السعادة.

هذه التي تشعل المسرح هي أيضاً تشعشع لنا الحياة , و المسرح ليس حيث المسرح فحسب ، المسرح هو أيضاً قلوبنا , بعلبك و الأرز و دمشق و بيت الدين و قصر البيكاديللي و كل مكان يأتي منه صوتها ، جعلتها فيروز أوطاناً لنا , إحفظها ! إحفظها ! فيها خطر يجذب كالبحر , ألا تعرف ما الذي يأخذك في صوتها ؟ هو الجبل الذي هو هاوية ، والنسيم الذي هو عاصفة , صوتها مثل مركب شراعي يمضي في وجه النوّ ، فيتوجّع ويتمزّق ، حتى يغلب بعناده جنون الطقس ، فتسجد فوضى الكون أمامه منهوكة كالرجل على صدر حبيبته , مرآة الشوق ، مرآة الحنان والحنين ، مرآة الحب ، مرآة الجرح و الصدق ، و أكبر مرآة للحزن والشهيّة , لو كان صوتها صليباً لحملته ، و لو كان بحراً لأشعلته , لكنه أعظم من ذلك , إنه الجمال , و أي هدف أعظم من الجمال يقدر الإنسان أن يعيش له ؟ لو قلت أن فيروز هي الوحيدة لما قلت شيئاً , لو قلت أنها كل شيء ، لما قلت شيئاً , و لو قلت أني مهما قلت سأبقى عاجزاً عن القول ، لما قلت شيئاً , في حياتنا لا مكان لفيروز , كلّ المكان هو لفيروز وحدها , في حياتي لا مكان لفيروز , إن فيروز حياتي.

————-

كتب الشاعر “أنسى الحاج” هذا النص أنسى الحاج عن فيروز

أحــبها بإرهــاب فى مناسبة تقديم فيروز مسرحيتها الغنائية “يعيش ! يعيش !”.

http://karakeb.blogspot.com/2007/06/blog-post_18.html

 

بصمات:

لم أجد شاعرا مفطورا على الحب بابداع مثل الشاعر انسي الحاج. فالمسألة الحبية لديه كيانية في العمق.. وجودا قائما بشروطه الاكثر تجديدا وامتلاء.

واذا كان الحب في الاطار اليومي يتعرض لخطر ان يصير مملا ومن دون بريق ، فان انسي الحاج يعرف كيف ينسحب في الوقت المناسب ، مؤلفا مصيره من جديد ، بعيدا عن خطر الرتابة والروتين. انه ضد ان يتحول الحب الى عادة تفقد وجهها المتألق ، وحيرتها الجوهرية ، ونزعتها الى الاندفاع والحيوية والتواصل الذكي.

فالحب هو الأمر الوحيد الذي يميل بالانسان الى مواجهة الزمن بثقة وتجاوز ، لانه “حالة متجددة في استمرار.. حالة مثل الحياة لا تعرف النهاية.. وهو في كل مرة ولادة جديدة.. الاستمرار في الحب هو غياب عن الزمن”.

والأهم في الحب الا نفقه حالته ، او نفرق في تفسيرها ، بل نعيشها كما هي مصبوبة بنارها وشعاع انتباهها، لانها بالفعل تتيح نمو طاقات مفاجئة وغامضة.

أنسي الحاج سيد من سعى ويسعى الى تحقيق الوفاق المختلف مع الحب ، المرأة والحياة ، مقدمه في هذا الحوار الاستثنائي:

~ أنسي الحاج.. هل انت امرأة تشبهك؟

_او هي رجل يشبهني.

~ ما معنى هذه الثنائية هنا؟

_انها الانتقال من الاقل الى الاكثر.

~ ماذا تحب في الحب:؟

_لوعة رغبة العاشق في القبض عند المعشوق على شي ء لا وجود له.

~أليست المرأة هي صناعة وهمنا فيها؟

_الى حد كبير.

~ والوصول اليها؟

_محاولة لاكتشاف الفعل وقدرته على صناعة الوهم من جديد.

~ انت “امرأة تشبهك” او “هي رجل يشبهك” اعتراف فيه طعم فرويدي واضح ، فأمير علم النفس يقول بالحروف: “كل رجل فيه انوثة وكل امرأة فيها رجولة”. بهذا المعنى ، كيف تعيش هذا الخليط فيك؟

_ كلاهما متحد بعضا في بعض تلقائيا. ثم أنا في هذا الموضوع كما في غيره أنقسم شخصين ، على الرغم من اشتمال كل واحد منهما على عنصر الثنائية: واحدا واعيا ، والأخر لا واعي. بترجمة أخرى ثمة الشاعر ، وثمة المتكلم ، المحلل ، وكلاهما يوسط الآخر في حالاته.

~ الحب يطارد استحالة ضرورية اذن.. يا أنسي ، الا يغير الزمن في وعيك للحب؟

_ كلما تقدمت في السن ، فضلت الاشياء الاكثر لاوعيا، لانها الأكثر حكمة.

~ يقال ان الزمن شيء ثمين للاستمرار في الحب ، وانه فوق ذلك غذاء العلاقة الحبية النامية؟

_الزمن هو للحرق. لا علاقة بين الحب والزمن ، غير علاقة الحرب ، الحب انفلات من الزمن الذي يروح يطارده ليبشعه ، ليربطه بالواقع. الاستمرار في الحب هو غياب عن الزمن.

~منذ البدء الى النهاية ، يبدو اننا لا نستوعب الحب ابدا؟

_هذا صحيح الى حد كبير. فالحب خاصية السحر في العمق.

~ الحب حليف القلق حتى حينما يتطلع الى الطمأنينة.. أليس كذلك؟

~طبعا لا استقرار للحب الا في الغياب.

~ ولماذا هذا البريق المقلقل يا أنسي؟ هل الحب عند الآخرين من غير الشعراء يصل الى حدود هذه السلبية؟

_قد يصل وقد لا يصل. لا ادري في الحقيقة. حتى بين الشعراء ، الحب ليس في مستوى واحد ، او مستوى مشابه.

~ أيهما أهم لديك: الحب ام الحرية؟

_الحرية أريح.

~ انك تذكر احيانا عبارة “الحب السينمائي”؟

_صار بامكاننا القول بشي ء اسمه: “الحب السينمائي” ، اي الحب على الطريقة الامريكية ، والذي اعتبره أسخف مفهوم للحب. الحب عندهم هو نوع من الزواج الهابط ، سواء أعان ثمة زواج أم لم يكن.

~ بأي معنى بعد؟

_بالمعنى الاجتماعي البحت ، فثمة تقنين سلعي للحب. الحب عندهم رياضة وليس شففا.. بالنسبة الى معظم الافلام الامريكية ، الحب صحبة وصداقة بالمعنى “الرياضي” ، المرح ، السطحي. وانا ارفض هذه الصفات التي ظاهرها “صحي” وحقيقتها قتالة للرغبة والذات الداخلية.

~ ماذا تقول في الحركات النسائية؟

_انا كنت ولم ازل حذرا من الحركات النسائية المطلبية ، لانها تجعل من المرأة حزبا سياسيا واجتماعيا مواجها للأحزاب الاخري ، و”تؤلينها” على غرار ما “ألينها” الرجل عبر الاجيال. أنا مع المرأة ككائن جمالي ، حتى لا اقول حسي او عاطفي ، ولا أقبل بالتخلي عن اهذه النظرة للمرأة. انها قطب الحلم والرغبة ، هي المدار الذي أحلق فيه ، واذا انتفت المرأة ان تكون قطبا او مدارا ، فماذا ستكون أفضل من ذلك؟ وماذا سيحل محل هذه النظرة اليها؟. كائنا ما كان البديل من هذه النظرة ، فسيكون شرا للبشر والحضارة.

ثمة من جهة أخرى وضع تأريخي خاطىء او ظالم للمرأة ، وعليها التخلص منه. والمسؤول عن ظلمها بشكل اساسي هو الرجل ، لكن الرجل لم يظلمها عندما اعتبرها محط احلامه ورغباته وبالعكس ، انها وعده ، فلماذا يريد بعض الحركات النسائية تحطيم هذا الوعد بحجة انه يحول المرأة “غرضا حسيا”؟. ان اكثر ما يخيفني في المنطق النسوي المذكور هي هذه الهرولة الى تحويل المرأة رجلا ، او بالاحرى رميها في وحول السلطة التي يتمرغ فيها الرجل ظانا انها كل المجد ، والتي يحلم بعض النساء ببلوغها ظانات انها هي التي تعيد اليهن الحقوق المسلوبة.

ان الحقوق التي سلبت من المرأة كثيرة وخطيرة ، أهمها الحرية ، ولكنني لا أريد ان تربح المرأة الحرية ، وتخسر نفسها ، تخسر شروط أنوثتها وما يؤلف تأثيراتها السحرية قد تتوق المرأة الى الخلاص من عب ء هذه الانوثة وتلك التأثيرات ، ولكن يجب ان يظل فيها من الحدس ، وان يظل بيننا من الأحداث ، ما يتكفل بتنبيهها الى خطر المغادرة من مناطق سلطانها الاكيد ، مهما بدا لها رتيبا في بعض الأحيان او متعبا ، او مقيدا لها وهي في أوج غليان تحررها. انه سلطانها الأكيد. وهو- هذا السحر القابل للدمار اذا اصرت على تدميره – ما يجب ان تحتفظ به مهما اكتسبت من حريات (ولابد من ان تكتسب الكثير منها حتى تتعادل والرجل) ولا تفرط بشيء منه بل بالعكس تنميه وتوسع أفاقه على دروب الجذب والفتنة والالتباس واللعب بكل النيران والعتمات.

~ يقال إن المرأة ذات طبيعة كيدية.. بماذا تعلق؟

_الكيد سلاح من اسلحة الضعفاء والمرأة عندما تستضعف قد تلجأ اليه. تماما مثل الرجل عندما يستضعف. انا ضد هذه النعوت الآتية من أجواء الآداب الكلاسيكية. فساعة المرأة لئيمة ودساسة ، وساعة هي محتالة وشيطان ، لماذا؟ أليسة هذه صفات انسانية عامة يشترك فيها الرجل؟

~ الفلاسفة نقموا اكثر من الادبا، الكلاسيكيين على المرأة: “توما الاكويني” ، “اغوسطنيوس” ، “شونبهاور” ، “المانويون” ، وحتى “هيفل” في الحقبة المعاصرة وان بدرجة اخف.. _بعيدا من النقمة “العقائدية” ترتدي النقمة على المرأة قناع البغض او الاحتقار ، ولكن مضمونها الباطني يكون احيانا هو الحب. هذه النقمة هي خيبة الامل ، اليقظة المرة من الحلم مثلي الاكبر على ذلك هو “بودلير”.. الم يقل احد ضد المرأة أعنف مما قال ، ومع هذا يظل “بودلير” نفسه صاحب هذه الكلمة الرائعة: “المرأة هي الكائن الذي يرمي اكبر ظل ، او اكبر نور في احلامنا”.

وكما ان للانخطاف بالمرأة ما يبره ، كذلك للنقمة عليها ما يبرها ، بقدر ما نعلق عليها من آمال ، تكون الصدمة انني اقبل شعور المرارة او القهر تجاهها ، وافهم ان يكرهها الرجل ، وان يسعى الى استعمالها مجرد اداة لملذاته. ولكني ما لا اقبله هو ان يظن الرجل نفسه متفوقا عليها ، فيحتقرها ويستهزيء بضعفها. ان ثمة نظرة فلسفية ساخرة ، متهكمة ، صفراء الى المرأة ان كانت تكشف عن شي ء ، فعن جهل تام بنفس المرأة وطاقتها معا ، فضلا عن مفهوم لمعنى الحياة أرفضه بحذافيره. قد نجد بعض جذور هذه النظرة في الفلسفة الاغريقية ، وجانب من الفكر الاوروبي اعاد احياء هذا الارث ، مضيفا اليه ، خصوصا في المانيا ، تمجيدا للقيم الذكرية بلغ اوجه التجسيدي مع قيام الحزب -الفحل.. والدولة -الفحل.

أنا ايضا انقم علي المرأة أحيانا ، واكرهها وأبيت لها الشروع احيانا. ومآخذي عليها كثيرة ، وهي في ازدياد ، وبعضها سآخذ تشعرني بغربة حيالها.ولكن كل هذا من ضمن نظام فكري وحياتي يعتبر المرأة ركنه الاساسي ، لا من ضمن نظام تجريدي وعنصري ينبذها او يدور خارجها.

~بعد خبرتك الحياتية الطويلة ، ما الجوانب التي اكتشفت ان المرأة تحبها فيك كشاعر؟

_لا أحب ان اجيب عن هذا النوع من الاسئلة.

~ هل تلعب مع المرأة لعبة ممارسة انك “قوي” و”حاسم “ في موقفك منها؟

_في هذا الموضوع ، يكون الانسان لعبة ولاعبا معا. احيانا يكون مجرد لعبة ، ولعلها المتعة الكبرى.

بخصوص “القوي” و”الحاسم “ ومع اني لا أحب الدخول في تفاصيل من هذا النوع ، اعتبر الحديث فيها ابتذالا وتجويفا. أذكر فقط ، ان أغلب الادوار التي لعبت ، كانت ادوار الضعف والسلبية ، لا القوة ولا الحسم ، ان اكثر ما اكرهه وارفضه في العلاقة مع المرأة ، هو ان اشبه سائر الرجال ، ذوي القبضات الحديدية والحضور الارهابي. ان أفضل علاقاتي كانت علاقات التواطؤ ، لا علاقات السيطرة ، وهذا ما اتمناه لسواي.

~ عن أي شي ء تبحث بالاضافة الى الجمال:؟

_عن ادامة الرغبة حية والنشوة متأججة ، وعن الصدق.

~ وعن اي شيء ايضا؟

_عن نقطة ، عن مكان لا أعود أجد فيه نفسي مغتربا عن المرأة في أمور المخيلة الايروتيكية.

~ وهل الى هذا الحد غربتك؟

-قلت لك ، انا ايضا لي مآخذ على المرأة ، ومآخذ جدية. فهي في “الايروتيسم “ غالبا ما تشد بها واقعيتها بعيدا من تخيلاتي ، ورغبتها الحسية اكثر عملية مما يجب ، وأقل جنونا مما أريد. المرأة في هذا الميدان ذات نزعة مؤسساتية “بورجوازية “ اذا شئت ، الرجل اكثر ثورية ، اكثر انعتاقا من الزمن. هي مع الديمومة ، وهو مع العبور. وحلمي هو اقامة توازن بين الموقفين ، ربما لكي اكون صادقا ، يكون أقرب الى موقف الرجل منه الى موقف المرأة.

~ يبدو أنك فاشل بعلاقتك بالمرأة؟

_حياتي عبارة عن سلسلة فشل مع المرأة انها سلسلة نهايات متصلة ببدايات. ولولا ذلك ، لكنت اكتفيت ربما بعلاقة واحدة طوال حياتي.

~ أفهم انك لا تمارس “الشهريارية”؟

_في داخل كل رجل شهريار ما.

~ الى أي مصدر تعزو مشاكل الحب؟

~انها كثيرة ولطل انغلاق المحب والاستئثار بالمحبوب هو أولها. فعندما يرزح المحب تحت مغالاة نزعة الغيرة والتملك ، تنفتح ابواب الجحيم.

~ أمام من تمارس مسؤولية الحب؟

~ أمام “سلطة “ الحرية.

~ لماذا لعبة الحب وكفاحه تتضمنان دائما عنصرا مسرحيا؟

_كل صراع يفترض مسرحا. والمهزلة الانسانية بطلة نفسها على مسرح نفسها.

~ أنسي ، يقال إننا في عصر تذكير الانثى وتخليها عن طبيعتها الاصلية.. انها تنعتق وتسترجل.. ما تعليك؟

_لا أحب للمرأة ان تضيع وتسترتجل في حمى السباق نحو السلطة. فالرجولة ليست حلا للمرأة. الآن وبعدما اكتشف الرجل ان رجولته كارثة ، وبعدما بدأ يستقيل. منها. اندفعت المرأة نحوها. ان حالها هنا تشبه حال ذاك الذاهب الى الحرب ، فيما الآخر عائد منها.

~ اتعتقد فعلا اننا نعيش عصر الاستقالة من الرجولة؟

_في الغرب نعم.. الرجل يستقيل من “الرجولة”. بالمعنى الاستبدادي ، الديكتاتوري ، لكلمة رجولة.

~ والى أين؟

_ آمل نحو توازن جديد بين الجنسين.

ما يتبلور هنا ، هو اكتشاف المرأة لذاتها الحسية والعاطفية والعقلية اكثر فاكثر ، واكتشاف الرجل لذاته المماثلة اكثر فاكثر وبالتالي معرفة كل منهما لطاقاته وحدوده. وانا واثق ان المرأة ستخرج من هذا الاكتشاف منذهلة بقدراتها التي كبتها الحذف والقمع ، وسيكون الرجل اكثر الذاهلين.

~في المجتمعات البدائية كانت المرأة هي التي تتولى حماية المجتمع.. تذهب الى الصيد والحرب.. الخ.. ثم جاءت التراكمات الحضارية لتوطد شيئا فشيئا سلطة الرجل؟

_المرأة المحاربة ليست في طموحي ابدا. وحال المرأة في المجتمعات القديمة ، كانت ولاشك اسوأ بكثير من حالها اليوم: مجتمع ارهاب ، حروب وسلطة فاذا كانت المرأة تطمح الى استعادة مثل هذه الاجواء ، فان الامر سينقلب الى كارثة ، وعلى الدنيا السلام ، المرأة ينبغي ان تظل رمزا لشهوة الحياة لا لشهوة الموت.

الرجل بنى حضارة الموت ، حضارة القتل ، حضارة الحرب ، حضارة الغزو والنهب والاضطهاد. واذا كان من طموح المرأة مجاراة الرجل في ذلك ، فالأفضل اذ ذاك ان تبقى هذه الفواجع محصورة بالرجل. انني حين ازكي المرأة على الرجل ، فلأنها في نظري تمثل السلام محل العنف ، واللين محل القسوة ، والمتعة محل الواجب ، والجمال محل الفعالية ، والسحر محل السلطة.

~ لنفترض ان المرأة تسلمت سلطات ادارة العالم..

_أنا أدعو الى ان تحكم المرأة العالم بدل الرجل. ولكن المرأة هنا كما أفهمها بصفاتها الايجابية التي أكدنا عليها، لا بتلك الصفات المستنهضة لحالات الرجولة البشعة.

فجولدا مائير مثلا ،بماذا تختلف عن دايفيد بن جوريون؟ ومارجريت تاتشر بماذا تختلف عن تشرشل؟

أريد من المرأة عندما تتبوأ سلطة ان تتصرف كامرأة وليس كرجل. الا ترى انها احيانا تزايد عليه انطلاقا من عقدة التفوق عليه؟

~ هل العقل هو واحد بطاقاته عند المرأة المتفوقة ، والرجل المتفوق؟

_معروف ان المرأة تستطيع تحمل الألم اكثر من الرجل. تصور كم المرأة أقوى وألطف في وقت واحد. تملك كل هذه القوة ولا تمارس عدوانا. اكثر من ذلك ، انها تحتمل غطرسة الرجلب عذوبة هذا بعض ما تعبر عنه قصيدتي “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”. فالكتاب ليس نشيدا ذاتيا طوباويا ، كما قد يتصور البعض. انه كتاب التجربة. ولنعترف: نحن اكثر من متسلطين على النساء ، متسلطون ونظن انفسنا أننا محور الكون ، وأن من واجب النساء ان يعجبن بنا. يكفيهن اقتدارا انهن يتحملن نرجسيتنا.

المرأة أقوى من الرجل بالمعنى الجميل لكلمة قوة: قوة النفس والروح والعطاء والاستيعاب والاصغاء والتفهم والجذب.

~ ايقاع الحب الأول الذي صادفته في حياتك ، هل هو أجمل بكثير من ايقاعك الحالي مع امرأة جديدة؟

_الحب الأول كان اكثر اختلاجا وتوجسا ، ولكنه كان أقل محبة.

~ المرأة التي صدتك ، هل حقدت عليها:

_لم أعرف في حياتي الا علاقات متبادلة ، ولا اؤمن بالحب من طرف واحد.

~ الديك المقدرة الدائمة على الاشفاق على نفسك!

_نعم وشفقتي هنا هي شفقة الناظر الى خطاياه

~ هل تبالغ في عشقك؟

_ وما معناه بلا مبالغة؟

~ ولكن قد يتحول العشق الى عادة تفقد ألقها ونزعتها الى ألابداع؟

_ العشق حالة متجددة في استمرار ، حالة مثل الحياة لا تعرف النهاية ، وهو في كل مرة ولادة جديدة.

~ ولكن النفس العاشقة قد تنفجر تحت ثقل العصر واضطراباته؟

_اذ ذاك يكون الخلل في العاشق نفسه ، وليس في العشق.. العاشق الحقيقي فيه ما هو اكثر من الانسان.

~ الشاعر يتعرض لأذى يومي.. يحس أحيانا ان الناس هم غبار يومي؟

_أشد أنواع الأذى ، هو حين يتعاطى الناس معك من خلال صورة خاطئة عنك. هذا أبشع أنواع الاذى ، ويليه التعامل مع صورتك الحقيقية بطريقة ظالمة.

~ هل الكتابة عزلة تحمينا؟

_العزلة جزء لا يتجزأ من “ميكانيزم” الكتابة ، من دونها لا تستطيع الكتابة وكل اشتراك في الضجيج الخارجي هو تبديد لطاقة الكتابة.

~ المرأة حظ العالم ،. أليس كذلك؟

_انها غيبوبتي عن العالم ، وصحوتي في حلمي وقد تحقق ولم يزل حلما..

من حوار له مع أحمد فرحات

http://www.nizwa.com/volume4/p187_190.html

 

فلاش :

كتب أسعد الجبوري:

لم أجد في الشعر العربي شاعراً أكثر إصغاء للروح من أنسي الحاج.هو متحدث كبير مع ألواحها ورياحها ومياهها الشبيهة بفنادق الزجاج. كذلك هو شاعر يقترب من اللغة اقتراب النمر من الفريسة. لأن للنص مرآة ما تزال ضائعة ،وربما للأبد.

لذلك يُعد أنسي الحاج من أوائل الشعراء العرب الذين أحدثوا اختراقاً في بنية الشعر العربي ، نحو التحديث لا بمعناه اللفظي وحسب ، بل بفعل تفجير طاقات اللغة وتهديم الحصون الكلاسيكية التي كانت تحيط بالشعر. 

أنسي بهذا القياس ، لم يخف من تدمير كل شئ لخدمة القصيدة. كأنه استخدم  طريقة التروية الدموية أثناء كتابة نصوصه ،بهدف أن تفتح في اللغة حقولاً فاتنة ، تفاعلا مع مستقبل القراءة عند الآخر.إنسي شاعر ملتهب بحمى التخيل دون هوادة،يساعده في ذلك نهره اللاهوتي الأزرق العميق.

 

 

نماذج:

 

غيوم، يا غيوم يا صُعداء الحالمين وراء النوافذ

غيوم، يا غيوم علِّميني فرَحَ الزوال!

* * *

هل يحِبّ الرجل ليبكي أم ليفرح،

وهل يعانق لينتهي أم ليبدأ؟

لا أسألُ لأُجاب، بل لأصرخ في سجون المعرفة.

ليس للإنسان أن ينفرج بدون غيوم

ولا أن يظفر بدون جِزْية.

لا أعرف من قسَّم هذه الأقدار، ومع هذا فإن قَدَري أن ألعب ضدّها.

هـلـمّـــي يا ليّنتي وقاسيتي،

يا وجهَ وجوه المرأة الواحدة،

يا خرافةَ هذياني،

يا سلطانةَ الخيال وفريستَه،

يا مسابِقةَ الشعور والعدد،

هلمّي الى الثواني المختلجة نسرق ما ليس لأحد سوانا.

وهْمُكِ أطيبُ من الحياة وسرابُكِ أقوى من الموت.

 

الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع

 

يدي يدٌ لكِ ويَدُكِ جامعة.

حَسَرْتِ الظّلَّ عن شجرة النَّدَم

فغسل الشتاءُ نَدَمي وَحَرَقه الصّيف.

أنتِ الصغيرة كنُقطة الذهب

تفكّين السّحر الأسود

أنتِ السائغـةُ اللـّيـنـة تشابكتْ يداكِ مع الحُبّ

وكُلّ كلمةٍ تقولينها تتكاثف في مجموع الرّياح.

أنتِ الخفيفةُ كريش النعام لا تقولين تعال،

ولكنْ كُلّما صادَفْتُكِ كُلَّ لحظةٍ أعودُ إليكِ بعد غيابٍ طويل.

أنتِ البسيطةُ تبهرين الحكمة

العالمُ تحت نظركِ سنابل وشَجَرُ ماء

والحياةُ حياةٌ والفضاءُ عربات من الهدايا.

 

2

أيُّ صلاةٍ تُنجّي؟

كلُّ صلاةٍ تُنَجّي!

والرغبة صلاةُ دمِ الروح

الرغبة وجه الله فوق مجهولَين

ونداءُ المجهولِ أن يُعطى ويـظــلّ مجهولاً.

الرغبةُ نداءُ الفريسة للفريسة

نداءُ الصيّاد للصيّاد

نداءُ الجلاّد للجلاّد

الرغبةُ صلاةُ دمِ الروح

فَرَسُها الفرسُ المجنّحة

وجناحاها

جناحا خلاصٍ في قبضة اليد.

 

3

أنا شعوبٌ من العُشّاق

حنانٌ لأجيالٍ يقطر منّي

فهل أخنق حبيبتي بالحنان وحبيبتي صغيرة

وهل أجرفها كطوفانٍ وأرميها؟

آه من يُسعفني بالوقت من يُؤلّف ليَ الظلال مَن يوسّع الأماكن

فإنّي وجدتُ حبيبتي فلِمَ أتركها…

 

ما صَنَعَتْ بيَ امرأةٌ ما صنعتِ

رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح

وماءكِ في الحُمّى

وفمكِ في الإغماء.

وكنتِ في ثيابٍ لونُها أبيض

لأنّها كانت حمراء.

وأثلجَتْ

والثلج الذي أثلجت كان أحمرَ

لأنّكِ كنتِ بيضاء

ورَدَدْتِ عليَّ الحُبّ حتّى

لا أجد إعصاراً يطردكِ

ولا سيفاً

ولا مدينةً تستقبلني من دونكِ.

هذا كُلّه

جعلته في ندَمي

هذا كُلّه جعلْته في أخباري

هذا كُلّه جعلْته في فضاءٍ بارد

هذا كُلّه جعلْته في المنفى

لأنّي خسرْتكِ

إذ ملأتُ قلبي بالجنُون وأفكاريَ بالخُبث

فكتمتِ وانفصَلتِ

وكنتُ أظنّكِ ستصرخين وتبكين وتُعاودين الرضى

ولكن كتمتِ وانفصَلتِ

وكنتُ أظنّكِ ستعرفين أنّ نفسيَ بيضاء برغم الشرّ

وأنّي لعباً لعبتُ وحماقتي طاهرة

وكنت أظنّ أنّكِ وديعةٌ لتغفري لي

أنّكِ وديعةٌ لأفعل بكِ كالعبيد

وكنتُ أظنّ أنّي بفرحٍ أظلمكِ وبفرحٍ تتنفّسين ظلمي

وكنتُ أظنّ أنّي ألدغكِ فتتّسع طمأنينتي

وأنقضكِ كالجدار فَتَعْلَقين كالغبار بأطرافي

لكنّي ختمتُ الكلام وما بدأتُه

وأتفجّع عليكِ لأنّي لم أعرف أنْ أكون لكِ حُرّاً

ولا عرفتُ أنْ أكون كما تكون اليد للزهرة

فكنتُ مغنّياً ولكِ ما غنّيت

ومَلِكاً وأنتِ لم أملك

وأُحبّكِ

وما أحببتكِ إلاّ بدمار القلب وضلال المنظر

وأُحبّكِ

وطاردتكِ حتّى أشاهد حُبّكِ وهو نائم

لأعرف ماذا يقول وهو نائم

فحمَله الخوف وروّعه الغضب

وهرب الى البُرج عالياً

كاتماً قد انفصل

وأنا في جهلي أطوف وفي حكمتي أغرق

على موضعٍ أدور على موضعٍ أهدأ

وحُبّكِ يقظان وجريح وراء الأسوار

وحُبّي بارّ بعد الأوان

نارُ البِرّ تأكله بعد الأوان.

 

 

4

كان هدّاماً قبل أن ينهدم.

كان يهجم كالنسر، وحتى النسيم يتفجّر في قبضته. لم يكن يكسر الزجاج. كان يكسر الماء، والقطن، والحجر، والوحل، والأيدي الخفيّة. لم يستطع أحد أن ينتزع من جناحيه ريشة.

وهوى.

زحف عليه الخوف، فوق الخوف،

فوق الخوف.

نَخَرته الشفقة.

احذروا الحنان! لا تتركوه يلتف عليكم!

أيها النسر! ثمّة وردة تنتظرك دائماً، احترس أيها النسر!

5

الغزال يمضي وزرقة السماء لا تُطال

امضِ كالغزال ونشوتك عالية لا يبلغها طير البكاء الأسود.

لو أُعطينا أفضل من الحب

لكان لون عيوننا تغيّر

لكنّ لون عيوننا أزليّ

لأننا لا نملك أفضل من الحب.

ماذا تنتظر أًََََيها الضعيف لتنال القوّة

أيّة اشارة تريد

أكثر من رجع أصداء الوحشة بين جدران العالم

وأكثر من وقع أقدام الوحدة الصاعدة

على أدراج قلبك؟

إذهبْ ولا ترتّب الطاولات

أتركْ كل شيء

أتركْ المكاتب وأقفاص العصافير والمزهريّات

لأن الأشجار ستكون بلدك

وسترحّب بك الأزهار وهي تحمل باقات العصافير.

لماذا تتأخر وماذا تنتظر؟

بَكَيْتَ وضَحِكْتَ

صبرتَ وغضبتَ

أخلصتَ ولم يعد لديك أرض تدور إلا إخلاصك