حوار مع الشاعر الفرنسي إيف بونفوا

Yves Bonnefoy‏
 
 
1. juli 2016_ 24. juni 1923
كتابة وحوار:أسعد الجبوري
 
 
كانت العاصفة في ذلك النهار الجهنمي،أشبه بكومة رماح متطايرة حولنا.ولأننا لم نقو على مواجهتها فقد اضطررنا إلى الاحتماء في بهو المحطة المقامة في المكان المتفق عليه مع الشاعر الفرنسي من أجل إجراء هذا الحوار.
جلسنا أمام حوض كبير لتربية السلاحف.فيما كانت مجموعات من الحسان ،وهنّ يقدمنّ مختلف المشروبات للجالسين حولنا،وكذلك على أولئك المضطجعين على الأرائك من نساء وذكور في جناح اللمبات الزرقاء ،ممن كانوا بثياب النايلون .
كانت الصورة واضحة.لكن.وقبل أن نستغرق بالتفكير ،رأينا إيف بونفوا مطلاً مبتسماً ومنتشياً .رحبَ بنا وأخذ مكانه معنا إلى تلك الطاولة المصنوعة من الكريستال المُعشق بالبذور والأعشاب والورود المجففة.
وفيما كنا نتفرسُ وجه الشاعر،سألنا مستفسراً:هل يناسبُ حوضُ السلاحف الحوار ؟
لكنه،وقبل أن يسمعَ رداً،علقَ بنفسهِ على سؤاله مستطرداً:كم تمنيتُ لو كنتُ من فصيلة السلاحف ، أتنفسُ هواءَ الأرضِ الطلق بحرية ،وكذلك أتنفسُ الهواء المذاب في المياه بالنصف الآخر من تلك الحرية المُشَبّعة بالآمال المُخادعة.
آنذاك رأينا أن بونفوا قد فتح لنا الفرصة للدخول في الحوار مباشرةً .فسألناه :
 
■ هل يمكنُ الاعتقاد ،بأن سعادة النصّ الشعري وثراءه ِ، عادةً ما يتشكلا من خداع الشاعر لنفسهِ ؟
_ أعتقدُ ذلك.فأول أبواب الشاعر في اللغة،هو باب المخيلة .أي باب الخداع الشرعي لمختلف أنظمة الجسد التي تحاول أن تعقدَ مع اللغة صفقتها من أجل إنتاج قصيدة .
 
■ ألا يمكن غلق ذلك الباب ،أو نزع القناع برأي الشاعر إيف بونفوا؟
_ ممكن.ويحدثُ ذلك فيما لو رغبتَ بقتل الشعر.فالوهم هو المعادل الموضوعي لإنتاج الأوكسجين في دم الشاعر.
■ هل يتعلقُ هذا الوضع بـ ((أنا )) الشاعر أم بروح الشِعر ؟
_ بكليهما معاً. فعادةً ما تفيضُ أنا الشاعر،لتحملَ الروحَ بمراكبها نحو الورق أو إلى مراكز الأصوات الناطقة بحمى الكلمات الخارجة من أفران اللغات التي طالما نحاول الاحتفاظ بكميات من بذورها ،خوفاً من قحط قادم ،عادةً ما ينصب كمائنه للقصيدة على الطريق.
 
■ كأن الشعر لعبةٌ في العبث !!
_ ليس الشعرُ وحده من ينتمي إلى هذه الجبهة العبثية وجودياً،أنما المستثمرون للشعرِ كذلك.فما من جوهر يكمنُ في كائن غير العبث الذي ظاهرهُ حقيقي،وباطنهُ قاطراتٌ من سراب.
 
■ وماذا عن الإلهام ؟
_ ذلك مثل ديكٍ،يحاول أن يغلبَ النورَ بصياحه.ثمة استبداد لكلمة الإلهام الموازية لاسم مستشفى الأمراض العقلية الخاصة بالمؤلفين والكتّاب والفنانين والشعراء.كل داخل إلى مبنى الإلهام،هو شهيدُ فوضى اللغة.وكلّ خارج من ذلك المستشفى،سينشر العدوى في الآخرين بالمجان.
شعرُ اليوم،خلاصةٌ مرضيةٌ للفائض العالمي من التنكيل والإرهاب والظلام والرمل.
■ هل تعتبر الإلهام مطرقةً على الرأس؟
_ بالضبط.هو مطرقةٌ لا تقلّدُ أحداً ،عندما تنهالُ ضرباً على العضو الأعلى من الجسم،وذلك من أجل استخراج المؤلفات النائمة في الأعماق.
■ هل واجهتَ مشكلةً ما فيما يمكن أن تُسمى مرحلة انقطاع الأحلام الشبيهة بانقطاع الطمث ؟
_ لم أكن يوماً شاعر أحلام في تجاربي الكتابية.ربما لأنني استعضت عن الحلم بالوعي الفلسفي الخاص بتحليل الكون كتمرين شعري شبه ملتزم.
■ لا أعتقد أنك تقصد ذلك الالتزام الأيديولوجي ؟
_ بالضبط.فما زلت غير واثق بجدوى الأيديولوجية داخل الحقول الشعرية.الحريةُ التي تُفكك الأسوار والقيود عن القصيدة،تمنعُ حدوث التزام مقيت مثل ذلك الشئ الذي يؤدي إلى تجفيف النصوص أو جعلها شبيهةً بالأسماك المُدَخنةً .
■ هل تضع كلامك هذا تعبيراً تضامنياً مع ما قاله راينر ماريا ريلكه بأن (الأعمال الفنية ذات عزلة لا نهاية لها ) ؟
_ عزلة الشعر بالابتعاد عن المجرى السياسي وعدم الالتحام بوقائعه الفاسدة،يدفعُ نحو جوهر الفن.فطالما لم ينج الشعر من براثن الإيديولوجيات،فيما لو تورط بها هذا الشاعرُ أو ذاك من خلال الالتزام التقليدي.الحزبي الضيق.هناك أدوات أخرى لبناء الواقع في تراب الشعر.
■ تعني أن الايدولوجي فارغٌ من السحر الذي يحتاجهُ الشعري ؟
_ ليس هذا وحسب،بل أن الكتابةَ الفنيةَ تتعثرُ على التربة السياسية،أو تلتزمكَ المشي بواسطة العكاز.ذلك المشهد محزنٌ،ولا يدفعُ بالخيال إلى أن يتغذى بالطرب.
 
■ من أي باب من أبواب الفن ،دخلَ إيف بونفوا إلى الشعر ؟
_ من أبواب اللوحة ذات الصمت الحارق. الصمت الذي كان ينطقُ في داخلي العميق بعد أن يفتتُ الحجر.
■ أكنتَ تبحث عن مخلوقات ما ،تعتقدها ضائعة أو سقط منك ذات يوم ؟
_ كل ما كان موجوداً في اللوحات ،هو من ظلالي النائمة في داخلي.كنت أعتقد بأنني أشبهها وهي تشبهني.فالفن التشكيلي ليس متحفاً يغلقُ أبوابه الحراس الأشداء،بقدر ما هو تكوينات عن مجمل اضطراباتنا التي تنتعش بتلك الثورات المتفجرة بأرواحنا ببطء.
■ هل تعتقد بأن الفنون وجدت على الأرض من أجل مقاومة الموت بطريقة ما ؟
_ كنتُ أنتظر لو يستطيعُ الشعرُ اختراقَ الخطوط الدفاعية للموت بالأسلحة الفلسفية،ولكن ذلك لم يحدث .لأن الفلسفة عند كبار رموزها ،لم تندفع نحو تغيير فكرة الموت،بقيت عند حدود تعريفه على أساس أنه الثوب الأخير للكائنات الحيّة.
■ وهل هذا ما آمنت به ((دوف)) التي تم اختراعها من قبلك عندما كتبت كتابك حامل اسم العلم المؤنث هذا : “عن حركة دوف وثباتها” ؟
_ لا يمكن أن ينجو الشعر من الاختراعات.و اسم ((دوف)) هو شأن خاص للكتابة بعقل كيان ما.
■ كيان لغوي فقط ؟
_ ليس بالضرورة وضع ذلك الاسم في قفص .دوف ليست دجاجةً لتُحبس في مكان ضيق أو في زاوية ميتةٍ أو على حبل معلقٍ في قبو مظلم.
■ هل حاول السرياليون أن يجعلوا منك ومن دوف ألعوبة سيرك سحرية بعقل يفيض بالغيبيات،لذلك رفضت التوقيع على بيان بريتون السوريالي ؟
_ عندما تضع الماركسية والإيمان بالميتافيزيقيات في دورق واحد ،فأن ذلك التناقض الحادّ ما بين النظريتين،قد يُفجر الدورق الزجاجي،ويعرض الطرفين إلى مشكلة الجفاف .
■ استند انفصالي عن السوريالية على أساس أنها حركة لا تملك إلا فكرة عبثية واحدة ،هي تدمير الواقع وهجرانه والتمتع بالفراغ الذي تسدّ المخيّلةُ ثقوبه في الرأس أو الشارع.فقد كان السيد بريتون حريصاً على ضياع دلالات الصور والكلمات،لأن ذلك يجعل من السوريالية أرض التيه الجديدة بعد تيه جلجامش ببحثه عن نبتة الخلود.
 
■ ولكن السوريالية قلبت موازين الأنظمة الشعرية،وفرضت إرادتها على الشعر ،كأن يكون ملجئاً للطير ،لا قفصاً للأرانب .
_ يمكن أن يحدث ذلك.فالسرياليون طاقاتٌ خلاقة،ولا يمكن تتبع آثارهم في صناديق البريد أو في الأزقة الضيقة.ولكنني كما قلت سابقاً :”إنّ الشعر هو عمل ومصير. وهو أيضا ذاكرة. ذاكرة الكثافة الضائعة”. ؟
 
■ وأيضاً كما قلت أن الشعر: “ضدّ القوى المدمّرة والتخريبيّة” ؟
_ هذا مؤكد.فأنا صاحب عقلٍ يبصرُ في الشعر ،ويستطيع التفريق ما بين الجثة والشجرة.فكلاهما يتقدمان في الموت بفارق زمني مُثقلٌ بنوعية الخلايا .الإنسان السريع بالشكاوى والاضطرابات والعويل والصراعات،والآيل للسقوط بقوانين الاستراحة الأبدية،والشجرة التي تستجيب للشمس ،وتمتص منها القدرة على منح الآخرين الثمار،للبقاء في زمن الخصب أطول .
■ هل من أجل ذلك قلتَ مرةً : (( الشعر هو الفضّاح الأكبر. الشعر هو السبب الوحيد الذي يستحق أن نكتب لأجله في هذا الليل المدلهمّ الذي يسجننا )) ؟
_ بالشفرة التي عادةً ما يتركها الوجودُ للشاعر على كتف المغسلة .
■ وبماذا يفضحُ الشعرُ إيف بونفوا ؟ هل بتلك الشفرة أيضاً ؟!!
_ عندما أجدُ جسدي ،سأعترف لك بأشياء كثيرة عن تلك الشفرات الزمنية المُشفرّة من زمن الطفولة وتصاويرها البائدة،وحتى حيوان النسيان الضخم الواقف على باب التاريخ،لواجب التهامي مع قصائدي الشبيهة باللحوم المُدَخنة .
■ منْ يفصلُ ما بين إيف بونفوا وذاته ؟
_ليس جدار برلين القديم بالضبط،ولكنه الاستمرار في بناء الجسد اللغوي داخل جسم الشاعر.فليس صحيحاً أن تكتب أنتَ ،فيما ذاتكَ نائمة في حفرة أو على سرير .
■ هل تعتقد بأن الاستغراق بالأحلام مرضٌ ؟
_ لا أعتقد ذلك.فلم يُعَدّ الحلم شأناً رومنطيقياً عن الشعراء المعاصرين ،بعد توسع رقع المنافي والمقابر والدبابات في العالم.مرضي الراهن،يتعلق بعدم قدرتي على جعل اللغة مرفأ لمختلف السفن الضآلة وكذلك لمختلف غرقى الهويات والأديان .
■ هل سبق وأن جنحت في ذاتك سفينةٌ للشاعر بودلير؟
_ تماماً .أنا غريقٌ بصوته الصارخ وبمياهه الملوثة حدّ العفونة.
■ ولأجل كلّ ذلك كان انشغالك ببودلير يوم كنت على الأرض ؟
_ كان بودلير ذئباً شعرياً يدخل تحت الجلد،ويراقب حركة الدم في اللحوم.،ومثلما يلتهم الليلُ النهارَ،ويتركه عارياً على حبل الغروب.
■ كأنكَ تقدسُ فاجراً وبذيئاً ناضل من أجل خلق ديانة شعرية موازية لبقية الديانات في فرنسا ؟
_ أجل.فلقد دافع بودلير عن الحقائق التي كانت الناس تنظرُ إليها كباقة أحلام مشروعة في بلاده ، فيما غرقَ هو في بحيرة الآلام مثل مركبٍ منهك ومعدم إلى حدّ ما.
■ ثمة من يقول بأن (( بودلير مارس الشعر كحفر أركيولوجي في أعماق الليل السيكولوجي للإنسان. لقد راح يدشن الشعر كبحث عن الذات، كحفر في أعماق الذات، كنزول إلى الطبقات السفلية والجحيمية للذات. هنا تكمن عبقرية شارل بودلير.)) ما رأيك ؟
_ بودلير بالملخص المفيد:يسحقنا بالجملة والمفرق .إنه المجرى الأعظم عمقاً لدم الشعر الفرنسي بالضبط.
■ هل تملك في رأسك رادارات ؟
_ الشعرُ يحتاجُ إلى ذلك من أجل سرعة الاستدلال والاكتشاف والنمو ،إدراكاً للوعي وتنظيم القصائد تنظيماً عقائدياً على سبيل المثال ؟
■ تقول هذا بدافع عائلي ،كونك نجلاً لأبٍ كان يعمل في مصلحة السكك الحديدية .أي بمعنى وجود رغبة لديك كأن تكون قطاراً يشقُ الشعر والفن والفلسفة وسط ضباب النفس ؟
_لا.لم تكن عندي رغبة أن أكون قطاراً .أنا تأثرت بأمي الممرضة.فلقد أخذت عنها أكثر من فكرة في معالجة النصوص .
■ أتعتقد بأن أمراض النصوص شائعة وكثيرة ؟
_ ما من نصّ شعري شاهق،ولا يتطلب علاجاً نفسياً.كلنا مرضى لشعراء ولكتّاب يعيشون ما وراء الأغلفة،ولكن كلماتهم،عادة ما تصيبنا بالعدوى من جراء تكاثر الأمراض النشطة المراهقة.الشاعر أو الكاتب الذي لا ينقل إليك بكتريا المؤلفين،لا يصح اعتباره شخصاً مُستَغرقاً بالجنون الفني.
■ وهل تكتب أنت الشعر بدوافع سيكولوجية يا سيد إيف بونفوا ؟
_ بالضبط.أهم ما في البناء الدراماتيكي للجملة الشعرية،توفر الدوافع السيكولوجية التي أعتبرها بمثابة الفقرات التي تؤدي إلى نشوء العمود الفقري للغة ،دون الاعتماد على النُظم الشعرية والقواعد التي تسند تكوين القصيدة فقط.
■ إن اللغة على حد تعبير ناقد مهم مثل هارولد بلوم ((مجازات مخفية :تعابير ساخرة ومجازات مُرسَلة واستعارات نميزها فقط،عندما تزداد معرفتنا بالشعر )) كيف ينظر إيف بونفوا إلى ذلك ؟
_ الشعرُ بنظري ،هو أكثر من ذلك بكثير.إنه تماس ما بين كهربائيات الدماغ ،وبين مخلوقات اللغة القابلة للتطوير .
■ كيف يمكن تطوير تلك المخلوقات اللغوية برأي بونفوا ؟
_بكاسحات الأضرحة ومقابر الأسلاف في النصوصّ.أي بمعنى طرد موظفي الكلمات القدامى، والتأسيس على توظيفٍ حديثٍ لخلايا نّحْل المخيّلة.
■ لماذا تضع شروطاً لكتابة الشعر؟!
_ تلك ليست شروطاً ،بقدر ما هي فَوْرَة ذهنية ،القصدُ منها تلمسُّ الطريق الشعري من الطفولة المُبادّة وحتى لون الشيخوخة في لوحة الشاعر .
■ ألا تجدُ أن صفاء اللغة،يأخذ بيدها إلى الفراغ ؟
_ كلّ صفاء في اللغة ،هو تضادّ في الشعر.وإذا ما أدخلنا القصيدة إلى عيادة فرويد،لكان قال :الشِعرُ ثمرةُ الجنون الخفي.
■ ولكنك لم تستثمر هذا الجانب في شعرك.لذلك هربتَ من المُجمع السوريالي، قبل أن تنفضح أدواتك وتفشل في كتابة النصوص السوريالية ؟
_ليس ذلك صحيحاً.فما كتبتهُ أنا من قصائد،كأنما كان تطريزاً على حجر.
■ والأغاني. ؟
_ لم تكن روحي غنائيةً بالقدر الكافي ،خاصة بعد ظهور الحساسيات التي تترجمُ الشاعرَ ضمن مسلسل الخدائع والأوهام المستلهمة من المسرح الكوني .
■ ليس الشاعر رائداً يسعى باحثاً عن أراضٍ مجهولة:فأراضيه – على حد تعبير موريس ساييه – أعطيت له.وعليه أن يجتازها ويعاود اجتيازها .وأراضي إيف بونفوا هي الأكثر حصراً والأكثر تحديداً :الزجاج،الحجر الأشهب،الفجر،النور،النار،البلاط ،السيف ولمعانه،البحر والظل ،هذه هي الأماكن التي يمارسُ فيها.وهكذا فبعض كلمات مميزة تحملُ الجمال الشعري الذي يطارده طوال القصيدة.فهل كنت صياداً ماهراً ومخلصاً لأسلحتك النادرة والعارية على حد تعبير موريس ؟
_ أنا مع الناقد الذي يصطحبني معه في نزهة لا يثقلها تاريخ ولا تفسدها جغرافية،لا مع ناقدٍ يأخذني إلى المختبرات ،كما يفعل العلماءُ مع فئران الأنابيب.
■ ألا يؤمن إيف بونفوا بأن الشعر تجريبٌ ؟!!
_ وهو كذلك.لكنني فارغ من الإيمان الكليّ بالمختبرات .ففي الشعر يندمجُ الموتى بالأحياء.والعكس صحيح أيضاً.ولكن أعمالاً من ذلك الطراز،لن يكون لها الأثر البليغ في بلوغ الذهول الشعري.
■ هل هضم بونفوا أسلافه من الشعراء،أم أن التخمة لم تقع أصلاً ؟
_ أنا تمتعت كثيراً بأسلافي حتى التخمة.أخذت منهم الأرواح لا ظلال الكلمات وأنظمة التأليف وحسب.بل كنت راصداً لنشوء حركة اللغة عند أغلبهم،مما ساعدني على اختراع اللمبة الخاصة بي من مجمل التيار الكهربائي للشعر بشكل عام.
■ ثمة من يقول ((ان بونفوا زارع هذه الوسوسة شبه الأسطورية الذي لا يكل ،لا ينقطع عن إثارة الدهشة بجميل الشعر.)) إلى أي مدى كان ذلك الكلام صحيحاً ؟
_ أعتقد أن تلك الوسوسة،لم تنجب أسطورةً ،بقدر ما كانت انقلاباً على الثابت الذي أسس عليه الأقدمون ترسانة الشعر ،وأصبحوا بمثابة مرجعيات لديكتاتورية اللغة وساعة التأليف .
■ وهل استطعت تفريغ مواقيت الكتابة من الزمن ،كي يكون واسعاً ؟
_ بالتأكيد .فأن تأتي بالعالم إلى القصيدة،فمعنى ذلك أن تقوم بتقليم أظافر الزمن،كي لا يحشرك بالزاوية الميتة،ويقضي على نبوغ المخيّلة .ان سقوط قصيدة على الأرض،يُعدّ كارثة لا تليقُ بالشاعر الساحر بصنيعه الأدبي .
■ أتعتقدُ بوجود قَدَاسة ما في الشعر ؟
_ لا أبداً.القَدَاسةُ هي الطّهْرُ والبركةُ .والشعرُ مكان يخلو من الاثنين.بل ولن يكون إلا فضاءً لمختلف المخلوقات والكائنات المتحاربة المتصارعة على محاصيل الوَهْم الوجودي.
■ أية كلماتٍ،تبعثُ الطمأنينةَ في نفس إيف بونفوا ؟
_ الكلمات الصامتة.تلك الكلمات التي تمنحك رائحتها فقط،لتستغرق فيما بعد بالتأويل والتفسير والتحليل عما وراء رائحة ذلك الصمت اللعين!
■ كأنكَ مذعورٌ ،وتحاولُ وضع الكلمات الصامتة بتصرف الرحمة أو العناية الإلهية ؟!
_ أنا أنظرُ إلى كلماتي من أعالي البحر.لذا لا أرغب بصمتها.أريدها صاخبةً . فالكلمات الصامتة شبيهة بتلك الصقور التي فقدت حدّة البصر .والشعرُ الحي،لا يقوم إلا على الأعين البصيرة القادرة على تصوير الأشياء من مختلف الزوايا .
■ والعواطف.أين تقع من خريطة الشعر برأيك ؟
_ تقع في الحانة أو في حوض السباحة حتماً .
■ تعني أنك تريدها ثملةً وغريقةً في الهوى ،كما يُستدلُ من كلامك ؟
_ صحيح.فلا يمكن تطهير الجسد الشعري من البكتريا العاطفية أبداً،لأنها من المُغَذّيات الرئيسة للشعر الرومنطيقي القائم على الاحتكاك الدائم بجبال النار.واللغةُ بالطبع ،هي من أولى تلك الجبال.
■ بمعزل عن رومانطيقية الشهوات النائمة كخلايا في الباطن الشعري ؟
_ لا أظن أن نجاحاً يصيبُ شاعراً تقهقرهُ الصحراءُ. لذلك فالشهواتُ هي لمعةُ ذلك الكريستال الذي لا يظهرُ إلا في مواقيت الحرائق الحرجة،عندما يفيض الشعراء العشاق بالنيران التي تلتهم أجسادهم،دون أن تجد عندهم الرغبة بإطفاء أنفسهم .
 
■ وهل الشعراء العشاقُ مازوخيون كما تقصد ؟
_ أجل.فأعظم شعراء التاريخ ،كانوا من المازوخيين المتلذذين بحرائق العواطف الصانعة لنظريات الاندماج بالآخر حتى المحو.
■ ألا يمكن اعتبار الحبّ عند بعض الشعراء نوعاً من السيرك،أو الهَوَس الجنسي ليس إلا ؟
_ وما العيب في ذلك ،إذا كان محركُ الحبّ بَهلواناً ،يستطيعُ إبهار الجسد بمختلف التمارين التي تقود إلى الذُّرْوَة .الشعرُ في روحه العليا :حاضنٌ للشهواتِ ليس إلا .فأغلب الدراسات التي تصدّت لهذا الموضوع ،صاغت اجتهاداتها على أن العصب الجنسي هو الذي يزيد مناعة النصوص ضدّ الهلاك.
 
■ أنت ذهبت عميقاً في تشريح الفن وأفكاره المتعلقة بجداريات فرنسا الغوطية وفن الباروك.فما النتيجة التي توصلت إليها من وراء ذلك التشريح الجمالي للآثار الفنية ؟
_ اكتشفت أن لي في كل عمل فني من تلك الآثار ،قطعةَ لحم.أي أنني كنتُ موزعاً على تلك اللوحات وعلى تلك الآثار منذ قرون طويلة.ولقد استعدتُ من ذلك الإرث الفني خصوبتي الشعرية إلى حد ما .
 
■ هل من أجل (إعادة تأسيس وحدة الوجود) التي قيل أنك تبحث عن أدوات لانجازها ؟
_ عندما يتعلق الوضع بالمسائل العظيمة الكبرى،يزدحمُ الرأسُ بالنشاط الحيوي الذي سرعان ما يبدأ بالتخلي عن الجسد أولاً،ومن ثم بإطلاق الروح أو تحريرها من العمق النفسي الاستراتيجي الخاص بالشخص،ليبدأ التشكيل الجديد بالدوران حولك كالزوبعة،ومن بعد ذلك يتم الاختفاء بالانتقال السريع نحو النجم البعيد.
 
■ أنتَ فعلت تلك التحولات حتى وصلت إلى هذه السموات ؟
_ لا .أنا وصلت إلى هنا قبل موتي بسنوات.كنت في رحلة استكشافية مع الناقد غيتان بيكون،قادنا إليها بعض الشيطلائكيين من رعاة المخيّلات الهادئة.
 
■ وما كان الهدف من وراء تلك الرحلة ؟
_ افتتاح مدرسة للنقد الإلهي لنصوص ما بعد الأرض.فالناقد (غيتان بيكون ) يريد حشر أهل التأليف في منازل لها درجات ومراتب في الفردوس.
■ هل كنت متحداً مع عقلك في عمل من ذلك النوع النقدي الذي كان غيتان بيكون يتمناهُ؟
_ لم يكن عندي رفض لمشروع مثل ذلك . وربما أردنا نصب مجموعة من الفخاخ لشعراء وكتّاب ،لم نقو على الانتصار عليهم أرضياً من خلال النقد.
■ ألا يساورك خوفٌ من الله على فداحة ما تخطط له ،فتذهب بك الريحُ إلى جهنم ؟
_ لا وجود لمثل ذلك الخوف هنا.ولا أحد يريد أن يكون الفردوس غرفاً أو منازلَ أو بساتينَ يملؤها الهدوءُ والشخير فقط.ان شاعراً مثلي،لا يليقُ به النوم ،لا في قبر ولا على أريكة من السندس والحرير.
‬■ هل حاوركَ الموتُ ،وأنت في الطريق إلى هنا؟
_ حاول.ولكنني أعطيته ظهري،ومضيتُ مستغرقاً بقراءة لوحات الوجود التي كانت معلقة على جدران البرزخ الموصل ما بين الأرض وبين السماء.
■ إذا كان جان كوكتو قد كتب(ان الساعة الدقاقة الشريرة/تغني بعشرين شكلاً لتخدع الزمن )) فبما يقول إيف بونفوا الآن؟
_ سأقول كالتالي: كلما اخترع اللهُ لوحةً،كنت من مخلوقاتها الفنية/ولا راحةً لي ،ولن أستريح على كرسيّ الوجود.
■ كرسيّ الوجود أم كرسيّ الحبّ تقصدُ؟
_ هما كرسيّ واحدٌ وبأربعة قوائم:الحرية والجنس والليل والموسيقى.
■ ألمْ تنس شيئاً مهماً :الكتابة مثلاً ؟
_ ما من كاتب وما من كتابة وتفرّط بإخلاء جسدها من القوائم الأربعة .أن لحظة من الحبّ،قد تملأ سجلات التاريخ كله.
■ هل لأن الجسدَ وثيقةٌ من لحم ومن روح ومن كلمات ،وحبرُها ختمُ الحبّ ؟
_ أجل.وكلّ تمرين بالغرام،معركةٌ بمواجهة البؤس والموت وخراب الحواسّ .
■ والخمر !! أين موضعهُ موقعهُ من الخرائط التي طالما تستفيض بها دون ذكر الثمالة ؟
_ الخمرُ هو بابُ الطوارئ الموجود في ظهورنا،للهروب من مشاق الحرية والبؤس وضغط الدم وتضخم المظالم الناجمة عن القتل والمحو والاستلاب والعنصرية.فليس كمكتشف لمعادن الأجساد كالخمر.
■ ولماذا لا تشمل النساء في عمل جيولوجي مثل ذلك الذي تفعله الخمور بين طبقات الأجساد ؟!!
_ كان عندي منهنّ كومة مفاتيح،وفقدتها.
■ وهل النساء أبوابٌ بنظر إيف بونفوا فقط ؟!!
_ لم أقل ذلك. فالنساءُ من فصائل الخزائن، لا من فئة الأبواب الخشبية السريعة الكسر والخلع والتحطم.فالمرأةُ المهمةُ، تُقاسُ بعدد ما بحوزتها من مفاتيح .
■ ولكننا لم نرَ نساءاتٍ مثيراتٍ في شعر إيف بونفوا .وجدنا الدمية ((دوف)) وللأغراض الشعرية فقط !
_ هذا سؤالٌ لا يحبسُ الدمع في العينين أبداً.خصوصاً إذا ما أكدتُ لكَ بأن جميع النساء،غادرنّ حياتي مبكراً،وتركنّ جثماني لحفلة غربان الشعر.لا أعرف من كان منا منتصراً :جثماني أنا أم تلك الغربان ؟
■ لو كنت قد سألتَ سيمون دي بوفوار عن ذلك،لحصلت على الردّ المناسب وربما الحتمي.لماذا لا تبحث عنها هنا ،وتطرح عليها السؤال؟
¬_ قد أفعل ذلك فيما لو بقيتُ تحت تأثير صدمات الفائض الكبير من نظريات النسيان الفلسفي المتوحش . ولكنني في كل الأحوال ،سأرسلُ لها تلّغرافاً أطلبُ به محل إقامتها .
■ ترسلُ لها تلغرافاً بعد كل تلك التطورات التكنولوجية لأدوات التواصل الاجتماعي ؟!!!
_ أجل.فالمؤمنون هنا، يحجبون أنفسهم عن التكنولوجيا الدخيلة ،ولا يمارسون إلا تقنيات النكاح للإشباع الجنسي فقط لا غير.