إيماضة عاجلة على رواية : ثعابين الأرشيف للأديب العربي الأستاذ أسعد الجبوري .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

كورتاج لمخلوقات الجن والرمل والجراد .

وليدة محمد عنتابي‏ 

تتمفصل الرواية إلى ثلاثة وأربعين فصلا ، كل فصل من فصولها يتخذ رقما في سلسلة يقف فيها الكاتب خلف الشخصية الرئيسة التي تروي الأحداث بصيغة المتكلم ، ليعقب بمداخلة توضيحية لبعض ماورد فيها من أفكار ، بضخ معلومات قد تكون غائبة عن ذهن المتلقي ، أو لإراقة ضوء من وجهة نظره الشخصية على بعض المواقف .
وهذه التقنية المحدثة على أسلوب الرواية أضافت ثيمة محببة لدى القارئ ، كمحطة انعكاسية للمفاهيم التي تطرحها الرواية، وكفسحة للتأمل والربط والاستنتاج .
الرواية بكل ماورد فيها من متون وهوامش وتعقيبات وشروح ، تشكل موردا ثقافيا ومعلوماتيا مكثفا ومختزلا هاما لفترة الحرب الكونية على سورية وغيرها من البلدان العربية بظاهرة ما يسمى بالربيع العربي ، واستهدافها لأمنها وسيادتها في محاولة للاستيلاء على ثرواتها واستعباد شعبها بنقله من نور الحضارة والعلم إلى ظلام التخلف والجهل .

بلدغات موجهة وزيفانات سامة فعلت فعلها في جسد وروح رقعة جغرافية كل جريرتها أنها باتت مطمعا لتكالب قوى الشر والجشع والعدوان ، في تسييد الجهل والظلام واغتيال العقل .
اعتمدت الرواية تجربة نوعية جديدة في عالم السرد الروائى ، نقلتها من التقليد إلى التحديث في تشكيلها لشخوصها الرامزة ، على متن صلب في بعديه : الاجتماعي والفردي، ساعية لدمج المتخيل بالواقعي من خلال تجسير المسافة بين الوقائع ونتائجها ، وبالتالي إعطاء الهوامش مساحة مجزية ، وإثراء واغناء الإمكانات المذهلة للطاقة السردية التخيلية المبنية على أحداث جرت في حقبة زمنية على أرض الراهن العربي .
لست بصدد إغداق دلاء من الاستحسان على تلك الرواية التي استنفدت أياما عديدة من مطالعتي لمكنوناتها الهائلة والمثيرة للدهشة ، وتأمل مجريات أحداثها وانطباعات شخوصها وتحولات مواقفهم وتغيرات مسارتهم في تطور وتصعيد الحدث الدرامي في بؤرة الصراع ؛ بل سأدع للقارئ من خلال نشر فصولها متسلسلة على متصفحي على الفيسبوك ، فسحة تأمل للمؤلف أولا في إعادة قراءة ما أنتج ، وللقارئ تاليا في تأطير انطباعاته من خلال تعليق أو مداخلة .
استطاع الجبوري بثعابينة المتفورة من أرشيف السلف أن يسلط الضوء على تلك السموم المخزونة في صناديقها السوداء والتي ما فتئت محط مرجعيات خدرت كثيرا من العقول وهيمنت ردحا طويلا تحت الصمت .
لموازنة عادلة بين اللغة كقالب خرج من رتابة الحكاية إلى حيوية الحوار ، وبين المحتوى بمعناه ومغزاه ورسالته الصارخة حينا والهامسة أحيانا ، قام الجبوري بتأسيس مشهيدية لافتة لتحديث التقنية الروائية ، والخروج بها من مطبات السرد الروائي المعتاد إلى بناء الحدث السردي من منظور تشخيصي ذي وجهين ، يكرس اقتران الوقائعي بالتخييلي ، من حيث الفكر والممارسة في سلوك الشخصيات وما بينها من تناقضات ومهاو أدت إلى مفارفات مذهلة من تهافت قيمي إلى إسقاط أحداث معاشة او متخيلة ترمز إلى واقع راهن ، أعطت بعدا معادلا ملموسا للفعل المجسد في الحدث .
اعتمد المؤلف شكل روايته المتفرد في عالم السرد من أسلوب حياته وطريقة معايشته واستقباله لما يجري حوله من أحداث ، وكيفية تناولها كشاعر خرج عن النمطي والمألوف ، وكمشخص للنفسي في سبره أعماق ما يحيط به من جماعات وأفراد ، وكفنان تشكيلي متح ألوانه ظلاله وأنواره من تعدد الرؤى والمفاهيم والقيم ، في محاولة لتأسيس عالم فني يتخذه معادلا للعالم المعيش .
وهو ببنائه الكائن لعمارته الروائية لا يرخم جامدا في تسريد الحدث وتطويره وتثبيته لوحة على جدار أو ثعبانا في أرشيف ؛ بل هو يسعى إلى صياغة عوالم غير مألوفة وسبلا غير مطروقة، بغية فرد بصمته الشخصية الماضية إلى تفردها وخصوصيتها .

يتحرك المكان مخفورا بالزمان على رقعة شطرنج غالبا ما تتساقط بيادقها على أرضية مشتهاة ؛ بينما تتصادم الجبهتان في تصميم فاحش لمحو كل منهما للآخر .

أستطيع القول أن السارد لم يحشر المفاهيم المجردة والشروح الموضحة كأعمدة لسقف روايته أو جدران لحمايتها من التداعي، بل هو صهر هذه المفاهيم وصبها في مجرى الحدث المؤطر بحالته الزمنية ومرماه المكاني .
مما أغنى الرواية وأعطاها سمت المصداقية إن لم أقل التوثيقية .