أن تكون شاعرًا بألمانيا الآن يعني أن تعيش بالهامش

من اليمين (أعلى): فريد، باخمان (أسفل): بول، ريلكه، هاينه
لا شك أنّ ألمانيا هي الدولة الأقوى والأكثر تأثيرًا في الاتحاد الأوروبي، من الناحية السياسية والاقتصادية بطبيعة الحال، لكن هل لديها التّأثير نفسه من الناحية الثقافية والأدبية، وفي مجال الشّعر على الخصوص؟ ولماذا بالكاد نسمع عن الشعر الألماني في السنوات الأخيرة، بعيدًا عن الأسماء الكلاسيكية الموروثة، مثل غوته وشيلر وهولدرلين وهاينه وريلكه؟ ولماذا نجهل تمامًا ما يكتبه الشعراء الألمان الشباب؟ وما معنى أن يكون المرء شاعرًا ألمانيًا في مطلع هذه الألفية الجديدة؟

شعر جديد ومجهول
يمكن التأكيد، منذ البداية، أنّ هناك شعرًا جديدًا يكتبه الشباب في ألمانيا. وقد يبدو هذا مناقضًا للصورة النمطية التي تشكّلت عن هذا البلد على مرّ السنين: بلد ملِّيمتري تطبعه الجدّية، وأهله عمليّون بشكلٍ مفرط، وصامتون أكثر من اللّازم. لكن وسط هذا الصمت، هناك أيضًا شباب يصرخون، بكلّ الطرق الممكنة، رغم أنّ كثيرًا من الجمهور لا ينصتون إليهم. وللأسف الشديد، يكاد لا يصلنا شيء من شعر هؤلاء الشباب في العالم العربي، بسبب انحياز مترجمينا لنقل الأعمال السردية فقط، بينما هناك محاولات محتشمة لترجمته إلى باقي اللغات الأوروبية. بل حتى في أوروبا نفسها، لن يجد الباحث بين رفوف الشعر في المكتبات سوى مختارات من أجمل قصائد الحب في الشعر الألماني، وبعض الكلاسيكيات المعروفة. لكن في المقابل، يمكن القول إنّ الإنترنت حرّر الشعراء الألمان وكسر الحدود بين اللّغات والبلدان. والمثال الأبرز على ذلك موقع “بابل سبريش”، وهو مبادرة من ورشة الأدب في برلين وبيت الأدب في فيينا وبعض المراكز الثقافية والأدبية الأخرى. ويهدف إلى أن يكون بمثابة منصّة للشعراء في جميع أنحاء العالم الناطق بالألمانية، لنشر قصائدهم والتعريف بأنفسهم، وله علاقات وتعاون مع المجلات الهولندية والدنماركية والأميركية.

ثمّ هناك أيضًا بعض الجماعات الشعرية تؤثّث الساحة، لعلّ أشهرها مجموعة Berliner G13، التي تمّ تأسيسها في عام 2009 من قبل شعراء شباب وُلدوا بين عامي 1980 و1990. وهي ليست المجموعة الوحيدة في المدينة، إذ يمكن لبرلين أن تتباهى بكونها المدينة التي تشهد أكبر عدد من الأنشطة الأدبية في ألمانيا. فمعظم الشعراء الشباب الألمان، الذين لديهم بعض التأثير على المشهد الألماني، سبق أن عاشوا أو درسوا في برلين، بينما تأتي مدينتا ميونيخ ولايبزغ في المرتبتين الثانية والثالثة من حيث الأهمية الأدبية بالنسبة لهؤلاء الشاب.
يتحدّث كلّ هؤلاء الشباب في قصائدهم عن حياتهم الشخصية وأجسادهم وحميميتهم وعلاقتهم بالإنترنت. إنّهم يتحاشون الخوض في المواضيع الاجتماعية والسياسية والتاريخية. بل إنّ بعضهم تمرّد حتى على تراثه الثقافي الوطني، فكتب مباشرة باللغة الإنكليزية، أو زاوج بينها وبين الألمانية. ومن الغريب أن نرى كيف يمكن أن يصبح شعر هاتين الثقافتين المختلفتين – الإنكليزية والألمانية- متشابهًا للغاية. وهناك أيضًا من يميل لاستخدام الإنترنت كمولّد للنصّ، مثل غريغور فيخبرودت الّذي استثمر في كتابه الشعري “على الطريق” إحداثيات رحلة كيرواك عبر أميركا وفقًا لخرائط غوغل. ورغم هذا التأثُّر الواضح والقويّ بالأدب الأميركي، إلّا أنّه من الصعب الحديث عن حركة واحدة ضمن ما يسمّى “الأدب البديل”، تضمّ جميع هؤلاء الشعراء الشباب في تكتّل واحد. فخريطة الشعر الألماني الجديد تشبه إلى حدّ بعيد وضعيته قبل القرن التاسع عشر: هناك عشرات المجموعات المستقلّة، تعمل بشكلٍ منفصل عن بعضها البعض، رغم اتّصالها جميعًا بشبكة الإنترنت.

موقع “lyrikline” في برلين يُعد أكبر منصّة عالمية للشعر المعاصر 

أزمة الشعر العميقة
كانت ألمانيا توصف دائمًا بأنّها بلد الشعراء والفلاسفة والمفكّرين العظام. لكن الأمر لم يعد كذلك اليوم، بالنسبة للشعراء على الأقلّ. صحيح، ما يزال التلاميذ يتلون قصائدَ غوته وشيلر في المدارس، وما يزال الطلبة ينجزون بحوثًا أكاديمية عن برتولد بريشت وجورج تراكل، ويمكن أن تعثر في المكتبات العائلية للبورجوازية المثقفة على أعمال راينر ماريا ريلكه أو غوتفريد بن. لكن هل يستطيع كلُّ هؤلاء أن يذكروا اسم شاعر ألماني واحد من الشعراء الجدد الذين يعيشون بينهم؟ الجواب هو النفي، بحسب رأي موريتز آيسلينغر في آخر تحقيق أنجزه عن وضعية الشعر الألماني، ونشرته مجلة “داي تسايت” الأسبوعية الألمانية خلال مارس/ آذار الماضي. ما تفصح عنه الأرقام لا يدع مجالًا للشك: حقّق الشعر واحدًا في المئة فقط من مجموع مبيعات الكتب الأدبية في ألمانيا خلال عام 2018. وصار من النادر أن يبحث القارئ الألماني، في أي مكتبة من المكتبات، عن الجديد بين رفوف الشعر، لأنّ معظمها يحتوي على الأعمال الشعرية الكلاسيكية فقط. وقد لاحظت المجلة المتخصّصة “Börsenblatt”، في بداية هذا العام، أنّ ما يُباع من بين كلّ عشرة كتب شعرية ألمانية، يوجد كتابٌ واحد ما يزال صاحبه على قيد الحياة. لهذا يمكن القول إنّ الشعراء، بالنسبة لكثير من القرّاء الألمان، ينتمون بالضّرورة إلى فئة الموتى. وتزداد الصورة قتامة حين نعلم أنّ حتّى الشعراء الأحياء لا يبيعون من كتبهم الشعرية سوى 200 إلى 500 نسخة بشكل عام. ويمكن استثناء الشاعر نيكو بلوتغه مثلًا، الّذي يمكن اعتباره من الشعراء “الأكثر مبيعًا”، لأنّ مبيعات كتبه الشعرية تتجاوز 1500 نسخة، وهذا يجعله يُصنّف بين الشعراء الكبار، في الإعلام على الأقلّ. لكن، ماذا يعني هذا الرقم في سوق متواضعة إلى هذا الحدّ، خصوصًا إذا علمنا أنّ بعض الروايات الألمانية الناجحة قد تتجاوز مبيعاتها في كثير الأحيان مئات الآلاف من النسخ

الرايخ الثالث: بداية النهاية؟
أن تكون شاعرًا اليوم في ألمانيا يعني أنّك اخترتَ العيش في الهامش. وهذا يتطلّب منك الكثير من الجهد والكفاح من أجل الاعتراف، للحصول أوّلًا على أبسط حقوق المؤلف المتاحة، وثانيًا من أجل إقناع المكتبات بعرض كتابك على الرفوف. لكن، لماذا كلُّ هذا العناء؟ لفهم هذه الظاهرة يجب العودة قليلًا إلى الوراء. فمنذ زمن غير بعيد، كان الناس يقبلون كثيرًا على شراء كتب الشعر، وكان يُنظر إلى الشعراء نظرة تبجيل، عكس ما يحصل اليوم. في عام 1954 مثلًا، كرّست الأسبوعية الشهيرة “دير شبيغل” صفحتها الأولى للشاعرة اينغبورغ باشمان، وسنواتٍ بعد ذلك، صار الشاعر رولف ديتير برينكمان أوّل كاتب يحظى بشعبية مطلقة. وفي السبعينيات، كان وولف فوندراتسشيك يبيع 300.000 نسخة من كتابة “chuks’s Zimmer”، الصادر عام 1974 على نفقته الخاصة، بينما تجاوز إريش فريد عتبة 100.000 نسخة من “قصائد الحب” الصادرة عام 1979. وفي العقد الأخير، نجح شاعر واحد في أن يصل إلى قائمة أفضل عشرة مبيعات، وهو يان فاغنر، وكان ذلك فقط بسبب فوزه بجائزة معرض الكتاب في لايبزغ المرموقة عام 2015 عن كتابه “تنويعات الخزّان”.

 إريش فريد

بحسب رأي الناشر مارتن هيلشر، بدأ الشّعر الألماني في الأفول مع صعود النازية. كان الشعر في السابق يُعدُّ من بين القراءات الأدبية الأساسية للبورجوازية المثقّفة. لكن، مع سيطرة الرّايخ الثالث على البلاد، تعرّض عدد كبير من هؤلاء المهتمّين بالثقافة الشعرية إلى الاغتيال أو النّفي، وكانت تلك بداية النهاية. لكن، في سنوات الستينيات والسبعينيات، احتلّت الثقافة من جديد مكانة بارزة ضمن مواد وسائل الإعلام، وكان الكتّاب يعتبرون مثقّفين بارزين، متأثّرين بالالتزام السياسي لغونتر غراس وهاينريش بول. وقد استفاد الشعر من هذه الوضعية بطبيعة الحال. لكن هذا الوضع لم يدم طويلًا، إذ بدأ الشعراء يختفون شيئًا فشيئًا من الحياة العامة. وصار من النادر أن تُشاهد شاعرًا في أحد برامج التلفزة، ولم تعد تتردّد أسماؤهم في الصحف، أو تتلى قصائدهم في القنوات الإذاعية، بينما امتنع الناشرون عن المغامرة بنشر كتب الشعر، لأنّهم صاروا مقتنعين بضعف مقروئيته وعائداته المادية، وهكذا اختفت الكثير من رفوف الشعر في المكتبات مع مطلع الألفية الجديدة.

أشكال شعرية جديدة
من جهة أخرى، ما يزال الشعر يُدرَّس في المدارس الألمانية، وما زالت تحتضن لقاءات مع الشعراء، يأتون لتنشيط ورشات إبداعية أو إلقاء الشعر ومناقشته مع الأطفال والمراهقين، لكن المشكل هو أنّ المدرِّسين لا يمنحونه الاهتمام اللّازم بحيث يشجّع التلاميذ على الإقبال عليه وتطوير مهارات قراءته. وهذا ربما على خلاف ما هو عليه الوضع في الولايات المتحدة وبريطانيا مثلًا، فحسب تقرير أصدره مؤخّرًا الصندوق الوطني للفنون -الوكالة الفيدرالية الأميركية التي تموّل الثقافة- يلاحظ أنّ هناك عودة للاهتمام بالشعر، من قبل فئة من الشباب تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، بحيث تضاعف عدد قرّاء الشعر خلال الخمس سنوات الأخيرة. وفي بريطانيا، بيع 1.3 مليون كتاب شعري خلال عام 2018، وهو رقم قياسي غير مسبوق، بينما ثلثا هؤلاء القرّاء هم من الذين لم يتجاوز عمرهم 34 سنة. ورغم كلّ ما سبق، فما تزال هناك حاجة إلى الشعر في ألمانيا، لكنه صار يبحث عن أشكال تعبيرية جديدة. إذ تنظّم كلُّ المدن الجامعية مسابقات في فن “سلام”. وغالبًا ما تحتفي الصحافة بأسماء مؤلّفي الأغاني وفنّاني الراب، الذين ترى كثير من هذه الصحف أنهم يمثّلون الشعراء الألمان الجدد. فمثلًا، يمكن اعتبار موقع “lyrikline “، الذي ينشّطه بيت الشعر في برلين، وهي مؤسسة تموّلها الدولة، أكبر منصّة عالمية للشعر المعاصر، إذ يزورها أكثر من 150000 متابع شهريًّا.

أغلفة أعمال الشاعرة إنجيبورج باخمان في مراحلها المختلفة

في الأخير، يمكن الإشارة إلى الاستطلاع الذي قام به بيت الشعر في برلين، بين فئة واسعة من الشعراء الألمان، فوجد أن 61% منهم يمارسون مهنًا أخرى إلى جانب الشعر، مثل قطاع الإعلانات أو التعليم. ولا أحد منهم تقريبًا يعيش فقط من مهنة الكتابة، التي يمكن أن تندرج ضمنها أيضًا، إلى جانب إصدار الكتب، بعض القراءات والمؤتمرات والدروس والورشات الإبداعية والجوائز. ورغم ذلك، فنصف هؤلاء الشعراء يكسبون بصعوبة 12000 يورو في السنة، أي أنّهم يقفون على عتبة الفقر، مقارنة بمستوى العيش في ألمانيا.

(( ضفة ثالثة))