=

 الشاعر أبو الطيّب المُتنبّي

 

(915م – 965م)

كتابة وحوار :أسعد الجبوري

 

تحت ساعة عملاقةٍ، تتوسطُ ساحة الزمن،كان يجلسُ منتشياً ،وعلى قبضةِ يده صقرٌ يتأملُ أسرابَ الطيور العابرة في الأعالي.فيما جلستْ حول الرجل،جمهرةٌ من البشر وبعض المخلوقات الغريبة،وكان كلّ فردٍ من تلك الجماعات، يقرأ بكتاب طويل القامة على غلافهِ اسم المتنبي.

لم ننتظر ما ستؤول الأمورُ إليه آنذاك. شققنا الطريقَ إلى الرجل وهو في ذّرْوة الانتعاش والخيال واللهفة .وصلنا إلى الكرسيّ الذي كان يجلسُ عليه ،فأمسكَ بنا قائلاً :لا تطيلوا البحث عن ذاك الذي في البال.فما من شاعر نبوةٍ في هذا المكان سوايّ.أنا الذي صعدَ من العراق قتيلاً إلى هنا.وما تزال سيوفُ قومي نائمةً في لحمي إلى الآن.

ما أن أوشك أبو الطيب المتنبي من الانتهاء من كلماته،حتى بادرناهُ بالقول:

كان العقابُ عاصفاً بحقك يا أبا الطيب.فمثلما برهنتَ أنتَ على وجود الدم في عروق اللغة،وربما أول شاعرٍ ساقَ الكلماتَ أمامه كالقطعان.مثلما كان القتلةُ قساةً بحقكِ .لذا جئنا نفتتحُ هذا الحوار معك بهذا السؤال الثقيل:

 

■ لو كان عند المتنبي آلة حاسبة،كم قدّر نسبة العراق تراباً بدمهِ ؟

ـــ أنا حسبتُ ذلك دون تلك الآلة الحاسبة،فخرجت علىّ الأرقام مضروبةً بأكوام من الأصفار على اليمين .آنذاك عرفتُ أن العراقَ مطلعُ سفينتي في تخوم التيه،وآخر وادٍ لغرقي تحت التراب.

■ وهل كانت لكَ الكوفةُ مسقط رأسٍ، أم مسقطُ رأس للشعر الذي يطوفُ بجسمك،طواف الدم في العروق؟

ـــ ليس للشعر في السّرّاء والضَّراء مسقطُ رأس.فهذا الكائنُ الخارقُ المشتعلُ المتألمُ الفيّاض المُخرِبُ شموليٌ وكاسِرٌ للحدود وللمعاني .وأنا لا أرى مسقطَ رأس الشعر إلا في صاحبهِ .تماماً مثل صغير الكنغر – الوَلَّب–   في جِراب أبيه .

■ وهل ثمة وَلَهٌ جغرافي ،يربطُ الشعرَ بهذا البلد أو ذاك؟

ـــ كلّ قصيدةٍ عندي،لابُدّ أن يكون عمودها الفقري من الصلصال ،وليس من العطر .وأنت كما تعلم ،فأن الصلصال لا ينمو في فراغ الأرض،إنما يُعَمرُ نفسهُ من أشدّ المعادن صلابةً،وبذلك يصبح بعمارته الجمالية، شاغلاً للجغرافيا وللعين وللغة على حدّ سواء .

■ هل أدركَ المتنبي يوماً،بأنه كان يؤسس لمدرسة سينمائية في الشعر العربي ؟

ـــ قبل أن تأخذني بهذا السؤال إلى تكنولوجيا المجاز،فقد كنتُ أقوم بتطعيم شعري باللقاحات اللازمة المضادّة للتصحر وأمراض الراحة.فالشعرُ برأيي،يجب أن يستمرَ مُقلِقاً ،لا مُصْاباً بعاهةِ القلق.

■ يا أبا الطيب :أيصحُ القول أن الشعرَ عند العرب ،ليس أقل من تَرويض الخيل ،ولا أعظمَ من تربية الماء بقلب صحراء ؟

ـــ لا يمكنُ ضبط سُّلوك الشعر في أثناء عمليات الترويض أبداً،أولاً،لأن الشعرَ ليس بالحيوان المتروكِ لعمليات الترويض وحدها.وثانياً ،ما كلّ مُرَوضٍ، يقدرُ على كَسر جبروتِ الشعر ،ويجعلَ منه كائناً مُطيعاً .

■ وأنتَ يا أبا الطيب .كيف كانت صنعةُ الشعرِ لديك؟

ـــ صنعةُ مَنْْ فَجَرّ في اللغة نبعاً،وصعدّ به طلوعاً إلى أعالي الجبال.

■ ولكن الشعر الذي أردتهُ عموداً فقرياً من الصلصال، ماذا بمقدورهِ أن يفعل بين أكوام الحجر وشدّة السكون هناك؟

ـــ أردتُ لهُ أن يتعرّف أكثرَ فأكثرَ على قوة إيقاعهِ بالارتفاع فوق عروش الأمراء والسلاطين.أن يجلس وجهاً لوجه السلطة،ولا يحترفُ الخوفَ بحضرة أحد،كأن يقفُ الشاعرُ بين اليدين،بينما الممدوحُ جالسٌ على كرسيّ .

■ أهذا كلّ ما كنتَ تطمحُ به من الصعود بالشعر إلى الجبال ؟!!

ـــ أن يسيطرَ الشاعرُ على قوةَ ارتفاعه بين الأقوام دون تخلخلٍ في موازين اللغة. فذلك يعني أنه يُخضع الآخرينَ لجاذبيتهِ .وأنا فعلتُ ما فعلتُ في هذا المجال،عندما جَمَعّتُ بقدميّ الاثنتين، أعظمَ الطاقات مغناطيسية ،لتمشي الشعوبُ ورائي. كنتُ لاقطاً للناس، وبشكل أوتوماتيكي .

■ هل من أجل ذلك قال عنكَ الحاتمي في ((الرسالة الموضحة)) :ووجدنا أبا الطيب أحمد الحسين المتنبي قد أتى في شعره بأغراض فلسفة ومعان منطقية .فأن كان ذلك منه عن فحص ونظر وبحث،فقد أغرق في درس العلوم.وإن يكُ ذلك منه سبيل الاتفاق فقد زاد على الفلاسفة بالإيجاز والبلاغة والألفاظ الغريبة.وهو في الحالتين على غاية الفضل وسبيل النبل.وقد أوردت من ذلك ما يُستدل به على فضله في نفسه وفضل علمه وأدبه وإغراقه في طلب الحكمة،مما أتى في شعره موفقاً لقول أرسطو طاليس وحكمته.) ؟

_ الشعرُ عندي خلطةُ معادنٍ.وكلّ معدنٍ له ثمرٌ من الحكمة التي تجتمع بترابها الرماحُ إلى جانب فلسفةٍ مُتعاليةٍ بتلك العلوم التي تضيفُ للعارف ما يشتهي إدراكهُ .

■ هكذا أنتَ على الدوام .تفيضُ كبرياءً دون انقطاع.أكان هذا أجل سدّ نقص ما ،أم للنفخ في أوداج الشعر،كي يكون طوطماً في أنفس الآخرين؟

ـــ أنا سدّادُ النواقص في شعوبي.وكبريائي ليس توليفةَ شاعر زائف يبيعُ القوافي فقاعاتٍ على الطريق، ولا هو عربدةُ سلطان حطّ به القدرُ الأعمى حاكماً على رقاب رقيقة.فأنا وكبريائي سيفان في غمد واحد،إذا ما أصاب الصدأ أحداهما ،أكلَ نفسهُ مع الآخر وذابَ حديدهما هدراً .

■ ولماذا لمْ يثأر المتنبي لكرامتهِ ،عندما رماكَ ( ابن خالويه) بدواةِ الحبر ،يوم كنت في بلاط سيف الدولة في حلب؟

ـــ كنا في بلاط أمير ،لا في سوق خضار أو حانة أو حلبة لمصارعة الثيران . وما رماني به ابنُ خالويه ذاك ،لم يكن دواة حبرٍ،بل رماني بدواة من دمعٍ كان يخزّنه بعينين أطفأهما الحقدُ والبغضُ والحسدُ وقلةُ الحيلة. فعلة ابن الخالويه تلك،كانت فعلة الأرامل لحظة فِقد المعين .

لذلك لم أردّ على من تَرَملَ في حاشية اللغة، فلبسَ ثياب مدرسة الفراغ.وعلى أية حال،فأنا تركتُ الردّ لسيف الدولة أدباً،وعندما لم يفعل ما كان ضمن قواعد السلوك الأميري، لم ينل الاثنانُ من شموخي. آنذاك،أدركت أن جرأة ابن خالويه،كانت بترتيبٍ مع صاحب البلاط.

■ ولكن الذين تنقلت بين مدنهم في دمشق وطرابلس واللاذقية وحمص وبوادي الشام وحلب،أفلحوا بجمعكَ مداحاً .ألا يناقض ذلك ما تدعيه من شموخ وكبرياء.وإلا كيف تستقيمُ المعادلةُ ما بين النفس الأمارة بالهجاء، وما بين الشعر كزفير من المدائح؟!!

ـــ ما كنتُ مداحاً لأحد. كلُّ ما كتبتهُ من مسلسلات المدائح والتبجيلات،فإنما هي كانت بحق شخصي أنا المتنبي .أو كنتُ أمدحُ ظلي الذي يقع بداخل الممدوح بالضبط.

■ بمعنى ،كنت تتقمصُ وتنفلتُ ؟

ـــ بالضبط.الشعرُ الذي يأخذ الحيز الأعظم من تفكيري،هو ثعبان لا مستقر له في جحرٍ بعينه.

■ وهل كان المتنبي ثعباناً ،كلما اقتربتْ منهُ نارٌ ،يزدادُ سّمُّاً ؟

ـــ نعم.وبالقدر المهم والكبير.كنت أقتلُ الآخر ببيت من شعري،وبلَدْغة واحدة ،كانوا يتساقطون.

■ أنتَ دَرَستَ شعراءً كثر،النواسي وابن الرومي وأبي تمام والبحتري وآخرين من نجوم ذلك العصر .فمن أوقفَ المتنبي على مفترق الذاكرة والقرطاس؟

ـــ أوقفتني الثعالبُ فقط.

■الثعالبُ أم النواطيرُ ؟

نحن ندركُ ذلك جيداً، فقد كنت تغطي على سيرة الثعالب في كهوف اللغة،وربما تُخضِعُها للتجارب القائمة على السيطرة من أجل إنشاء المريدين والإتباع.والسؤال هنا: هل ابتلعتَ نبوءاتكَ بمجردِ أن رفعوا بوجهك السوط في بادية السماوة،فتخلصتَ من مريديكَ ومن تبعوا أفكارك،عندما انصعت لعصا أمير حمص  ((نبياً)) من الخردوات .وسنة سجن،أفرغتك من محتواك النبوي بتلك السرعة الهائلة؟!!

ـــ في البدء ،دخلتُ تلك المناطق،كما لو أنني كنتُ سيارة جيب رباعية الدفع، لم ترَ في الطريق إشارات مرور أبداً.دخلتُ السجنَ على يد مساعد الإخشيدي .وهناك تعلمتُ أن عقلَ البادية ،لا يتناسب مع ما بي من أفكار ونزوات وتعاليم لم تكن معروفة في تلك البلاد.

■ ألمْ يكن إلحاداً وتطرفاً منك.أن تدعي النبوءة.وهل كان ذلك بالشأن العابر يا أبا الطيب؟

ـــ ولمَ تعتقدُ أنتَ بأن الأفكار التي طرحتها  آنذاك هي الماركسية- اللينينية وتقاسم السلطات مع الخالق والحكم البرلماني،القائم على الثورة بتحرير البادية،وإن كان الأمر يسترعي القيام بانقلاب عسكري؟؟

■ ألا يَعُدَ ذلك صداماً فتحتَ به جبهةً الدين سيوفاً للنيل من رقبتك.فمثلما جاء في –فتنة المتخيل- أن إحسان عباس في معرض حديثه عن المعركة التي أثارها شعر المتنبي بين النقاد قال: (( وصدمَ المتنبي الذوقَ مرتين:مرةً بشخصه المتعالي المتعاظم،ومرة بجرأته في الشعر،جرأته التي تركب المبالغة حتى تمسّ العقيدة الدينية)) ؟

_ المهم أن السجنَ كان الحافلةُ الأولى،لنقلي من جسمي إلى خارجه.ومن الدين إلى اللغة.ومثلما أورد عني المعري في رسالة الغفران خبراً يفسر به معنى النبوة التي أدعيها ،فيعدل عن الدلالة الدينية إلى الدلالة اللغوية قائلاً : (وحدثّت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب،قال:هو من النّبْوَة،أي المرتفع من الأرض.وكان قد طمع في شئ،كان قد طمع فيه من هو دونه.وإنما هي مقادير،يديرها في العلوّ مديرٌ،يظفر بها من وفّق ،ولا يُراعُ بالمجتهد أن يخفق.وقد دّلت أشياء في ديوانه أنه كان متألّها،ومثل غيره متدلّها،فمن ذلك قوله (الطويل) :ولا قابلاً إلا لخالقه حُكما)) .

■ أنتَ لم تكتفِ بمنازلاتك مع البشر،فتمضي لما هو فوق البشري.

((ما مُقامي بأرض نخلةَ إلاّ ..كمقام المسيح بين اليهود )) فهل حصل وأن دخلت بمجرى القرامطة

وكنت لهم معاضداً بعد أن أعلنوا ثورتهم على حدود الدولة العباسية ؟

ـــ أنا أدركتُ بأن مقامي فوق مقام كلّ ما هو أرضي .فكلما توسعتُ على كتب الباطن،سرعان ما تقدمتُ خطوتين في الظاهر.أما القرامطة ،فقد كنت لسانهم الأحمر السرّي في زمن القلاقل والانهيارات .وربما أكون قد غادرتُ الكوفةَ لبلاد الشام بسببهم،خوفاً من افتضاح أمري.لقد كانت العراق أرضاً لنمو الهلاك ،وكأن الموتَ حيوانٌ من المُستَحاثات،ولكنه يستطيع الخروج على المرء في اللحظة التي يريدها الخليفةُ.

■ هل كان المتنبي يتلقى رسائل تهديد من طرف أو جهة ما على مر تاريخه الحافل بالعواصف؟

ـــ نعم.فقد كان رأسي صندوق بريد لمختلف الرسائل ومختلف الرياح.وكل ما تتمخضُ عنهُ تلك الحرب الخفية،كان يصيبُ شِعري لا جسمي أو ثيابي. هكذا تعتقتُ شعراً ،تحصيناً لنفسي أمام كلّ أمير أو ملك أو سلطان .خاصة وأن الحواشي في هذا البلاط أو ذاك،مليئةٌ بالثعابين الذين عادةً ما يجهزون عليكَ سيوفهم ،بمجرد أن يروا ظلَ الشاعر وهو ينظفُ البلاطَ من قاماتهم المتفسخة.

■ هل كنت ترى المدائح نقمةً على الشاعر؟

ـــ الشعرُ في ذاك الزمان شركةٌ مُساهِمةٌ ،رأسمالها المدائحُ في سوق عكاظ أو سواه من القصور. وما يحيل الطينَ إلى حفنة تبر، عندما تستخلصُ الحكمة والفضائل من جلد كلب وضيع،عادةً ما تجدهُ أميراً على عرش ولاية في بلاد العرب!!

■ لذلك لم ترض أن تقرأ شعركً وقوفاً في حضرة الحمداني أمير حلب ؟

ـــ لم أفعل ذلك،خشية أن ينحني الشعرُ أمام الأمير،فيُفقدني هيبتي أمام الحاشية .

■ أيهما يثيركَ في الشعر أكثر،روحُ الشيطان أم ملاكُ اللغة يا أبا الطيب ؟!

ـــ لا وجود لملاجئ في الشعر ، لا لملائكةٍ ولا لشياطين . ذلك ليس بالأمر الصحيح.فالأبالسةُ أميون،لا يعرفون إلا لغة المكائد.والملائكةُ تربةٌ غير صالحة لنمو القصائد.

ومع ذلك، فالشعر النظيف ،لا يعني غير الكتابة في الطقوس الباردة.

■ ولكن .ألا تعتبر الأوزان والقوافي بمثابة طواحين،لاستهلاك الشاعر المُستخدِم لها ؟

ـــ قد يصح قول ذلك.وطالما شعرتُ بأن تلك البحور أشبه ما تكون بأعمدة من خزف. يمكن أن تنهار بالشاعر،وتتركهُ رماداً .المهم أن يمتلك الشعرُ قوةً لعَسكَرة اللغة،وجعل الحروفَ أشبه بالحراب المتهيئة للاختراق .فكل ذلك يحمي الشاعر من التفتت والطحين.

■ برأيكَ ..كيف تنمو الرمالُ في القصائد؟

ـــ عندما يضيقُ رأسُ الشاعر ،وتصبح الكلماتُ مجردّةً من الحكمة والألم ،ومليئة بذيول لا يطالها مقصٌ.

■ أنتَ لم تعش عِلْم الأرّصاد الجَويّة .كيف كنت تتعايش مع المناخ الصحراوي،وما تأثير ذلك على القصيدة؟

ـــ في تلك الأيام.. كنتُ أعتمدُ على المخيّلة مظلةً للوقاية من الشمس والمطر على حد سواء.كنا نقرأ الطقس بالعيون المجردّة.وفي كل مرة ،تطرقُ الرمالُ باب القصيدة،لا تجد عندي لها مفتاحاً هناك

■ وهل يمكن تطبيق هذا النظام على الموت ،في حال تسللهِ  إلى القصيدة عند المتنبي؟

ـــ أنا أرى عكس ذلك يا صديقي .الشاعر العظيم هو من يفتح ثقباً في جدار الموت،فيخترقهُ ويكتبُ قصائده هناك.أي أن يزيح العظام والجماجم الأكفان المتهرئة عن ظهر الطاولة،ويأتي بالأزهار والنساء والموبايلات ،من أجل أن يقيم احتفالاته الخاصة بنمو الشهوات.

■ ولكن المتنبي حذرٌ بخصوص الالتصاق بالحبّ كمفردة،فكيف سيكون الحال،فيما لو التصق بامرأة؟

ـــ سأقول شيئاً عن الحبّ.أنه فنُّ الطّباعةِ في الأفئدة العميقة.لذلك ،فلا يجوز أن يُستهلك بقواهِ كقرصان لسفينة عابرة.أو أن يكون الحبُ عكازاً يتكئ عليه العاشقون بين الغيوم.

■ هل رغبت أن تكون قاطع طريق في عرض صحارى العرب؟

ـــ ما كنت أشتهي إلا ذلك،ولكن لا رغبة عندي لقرصنة الإبل في صحارى الأقوام التي أنتمي إليها وراثياً فقط .

■ أليست هذه عنصرية مقيتة،شبيهة بتلك التي تناولت فيها كافور الإخشيدي ؟

 

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
لَوْلا العُلى لم تجُبْ بي ما أجوبُ بهَا وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرْداءُ قَيْدودُ
وَكَانَ أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَةً أشْبَاهُ رَوْنَقِهِ الغِيدُ الأمَاليدُ
لم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي شَيْئاً تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُ
يا سَاقِيَيَّ أخَمْرٌ في كُؤوسكُما أمْ في كُؤوسِكُمَا هَمٌّ وَتَسهيدُ؟
أصَخْرَةٌ أنَا، ما لي لا تُحَرّكُني هَذِي المُدامُ وَلا هَذي الأغَارِيدُ
إذا أرَدْتُ كُمَيْتَ اللّوْنِ صَافِيَةً وَجَدْتُهَا وَحَبيبُ النّفسِ مَفقُودُ
ماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُهُ أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُ
أمْسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِناً وَيَداً أنَا الغَنيّ وَأمْوَالي المَوَاعِيدُ
إنّي نَزَلْتُ بكَذّابِينَ، ضَيْفُهُمُ عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُ
جودُ الرّجالِ من الأيدي وَجُودُهُمُ منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُ
ما يَقبضُ المَوْتُ نَفساً من نفوسِهِمُ إلاّ وَفي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُ
أكُلّمَا اغتَالَ عَبدُ السّوْءِ سَيّدَهُ أوْ خَانَهُ فَلَهُ في مصرَ تَمْهِيدُ
صَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَا فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُ
نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ
العَبْدُ لَيْسَ لِحُرٍّ صَالِحٍ بأخٍ لَوْ أنّهُ في ثِيَابِ الحُرّ مَوْلُودُ
لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ
ما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ يُسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ وَهْوَ مَحْمُودُ
ولا تَوَهّمْتُ أنّ النّاسَ قَدْ فُقِدوا وَأنّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجودُ
وَأنّ ذا الأسْوَدَ المَثْقُوبَ مَشْفَرُهُ تُطيعُهُ ذي العَضَاريطُ الرّعاديد
جَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي وَيُمسِكني لكَيْ يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقْصُودُ
وَيْلُمِّهَا خُطّةً وَيْلُمِّ قَابِلِهَا لِمِثْلِها خُلِقَ المَهْرِيّةُ القُودُ
وَعِنْدَها لَذّ طَعْمَ المَوْتِ شَارِبُهُ إنّ المَنِيّةَ عِنْدَ الذّلّ قِنْديدُ
مَنْ عَلّمَ الأسْوَدَ المَخصِيّ مكرُمَةً أقَوْمُهُ البِيضُ أمْ آبَاؤهُ الصِّيدُ
أمْ أُذْنُهُ في يَدِ النّخّاسِ دامِيَةً أمْ قَدْرُهُ وَهْوَ بالفِلْسَينِ مَرْدودُ
أوْلى اللّئَامِ كُوَيْفِيرٌ بمَعْذِرَةٍ في كلّ لُؤمٍ، وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ
وَذاكَ أنّ الفُحُولَ البِيضَ عاجِزَةٌ عنِ الجَميلِ فكَيفَ الخِصْيةُ السّودُ؟

 

ـــ لمْ تحمل تلك القصيدةُ التي تحدثت فيها عن كافور الإخشيدي أية أنفاس عنصرية ،بقدر ما أطلقتها قصيدةً  دبابةً، أقحمتها حقلاً ،لتنظيفهِ من الأعشاب السوداء الضارّة ليس إلا.والقصيدة ليست بكاءً على أطلال كافور الإخشيدي وحده،فالعرب تقفُ على أطلال أنفسها وتاريخها ،مذبوحةً كالمواشي. مكبوتةً مثل اسطوانات الغاز .مختومةً بطاعون الأسلاف ،وهم يسحبون الجثث غنائم حرب من أقوام بعضهم ،كما لو أنهم عربات قطار يشقُ ضباباً أحمر.أليس هذا هو العيدُ بعد الربيع الأمريكي -الأصولي،الذي أصبحت فيه مطاوعة البيت الحرام ،أعظم من قائمقاميات الإنكليز لتمويل السيوف بفتاوى النصوص التي تنزّ من بطونها الأفاعي والخفافيش والقملُ والفئران والقُرَاد؟

■ أنتَ ذبحت الإخشيدي الكافور من الوريد للوريد،وتقول بأن تلك كانت قصيدة من أجل تنظيف حقل من الأعشاب السوداء؟!

ـــ ليس بالضرورة أن يكون العبد أسود البشرة قط.أنا رأيت عبيداً من الشقر والسمر ومن الخلاسيين في كل البقاع التي مررتُ بها يوم كنت حيّاً هناك.

■ وكيف للغة أن تكون دبابةً يا أبا الطيب ؟

ـــ كل خصم لي ،عندي له جهاز للمحو أو الطمر أو الحجز أو الإلغاء أو القتل.وما كنت أستخدم الدبابة وسيلة ضد كافور،لولا حاجة مصر لتنظيف بستانها من عبدٍ، استقر على عرشها ،ليلتهم الثريد وينهق وحسب .

■ ولكن كافور بالأمس،ما كان على تلك الصورة أبداً.أظهرته قصائدك بالحاكم الملاك الكريم:

وَأخْلاقُ كافُورٍ إذا شِئْتُ مَدْحَهُ ♥وَإنْ لم أشأْ تُملي عَليّ وَأكْتُبُ

إذا تَرَكَ الإنْسَانُ أهْلاً وَرَاءَهُ ♥وَ يَمّمَ كافُوراً فَمَا يَتَغَرّبُ

فَتًى يَمْلأ الأفْعالَ رَأياً وحِكْمَةً ♥وَنَادِرَةً أحْيَانَ يَرْضَى وَيَغْضَبُ

إذا ضرَبتْ في الحرْبِ بالسّيفِ كَفُّهُ♥ تَبَيَّنْتَ أنّ السّيفَ بالكَفّ يَضرِبُ

تَزيدُ عَطَاياهُ على اللّبْثِ كَثرَةً ♥وَتَلْبَثُ أمْوَاهُ السّحابِ فَتَنضُبُ

أبا المِسْكِ هل في الكأسِ فَضْلٌ أنالُه♥ فإنّي أُغَنّي منذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وَهَبْتَ على مِقدارِ كَفّيْ زَمَانِنَا♥ وَنَفسِي على مِقدارِ كَفّيكَ تطلُبُ

إذا لم تَنُطْ بي ضَيْعَةً أوْ وِلايَةً ♥فَجُودُكَ يَكسُوني وَشُغلُكَ يسلبُ

يُضاحِكُ في ذا العِيدِ كُلٌّ حَبيبَهُ♥ حِذائي وَأبكي مَنْ أُحِبّ وَأنْدُبُ

أحِنُّ إلى أهْلي وَأهْوَى لِقَاءَهُمْ ♥وَأينَ مِنَ المُشْتَاقِ عَنقاءُ مُغرِبُ

فإنْ لم يكُنْ إلاّ أبُو المِسكِ أوْ هُمُ♥ فإنّكَ أحلى في فُؤادي وَأعْذَبُ

وكلُّ امرىءٍ يولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ♥ وَكُلُّ مَكانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيّبُ

يُريدُ بكَ الحُسّادُ ما الله دافِعٌ ♥وَسُمْرُ العَوَالي وَالحَديدُ المُذرَّبُ

وَدونَ الذي يَبْغُونَ ما لوْ تخَلّصُوا ♥إلى المَوْتِ منه عشتَ وَالطّفلُ أشيبُ

إذا طَلَبوا جَدواكَ أُعطوا وَحُكِّموا ♥وَإن طلَبوا الفضْلَ الذي فيك خُيِّبوا

وَلَوْ جازَ أن يحوُوا عُلاكَ وَهَبْتَهَا♥ وَلكِنْ منَ الأشياءِ ما ليسَ يوهَبُ

وَأظلَمُ أهلِ الظّلمِ مَن باتَ حاسِداً♥ لمَنْ بَاتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلّبُ

وَأنتَ الذي رَبّيْتَ ذا المُلْكِ مُرْضَعاً ♥وَلَيسَ لَهُ أُمٌّ سِواكَ وَلا أبُ

وَكنتَ لَهُ لَيْثَ العَرِينِ لشِبْلِهِ ♥وَمَا لكَ إلاّ الهِنْدُوَانيّ مِخْلَبُ

 

ـــ كل هذا الشعر لا يتسببُ لي بأي نوع من الإحراج أو من الحرج.فالشعر في جوهرهِ،لا يجاور الفراغ،ولا يعيش على الاحتشام بعدم ارتكاب المعاصي أو مرافقة الشريرين .وكافور كان مثلاً ايجابياً للقباحة والسوء والخطأ،لأنه العتبة التي فشلتْ الشمسُ بتجاوز ظلمتها الحالكة. مدحتهُ،لأمحو من ذاكرة مصر غيمةً كالحةً.فعلت ذلك مدحاً وهجاءً على حدّ سواء،لرغبة بمنع الظلام من الفيض بين الشعوب .فكافور كان ظلاماً ناشفاً .

■كل ذلك لأنه رفض أن يوليك ولايةً من مقاطعات حكمه؟

ـــ ومن تراه أولى من دِبس السُّكَر في عروق ولايات الإخشيدي في مصر وسواها من المتنبي ؟ ثم ألا تراه وقد تحوّل إلى الدائن شايلوك،ليقتطع من لحم المَدين ((انطونيو)) كما فضح ذلك شكسبير في مسرحية (تاجر البندقية) ؟؟

■ في رواية ابن جنّي في كتاب (الصبح المنبي عن حيثيّة المتنبي)يقول البديعي:

(سألت شيخي أبا الحرم مكي بن ريان الماكسي عند قراءتي عليه الديوان سنة 599 هـ:ما بال شعر المتنبي في كافور أجود من شعره في عضد الدولة وأبي الفضل ابن العميد؟

فقال:كان المتنبي يعمل الشعر للناس لا للممدوح ..)) هل صحيح ما فعلته؟أم إنكَ قد  فعلت ذلك عامداً متعمداً كسباً للمال يا أبا الطيب؟

_ ما كان في نفسي من خزائن،لهو أعظم مما كان في خزائن كافور وبقية السلاطين والأمراء.فأن على حد تعبير-اليوسفي- قد زحزحتُ مفهوم الانتجاع بالشعر يعني التطواف كسباً للرزق عن دلالته المتعارفة.(فلم يعد الانتجاع يعني تنقّل الشاعر بين المجالس والبلاطات طلباً لصلات الملوك.بل الملوك هم الذين يستحثّون الشاعر ويلحّون في طلبه راجين أن ينعم عليهم بفضل الشعر.))وذاك ما أكدت عليه بوعي خاص.

■ هل كان المتنبي يحسّ بتقدم شِعرهِ بالسنّ في مرحلة ما من الزمان؟

ـــ أبداً.فقد كنت والزمان أشبه بتوأمين خرجا من رحمين مختلفين للتو.زمنٌ له مواقيتهُ في الفصول الأربعة.وشاعرٌ عنده الزمان كرة نارٍ، يلعبُ بها في مختلف شوارع التاريخ.

■ وهل يستطيع شاعرٌ ما أن يقول :أنا الزمانُ؟

ـــ يَصحُ في حالة واحدة لا غير:كأن تكون في رأسه مطبعةً،لفرز الأيام وليس استنساخها بطريقة الفوتوكوبي.فكلّ ناسخٍ للوقتِ،قاتلٌ للتاريخ.

■ والليل والنهار..هل شعر المتنبي أن جسده منقسمٌ إلى نصفين ذات يوم غابر؟

ـــ كان الليلُ علىّ دائم الاكْتئاب.ولكنه الكهف الذي تتلاطمُ بين أمواجهِ نفسي مع اللغة.أي أن الليلَ كان لغوياً بامتياز،فيما النهارُ الذي ينبثق من داخلي،أو ذاك الذي يشرقُ علىّ مع الشمس،فيزيدني حمى،ويجعلني مثل أسطوانة مشروخة،تساقط منها الموسيقى على التراب.

■ وذكرياتك يوم عشتَ ردحاً من الزمن في ضيافة أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاّذقي في مدينة اللاذقية..هل تساقطت مع تلك الموسيقى ؟

ـــ أبداً.ولكن الذي بقي مني في اللاذقية جنينٌ في رحم فتاة من حاشية ابن معاذ، انغمست بها بين تلك الجبال حتى الجُنُون.وابني أو ابنتي التي خلفتها على تلك الأرض السورية،ربما ورثت شعراً من خلاصة معادن الجينوم الذي تكوّنتُ أنا من تبره.

■ لم تذكر مصادر التاريخ ذلك. ولكن لمَ جرى ذلك؟هل تزوجت فطلقتَ الفتاة مثلاً؟

_ كانت (راما) زوجة محمومة بالحب الرومانسي الشرس،إلا أنها رفضت أن تكون شريكةً لي في حروبي وفي أسفاري إلى مصر وسواها.رفضتْ البنتُ مرافقتي بعيداً عن تراب اللاذقية،ففضلتها على شعري وعلى كياني.وأنا حتى اليوم،ما زلتُ أفتح شقاً في السماء،لمراقبة اللاذقية،لعل عيناي تلتصقان برائحة شخص من نسلي.

■ يشرح المؤلف محمد لطفي اليوسفي في كتاب –فتنة المتخيّل- ج1 أن الرواي (يكتفي بذكر الإطار المكاني والزماني ويشدّ انتباه المتلقي إلى الشخصية المحورية إذ يذكر بعضا من صفات المتنبي.وهي صفات تجعله محبباً إلى النفس.إنه شاب في مقتبل العمر،فصيح،وسيم،شَعْره مثل شَعر الرسل القديسين يتحدر حتى شحمتي أذنيه..ويضيف :رجل تدلُ جميع صفاته على أنه منذور لأمر عظيم)).كم أوقع سحر وجاذبيتك من النساء في غرامك؟

ـــ لا أهمية لأن يكون المرءُ جسداً من لحم فقط .وأنا ما تعثرت بغير شهوة الشعر .كل النساء اللائي مررن بحياتي،كن من فصيلة السحاب؟

■ على ذكر اللحم..لو جاءتك مكالمةٌ تلفونية من امرأة تسألك: هل يَعتبرُ المتنبي الحبَّ لحماً ؟؟

فماذا سيكون ردّك؟

ـــ لن أكون لها شارحاً أو مُفسّراً للحبّ ،فبقدر ما تكون تلك المرأة ورقاً رقيقاً من الغرام،بقدر ما تتحول إلى ملحمة من نار.وآنذاك ستزدادُ في اللحوم النوافذُ،ليرى العاشقون الأرواحَ وهي تطير من الأبدان.

■ ولكننا لم نرَ نافذةً يطلُ منها المتنبي على المدام أم العيال ،فنستنشق منها غزلاً بأم مُحسد؟

ـــ لن أجيب بـ  ((ويحك )) من سؤال نامت عليه العربُ،ولكنني أقول لك أن أم العيال كانت بصفر اليدين من كل المُنَعمات .فطالما عاشت المدام على غبار الحروب ولسع الهجاء وعواصف قصائد كانت تنقلها من وضع إلى آخر،لتُتركَ في نهاية المطاف أرملةً تشاركُ الزمنَ النحيبَ في مقبرة الرماد .

■ لو كان عندك طيارة هيلكوبتر بدل الحصان ،فإلى أين كنت ستمضي بتلك المَرْكَبة ؟

ـــ سأختارُ الذهابَ إلى روما للاستغراق برؤية رسوم ميكائيل أنجلو على سقوف الكنائس.فذاك رسام أساطير ،خرج بخياله عن سيطرة الأديان .

■ ألا تعتقد بأن نفسَ الشاعر بئر ،ولكن بأضواء ربما تكون ملّونة ؟

ـــ لا أظن ذلك .فمن الصعب استيعابُ تلك الفكرة.فالشاعرُ المهم ،من الأولى أن يخترع في نفسهِ بئراً يغدقها بجمهرة من التماسيح، على أن يقوم باصطيادها بالطريقة التي تمكنه من أن يكون بطلاً في تلك المهنة.

■ هل سبق لك وأن زرتَ عيادةً لطبيب نفسي ؟

ـــ من أجل ماذا ؟

■ لتعقيم البدن من مخاطر التبجح بالأنا العظمى والتنكيل العنصري على سبيل المثال.ألا تحتاج كلّ ذنوبك لمعالجة ما يا أبا الطيب؟

_ فلسفة العلاج النفسي ،لا تنطبق على الشعراء،لأنهم مستشفيات للأمراض العصبية المطوقة بالحرائق.لذا لا ذنب عندهم غير تلك الذنوب المحترقة أو تلك التي على وشك العدم.وربما يكشف لك هذا أنني في أعلى درجات التسامي عرقياً ولغوياً وبروميثيوسياً .فما حاجتي للطبيب النفسي؟

■ أصحيح أن ابنك مُحَسد هو من تسبب بمقتلك؟

اسمع ماذا تقول الرواية: لما كان المتنبي عائدًا إلى الكوفة ، وكان في جماعة ، منهم ابنه ” محسد وغلامه مفلح ” ، لقيه ” فاتك بن أبي جهل الأسدي ” في الطريق ، وهو خال ” ضبّة ” ، وكان في جماعة أيضًا. فاقتتل الفريقان .ولما ظفر فاتك بـ ” أبو الطيب المتنبي ” أراد الأخير الهرب فقال له ابنه..أتهربُ وأنت القائل :

الخيل والليــل والبيداء تعرفني    والسيف والرمح والقرطاس والقلم.
فردّ عليه بقوله: قتلتني قتلك الله .. ثم استمر بمعاركة خصومه حتى قُتل وابنه ” محسد وغلامه مفلح في ((النعمانية )) بالقرب من دير العاقول غربيّ بغداد .

ـــ ذاك ما حدث بالضبط .لقد خشيتُ أن افتك بكبرياء شعري وكرامة سمعتي عند ولدي ( مُحسد ) ،ففضلت أن استمر بالقتال حتى الموت الذي جمعني بابني جسدين مقطعين بالسيوف وبالرماح.

■ كيف فقد المتنبي أعصابه،فانساق وراء التجريح العميق. أتستحق الآنسة أو السيدة (( ضبّة ))كل ذلك الهجاء ،لتُنتزع الرؤوس من الأعناق في محرقة لغوية من ذلك النوع الدموي ؟ أم أن العراقَ جسدٌ ،مثلما كان مستغرقاً باضطراب الدم،مثلما هو باب مفتوح على الجحيم؟؟

ـــ لعنَ اللهُ اللغةَ حين تصبح كالُّلبان ما بين الأسنان .تقتلُ الحكمة ،وتجعل الطيش بالكبرياء يستفردُ برأس الشاعر .كل كلمة آنذاك،كانت تحتاج إلى كَفّارة،أو إلى عملية لتفريغ النفس من الشوائب والخطايا.

■ مع من ستأخذ لقطة سيلفي ،فيما لو اجتمعت بشعراء من مختلف السموات هنا ؟

ـــ لن تستأنس عدسةُ موبايلي إلا بصورة مع المغنية الفارسية ((مهدیه محمد خانی )) .ففي صوتها منازلٌ للشعراء والسحرة والملائكة والتائهين على طريق الحرير في ذلك الشرق الحزين.

■ ما الذي تود فعله هنا يا أبا الطيب . هل فكرت بمهنة ما في عرض السموات وطولها؟

ـــ أريد أن أكون بائعاً للوازم الخياطة على باب الجنة.فقد يتعب العراةُ من العِري،فيلزمهم ما بعد ورقة التوت ثياب كثيرة.

■ حسبتكَ تريدُ العودةَ للشعر؟

ـــ كلّ المكائد مضتْ ،ولم يبق للشعر العمودي بعد الهجاء والمديح من معنى .

■ وهل تعترض على الشعر الحر أو قصيدة النثر أو النانو ،فتتمنع عن الدخول في مجرى الحداثة ؟!!

ـــ سيبقى النظام الخليلي بمثابة مخفر للهجانة ،يمرُّ بها الناظمون من كلّ حدب وصوب. فالشعر العمودي قدرٌ قصدهُ القصدُ بالدرجة الأولى،وإلا لكان سُميّ بغير القصيد أو القصيدة .

أما الشعر الحديث فأنه حانةٌ يمرّ بها الشاربون من كل الكؤوس.ومهما بات الشعر الكلاسيكي مستبعداً أو خامل الخلايا والصوت،فذلك لأن الشعر أصبح في العالم كلّه، بمثابة ثمالة متعددة المصادر والطقوس والمباني.

■ هل نعتبر هذا تمهيداً لخروج المتنبي من العالم الخليلي الانطوائي إلى تقاطع طرق الشعر في عالم اليوم؟

ـــ لم أفكر بذلك بعد. ولكن الشعر عموماً، ليس كابينة لتغيير الملابس في مسبح ما أو على البلاج .فأنا قد أفشل في كتابة النانو أو قصيدة النثر.ثمة رعب يلاحقني من كل فكرة تأخذ منحى التغيير في تاريخي الشعري الممتلئ بالتناقضات والمشتعل بمختلف أنواح الحرائق،فأنا لم أكن سوى حطاب يستحضرُ الوقودَ من كل الغابات ،ولكن بهيئة شاعر .

■ هل تحلمُ بالعودة للأرض؟

ـــ ليس الشعراء أبطال روايات، يعودون إلى مصائرهم في نهاية المطاف. فالشعر مثل نقطة حبر تسقط في حوض الكون المتلاطم، ثم تمضي للتعبير عن نفسها بتلك التجليات الأسطورية التي تفتحُ باب الأبد،وترمي بمفاتيحه في الهاوية.