Ted Hughes

17/8/1930_28/10/1998

 كتابة وحوار: أسعد الجبوري

 

المرأة ذات السكربينة العالية التي كانت تمشي بصحبته في شارع( الموز ) الممتد من دار الأوبرا إلى حانة (دموع الأوراق) لم تكن سيلفيا بلاث أو ضرتها آسيا ويفل،بل كانت غانية من غواني الجنة المثيرات للشهوات وللارتباك .

كان الشاعر الإنكليزي تيد هيوز يمشي مع تلك المرأة إلى موعدنا المتفق عليه في تلك الحانة،فيما كنا نقطع ذلك الشارع المرصوف بالمرمر البنفسجي،في ذات اللحظة التي وصل إليها الشاعر .تصافحنا على باب (دموع الأوراق) بحرارة ملفتة للأنظار،ودخلنا متخذين طاولة في نهاية البار.جلسنا وجهاً لوجه لنأكل حبات النبيذ المجفف مع شراب شبيه بالكونياك.بينما جاء الغرسون للمرأة الجميلة بحيوان شبيه بالقطط يدعى((نيروا)) لتضعه في حضنها وتبدأ بمداعبة ذلك الحيوان وتقبيله.

من أين تريدُ أن نبدأ معك يا سيد تيد هيوز؟

سألتُ الشاعر تيد.فلم يعترض على على شئ.ترك لنا حرية التصرف.

فقلنا له:

■ سندخلُ الحوار من باب الليل.هل يحبُ تيد هيوز العتمةَ ؟

ـــأبداً.كلّ حواسيّ معادية للظلام ولا تثق به.

■ بسبب الخوف .أم أنكَ تعتبرُ الليلَ من أنواع الظلام ؟

ـــلست مع هذه الفكرة،مع العلم أن للخوف جدراناً في جسدي،ولكنني عادةً ما استغرق بالليل كمكان للشعر ليس غير.

■ هل تقصد بأن جسدك يعيش النهارَ بلا شعر،بينما تمارسُ لغتُك الشعرية طقوسها في الليل؟

ـــ يمكن أن تقول ذلك .ولكنني لست متأكداً من حصول ذلك يوم كنت على الأرض.

■ لا تتذكر ذلك ،لأنك أصبحت مشغولاً بأشياء عظيمة غير الشعر مثلاً ؟؟

ـــ لم أكن أسكن يوماً في غير منازل الشعر.أنا مشغولٌ بمجاهله على الدوام.

■ هل يصلح الشعر للسكن كبيت أو كفندق برأي تيد ؟

ـــ الشعرُ صرخة ولو كانت خرساء.ولكن الشاعرُ يسكن هناك.

■ لماذا تجردُ الشعرَ من ثيابه وأرواحه الجميلة،وتراهُ كموديل يرتدي صرخةً فقط ؟

ـــ أنا عرفتُ الشعرَ قبل مولدي بسنوات طويلة.سكنتُ معه في جوف الرحم مع تلك الصرخات التي كانت تنتابُ أمي في ظروف لم أكن أعرف شيئاً عنها،مما ولّدَ في ذاكرتي الابتدائية خيطاً من الصراخ،سرعان ما بدأت بتقطيعه إلى أجزاء وأجزاء ،إلى أن أصبحت خارج ذلك الرحم شاعراً مسكوناً براديو كان ينبض موجات من الصراخ العبثي العالي أحياناً ،والخافت في أحايين أخرى.

■ ما المسافة الفاصلة ما بين صرخة الاحتجاج التعسفي من حوادث الخارج ،وما بين الألم الداخلي المنتج لصرخات الجسد ؟

ـــ ذلك يرتبطُ بكثافة الصور التي تحدثها الوقائع في العين،باعتبارها الرادار الأول الذي يجسد معاني الآلام الإنسانية،ومن ثم يفصل كلّ منها كقيمة موجعة أو فاتنة الجمال.

■ ما شكل الألم برأي تيد.هل يشبه ضبعاً مهاجماً قطعان خراف، أم يتجسدُ بصورة أرنبٍ يقعُ في الفخ فريسةً للخديعة؟

ـــ لم يكن الألم عندي متعلقاً بصورة الضبع أو الأرنب،بل بالنساء فقط.

■ ماذا تقصد بالضبط؟

ـــ أقصدُ أن المرأة التي لا أصلُ إليها في سريري،هي منْ تفتحُ في جسدي  مثل ذلك الألم العاطفي الشبيه بسهم يخترق اللحم وينام بين طياته.

■ وكم تأذيتَ من تلك السهام  ؟

ـــربما لم أجرِ إحصاءً بأعداد النساء،ولكن أغلبهنّ كنّ من الرومانتيكيات المغفلات بقصص الغرام الشعري. 

■ تعني أنهنّ كن أجساداً للمتعة الجنسية فقط؟

ـــ بالضبط.فقد كنّ هنّ من قارئات الشهوات التي يمثلها تيد هيوز كمانيكان جميل،وليس كشاعر تبثُ قصائدهُ  فيهنَ الأنهر والأنجم والأحلام .

■ من كان الفاعل في جذب النسوة نحوك:تيد هيوز كموديل ايروتيكي أم كشاعر ؟

ـــ أنت تحشرني في الزاوية الضيقة.وما عليك إلا  أن تكف عن المواضيع الخاصة،والمضي في مشرع الحوار العام .

■ لماذا هل أنت خائف من الفضائح مثلاً؟

ـــ لن أردّ عليك ،فأقول لك تلك الجملة الشهيرة:( جمالي أشقاني) . ولكنني بالفعل خضتُ الكثير من التجارب الغرامية على مسرح حياتي ،وبما يفوق السحر.

 

■ كيف يا هيوز؟

ـــأنا سأقول لك .فالجمالُ الذي بذهني ،قد حصل على تذكرةٍ للسفر بالمجان.

■ السفر إلى أين يا تيد ؟

ـــ وهل ثمة أمكنة أفضل من المخيّلة ؟

■ المخيّلة كمطار كما تقصد ؟

ـــأجل.ففي مخيّلة الشاعر تندمجُ الأرض والسموات،لخلق تربة شعرية مشتركة.

■ ومنْ أولئك الأوائل الذين سيساهمون بكتابة قصائدهم بحبر من ذلك التراب الممزوج بعطر كلّ من آدم وحواء،مثلما تعتقدُ يا سيد  تيد هيوز ؟

ـــ لا مكان للأنبياء في الشعر. فالقمح والطير والقُبل الطارئة على الأرصفة، أهم من الديانات التي تتكاثر فيها قواعد العقوبات الإلهية المرفقة بشرائع القمع .

■ ألست خائفاً من تلك العقوبات السماوية يا سيد تيد؟

ـــ لا أظن أنني سأقف أمام قاضٍ لمحاكمة ما.

 

■ وفيما لو تم استدعائك بشأن جريمة سيلفيا بلاث ؟

ـــ لا شأن لي بما فعلته تلك المرأة.فمثلما تزوجتني سيلفيا بلاث  حرّةً،مثلما انتحرت بكامل حريتها .

 

■ ألا تعتبر نفسك سبباً جوهرياً بما آلت إليه أمورها النفسية من تدهور،سرعان ما قادتها إلى فرن الغاز؟

ـــ عندما يفشل الطب النفسي بإغلاق أبواب الموت أمام المرضى والمتعبين عقلياً،فلا يمكن لأحد الوصول إلى المقبرة منتحراً.

 

■ لو كانت  سيلفيا تعيش اضطراباً عقلياً،لما جهزّت لطفليها الطعام في غرفتهما ،لتقوم قبل انتحارها ، بوضع أقمشة مبلولة عند الفتحة أسفل باب المطبخ، كي لا يتسرب الغاز القاتل إلى طفليها. قبل أن تدخل برأسها في فُرن الغاز وتقرأ سورة العدم ؟

ـــ أنا لم أقلْ أنها كانت مصابةً بخلل عقلي،إلا أنها كانت مضطربة بأقسى أنواع عصاب الشغف.

 

■ حدث ذلك بعد أن شعرت سيلفيا بكثرة هزائمها المتتالية أمامك ،مرةً في الشعر،ومرات في النسوان اللائي بدأ حوضك القلبي بالامتلاء بهنّ.أليس ذلك صحيحاً ؟

ـــ لم أكن كتلك الأرض اليباب التي تحدث عنها ت.س.اليوت في شعره أبداً.

 

■ ومن كنت أو تكون أنتَ يا سيد تيد هيوز؟

ـــ أنا اللازمة الموسيقية التي تربط ما بين مفاصل الشعر الانكليزي ركبةً ركبة،وكأنني الشاعر المختار الذي يليق بمشي الشعر مشي المياه في مجرى التايمز  .

 

■  “الحاضر بالنسبة إليّ يعني الأبد، والأبد يجري ويذوي بلا انقطاع. كل لحظة هي حياة، وكل لحظة تمضي هي موت”هكذا قالت سيلفيا.فما الذي يمكنك أن تقوله أنت يا تيد؟

ـــ قبل أسبوع من الآن، التقيت بها هنا.وكانت برفقة عشيقها الأفريقي الجديد (تابا توبي) .تناولنا بوظة الأعشاب البحرية في النادي الإيطالي للسينما والمسرح،بعدها غادرت المنطقة معه،تاركة رسالة تقول لي فيها :مهما تنبح يا تيد،فلن تكون كلبي بعد الآن.

 

■هل تندم الآن على تركها وحيدةً في الغابة، كما فعلت أنتَ على الأرض القديمة؟

ـــسأقولُ لك شيئاً مهماً يتعلقُ بسيلفيا بلاث.هو أنها لا تتخلى عن دورها كفراشة تحترق بنيراني.

 

■ أليس ذلك جميلاً،كأن تصبح الزوجة قرباناَ تضحي بنفسها من أجل البعل الذي كنتَ تمثلهُ أنتَ بشخصيتك ؟

ـــولكنني لا أحب النيران .فعلامَ علىّ أن أكون فرن غاز في المنزل العائلي ،أو  تنور خبز في سوق شعبي، أو مثل جهنم في نصوص شعرية،عادةً ما يتمنى القراءُ شمّ روائح أدخنة الحرائق التي تخلفها النيرانُ في ثياب المؤلفين.

 

■ ألا تؤمن بأن الحبّ نوعٌ من أنواع النار ؟

ـــأجل.أنا أؤمن بالنيران المجازية التي تحدث في الوصف التصويري،لا تلك النيران التي تلتهم الأفئدة،وتقود إلى المدافن.

 

■ هل كنت قاسياً مع سيلفيا بلاث ؟

ـــ كنتُ مغرماً بها .ولم أكن قاسياً أبداً.ولكنني سرعان ما أخذت بالابتعاد التدريجي عنها بسبب تلك الاضطرابات التي بدأت تظهر عليها في الآونة الأخير.

 

■ الآونة الأخيرة من الخيانات تقصد يا تيد هيوز ؟

ـــ لماذا لا نجد اسماً آخر لتلك المفردة التي تُسمى بالخيانات،أليس ذلك أفضل برأيك؟

 

■ كل شئ ممكن.ولمَ لا .فقاموس أكسفورد أرضٌ شاسعة ،قد لا تضيق بكلمة واحدة .ما رأيك باستبدالها بعبارة

Reciprocating meat (تبادل اللحوم ) .هل يعجبك هذا التوصيف مثلا يا سيد تيد ؟

ـــ أنا حاولت زحزحة مفردة الخيانة من اللغة ،ورميها في هاوية القاموس ،إلا أنني تفاجأت بسقوط تلك الكلمة في قلب سيلفيا ،وكأنها صخرة سيزيف.آنذاك أدركت إننا لم نستطع   زحزحة الكهولة عن الحب ،فكان الفراق،ليحتفظ كل منا بألمه الخاص.

■ ولكن ((الحركات النسوية في العالم أرجعت انتحارها إلى ما سببه لها زوجها من آلام المعاملة والخيانات المتكررة. بعض الشاعرات اعتبرنها قديستهن. الشاعرة الأميركية تُجسد في نظرهن تجلي الألم الشِعري والسؤال الإنساني المواجه لعذاب الذكورية، خصوصًا العربية. منذ يوم موتها، عاش زوجها، الشاعر الإنكليزي تيد هيوز، يشاهد نفسه شيطان الروايات الرسمية لقصة النهاية المأساوية في حكاية سيلفيا بلاث، وانتحارها المسرحي )) ما رأيك ؟

ـــ أنا وكما قلت  في رواية  “أنت قُلت” التي كتبتها الروائية الهولندية كوني بالمن:

((بالنسبة للكثيرين، نحن غير موجودين إلا في الكتب. أنا وزوجتي. تابعتُ على مدى الأعوام الخمسة والثلاثين الأخيرة، بكثير من العجز والاستنكار، كيف تعفنت حياتها وحياتي تحت طبقة من المغالطات والشائعات، والقصص الملفقة والشهادات الكاذبة والأساطير والخرافات الهراء. ورأيت بعيني كيف تم تحوير شخصيتينا المركبتين إلى شخصيتين عاديتين، بملامح باهتة وبسيطة صنعت خصيصًا لإرضاء نوع معين من القراء الطامحين للإثارة. هي المقدسة الهشة، وأنا الخائن القبيح)).

 

■ هل تعني أن طريقة انتحارها،هو الذي جعلها ضحية عالمية يدافع عنها الجميع ؟

ـــ بالضبط.وهي ليست المحاولة الأولى لسيلفيا بالانتحار.فقد سبق لها وان قامت بمحاولتين قبل تعرفي عليها ((ماتت سيلفيا في انتحارها الأخير. نعم، تلك الحادثة الشهيرة لم تكن نتاج محاولة أولى للانتحار. كانت لها محاولة سابقة قبل أن يتعارفا. كأنها كانت مولعة بحشر جسدها داخل فتحات مميتة. في المراهقة، نزلت إلى قبو البيت، تمددت داخل فتحة في حائط، بالكاد تسع جسدها الصغير. أنقذوها من الموت. خدوش الاحتكاك ببروزات الفتحة الحجرية لم تترك أثرًا على وجهها وحده. تركت، أيضًا، حنيناً مقيماً للانتحار حشراً ))

 

■ ولكن عشيقتك الثانية آسيا،انتحرت بالطريقة ذاتها التي قامت بها سيلفيا .ماذا كنت تفعل بالنساء ،لتدفع بهنّ إلى أفران الغاز ؟

ـــ لست أنا من فعل ذلك .إنما شعري بالضبط .لذلك يتحمل نتائج تلك الجرائم الجنائية وحده.

 

■ هل يعتقد تيد بأن الشعر كان مرض بلاث الوحيد؟

ـــ أبداً.فلقد نشأت بطقوس عائلية صعبة .

 

■ ولكنها كتبت عنك: ((“تزوجت رجلًا.

جاء إلى بلدي ليأكل، وكنت أعمل بائعة خبز في قرية صغيرة، فمنحته الدفء والخبز، علمته الأسماء.

كل يوم يجلس أمام بابي

ينظر بعينيه الحلوتين لاهتزاز حلمتي ويدي تخيطان في العجين حتى وقعت في حبه.

تركت المحل وأبنائي وتهت معه في الغابات. قال إنه يحتاجني أكثر من الخبز. قال إنه فقد عمره في معركة قاسية.

أخذته إلى بيتي. كل صباح أفتح النوافذ. أرفع الغطاء عن وجهه وأقول: صباح الخير أيتها السعادة)) فهل تشّكُ بمصداقية تلك المرأة؟

ـــ لا شئ يثير الإعجاب في أنفس النساء المتعبات سوى التظلم الدراماتيكي.ومن هذا يتضحُ الموتُ في صورة أقوى من بقية التصاوير التي تختمر بدواخلي ،أو بتلك المعلّقة على الجدران.

 

■ ألا تعتقد بأن بلاث انتحرت بسبب الشبق؟

ـــأجل.فما أن نمارس الجنس،ونحن تحت أغطية السرير ،حتى تبدأ بالولولةِ صارخةً :تيد.أنا فرن اشتعل بحطبكَ يا حبيبي.تيد:احرقني واحترقْ،لا تذهب بنيرانك لفرن سوايّ.

 

■ تقصد أنها كانت تشتعلُ وتنطفئ بغازك ؟

ـــلا. ففرن سيلفيا بلاث ،لم يتوقف على استهلاك الغاز وحده،بل كان جسمها يحرقُ كلّ أنواع الحطب ،مما جعلني في موقف صعب.

■ ماذا تقصدُ بالموقف الصعب يا تيد ؟

ـــ ما أقصده أن سيلفيا بلاث صاحبةُ فرن جنسي مفتوح،لم يتوقف لحظةً عن الاشتعال وحرق طاقاتي كلها،بما في ذلك المخزون الجنسي الاحتياطي.

■ لذلك هربتَ عارياً إلى المرأة الأخرى آسيا ؟

ـــ بالضبط.أردت السكن مع امرأة لا تفقهُ في الآداب والفنون شيئاً ،لا بالشعر ولا  بالتكنولوجيا .أردتها أن تحلم بزجاجة من الكوكا كولا ،وهي تفتح فخذيها للبعل مالك اللحم والحلم والجعة فقط .

■ كم بلغت نسبة التوحش في جسدك آنذاك يا تيد هيوز

ـــلم أكن متوحشاً بالقدر الكافي،إلا أنني بلغت مرحلة قصوى من اللعب بعواطف نساء السوق الغرامي المفتوح كأسواق البورصة .

 

■ أنت كسرتَ غموضك اليوم،وعلينا البحث عن الشخصية الكازونوفية  النائمة في أعماق تيد هيوز، وذلك عندما سمحت للمرأة الجديدة (أسيا ويفل)  الأنيقة التي كانت قد تزوجت ثلاث مرات وهي في  العشرينات قلب هيوز الذي وصفها: ( بالساحرة الغاوية ابنة الذئبة أو عاصفة الشهوة السوداء!). هل حدث  الشرخُ بسبب آسيا ،ثم ينتهي بهجرك لسيليفا بلاث ؟

ـــ لست شخصاً مُعقداً لأرتدي ثياب كازانوفا وأمضي مع قطعان الحريم  إلى سريري، كما كان سلاطين الدولة الإسلامية العثمانية يفعلون ذلك .إلا أنني على علم بقدرتي الشعرية على التأثير بالآخرين. كنت ساحراً بسب شعري وربما بسبب تلك الكاريزما التي كنت أتمتع بها.المرأة آسيا ويفل كسرت السور الذي وضعتني وراءه زوجتي سيليفا نتيجة معاناتها المستمرة من غبار حياتها العائلية السابقة.

■ هل من أجل الدفاع عن نفسك ، قمت بنشر «خطابات عيد الميلاد» المكتوبة بلغة الندم على ما اقترفته من خطايا بحقها .

أو كما قيل عن بلاث التي كانت ((ضعيفة البنية، جميلة الملامح بعيون تملؤها الدهشة ويُتم الأب الذي تركها صغيرة بعد مرض أفقدها إياه. فغياب الأب جعلها مضطربة وتائهة تكتب أشعاراً اعترافيه تنفِّس فيها عن هواجسها، بينما تيد هيوز تزداد شهرته ويسافر في أوروبا ليقرأ شعره. أنجبت منه طفلين وشعرت بعدها بتعاسة واكتئاب شديدين نظراً إلى الصراع بين الرغبة في الانطلاق وراء نبضها الشعري وبين مسؤوليتها كأم وزوجة. هكذا زاد اضطرابها وانفصالها عن الواقع فدخلت مصحة نفسية لتلقي العلاج وشُخص مرضها النفسي بثنائية القطب المزاجي، فهي تفرح وتنشط أحياناً وفي أحيان أخرى تكتئب وتحزن حزناً شديداً. لم يتحمل تيد هيوز هذا التوتر ربما، فتركها، وحاولت سيلفيا الانتحار أكثر من مرة، وأفصحت عن ذلك في قصيدة «أبي»، حيث تعترف بالقهر والمذلة بسبب فقدان الأب وقهر الزوج الحبيب )) هل طلبت في «خطابات عيد الميلاد» الصفح من الزوجة سيليفا ؟

ـــ لقد فعلت ذلك وأنا على فراش الموت.قلت :لابدّ وأن نلتقي مرة أخرى بالمنتحرين: الأم والابن نيكولاس الذي انتحر هو الآخر بداية العالم 2009.

 

■ هل بحثت عنهما في فردوس من الفراديس؟

ـــ أجل.وشاركني بالبحث والتنقيب السيد جلجامش،فهو الآخر كان مشغولاً بالبحث عن الفقيد أنكيدو .

■ ألا تعتقد بشعرية جلجامش؟

ـــأنه أعظم بوصلة للشعر في التيه.فهو الشاعر السريالي الأول الذي حمل السلّم الفلسفي بالعرض وهبط بالتيه ،باحثاً عن أسباب الوجود والعدم.

■ تقول هذا لأنكَ كنت موسوعياً في الأنثروبولوجيا ؟

ـــ لقد درستُ الأنثروبولوجيا بدافع من هواجسي العميقة لمعرفة  تاريخ البشر في المجتمعات الماضية والحاضرة. فالعلوم الاجتماعية عن الإنسان والأديان تزيد من معرفتنا للأنثروبولوجيا اللغوية وتأثيراتها على الشعوب وأنماط تفكير البشر .

■أنت درست الاتجاهات التصوفية في الإسلام، كيف وجدتها من نافذة شعرية؟

ـــ كلّ اتجاه عبارةٌ عن خان للنوم في الماضي.لا وجود لزحزحة القداسة عن معتقدات ميتة أو مندثرة.بل أن تأثيرات الصوفية على الشعر،بقيت رهن التعلق بالميتافيزيقيات وتبادل الحب عبر الحجب.لا أحد ينظر خارج مرآة الطاعة،وكأن الشعر وليمةٌ حرامٌ يحيط بها الغموضُ الشيطاني !! 

 

■ كيف أصبحت شاعراً على الأرض يا سيد هيوز؟

ـــ عندما صنعتُ من التراب نشيداً للطيور التي كانت تنمو برأسي منذ كنت صغيراً.صنعت ذلك بخيال طفل ،بدأ يُركّب الكلمات كقطع الدومينو ،ثم يقوم بهدمها ،لتتداعى في هاوية رأسه مع تلك القهقهات الشاسعة.

■ تعني أنك كنت من أصحاب البصيرة التي تكوّن القصيدة تكوّيناً هندسياً ؟

ـــ أعتقد بأن الشعر التعبيري الطريّ ،هو هندسة الاضطرابات الشهوانية النامية في جوف الشاعر ليس إلا .

■ كيف تجمع ما بين الاضطراب وبين ما قاله عنك  الشاعر شيموس هيني: أن “تيد هيوز كان وصياً على الأرض في شعره، مثلما كان وريثاً للغة شكسبير ووليم بليك وتعبيريتهما، وأضاف إليها نضجاً معاصراً وحسية خلاقة، كما أنه أحد أهم الشعراء الذين كانوا مسكونين بمصير هذا الكوكب في قصائده”.؟؟

ـــ لا اعرف كيف جاءت أوصاف الشاعر(( هيني)).فالحب الذي كان يحتلني خليةَ خليةً،لا ينجمُ عنه سوى شعر انفجاري، لا يرثُ من النبي يوسف قميصاً ،ولا يستعير من شكسبير سيفاً لهاملت .ولا يوفر لصموئيل بكيت الاطمئنان على غودو بعد طول انتظار.كلُّ شاعر ترجمةٌ لمخلوقاته الغرامية أولاُ،ثم تأتي الشعوبُ الأخرى بعد ذلك. الشعرُ شغفٌ بالجحيم.ومنْ لم يمرّ بتجارب من نوع ذلك الحب،ليس شاعراً يُحتكمُ إليه في أعالي الحرائق اللغوية.

■ ما الفرق ما بين شخصية تيد هيوز وبين شعر تيد هيوز    ؟

ـــ ثمة مسافة طويلة ما بيني وبين شعري،فأنا منتمٍ إلى الكاريزما كموديل عبثي متنقل بلا حدود،فيما شعري مثل سور الصين،لا يمكن رفعه عن تربة اللغة الإنكليزية .

■ هل حدث ذلك بعد نشر كتابك الشعري (حياة الغراب وأغانيه) الذي تبادلتَ فيه الأدوار ما بين العقل الشيطاني والفكرة الشائعة في الذهن عن الخطيئة ؟

ـــ كنت غراب الأرض الأبيض،ولم أبنِ لي يوماً عشاً على شجرة،إلا واحترق.لقد اكتشفتُ بمرور الزمن الأرضي،أن الخطيئة تسكنُ في الأقنان،لترقد كالدجاجة فوق بيضها .

 

■ وما الفرق ما بين تيد هيوز كغراب،وما بين الخطيئة كدجاجة؟

ـــ ربما يكون الفرق ما بيننا شاسعاً .فالدجاجةُ تجلسُ على بيضها وتفكر بالمستقبل الأسود الذي ينتظرُ الصيصان ،بينما يتصدر الغرابُ صدر المائدة ،متفلسفاً بالحديث عن وجبة البروتين الفاخرة .

■ أليس ذاك ما فعلته مع النساء في حياتك ،فاستحقتْ عليكَ لعناتهنّ حقداً وكراهيةً جراء ما جرى للزوجتين المنتحرتين سيلفيا وآسيا ؟

ـــ أجل.فليس أفظع من حملات التضامن النسوية مع بلاث.فبعد انتحارها ارتفع منسوب تعذيبي إلى أبعد ما يمكن من الاحتمال.فكيف إذا تكرر المشهد نفسه مع انتحار الزوجة الثانية آسيا ويفيل وطفلتي شورا  البالغة من العمر أربعة أعوام

 

■ لماذا فضلت كل من سيلفيا وآسيا الانتحار بالغاز تحديداً برأيك؟

ـــ ربما تعبيراُ عن الاشتعال الرومانسي .أو ربما لأن الغاز كان مخدراً ،يمنح المُستنشقَ نشوةً مازوخيةً عالية للانتقام من الجسد الذي استهلك لحمهُ في هذا المخدع البارد أو ذلك السرير القذر.

هكذا تمردت سيلفيا على جسدها ،بينما حاولتْ آسيا  تقليد ضرتها حتى بطريقة الانتحار تلك،بفارق واحد ،إنها خنقت معها طفلتي شورا،كي لا تبقي لي أثراً منها ولا من جيناتها.

■ ثمة خط عريض للنواح الداخلي الممزوج بنشوة طاغية على الحواسّ ،وكأن مشروعك الشعري كان ثملاً منذ ولادته .ما مدى صحة ذلك برأي هيوز؟
_ لم يكن مشروعي الشعري منظماً بقواعد محددة الاتجاهات ،مثلما هو غير معني بشؤون أهل الأرض وحدهم.ثمة طرق متعددة للحوار ما بين النفس ومخلوقات العوالم الأخرى.وثمة ثيمات أساسية تعتمد عليها الكلمات بنموها في تربة الشعر،مثلما كنت فندقاً للرياح والصواعق والموتى والعشاق والطير وبرامج التلفاز وأجراس الكنائس ووحوش الغابات المظلمة.

■ ما مدى صحة هذا الذي كُتب عنك : (( كان تيد هيوز شاعرا على مدار اليوم والعمر، لعله لم يأخذ إجازة ولو لساعة واحدة من وظيفته الشعرية، لهذا ربما أمكنه أن يشكل إحدى العلامات الفارقة في المخاض الشعري، متخطيا كثيرين ممن ارتسموا على الخارطة الإبداعية بوصفهم عناوين تصعب مجاراتها.)) هل كنت تكتب على مدار الساعة بالفعل ؟

ـــ إذا لم أكنْ أكتب آنذاك،فربما يعود ذلك إلى أن نفسي كانت مستغرقةً بالتأمل غير المجازي ،وصياغة حياتي من الأسفل وإلى الأعلى على صفحات من البلاغة الشرسة .

■ ماذا كان ينتظرك ،أو ماذا كنت تنتظرُ في حياتك بالضبط يا سيد تيد ؟

_ يومَ كنتُ حالماً بوجود شمسٍ تشرقُ في جسدي ليلاً،فذاك حلمٌ قد تحقق إلى حد ما.إلا أن المفزع بالأمر،أن تلك الشمس ،سرعان ما بردت في جسدي،وفي أحايين كثيرة،وجدت أن جسدي تحوّل إلى ما يشبه الفريزر أو المجمدة التي تصلح لحفظ اللحوم والخضروات .

■ وبعد أن فقدتَ الدفء يا تيد،هل شعرت يوماً بأن حيواناتك المنوية تجمدتْ هي الأخرى مع اللحوم والخضار في تلك الثلاجة العظيمة؟

ـــ لا يتصور أحدكم ، بأن في جسد الشاعر مفاعلاً نووياً لإنتاج حرارة غير تلك المنتجة لطاقة الشعر. الشاعر يُولّدُ حرارتهُ من الحب،وليس بطريقة إشعال النار بالورق أو اللجوء لشوفاجات التدفئة المركزية الموجودة خارج جسمه.

مقابل تلك النيران المشتعلة في داخل الشعراء المؤثرين ،توجدُ مجمدات لحفظ النسل،لعل بعض الحضارات القادمة ،تشتاق لواحد مثلي،فتنتجهُ من الحمض النووي  الصبغي ،المُسمى – دي إن إيه- DNA   بالإنجليزية.

■ هل كنت طامحاً بدفن جثمانك في (وستمنستر) أشهر كنائس بريطانيا جنباً إلى جنب مع وليام بليك، ت أس إليوت، ويلفريد اوين وادموند سبنس ؟

_ أبداً . ما كان على جسدي أن يرقد تحت صخرة في كنيسة  بُنيت على عظام ملايين من الناس ،ممن استعبدناهم في المستعمرات البريطانية ،بل كان جميلاً أن يحترق قلبي في فرن غاز،ويُرمى رماد مخلفات جثماني في الهواء.  

هل لأنك تحاول التكفير عن الخطيئة التي ارتكبتها بحق نسلك العائلي مما تسببتَ بإعدامهم انتحاراً :الزوجة الأولى سيلفيا بلاث/الزوجة الثانية آسيا ويفيل/ابنتك الطفلة شورا/وابنك الوحيد نيكولاس.

ـــ أجل.كأن الانتحارُ ماركةً مسجلةً باسم عائلة هيوز فقط.

وما الذي ستفعلهُ هنا،هل ستعتذرُ من خطاياك الكثيرة أمام الله ؟

ـــ لم يكن الحبُ خطأ أبداً . كما ولا أظن بوجود محاكم تفتيش هنا .هذا أولاً. وثانياً ،لأنني غير مقتنع بأن الخالق سيحاكم العاشقين من مخلوقاته ،عما فعلوا بأرواحهم وبالآخرين. فقاموس العاشقين لا يُكتبُ إلا بدماء القرابين من الشهوانيين .فمصمم اختراعات الحسن والجمال،هو مالك خزائن الفتنة والشهوة ومؤججها،لذا لا أعتقدُ بأن خالق الشئ ينفيه أو يعدمه أو يضرمُ النارَ في المراكب المُسيّرة باسمه في بحار الشهوات المتلاطمة ما بين صحائف اللحوم وطبقات العواصف الموجودة في خزائن العواطف.

 

أنت تحاول أن تُقنع نفسك بخلو السموات من الجحيم،كي تهرب من العقاب ولو مؤقتاً.أليس ذلك يا تيد ؟

ـــ لتضع بعلمك أن الجحيم الذي تحدثتْ عنه المسيحيةُ هو تحت الأرض وليس هنا. مثلما صوّر البعضُ الآخر الجحيمَ بوصفها مكانًا باردًا ومظلمًا مثل: الهندوسية. بينما تردُ الجحيم في الإسلام باسم جهنم بوصفها مكانًا فيه الحرارة الشديدة (السعير) والبرودة

تقصد أن لا وجود لديانة تقدمُ فكرةَ الرحمةَ على فعل العذاب ؟

ـــ أجل. وهذا ما أثبتته الأديانُ مجتمعةً،حينما استعملت الإرهاب والترهيب وسيلةً أولى وفضلى لضم المخلوقات إلى مقاعدها في العالم الأرضي .

هل وجدتَ لكَ عملاً في الفردوس يا تيد ؟

ـــقد أعمل موديلاً لحساب بعض الشركات المذهبية أو جمعيات( النكاح الجهادي) الموجودة في القمقم العسكري الخاص بحوادث النساء هنا .

وهل تركتَ الشعر يا تيد ؟

ـــ كيف أفعلُ ذلك،وكمالُ الشِعر ليس إلا هنا.