الفيلسوف في الشارع محرّضاً ضد تحويل الفنون إلى بضائع استهلاكية

آدورنو في لوحة تمثل علاقته بالإعلام (موقع ZKM)

يكاد الباحثون في الفلسفة وعلم الجمال أن يجمعوا على أن كتاب الفيلسوف الألماني ثيودور آدورنو “النظرية الجمالية” هو واحد من أصعب الكتب التي تناولت هذا الموضوع بلغته المعقدة وجمله الطويلة وصولاً إلى خلو العديد من صفحته من النقاط والفواصل بحيث تبدو الجمل ممتدة على العديد من الصفحات أحياناً. والحقيقة أن هذه السمات التي تطبع ما يمكن اعتباره، مع ذلك كله واحداً من أعمق كتب علم الجمال التي صدرت في القرن العشرين، هي التي حالت دون ترجمته إلى عدد من اللغات. مع هذا لا بد من التأكيد على أن قراءة متأنية لكتاب “النظرية الجمالية” في أية لغة يتقنها المرء، ستبدو في نهاية الأمر متعة وتعمّقاً في المعرفة ناهيك بكونها تمريناً على الصبر! قائلو هذا يتساءلون: ترى لمَ لا يقدم المهتم على مثل هذه المغامرة التي سيجدها تتحداه عند كل صفحة؟

ليس الأمر مزاحاً

مهما يكن من أمر، بالنسبة إلى العلماء والمفكرين ودارسي الجماليات لن تعدو السطور السابقة أن تكون نوعاً من مزاح جابه ثيودور آدورنو، متناولاً الدراسات والفقرات التي كان يكتبها وينشرها جزئياً بين العامين 1956 و1969، واضعاً فيها خلاصة أفكاره وملاحظاته في مجال “علم الجمال”، فتقبله ضاحكاً ولسان حاله يقول: “قابلوني عند انتهائكم من قراءة الكتاب لنتناقش فيه!”. لكنه لم يكن يعلم أن أحداً لن يفعل ذلك، لأن تلك الدراسات والفقرات والنصوص لم تنشر ككتاب إلا في 1970 بعد عام من رحيل آدورنو الذي كان كان يدرك في سنواته الأخيرة أنه إنما فعل الصواب وقوّم ما كان معوجّاً في النظريات الجمالية منذ هيغل على الأقل. هو الذي كان يرى أن جمع النصوص في كتاب يعيد الاشتغال عليه تنسيقاً وتوحيداً لينشر في الألمانية كان حاجة ماسة، له وللآخرين. لكنه رحل قبل أن يفعل ما ترك الكتاب الصادر لاحقاً على تلك الحال والصعوبة!. فما هي “النظرية الجمالية” بعد هذا كله؟

ببساطة؟ تاريخ للفن والنظرة إليه منذ بدايات انطلاق تلك النظرة وصولاً إلى ما يسمّيه الفيلسوف “شبه الاستقلالية” التي صارت للفن في عصور الرأسمالية المعاصرة، ما يعني التوغل في الاعتبارات السوسيولوجية – السياسية التي تطبع شبه الاستقلالية تلك. ومع هذا يجب أن لا يسهى عن بالنا أن الهم الأساس لآدورنو في هذه النصوص المشكّلة “النظرية الجمالية” ليس جمالياً بل ينتمي مباشرة إلى علم الاجتماع. ومن هنا نرى الكاتب على طول استعراضه للنظريات الجمالية من موقعه الفلسفي، غير عابئ إلى حد كبير بالسامي في علاقته بالجميل، على طريقة كانط – في “نقد ملكة الحكم” – أو بالروح في ارتباطها بالجماليات – على طريقة هيغل في “الجماليات” -، بل بخاصة بالدور الاجتماعي الذي يقوم به الفن في المجتمع، ومن هنا التركيز بعمق على ما يسميه المؤلف، “حقيقة المحتوى” في العمل الفني من دون أن يهتم في المقابل بمسألة تلقي الموضوع الفني. وهو يجد لزاماً عليه أن ينحو في هذا الاتجاه في زمن تشييء الفن والإنسان معاً، وكذلك في الزمن الذي تحدث عنه زميله فالتر بنجامين بوصفه زمن الإنتاج الميكانيكي للأعمال الفنية. وبهذا عرف آدورنو كيف يربط همومه الفنية الجمالية بهموم المدرسة النقدية بطريقة خلاقة على الرغم من مطباتها.

مدرسة فرانكفورت النقدية

عندما توفي ثيودور آدورنو، في أغسطس (آب) 1969، كان الجمهور العريض حتى في أوساط النخب المثقفة، بالكاد قد بدأ يسمع باسمه هو الذي كان قد بدأ بخوض المجال الفلسفي منذ ثلاثينيات ذلك القرن. ولكن بين همومه الفلسفيّة الأكاديميّة، وظهور تعبيراتها التي وصلت إلى أذهان العامّة منذ أواسط سنوات الستّين، كانت قد مضت مرحلة شهدت نزول الفلسفة إلى الشارع، وانهماك العديد من الفلاسفة في التساؤل والقلق حول مختلف سمات الحياة اليوميّة، في بُناها التحتيّة كما في بُناها الفوقيّة.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكون آدورنو واحداً من فلاسفة القرن العشرين الذين سعوا مع مفكّرين من أمثال ماكس هورکهایمر وهربرت مارکوزه، إلى الربط بين التأمّل الفلسفي والحياة اليومية. والحال أن الربط بين هذه الأسماء الثلاثة لا يأتي هنا من قبيل المصادفة، فهم الأعمدة الأساسية التي قامت عليها “مدرسة فرانكفورت”، التي نشأت في ألمانيا في سنوات الثلاثين. وكان من أبرز ما اشتغلت عليه هذه المدرسة المنطلقة، بشكل انتقادي بالطبع، من الماركسية، هو التأمل في القرن العشرين وفي حياة الناس، وفي دور الفلسفة في هذا كله، تأمّلاً نقديّاً، هو الذي أعطى للفلسفة التي عبّر عنها أساطين تلك “المدرسة”، اسم “الفلسفة النقديّة”. ومن هنا لم يكن غريباً أن يشكّل مارکوزه وآدورنو، وقبلهما هورکهایمر، الخلفيّة الفكريّة التي حرّكت طلاب العالم ومثقّفيه في سنوات الستّين.

‎بالنسبة إلى آدورنو، الذي وُلد في فرانكفورت نفسها في العام 1903، وكان لا يزال شاباً حين التحق بالحلقة الملتفّة من حول مدرسة فرانكفورت، بعدما نال في 1923 شهادة الدكتوراه بأطروحته حول فلسفة هاسرل، ركّز في تأمّلاته الفكريّة على دور الفنّ في المجتمع، وهي الإضافة التي أثّرت كثيراً على زميله ماركوزه في ما بعد، وجعلته في كتابات سنوات الستّين، يؤمن بأن الفنّ يمكنه أن يكون طريقاً للخلاص، بعدما صار من المستحيل على الثورة أن تأتي من لدن الطبقة العاملة التي استوعبت من قبل الشرائح العليا في المجتمع وصارت بدورها جزءاً من آليّة القمع بعد “اغترابها” و”تشييئها” الذي حوّل الإنسان إلى إنسان ذي بُعد واحد.

لمسة فنية بدءاً من الموسيقى

ولم يكن غريباً أن يضفي آدورنو تلك اللّمسة الفنّية على تفكير مدرسة فرانکفورت. فهو كان منذ صغره مولعاً بالموسيقى، إلى درجة أنّه بعد نيله الدكتوراه في الفلسفة قصد فيينا ليدرس التأليف الموسيقي فيها على يد المؤلف آلبن برغ، حيث كانت الموسيقى المعاصرة، كما يعبّر عنها هذا الأخير وكذلك زميله شونبرغ، قد بدأت تحلّ محلّ الرومانطيقيّة الكلاسيكيّة، لتلتقي بعصر الجنون والقلق والتفتّت فتعبّر عنه.

بعد هذا التمازج لديه بين الفلسفة والموسيقى، عاد آدورنو إلى ألمانيا. لكنه سرعان ما غادرها مع مجيء النازيّة، فسافر إلى بريطانيا ثمّ هاجر إلى أميركا في العام 1938، حيث ساهم في أعمال “معهد البحوث الاجتماعية” الذي كان هوركهایمر قد أسّسه في جامعة كولومبيا كبديل لمدرسة فرانكفورت. ومنذ ذلك الحين بدأت صداقة وتعاون كبيران بين الفيلسوفَين أسفر عن تأليفهما كتباً مشتركة أبرزها “جدليّة التنوير” (1947) ودراسة حول “الشخصيّة التسلّطية”، (1950). مهما يكن، فإن آدورنو عاد في العام 1949 إلى فرانكفورت ليعيد تأسيس مدرستها، التي أصبح يورغن هابرماس واحداً من أكبر أقطابها ومنظّريها. أما آدورنو فإنه لم يكفّ عن الكتابة منذ ذلك الحين فأصدر “فلسفة الموسيقى الجديدة” (1949) و”نقد الثقافة والمجتمع” (1951) و”دراسة حول فاغنر” (1951)، أما كتابه الأكبر، “النظريّة الجماليّة” فإنه كما قلنا لم يعِش حتی يستكمله، فصدر ناقصاً بعد موته.

استهلاك الثقافة كبضاعة

في كتاباته اهتم آدورنو اهتماماً خاصّاً بالمسألة الجماليّة وبتحليل عمليّة استهلاك الثقافة من قبل الجمهور، وقدرة المجتمع الصناعي على تحويل الثقافة الحقيقيّة إلى ثقافة استهلاكيّة. ونذكر هنا أن هذا النقد لاستهلاكيّة الثقافة، قاد آدورنو إلى الانخراط في الحركات الشبابيّة الاحتجاجيّة في ألمانيا الستّينيات، التي توجّهت نقمتها الأساسيّة ضدّ مجتمع الاستهلاك. والحال أن آدورنو منذ بداياته كان قد رفض “الوهم الماركسي” حول فكرة التقدّم، كما رفض أفكار التنوير التفاؤلية، لينطلق في تحليل متشائم حول المصير الإنساني يقوده إلى تحليل الأواليات التي يستخدمها المجتمع (وقد حلّ في التسلّط محل الحاكم الفرد أو الحزب أو أية سلطة من السلطات، بحيث صار هو “الأمير الحديث”) لكي يخفي أواليات هذا التسلّط عن طريق أجهزة الإعلام وتسخيره الفنون والأفكار والمفكّرين لصالحه. وكان آدورنو يری، أن التلاعب الأكثر فاعلية الذي يمارسه هذا “الأمير الحديث”، إنما يظهر في المجال الفنّي أكثر من أيّ مجال آخر، بمقدار ما يتمكن الفنّ من استيعاب الاحتجاجات الحقيقية وتزييفها وبالتالي الالتفاف عليها.

www.independentarabia.com/