الشاعر الفرنسي شارل بودلير

الوفاة31 أغسطس 1867، باريس، فرنسا

كتابة وحوار : أسعد الجبوري

 

 

كنا ندرك جيداً ،إن الشعراء الأكثر تشابكاً مع حوادث التاريخ،سيمضون بانقلاباتهم الأدبية والنفسية والعاطفية دون حساب لزمن أو مكان.

شارل بودلير،كان واحداً من أولئك الذين انخرطوا في بناء مستودع ضخم لبضائع الشر والبذاءة والوحشية التي لم تبقَ في إطارها الشعري وحسب،بل كانت معه في باريس البيت وباريس الشاعر والماخور والحانة والمرض والإفلاس والمعارك التي طالما خاضها من أجل تأسيس نغم جديد للحداثة التي أمطرت غيومها برأسه ،ليخلّف فيما بعد ذلك أزهارَ الشر في محرقة،ثم يمضي متمرساً الألعاب اللغوية خارج السياق الفرنسي العام.

لم نبحثْ عن شارل بودلير طويلاً.وجدناهُ في نادي (آدم والشياطين الأربعة) وهو يمارسُ لعبة الكوتشينة ،حيث كان يوزع الأوراقَ على الغربان الجالسة معه إلى طاولة حمراء في صالة مستطيلة ،بنوافذ متعددة ،تطلُ على العالم الخارجي،لتجعلَ التفاعلَ مع أحداث الخارج أمراً ممكناً.

ما أن دخلنا تلك الصالة،حتى نهض شارل بودلير مذعوراً ومستنفراً لطردنا من المكان.لكن غراباً أطلق من جوفه صوتاً شبيهاً بمارش عسكري،استطاع من خلاله تهدئة الوضع،وفتح باب الحوار مع بودلير.فتحنا عليه مقدمة الكلام ،فسألناه:

■ كم من القلوب يحتاجُ جسمُ الشاعر برأي بودلير ؟

_ قلبٌ واحدٌ.وربما كان ذلك كثيراً عليه. فجسدُ الشاعر لا يحتاجُ إلى مضخة لحفظ الدم وتكْريره،بل بندقية لإسالة الدماء في الشوارع. فلا يظنن أحدُ أن أجسادَ الشعراء مقاطعات من اللحوم وحسب، بقدر ما عليه أن يحسبها مختبرات لفحص المشاعر،وإعادة تكوين الكآبة بأعلى دراجاتها المادية والمعنوية.

■ هل كان مردّ ذلك العنف بسبب تهميش الحياة لكَ. أم كان تعبيراً عن انحيازك للثورة الفرنسية التي ارتديت من أجلها ربطة العنق الحمراء ،وحملت البندقية للدفاع عنها ، لهدف أولي يتعلق بتصفية زوج أمك الجنرال ((أوبيك )) الذي رفعت صوتك مطالباً بقتله في شوارع باريس:

(لنعدم الجنرال أوبيك ) ؟!!

_ ذلك صحيح تماماً. فلم يكن ذلك انحيازاً للثورة،بقدر ما كان انتقاماً من حالة البؤس التي كنت أعيش محترقاً تحت طغيانها .لقد مللتُ من الدائنين ومطارداتهم الدائمة لي.ولم يكن أمامنا آنذاك، إلا القيام بعمليات النهب والسلب والتخريب والحرق ونسف البنى المالية للشريرين

■ لهذا تصدرتَ الجماعاتَ الرثةَ والفقيرة بحمل السلاح على المتاريس،وممارسة سياسة إطلاق النار؟

_ أجل.كنت أستخدمُ السلاح قبل أن يُوِقعَ الثورةَ القلقُ،فينتهي بها المطاف في الهاوية.

■ وهل كان معك الشعرُ على المتاريس كذلك ؟

_ لا.كان الشعرُ نائماً على رمال البلاج مع كلاب الخيال.فقد كان ذلك المكان لائقاً بالمخيّلة الفنية التي تخاف من الرصاص والتشرد والجوع.

■ وبرأي بودلير،أيهما الأشدّ كراهيةً للعنف والحرب :مخيّلةُ الشاعر أم تقنيةُ البندقية؟

_ لا يوجد في كلّ شاعر فرن قابل للاشتعال بشكل دائم.ولكنك قد تجد في جسد شاعر ما مجموعة غابات صالحة للاحتراق من أجل فكرةٍ،قد تستدرجُ الرصاصَ للانفجار.

■ وأنتَ..كيف كنتَ ترى نيرانكَ؟

_ لم أكن بحاجة لمنظار أو إلى تلسكوب لرؤية تلك النيران التي بدأت صامتةً في جسدي،قبل أن تخرج مني إلى مجاري الآخرين،فتشتعل ما بين جلودهم وثيابهم.كلنا تعلمنا من النار أقسى الدروس.،وليس حريّاً بشاعر ألا يكون شرارةً أو قطعةَ غيارٍ من فرن.

■ هل تعتبر نفسكَ ناظراً أم رائياً ؟

_ لا أهمية عندي لذلك.ربما لأن كلّ نوع من الخمر،يخلق لك طاقة لاختراع الشعر.ولكن تعاطي المُسكِرات بشكل عمومي،يقوم بإرسال البرقيات من النفس إلى الرأس.وكذلك فهو من يقوم بالتقاط الشيفرات من الفضاء،وتخزينها تحت القحف ،باعتباره الملجئ الخاص لتكوين جميع موبقات القصيدة .

■ كان معاصروك-حسب أحد الآراء- (( يميلون عمومًا إلى وضعه جانبا، في الركن، عقابًا له، باعتباره ‘ ولدًا خبيثًا’، أو كشخص ‘ غريب الأطوار’.

فالقرن التاسع عشر هو قرن ‘فيكتور هوغو ولامارتين وشاتوبريان وجوتييه ودي موسيه ودي ‘يني، كقامات إبداعية شاهقة هيمنت على النصف الأول من القرن هيمنةً ساحقة. )) فماذا يقول بودلير عن ذلك ؟

_ لم أعلم في بداية الأمر،بأنني فتحتُ جبهة لإرهاب العقل الكلاسيكي ،وذلك عندما وجدتُ أفكاري الخاصة بالحداثة،وقد أغرقتْ غالبية شعراء فرنسا ورموزها بالمياه الآسنة.أو وضعتهم جثثاً في الزاوية الحَرِجة. لذلك تفادوا الحربَ معي من خلال إهمالي وعزلي.

■ ماذا منحتكَ باريس؟

_ أزهار الشر.

■ هل وجدتها مدينةً صالحةً للتنفس الحرّ،أم تلمستَ بروحها شيئاً شبيها بالمضخة المتعثرة،ولكنها  تعمل عمل التانغو  الموسيقي؟

_ كانت باريس مهدُ النشوة المُضاءة القاسية المتعثرة الميّالة إلى جعلها سُّمّاً لذيذاً يسري في البدن دون تلكؤ أو احتجاج .

■ أنت تتحدث عن باريس وكأنها من المجموعة الشمسية.بل وكأن بودلير رئيس كومونة باريس،كما تجلى ذلك من خلال ما كتبته في مجموعة “لوحات باريسية”أو “سأم باريس” الذي تغزلت حتى بتعبيد شوارعها وإعادة تنظيمها من جديد.هل حدث كل ذلك بسبب الحب؟

_ أجل.وفي أحايين كثيرة،كنت أحلمُ بأن أصبح من مُنظفي مداخن باريس.

■ تعني لو أنك امتهنت تنظيف بودلير من بودلير نفسه؟!

_ ربما .فتنظيف بودلير من السُّخَام،لهو  أصعبُ من تنظيف مداخن باريس كلّها .

■ هل أنت أحد النقوش الأربعة في ورق اللعب الشعري في فرنسا ؟

_ الوصول إلى الحانة مع غانية، سيكون أسهل من الوصول إلى إجابة على سؤال من هذا القبيل.

■ لمَ تقول ذلك .هل تحتقرُ الماركات الشعرية مثلاً ؟

_ بالضبط. وكذلك لأنني منسوبُ نهرٍ يرتفعُ على سلالّم الظلام.

■ بسبب الحداثة التي حملتْ الشعرَ على ظهر عربتها الكهربائية،أم لأنكَ التائهَ تحت أكوام من القش المضادّ لحركة الزمن؟

_ في البدء،لم أجد في شعري شعوباً ،أو رَعيّةً تتجولُ أو تقرأ أو تشعلُ المصابيحَ وترقصُ في العراء. لذلك انكمشتُ ،لأفسحَ لرموز التراث طريقَ المقبرة.

■ ولكن الشاعر آرثر رامبو أنصفكَ،عندما وصفكَ بـ ((الرائي الأول)) آنذاك. هل تعتبرُ ذلك وساماً يليقُ بمعطفكَ ؟

_ لم أشعر يوماً بأنني كنتُ رائياً في غير ثقوب الظلام.كان عملي يجري في المناطق الأكثر توحشاً وتعاسةً وتشتتاً.كنتُ مثل حيوان الخُلْد أعيشُ تحت الأرض،متغذّياً على جذور العتمة التي كوّنت كلماتي من تلك الخزائن اللغوية التي أصبح فيما بعد بضاعةً لا تستغني عنها البرجوازيةُ الفرنسية التي اعتبرتني آنذاك، شاعرها الخلاّق.

■ وهل كنت خلاّقاً بحق ؟

_ لقد حاولتُ كسر جمود الشعر ورتابته المزرية القديمة،ومنحه هوية من طراز آخر غير أوراقه الثبوتية التي كان متطبعاً بها أبان القرون الوسطى.ذلك كلّ ما حدث بالضبط.

■ كيف نهضتْ في رأس بودلير الحداثةُ ؟

هل كانت محتشمةً بمنطق، أم طائشةً بتجليات خيالية؟؟

_ لم أفكر بأن تكون الحداثة مثلها مثل الملابس التي تتم خياطتها على بعض القياسات وحسب،بل هي إرادةٌ بفرض المنطق النقدي على كل حوادث عالمنا الداخلي منه أو الخارجي،وذلك بتجديد روح الأشياء ووظائفها في الفكر وفي العلوم وكذلك بتأسيس رئات حديثة لتنفس المجتمعات .

■ كيف يصبح الشاعرُ منظراً ؟أو هل يستطيع أن يبلغَ هذا المستوى النقدي برأيك؟

_ لا أظنُ بأن الأعمالَ التنظيرية هي شأنٌ يخصُّ الشعراء أبداً .ذلك وهّم.وإذا ما أراد الشعرُ أن يخوض في سياحة من ذلك النوع،عليه تخيّل نفسه، كما لو أنه شاحنة عسكرية لنقل جنود إلى جبهة قتال.

■ تعني أن الشِعرَ ناقلٌ ،عادةً ما يقتلُ المنقولَ؟!

_ بالضبط. لا صبر للشعر على فتح مراكز لإيواء المنطق والمصطلحات والنظريات وأدوات تشريح اللغة .الشاعر بالكاد يألف تنقّيح نفسه من الغبار أو الجراد الأعمى.لذلك، فكلّ من يقول بأن بودلير أسس حداثة على نظريات من لَدْنَه،هو غارقٌ بالكذب.كنتُ أتحكم بالبصاق الخارج من فمي فقط.

■ لكن بعضهم يكتبُ عنكَ قائلاً: الحداثة عند بودلير ((حضور الأبدي في الآني والمؤقت، فهي الجمال الموجود في الموضة التي تتغير في كل فصل من الفصول، وهي تجديد يحمل في داخله الشعور بأن الأبدي سينتهي بالتحلل في ما هو آني، كما يحل الحب في الرغبة، وذلك حتى لا يمكن إدراك الأبدية إلا في الوعي بغيابها وفي قلعة الموت”.ويستطردُ قائلاً :

حددَ بودلير أربع خصائص للحداثة الفنية، من دون أن يذكر الجوانب الأخرى منها كالجانب التاريخي والفلسفي والاجتماعي وهي:

1 – غير المنتهي أو غير الناجز

2 – المتبعثر أو المتقطع

3 – التفاهة وفقدان المعنى

4 – الاستقلالية الذاتية للعمل الفني

_ أجل.أنا فعلتُ كلّ ذلك ،إنما ليس بهدف تنظري بحت.كنت أميلُ إلى إفراغ نفسي من شحناتها الموجبة،بهدف الذهاب خفيفاً من ضفة الشعر الكلاسيكية إلى الشعر المرتبط بجماليات التاريخ على الرغم كل القباحات المعرقلة لنشوء كلّ ما هو مقتحم وحديث وتأملي.

■ لماذا صنعتَ من الشِعرِ مجموعةَ ألغامٍ بحشواتٍ من بارود اللغة الفاسدة الموغلةِ بالبذاءة ؟!!

_ لم أرَ مانعاً يحولُ دون ذلك. كتبتُ كل ذلك من أجل أن تتمتعَ القصيدةُ بالطاقة على البقاء خارج المدجنة الفرنسية.وقتما كانت ((فرنسا تمر بمرحلة من السوقية. فباريس، مركز وإشعاع الحماقة الكونية’، وأن ‘ الفرنسي حيوانُ قن، مُدجَّنٌ إلى حدّ أنهُ لا يجرؤ على عبور أي حاجز. انظروا إلى ذوقه في الأدب والفن. إنه حيوانٌ من السلالة اللاتينية، لا تزعجه القذارة في بيته، وفي الأدب هو آكل بُراز. إنه مولعٌ بالغائط .)) .

■ تقصدُ أن اللغةَ الفاحشةَ،تموّلُ القصيدةَ بتأثيراتٍ أوسع لدى القراء ؟

_لا .لم يكن هذا القصد بالضبط.إنما رأيتُ أن القصيدة المثقلة بالأخلاقيات ،لا توفرُ لنفسها الحمايةَ من الوحوش .

■ يقولُ ج.فان دن برغ  ((الشعراء هم هيروغليفيو الإلهام المبهم،هم مرايا الظلال العملاقة التي يخلعها الغدُ على الحاضر .)) ماذا يرى بودلير وراء فكرة من هذا القبيل؟

_ لا أرى غير ظلالٍ لخيوط رفيعة من ذلك النواح المشبّع بالزمن كلّه،وكأن السيرة الذاتية لتلك الأرواح التي يمسكها الشعرُ من ياقاتها، ستمضي بالشاعر على طريق العدم بتقطيع واضح.

لذلك أرى الشعراء أرقاماً على حلبة مصارعة دون شركات تأمين .وربما الشئ الأعظم،أن لا قدرة تحول دون أن يقضي الشعرُ بعضَ أجازته في الماضي أو الحاضر أو الغد.

■ وحرية القصيدة..كيف يمكن أن تتحققَ برأي بودلير؟

_ بالموت.إنه المنطقةُ الأكثر تحرراً وحريةً للجميع.فهو لا يتركُ أحداً من الشعراء مَشُوباً بالقلق على نصّه.إذ ليس ممكناً الإبقاء على الشعر بعيداً عن المقبرة.موتُ الشعر راحةٌ للغات أيضاً،مثلهُ مثل موتِ المخلوقات التي تخففُ الوطء على الأرض ،وتمنحُ الهواءَ استراحةً من الزفير.

■ أليس هذا انحرافاً لا يخدمُ الشعر؟

_ليس هناك قانون كوني يُثبتُ فرضية أن الشعر هو منزل لإقامة الشعوب وراحتها.فعلى ما اعتقدهُ أنا ،فأن الشعر في الموت أبهى منه في عالمنا الحياتي القميء.

■ هل لأنكَ تعتقدُ بأن زمنَ الموت أعظم وأكثر سرمدية من حياتنا العابرة،وبالتالي فالشعر في العالم الآخر أكثر تدفقاً وأعظم إلهيةً.

_ سأحيلك إلى رؤية ((فيكو)) إلى ربّات الشعر .قال(( لقد سُمّي الشعراء بحق،بالإلهيين،أي النبوئيين،المشتقة من الإلهي،أو من :يؤلّه أو يتنبأ.هذا العلم سمّي بربوبية الشعر(نسبة إلى ربّة الشعر) .وقد عرّفه هوميروس بأنه معرفة الخير والشر،أي التنبؤ.من هنا فإن الربوبية الشعرية كانت في البدء بحق علم نبوءة بواسطة العلامات .)) .

■ ولكن ألا تظنُ بأن الشعر ،ليس سوى هذه الأرض.وبأننا لسنا سوى نصوصّ متحركةٍ ،كلّ منها يختفي بالقبر،حسب نظام فقدان القوة أو تبخر المناعة من جسد اللغة قبل جسد اللحم بالضبط .

_ لا أحبذُ الصنمية الشعرية،وأصابُ بالاشمئزاز  من وجود الشعراء كأصنام في متاحف أو على أبواب الأضرحة.لا يمكن استدراج الشعر إلى الخزائن،ووضعهُ خلف واجهات الزجاج المضادّ للرصاص.

الشعرُ الذي أعرفهُ، ينامُ على الرصيف،وينبحُ مع الكلاب ويسرقُ النجوم والكتبَ واللقمةَ وقدحَ النبيذ والنهدَ الهارب من أزرار قميص النوم .

■ أنت حاولتَ وضع الشعر بجيوبك،وكأنما كنتَ الشاعر الوحيد على تلك الأرض. حاولتَ أن تجعله انعكاساً لحياتك البائسة والظروف التي مررتَ بها عائلياً ومادياً،والتي تجلتْ بوضعكِ في مدرسة داخلية،ليتخلصَ زوجُ أمك من وجودك في البيت ،وحتى تراكم الديون والأمراض عليك.

فهل يدفع الحرمانُ بشاعر مثل بودلير،إلى التعميم بتلك الصورة ،أي أن تجعلَ الشعر تخلياً شمولياً عن الجماليات،وامتهان التشاؤم بأقصى درجاته؟

_ تجربتي الحياتية العامة،كانت بمثابة (كاتولوغ) جهنمي،جميع صفحاته مشغولةٌ بالحرائق الصامتة منها أو الطائشة الصارخة حتى التوحش.ومع ذلك كانت حياتي في الحي اللاتيني تليق بالشعر وبطقوسه وثيرانه وعشاقه .الشاعرُ الذي لم نجدهُ بطلاً حتى اللحظة،هو الشاعرُ الميت ذو الأنا الطافية في الفضاء الخارجي.

■ أنت تعيش تناقضات ذهنية عظيمة. فهل كل ما عاشرتَ من شعراء على تلك الأرض،كانوا غير مختومين بماركة الخلود :أي خارج تغطية الوجود الدائم في الموت كحياة أخرى؟

_ لن أكون مُفرطاً في التّزَلّف حول تلك التجربة.ربما لأنني مدركٌ بأن رغبات الشعر على الأرض،هي غيرها في هذه الأمكنة المفتوحة. ويوم يأتي الشعرُ إلى هنا،ويبدأ بتأسيس ما يستحقُ التأليف عنه،سنتساقط كالمطر على ثلوج،لوضع حجر الأساس لتلك القوة الدائمة.

■ ثمة من يؤكد بأن بودلير ،ليس غير تمثالٍ متحركٍ للشرور .ما ردّكَ على فكرة من ذلك القبيل؟

_ هذا صحيح.فقد صُنعتُ أنا من شر العالم ،لأكون ذلك التمثال المشتعل بمختلف الشرور والموبقات .وإلا ،فهل تظن أن ماكينات الجحيم قادرة على إنتاج الملائكة؟

■ وحبُّ النساء ! بدءاً بالسمراء (جان ديفال)  ((فينوس السوداء )) وانتهاءً بـمدام ساباتي (الإلهة البيضاء)) . أي مقام لهنّ في قلب الشاعر الشرير بودلير ؟

_ كان الحبُّ علبةُ دواءٍ لم أستطع الحصول عليها ،لا من مستشفى عام ،ولا من صيدلية خاصة.لذلك قضيتُ العمرَ مريضاً بجذام ذلك الغرام التعيس الذي استنزفت كلّ الطاقات، من أجل أن أكون بذْرة في جوفه الشبيه بالبئر المظلمة التي تستعر بالنار وبالرماد.ولكنني فشلت بالحصول على ما ينقذني من العلل وعوالم الأفيون والخمر .لذلك مزقت (روشتات) الطب والقدر ،ومضيتُ بالتمارين على الموت.

■ لقد قمتَ بتعنيف الحبِّ إلى درجات غير معقولة أبداً .فأنتَ أسرفتَ بتشويهه والنزول به إلى الحضيض. وكما قلت: ((- نشوة الحب الوحيدة هي في التأكد من ارتكاب الشر ، والرجل والمرأة يعرفان منذ ميلادهما أن كل نشوة تكمن في ارتكاب الشر)) أو ((كنت دائماً أتعجب من إعطاء النساء حرية الدخول إلى الكنائس ، إذ فيم يا ترى يكون حديثهن مع الله !)) أو ((المرأة لا تعرف فصل الروح عن الجسد ، لأنها بسيطة كالحيوان ، ولو كنت من النقاد الهجاءين لقلت بأنها لا تملك إلا الجسد . )).فهل كانت كل تلك الأفكار وسواها، بفعل الهزيمة التي تعرضت لها مع النساء؟

_ الحب برأيي مكان فاحش،لا تسودُ فيه آدابٌ أو طهارة أو أخلاق .هو مكانٌ مناسبٌ لممارسة الدَجَل والوضاعة وتخريب الحواسّ بالشهوات الشبيهة بالمازوت . من أجل ذلك لم يقو بدني على الاندماج به أو معه،لأنني كنت خائفاً من أن يقوم بابتلاعي حيّاً،كما تفعل ذلك اسماكُ القرش بضحاياها.

■ لم يكنْ ذلك حقيقياً. فليس الخوفَ من ابتلاع الحبّ لك وحده،هو من كان يقفُ وراء نظرتك المتعفنة الازدرائية تلك. بل كأن حقداً سّاماً –ربما يتصورهُ القارئ – وهو الذي نَضح من ثقوب جسدٍ مريضٍ، حاول تعميم الدمار على محيطه الخارجي،بعد أن تأكد من تحول جسمه الشخصي إلى كتلة من الفحم .

_ وما المانع من ذلك،إذا كان الهدف أخذ تنشيقة سَعُوط ،لإعادة تنشيط دور الشيطان الأكبر في الحياة الشعرية،وسواها .

■ هل حشدتَ كل تلك الأدوات اللغوية النافرة من أجل الانطلاق بقصيدة النثر عبر كتابك ((سوداوية باريس)) المضادّ لكلّ لياقة أدبية أو اجتماعية آنذاك ؟

_ أجل.فالشاعرُ الذي استحدثت حضوره في ذلك الكتاب،لم يكن قنبلةً بلاستيكيةً على طاولة القارئ،إنما هو كائنٌ نزقٌ حادٌ سرسي،  أرادَ اكتشاف المدينة بأزقتها ومواخيرها ومكاتبها وغاباتها ومخلوقاتها الغريبة،ليضمن للنصّ الطقوس التي تليق بقصيدة متحررة من الأوزان والقوافي وأطلال التراث الفرنسي ومرجعياته المقرفة الفائضة بالملل والسطحية الوافرة.

■ أنتَ أجهزتَ على كتاب ((أزهار الشر)) بنفسكَ،وذلك عندما قدمتَ مجموعة ((قصائد نثر صغيرة)) لتجعل منها قفزة حرّة فوق الشعر الحديث.ما ردّك؟

_ لم يدعني الشعرُ مطمئناً بجميع مراحله وفصوله وطقوسه.فلقد كنتُ أمضي بعيداً عن التضاريس الأولى لمكوناتي الشعرية المُستخلصة من الألم والرذائل والحطام والقرف.كل ذلك لا يعني إن قصيدة النثر التي اقترحتها،كانت زَلّة قدم لغوية،بل جاءت متدفقة كقطار بخاري يشق السديم الذي كانت تتغلفُ به الحياةُ الشعرية الباريسية آنذاك. وقصيدة النثر حسب ما كتبت عنها إلى ((أرسين هوسييه)) مدير تحرير مجلة (( الصحافة)) في 26 آب 1862 سائلاً :

((مَن مِنّا لم يحلمْ، في أيّام الطموح، بمعجزةِ نثرٍ شعري، موسيقى من دونَ إيقاع أو قافيةٍ، فيه ما يكفي من المرونة والتقطّعِ حتّى يتكيّفَ مع حركاتِ النفس الغنائيّة، وتموّجات أحلام اليقظةِ، وانتفاضات الوعي))

■ هل لكلّ قصيدة رحمٌ برأي بودلير؟

_ نعم. فأنا أحبُّ أرحام القصائد ،لأنها عادة ما تكون محشوة بالمخلوقات المشويّة والجثث وعلب الصفيح والزجاجات الفارغة.وكلّ ذلك يوفر على الشاعر فرصاً للتأليف الممتاز الذي يمضي قدماً نحو المصير المحتوم للبشرية في لون الصدأ أو في قاع الأرض الأسود.

■ هل صادفتَ مفتشاً للبوليس ،وهو يبحثُ عنكَ في هذا الفضاء الأعلى؟

_ لا .لم ألتقِ بأحد من الشرطة.ولكن لمَ هذا السؤال؟!!

■ ربما لأن البعض يفكرُ ،بأن محاكمتك كرجل مشاكس وعنيف وبذئ ووقح هنا،ستكون من المسائل المثيرة ليس إلا .

_ ما نراهُ هنا، عكسَ التصورات المعهودة عن السموات.فمن كان يعيشُ وضعاً مزرياً على الأرض،سيتم إصلاحه قطع غياره هنا بكل الأدوات،حيث سيجدُ المرءُ ان التحليل البنيوي للأشخاص المنتجة للآداب حسب مقياس رولان بارت،لا يتطلبُ كل ذلك التعقيد.فكلّ كائنٍ ثمرةٌ من ثمار مخيّلةِ الجنة.

■ هل التقيتَ برولان بارت هنا؟

_ لا.ليس طموحي أن أراه في أي مكان .سمعتُ أنه رجل دائم النوم،وقد امتلأ سريره ببيض الدواجن،حسبما علمتُ ذلك من مخرج فيلم(( القيامة الآن)) فرانسيس فورد كوبولا.

■ هل أخبرك كوبولا بوجود نسخة جديدة ،يستعد لإخراجها بعد القيامة الآن؟

_ أجل.فالرجل كوبولا  بصدد إخراج فيلم ((الجنة الآن)) وطلب مني الاستعداد للقيام بدور المخادع المضلل البائس في الفيلم .لقد أعجبني السيناريو كثيراً.وربما سأتفاوض مع المخرج على إضافة بعض الفقرات التي من شأنها سدّ بعض الثغرات.ففيلم ((الجنة الآن)) سيكون مُفرّغاً من القساوسة والأئمة والكهنة والخوارنة والحاخامات والأحبار والشيوخ .

■ وماذا يرمي كوبولا من وراء تفريغ فيلمه من الرموز الدينية برأيك؟

_ المخرج الأمريكي ،يعتبرهم ذباباً يشوش بطنينه على الروح الإلهية،ويحول دون اتصال العبد بالمعبود .وهو بذلك ،يكون قد اسقط الوساطة ما بين الإنسان والإله .فأغلبُ رموز الديانات ،كانوا سماسرةً يقبضون الأجورَ على أعمالهم ،ويربطون مسألة الإيمان بالإرهاب ،حيث يكون الجحيم بانتظار كل متخلف عن تلك العربة  .

■ وهل أنتَ ملّومٌ على تقصير نسبة إيمانك هنا؟

_ نحن في فضاءات سينمائية مدهشة،ولا يمكن للمرء أن يمثّل دوراً سيئاً أمام الربّ،أو يجد رأسهُ حبة بطاطس يَفوّرُ بداخلها البخارُ من شدّة حرارة النيران.

■ لم تجبْ على السؤال المتعلق بدرجة إيمانك .هل أنت من الكُفار يا بودلير ؟

_ أجل.فأنا مثل تلك الدجاجة التي ستدخلُ جهنم ، لأنها أَلْهَتْ الذَبّاحَ بقَوْقَأتها ، فنَسَّى التَكْبيرَ قبيل الذِّبْحْ !!

■ يبدو أنكَ كنت شاعراً منحرفاً على الأرض،وتواصلُ إكمال تلك الانحرافات في السموات .ألا يُعد ذلك مرضاً يا بودلير؟

_ ليس من مكان ليحافظ فيه الشعراءُ على توازنهم إلا عند الله.فهو الأعظم معرفةً بحواسّنا والأوسع رأفةً بأرواحنا الشبيهة بالطواحين الملتهبة نصوصاً وشهوات تتكدسُ بترابنا.

■ يبدو أنكَ تقفُ في أعلى درجة من سلّم الريح ،وترسلُ إلى الآخرين بهذه الإجابات الشبيهة بالصواعق !!

_ بالتأكيد.فأنا ما زلتُ على أبواب حربٍ دائمةٍ مع خصومي في اللغة والمنزل والنشر.فلم أنس التحريض القضائي الذي قامت به جريدة ‘ لو فيغارو’ ضد شعري تحت ذريعة حماية الأخلاق المسيحية من الأوبئة التي تمتلئ بها قصائدي،الأمر الذي دفع بمحكمة الجنح شطب العديد من قصائدي المطبوعة في كتاب (( أزهار الشر)) .

■وهل كنت يا بودلير بريئاً بحق ؟!!

_ لا مكانَ للبراءة في الشعر.