الشاعر سركون بولص

 

الوفاة22 أكتوبر 2007، برلين، ألمانيا

كتابة وحوار:أسعد الجبوري

لا أُدرك تماماً ما تعنيهِ كلمة الأمل المستعاد،عندما تَطنُّ تلك الكلمةُ بداخلكَ ،فوارّةً كالبخار الخارج للتو من جوف بركان .هل هو الأملُ المتعلقُ بمهمةِ الحصول على مكان إقامة الشخص الذي كنا بصَّدد الاجتماع به؟

أم هو الأملُ العريض ،بإمكانية فتح ملف كان مغلقاً عن حياة شاعرٍ مثقلٍ بالوسامةِ والشهرةِ والتراجم والتيه والفراغ العاطفي ؟؟

وإذا كان أغلبُ الشعراء السماويين ،يقضون معظم أوقاتهم بمرافقة البنات والانشغال بإرسال البرقيات التلغرافية إلى أشباههم الأرضيين مع الأيميلات والرسائل النصية، فمن المستغرب أن تجدَ واحداً من أولئك الشعراء ،وهو يستفردُ بنفسهِ أمامَ نصبٍ تذكاري لآلة كاتبة من الطراز الإنكليزي،يقعدُ أمامها مؤلفٌ كهلٌ ،وهو يتلمسُ بأصابعهِ رحيقَ التأليف النازل من أزرار حروف تلك الآلة.

لم أستطع تَخيّلَ تلك اللحظة التي رأيتُ فيها الشاعر سركون بولص ،وهو يجلسُ بمعية قنفذٍ ضخمٍ،متأملاً تلك الآلة الكاتبة الموضوعة أمام مؤلفها الشيخ المصاب بالزهايمر.

اعتبرتُ المنظرَ ليس غير لقطة في مكان سحريّ،يمكن أن يُحركَ الحوارَ بيننا وبين سركون الذي سرعان ما دعانا للجلوس ما بينه وما بين قنفذهِ الكبير الذي كان مشغولاً هو الآخر بالنظر إلى أرتال النسوان العابرات لساحة الآلة الكاتبة.

ضحكنا معاً .وقبل أن ينفذَ الهواءُ من الرئات،قام القنفذ بالانسحاب من الجلسة.وعندما حاولنا الاستفسار عن أسباب تلك الخطوة،أخبرنا الشاعر سركون بولص بأن القنفذ ذاهب لأداء عمله في السيرك .

س/أين؟سيرك  الحبانية ؟

ج/لا يا رجل.لا تذكرني بمسقط رأسي .

 

س/ولمَ لا نبدأ حوارنا من بلدة ( الحبانية ) ثم مدينة كركوك في العراق.هل كان ذلك الانتقال بمثابة خروج من الرحم الجغرافي الأول للماء ،والدخول في  مرحلة التمغنط بتربة النفط ؟

 

ج/ربما كان الشعر يريد ذلك.أن يخرج حيّاً من الماء،ليحترق في فضاء آخر دون حدود.

 

س/وهل كنتَ تفضلُ الاحتراقَ على الغرق؟

 

ج/في المراهقة الشعرية،قد يصبح الخيارُ الأفضل ،أن يجمع الشاعر الاثنين في طقس واحد.وهذا ما كنت أشعرُ به منذ بدايات تكويني الأول.كنت أسبحُ بالماء وأنتشي بالحرائق الداخلية التي عادة ما تحدثها سيول تلك المياه ،وهي تساقط من الشلالات النفسية ،لتصنع نار الشعر.

س/هل كنت فرحاً بمثل تلك الألعاب ؟

 

ج/الشاعر صبي ،ما أن يبلغَ مرحلةَ ما فوق المراهقة ،حتى يتحول إلى ذئب ينشدُ الحِداد على نفسه بكل شراسة.

 

س/ويساعدهُ الخمرُ والحشيشُ على ذلك  كما تعتقد؟

 

ج/قد لا يحتاج الشاعر لكل تلك الأدوات.فهو يصنع خمرهُ بنفسهِ .جسدهُ زجاجةٌ ممتلئة بالعصير الإلهي على الدوام .وأما بالنسبة للحشيش ،فكذلك بداخل كل شاعر عظيم حقل لا ينضبُ من الماريجوانا .

 

س/ألا يخالفُ بهذه التقاليد التي تنظمُ الشعرَ وتتحكمُ بمصادر خيال الشاعر؟

 

ج/لا أبداً. الشاعرُ الفاشلُ وحدهُ ،هو من يطلب معونة الآخرين بأنظمتهم وبتقاليدهم وبأنماط حيواتهم ،سواء في المعيشة أو في حالات التأليف.

 

س/هل ينطبق هذا على ما أسميتموه بـ (( جماعة كركوك))  ؟

 

ج/ربما .فقد حاولنا منذ البدء تجميع طاقاتنا الشعرية في تجمع ما،لنكون نقطةً متجانسةً في محيط شعري متعدد التيارات والأهواء والأصوات.

 

س/ بمعنى أنكم كنتم عُصبةً شعريةً ؟

 

ج/بالتأكيد.وإذا ما شئت،يمكنك القول بأننا كنا عصابة اتخذت قرار التمرد على ما كان مألوفاً،وإن بشكل غير ظاهري أو مُعلن.

 

س/ولكن الوضع الثقافي في البلاد العراقية ،لم يكن ليحتملَ متمردين على أصولهِ في الشعر أو على تراثهِ في الأدب .أليس كذلك؟

 

ج/أجل. كان هواءُ تلك المرحلة قليل الأوكسجين. وكانت الآفاق ضيقة على كل تطور شعري ،يحاول أخذ اللغة إلى خارج القفص الرسمي الخانق.

لذلك كان علينا مواجهة مصيرنا ومصير كتاباتنا المنفلتة من العقل السلفي والعقال الكلاسيكي للكتابة .

 

 

س/بدأتَ أنتَ متعلقاً بالترجمة ،فنشرتَ في مجلة شعر اللبنانية في الستينات ملفا عن شعراء أمريكيين أمثال :آلن غينسبرغ وجاك كرواك وآخرين، هل كان ذلك تعبيداً لطريق هجرتك نحو الولايات المتحدة الأمريكية عام 1969؟

 

ج/اقتحامي المبكر على الترجمات الشعرية،كان بسبب الشغف المضطرم بداخلي، لفتح آفاق وطرق جديدة أمام موهبتي. هذا أولاً.

وثانياً بدافع أن أتكئ على خزان شعري يقوي من عضلات تجربتي.كنت مغرماً بدخول تلك العوالم الغريبة لشعراء أمريكا،ومفتوناً بعجن تربتي بمياه الترجمات ،تنميةً للشعر،وتطويراً لمقدراتي اللغويّة في النقل الخاص بالترجمة.

 

 

س/بحسب بعض آراء النقاد ،فقد ظهرتْ على قصائدك آثارُ من أشعار ألن غينسبرغ، كرواك، غريغوري كورسو، بوب كوفمن، لورنس فيرلينغيتي، غاري سنايدر وهم من جماعة الـ«بيتنيكس» ممن ضربت الصحبة معهم في سان فرانسيسكو.هل كان مرد ذلك يعود للألفة الزائدة مع تلك الجماعة أم إنه نوع من الاندماج تلافياً لسموم الاغتراب ،كي لا تنفذ إلى الروح ؟

 

ج/ لا أنكر بأنني تأثرتُ بشكل مبالغ فيه بكلّ من ذكرتهم وآخرين من شعراء العالم،لثقتي بأن ذلك التأثر سيكوّن الأرض الخصبة للتفاعل الحداثوي ما بين الشعر الغربي والشعر العربي،كما هو في ذات الوقت رغبة جامحة للخروج من حالات التقوقع الشعري العربي.كنت أحاولُ هائماً بالتخاطر مع الآخر،وبالتناص مع مختلف التجارب التي وجدت نفسي بداخلها .وأنا لا أخجل من كل أثر ظهر لهؤلاء على شعري.

 

س/استغراقك بالرحيل وعدم الاستقرار،هل هو كرهُكَ للمكان ،بحيث جعلك قلقاً على هذه الأرض التي أمضيتَ فيها العمر ،متنقلاً بين أوروبا وأمريكا ؟

أي سرٍّ يكمنُ وراء ذلك ؟هل هو الخوف من الثابت ، أم كان الأمر يتعلق بالتفتيش عن مياه أخرى في  ينابيع من الطراز التخيلي ؟

 

ج/لم أجد الأرضَ يوماً إلا قطاراً دائري الشكل، وهو ينقلُ الركّاب من غرفة إلى أخرى .الكونُ في النوم ليس غير تلك النقطة اللزجة التي نتعلق بها مرغمين،فيما يفتحُ الفراغُ فمهَ لابتلاعنا في تلك الهجرة الأبدية.

 

س/هل تعني الموت؟

 

ج/الموتُ في نهاية المطاف من أعظم الرحلات الشعرية التي لا يدركها إلا القلةُ النادرةُ من البشر. الموتُ هو القطارُ الإلهي الذي لا تنتهي سباحته في تلك الفضاءات .والموتى الذي يظنون بأنهم ذاهبون للجحيم -كالعادة التي بذرتها الديانات في معتقداتهم- سيتمتعون بمذاق مختلف أطباق الحلوى السحرية هناك. فما من ربّ يُعذبُ مخلوقاته.

 

س/وهل ذهبت أنت إلى الربّ بباص أم بذلك القطار ؟ بل هل تذوقتَ شيئاً من تلك الحلوى؟

 

ج/ كنت ثملاً عندما وصلت إلى هنا.والذي أظنهُ،أنني كنت ممتطياً دابّة من نوع غريب ،لم أرَ لها مثيلاً في الحياة القديمة.أنها ترافقني الآن في كل تنقلاتي. ولكن الأهم أنني حصلتُ على فطيرة محشوة بالمُربيات مع زجاجة خمر لا ينتهي مفعوله إلى الأبد.

 

س/أنتَ تمتدحُ الموتَ ،كما لو أنه توأم شعري؟!!

 

ج/ ولمَ لا ؟

فأنا أعتقدُ بأن بنية الشعر المركزية هو الموتُ بشكله الخفيّ.بصورتهِ غير الحسيّة التي تجلبُ للنفس الرعبَ وللروحِ الانقباضَ.

وبالتحليل النفساني،فهذا الموت المولود معنا منذ لحظة الخروج من الرحم ،هو الظل الذي بقي مرافقي لي طول العمر.كان الموتُ هو الأقرب لي من الأصدقاء والكتب والبحار والأحزاب والطعام .بعبارة أدق:كان الموتُ هو الثوبُ الملتصقُ بلطف على الجلد،ولم يكن متوحشاً ولا قذراً ولا تاجر مطبوعات شبيه بشايلوك شكسبير الذي ينتزع لحم كل جمل يمر بدار نشره.ولا مثل تلك الأمراض الخبيثة التي تقطع عليك الطريق لملاقاة الموت بطريقة غير مروعة.

 

س/ثمة من قال بأن صاحب دار نشر عربية، أراد الحصول على أسنانك الذهبية بعد موتك ،تعويضاً لدينٍ ما له عليك؟ ما صحةُ ذلك يا سركون؟

 

ج/لم تكن لي من أسنان، ليرثها تاجرُ الورق المحتال ذاك.ولكن المسألة في كل الأحوال جزءٌ من الصراع على جثثنا وتوابيتنا ودفاترنا المتبقية على الرفوف مع الغبار.

 

س/كنتَ متألماً في نصوصك على الدوام،وكأن طبيعة الشعر،مخدرّة بمادة من حنين مريض وفوضى بلا حدود من الحقائق والأوهام التي تفضح كيانك الخسران ،على الرغم مما تظهر عليه صور المباهج التي يختفي وراءها سركون بولص؟.

 

 

ج/ الألمُ من الموارد الطبيعية للشعر.أنه النشوة التي يبني النص فيها عشه،لتكاثر بيض الشاعر .ولكن الألم نفسه، يمكن أن يكون مُعطلاً للطاقة في أثناء عمليات التأليف.كل ذلك لم يأت من خارجي،بقدر ما كان مرتبطاً بلغز التربة العراقية التي خرجت من بين شقوقها أشبه بذلك الحيوان التائه في صحارى العالم ومدنه وتخومه .

 

س/في أي طابقٍ من النصّ يوجدُ عقل سركون بولص ؟

 

ج/هل تعرف تذكرة ذَهاب _ إياب التي تُستعمل في السفر؟

أنا رأيت العقلَ في الشعر بمثل زائدة دودية.يجب التخلص منها،خشية الانفجار المفاجئ في الوقت المستقطع،فيتعطل فيضان التخيل والمخيّلة.

لا يمكنُ لأحدٍ في الشعر أن يكون عقلاً منتجاً للحكمة والأمن والاستقرار والهدوء.الشعرُ جزءٌ من لغة الزلازل.والشاعر الفَذّ ،هو من تربى في مدارس البراكين المنتجةِ لحركات تغييرِ الأرض والطقوس والسكان.كلُّ من يظنُ خلافَ ذلك،يكون تابعاً لمستنقع ما.

 

 

س/في البدء ،كان سركون بولص منضبطاً في تصاميم القصائد وشحنها بما يرفد فكرة التحولات على صعيد الحداثة،ولكن ثمة تراجع حدث بعد ذلك،عندما وجدتَ نفسكَ داخل اللغة ،وكأنك تمارس لعبة الكريكيت أو الهوكي لغوياً ؟

 

ج/أنا سعيتُ منذ انفجار موهبتي إلى صناعة القصيدة بالديكور الأوروبي _ الغربي عموماً،تخلصاً من الشوائب التي كان النصُّ العربي غارقاً بها.وربما تلك الاندفاعات ساهمت إلى حد ما بترويع النصوص بالفوضى العامة ،وهو ما يعطي الانطباع بأنني أصبحت غربياً أكثر من اللزوم.

فمن المستحيل بالنسبة لي ، أن يكون الشاعر تمثالاً في ساحة القصيدة.تمثالاً ميتاً ولا يبهر أحداً ولا يلعب الهوكي في أي مكان تفرضه عليه المنافسةُ .

 

س/ هل شعرتَ يوماً ما ،بأنكَ كنت منتخباً من اللغة التي كتبتَ بها؟

 

ج/لم أمرّ بمثل تلك التجربة الانتخابية،ولكنني لم أجلس على كرسي اللغة يوماً،لشعوري بأن ذلك سيتسبب بالشعور بذنب ما،كما لو أنني مجرم ينتظر القتل بالصّدمة الكهربائية.

الاستقرار الشعري ،عادةً ما يفيضُ بمثل تلك الصور والتصورات المرعبة التي تجعل الشاعر وكأنه في فرن مشتعل بحطب التاريخ  .

 

س/وما نوعُ الحطب المفضل لديك، لتجعلَ من اللغة مدفأة تحيطُ بها جسدكَ  ؟

 

ج/الحبّ كما أعتقد.

 

س/ولكنكَ كنتَ بعيداً عنه كما تؤكد وقائعُ الزمن الذي سبقَ وأن عشته على الأرض!!

 

ج/لا يمكن للمرء التقاط صورة عابرة أو خاطفة للحب ،لأنه عادة ما يكون غامضاً أو غير واضح المعالم .بعبارة أدق :الحبُّ مثل الآثار النائمة في باطن التربة .لذا فالتنقيب عنهُ يحتاجُ جهداً مضاعفاً .

 

س/لم يرَ سكانُ الأرض سركون بولص مع حبيبة أو مع زوج أو مع امرأة .كنت دائماً من الذكور تشربُ وتسافرُ وتدخنُ .حتى أن البعض أثار أفكاراً سيئة حول أن يكون شاعر مثل سركون فارغاً من الإناث  !!

 

ج/لم أجد وقتاً للنساء في رحلتي على الأرض.كنتُ مشغولاً بالشِعر وطقوس تسريح شَعري.

 

س/إلى حدّ تغيب آثارُ النساء عن حياتك وعن شعرك!

فإذا كنت ممانعاً لفكرة الانخراط بمؤسسة الزواج،فهل ثمة ما منعكَ من استحقاقات الغرام القلبي؟

 

ج/ قد يكون ذلك شأناً خاصاً .فأنا لا أعرف لمَ كنت أهرب من تلك الأجواء بالضبط.حتى أنني أتحمل مسؤولية كسر الكثير من قلوب النسوة اللائي كنّ يطفنّ حول ناري الخافتة .

 

 

س/عندما يتعمق أحدٌ ما في نصوصك ،يجد الكثير من الجروح العائلية ،وهي تتوزعُ ترابك الشعري.أي نوع من النزاع كان ما بينك وبين العائلة؟الأب ؟الأم؟ الأخوة؟

 

ج/ لم تكن حياتي كلها مُستَقرةً بسبب فكرة الانتقال الدائم من عالم إلى آخر.بعبارة أدق:كنتُ شاعراً طائشاً.أو يمكن اعتباري  بقعة جرداء .متصحرة من الحب ومن الشهوات النافرة التي قد لا تجدها عند أهم الشعراء المثليين أو العذريين ،كما يتم تسميتهم لغوياً .فالحب أو الزواج  هو بطالة من نوع آخر في مدينة أين التي كنت أبحث عنها  !!

 

س/هل أردتَ تخزينَ شهواتك الأرضية،ومنعها من الاستنزاف إلى يوم سماوي كهذا ؟

 

ج/ها أنتَ وقد أجبت على السؤال .فأنا الآن في طور الاختبارات العاطفية مع الجنس اللطيف هنا .

س/تقصد الحُور العين؟

 

ج/ليس بالضرورة أن تُصاحبَ نساءات من ذلك الطراز،لأنه في هذه الفضاءات الكثير من الموديلات الأنثوية الباهرة.ثمة تنافسٌ بالغ الذْروة ما بين النساء في الفراديس .الكائنات هنا متطوّرةٌ .ومثلما كانت مؤسسات جباية الأموال على الأرض قائمة،فستجد هنا جمعيات تعنى بتخصيب القلوب عاطفياً ،وكذلك بتسمين الشهوات وصولاً إلى المنتهى .

 

س/وهل يتمتعُ الآشوريون بالهِبَات النسوية مثلهم مثل المسلمين الموعودين بحُور العين والملاحق الأخرى التي وردّت في بعض الكتب المقدسة؟

 

ج/ومن أين أتى الآشوريون برأيك؟ من صندوق بريد الشيطان؟

كلنا من صناعة الرب .

 

س/ ربما يقال بأن لكل شاعر حارساً خاصّاً به .ما اسمُ حارسكَ الشعري يا سركون ؟

 

ج/السرطان.أجل هو السرطان ولا شئ سواه.كان حارسي طوال ستين عاماً،وفجأة ضجر من وظيفته،فتركَ جسدي يسقط كالخرقة من على حبل الغسيل.

س/قامَ بغدرك كما تعتقد؟

ج/لا .ربما أتعبتهُ بما كان يشغل رأسي من شعر وأشياء أخرى.

س/ولكنك لم تكتب كثيراً .كل ما أنتجتهُ لا يتعدى 13 كتاباً ما بين الشعر والترجمات وبعض القصص؟

فأين كان زمنك يجري بالضبط؟

ج/كنت مطارداً من قبل الكثير من الأشباح التي تنام في العديد من الكهوف التي تسكنني.هل تعرف بأنني عشتُ طوال سنوات غير قليلة داخل كهف بارد من تلك الكهوف ، ولم أعشْ في البدن الذي كان يحملني كما يظن الآخرون؟!!

 

س/هل هذه سَحابةُ حشيش من فيلم ((حامل الفانوس في ليل الذئاب)) مثلاً ؟!

 

ج/بالفعل.فقد كنت فيلماً من بطل واحد، لم تستطع سينما الشعر أن تضمهُ إلى موجة فنية أو منتج واحد.كنت الأكثر غربة في ليل الذئاب والشعر على حد سواء،فما بين الشعرية التي كنت استمدها من روحي،وما بين اللغة ، ذئاب عصية على التصوير .لكنني كنت أحتفظ بتصاويرها في أرشيف الباطن العميق.

 

 

س/قارئ سركون يشعرُ بمخلوقاته المعذّبة المُنْهارّة المُتعَبة ،وهي تحتلُ المنصةَ في كل نصّ.       على ماذا كنتَ تعوّل ،وأنتَ تكتبُ عن تلك المخلوقات المفتتة قدراً ومعنى ؟

 

ج/كنت في كلّ ما كتبتُ ،أحاولُ إبعادهم عن حياتي المضطربة. لا أريد من مخلوقاتي الشعرية أن تعيش في الرحم الذي تكوّنتُ فيه،ولا أن تعود إليه مرة أخرى.

 

س/ هل كنت حقاً حامل الفانوس في ليل الذئاب يا سركون ؟أم أنتَ تربيتَ مع تلك الحيوانات المفترسة وفي نفس الحظيرة؟

 

ج/الذئابُ في تصوري:شياطين.

 

س/في الكثير من الأحايين تسقطُ نصوصك في الثرثرة العمياء،هل كان ذلك بفعل الشيزوفرينيا التي تطال أغلب الكائنات المتعايشة في الشعر الذي كنتَ تنتجهُ تعبيراً عن نفسك التي هي جزء من عوالمهم أو من طقوسهم.

 

ج/ليس سيئاً الاعتقاد بأن الشيزوفرينيا مكوّن قوي من مكونات الشاعر.أنا في النهار غير أنا في الليل.أنا في القصص التي كتبتها ((غرفة مهجورة)) غيري في كتابي (( الحياة قرب الأكروبول )).وهكذا يستمر التدفق ما بين الظاهر وما بين الباطن الشعري على الصعيدين :المعنى والمبنى.

 

س/ماذا تقولُ لمنْ يصف سركون بالشاعر الذي حاولَ أن يُفرّغ نهراً ،ليملأ نصوصهُ بالمياه،تعبيراً عن رؤية المركب السكران وهو يمخرُ عباب شعره.

 

ج/سؤالٌ مدهشٌ .الشاعر شبيه بزجاجة فارغة،على العاصفة أن تقوم بتعبئتها بمادة من مواد الطبيعة.هذه ليست فلسفة،بقدر ما هي رؤية لنهر فارغٍ، عليك أن تملأه بشئ، لينبضَ ويتحركُ على الأرض أو بجوف التربة،من أجل أن تكون صالحة للزراعة بالمختارات التي تنتجها اللغةُ .

 

 

س/متى تعتبرُ النصّ قوس نصر ؟

 

ج/عندما يضع الشاعرُ بيضته الأم على رأسه ،ويمضي مع عاصفة شكسبير دون الشعور بخوف أو أسف.هل تعلم بأن حركة الكون هي حركة بيضاوية.

س/بيضاوية أم شعرية؟

ج/كلاهما ينتميان إلى المح والزلال.

 

س/هل تعتبر الحداثة بمثابة شبكة عنكبوتية ،أو محطة يديرُها طاقمٌ من أشباح على قدر كبير من المعرفة والشيطنة في آن واحد؟

 

ج/هي بالضبط كذلك.فلا يمكن رصدها بنقطة.كما لا يمكن حصر انعكاساتها على جانب واحد من الحياة.ولكنها أيضاً مقبرةٌ لمنْ لا يقرؤن الوقائع إلا من خلال العودة للمرجعيات .لذلك فأغلب الأمم البشرية،هم ضحايا التراث السلفي الذي يعطيك حرية الركض في الماراثون العام،بعد أن ينتزع من أطرافك السفلى الركبتين .

 

س/ قال عنك أحدهم: كان بولص غريباً في بغداد مرتين. مرة لأنه من جماعة كركوك، وأخرى لأنه لم يشتبك بمشكلات الشعر السائدة في بغداد. لذلك، كان يفضل أن يكون قاصاً. ما لا يعرفه الكثيرون أن قصص بولص القليلة التي نشرها أواسط ستينات القرن الماضي كانت وضعته في الصف الأول من بين كتاب القصة القصيرة الطليعيين. في ما بعد سيتم جمع تلك القصص ونشرها في كتاب يحمل عنوان «غرفة مهجورة».

 

ج/قد يكون ذلك صحيحاً.فأنا عشتُ غربتي الأولى في بغداد ،وبشكلٍ موجع وحادّ .فقد كان ينظر إلينا البغداديون كرعاع يتساقطون على العاصمة من الأرياف.

أما بالنسبة لـ ((جماعة كركوك)) فقد كانت بمثابة يافطة حاولنا الاحتماء بها لصدّ المضار التي كنا نخشى من الوقوع قرابين لها في الغربة البغدادية الأولى.لم نكنْ جماعة ولا جمعية بالضبط،لأن تشتتاً كان ينالُ من روح ونصّ كلّ منا على انفراد .

في البدء ..كنت قاصاً ولم أشتبك في معارك الشعر العراقي وهو في ذْروة تطوراته.انشقاقاته.ملامح حداثته.رواده.لكن الأمر لم يستمر طويلاً،إذ سرعان ما تركت بغداد خلفي وغادرت إلى بيروت.

 

س/هل استطعتَ أن تغير في الشعر شيئاً، بعد كلّ ما قمتَ بكتابته  ؟

 

ج/ أعتقدُ ذلك.ويمكنك الاعتماد على بعض النقاد فيما ذهبت إليه.أنا بالأساس لم أكتب الشعر لأغير وأبدّل وأقصي وأحل محل فلان في هذا المكان أو ذاك..كتبتُ الشعر لشهوة كانت تتقدمُ كياني على خريطة تلك الأرض القديمة ليس إلا.

 

س/ثمة من يعتقد بأن سركون قد تأمركَ شعرياً بكثافة ،وذلك بفعل إتقانك اللغة الأجنبية –الانكليزية – .هل يُعد فقيراً، الشاعر الذي لا يتقنُ لغاتٍ ؟

 

ج/لقد سُعدت بمرافقة بعض الشعراء الأمريكيين ،ولا أنكرُ بأنني تأمركتُ بهم شعرياً إلى حد ما.لا يصح أن تغفل أثرَ شاعر ما في تربة شاعر آخر.وكلّ شاعر لا يتقنُ من اللغات لغةً واحدة إضافة للغته الأم،لا يمكنُ أن يتعثر ،أو لا يقدر على تعبئة الفراغات الشعرية التي عادةً ما تستدعيها مخيّلةُ هذا الشاعر أو ذاك من أجواء الآخرين وطقوسهم .

 

 

س/ولكنك أفرغتهم من جذوتهم الشعرية من خلال الترجمة،لتضخَها بنصوصك في غياب وعي القارئ العربي بقراءة أصول نصوص حركة (جيل البيكنس) التي سبق وأن قمتَ بنقلها للعربية عن الانكليزية؟ ما قولك؟

 

ج/لم يحدثني عن ذلك إلا القلةُ ممن قرأوا أشعار حركة ((البيكنس)) وكانوا يتقنون الانكليزية بالضبط.

 

أنا لم أستبح نصّاً من نصوصّ هؤلاء،ولكن بعض روائحهم ظهرت في بعض نصوصي التي عادة ما كانت تتشابك مع عوالمهم وطقوسهم.كانت تجربتي مع أولئك تجربةً فريدةً وممتعةً ،وزادتني اغتراباً في الشعر وفي العاطفة وفي المدن وفي الإنسانيات الكبرى .

 

س/هل تؤمنُ بالتناصّ الشعري؟

أم تعتبر ذلك لطشاً وسرقة بطريقة شبه قانونية بفعل ما يمكن شرحها أدبياً؟

 

ج/ذلك يعتمدُ على قوى تخاطر الإلهيين في التأليف المشترك.ولا أظن بأن ذلك صحيحاً ذلك دائمة .

 

س/أنت ذهبت للإيحاء بوجود مدن شعرية كما ورد في مجموعتك ((أين)).

أصبحتَ تبحثُ عنها على خريطة ذلك الوجود الجغرافي .ولكن أليس مُخزيّاً أن يفعل شاعرٌ مثل سركون ذلك ،باعتبار أن الشاعرَ عرافٌ يفيضُ بالكشوف والاكتشافات ،ولا يحتاجُ لدليل يشيرُ إلى المواقع التي تفيضُ بها نفسه؟!!

 

 

ج/قد تكون أولى تلك المدن :هي النفسُ التي لم أستطع اكتشاف مغاويرها حتى وأنا على هذا التراب السماوي الشاسع.لقد خُدعتُ بمدن جغرافية وأخرى بشرية من أصدقاء وأشخاص سبق وأن قابلتهم على الأرض القديمة.أصدقاء الصور والتصاوير الذين كانوا يلتقطون الصور معي لنشرها في الصحف والمواقع وعند البنات .

 

س/هل كانت كركوك هي النفس الابتدائية لشعرية سركون بولص؟

بغداد.بيروت .الغرب الأمريكي –الأوروبي،  أين تقع تلك المدن  من جسدك النصّي؟

 

ج/أنا يا صديقي أشبه بالزجاجة التي تطفو فوق سطح المياه،كلما عثروا عليها في مدينة،سرعان ما يفتشون في محتوياته،ثم يعيدون رميها في البحر ثانية ،لتقع في يد أخرى من مدينة مختلفة .وهكذا دواليك..

كركوك التي أحبُ وأعشقُ، هي المدينة المخبأة في الأعماق،ولكنها ليست أم المدن الشعرية التي أورثتني القدرة على الكتابة.يمكن اعتبارها صانعة للاغتراب المبكر الذي دفعتني إليه بكل حماس.كل مدينةٍ نصٌّ من النصوصّ التي تستحقُ الإجلال.

 

س/هل عشتَ صراعاً إيديولوجياً على الصعيد الشعري،أم تمكنت من التعايش مع مختلف التيارات وصولاً لتحقيق رغبتك بكتابة النص المتحرر من القوالب والسموم السياسية؟

 

ج/لقد أقمتُ جدراناً مختلفة ،لتمنعني من التواصل مع مختلف التيارات الإيديولوجية والأحزاب ورجالات السياسة في العراق وخارج العراق.كنت أعتقدُ بأن ليس للشعر قدرةً تستطيعُ التواصلَ مع الحزبيات ،تلك التي تجعلُ من النصّ ممسحةً، يستخدمها السياسي في مختلف الظروف لتحطيمِ الشاعر وقتل الشعر.

 

س/كيف تجدُ وضعكَ في هذه السموات الآن ؟

 

ج/ما أشبهها بالنصوصّ المفتوحة.

 

س/هل تعني باختلاطهما ما بين الجهنمي والفردوسي ؟!

 

ج/لم أرَ حتى اللحظة، منطقةً في هذي البلاد الشاسعة، تقومُ على النار ، أو تختصّ بتعذيب البشر هنا.قد أكون في المنطقة الخطأ،أو ربما لم أصل إلى بعض الأمكنة التي سبق وأن تحدثت عنها الدياناتُ .

ولكن الله هنا، يملأ كلَّ شئ بالرحمة كما أظن.ولا توجدُ شياطين تعملُ في (( بنزينخانات )) لإضرام النيران في ثياب الناس .ولا ملائكةً تقوم بتأمين أدوات نشوء اللذّة وإدامتها في أرواح الخارجين من المقابر .

 

س/هل اجتمعتَ بشعراء في مكان إقامتك ؟

 

ج/حظيت بلقاء خاطف مع الشاعر ((والت ويتمان)) في حقل الأرز .وكان لقاءً فادحاً،تحدث فيه ويتمان عن موقف أمريكا المخزي من الشعب الفلسطيني بحضور الشاعر سميح القاسم الذي كان يرعِدُ ويزبدُ بوجه الشاعر الأمريكي الذي لم يكتب قصيدة ضد إسرائيل.

 

س/ولكن ويتمان ولد ومات قبل تاريخ نكبة  فلسطين: 1819-1892  !!

 

ج/وهو كذلك.ولكن الشاعر سميح القاسم  كان يطالبه بكتابة قصيدة ذّم مبرح بحق آخر دولة احتلال في العالم،وإرسالها إلى أهل الأرض بالأيميلات .

 

س/هل حظيتَ بكائنات ما هنا ، ترفعُ منسوب الإستروجين في نصوصك ،لنتمتعَ بقراءة جديدةٍ لأجساد سركون  اللغويّة ؟

 

ج/لا أدري.ولكنني ما زلتُ في طور تكوين الأعضاء والحواسّ.

جسدي ما زال فارغاً من جميع أثاث الماضي وقطع غياره.ولا أعرف أن كان سيحدث تطوّر في المستقبل القريب أم لا.أنا أدرك بأن إتمام تفريغ جسمي من الطين الأول،سيقود إلى ولادتي بنسخة أخرى تماماً.

ومن أجل أن تكتملَ صورتي الجديدة، سيكون علىّ الذهاب إلى دائرة سجل ((حَبل السُّرّة )) الآن،لأتمكن من الاضطلاع على كافة أوراق الملف الخاص بي.

فأنا لا أعرف حتى اللحظة، ما الذي كُتبَ بتلك التقارير التي رُفعت عن تاريخي من أرض الطين .