الشاعر ألن غينسبرغ

Allen Ginsberg

 

كتابة وحوار : أسعد الجبوري

كان يدورُ حول الأرض بمعيةِ كلبهِ الأسود.يقهقهُ ويصرخُ ويغني بالميكرفون الذي يمسكهُ بيده اليمنى،وهو يلّوحُ به ،كما لو كان منديلاً.حاولنا تتبعُ خطواته،والمضي بحركة دائريةٍ حول خط سيرهِ،حتى أصبحنا على مسافةٍ قريبةٍ.فوقفَ لنا قبل أن يدخلَ في مجرى البرزخ .نظراتهُ كانت مشعةً.وأنفاسهُ تهدرُ، كما لو أن مدخنة بصدرهِ.

سألناهُ عن إمكانية أجراء حوار معه في مثل وقتهِ العصيب من رحلته الدائرية آنذاك،فأجابَ مرحباً.وتفاعلاً مع الفكرة.

أطلقَ كلبهُ في الفضاء،ليفسحَ المجالَ للأسئلة بأن تأخذَ مجراها إلى ذهنه الذي كان ملتهباً بحمى النوستالجيا.

جلسنا على أحدى المصاطب تحت أشجار الرماد في الطريق الدائري.أخرجَ من جيبهِ الهر مونيكا،وبدأ بالعزف حتى تجمعتْ من حولنا آلافُ الطيور.بل وكاد خفق الأجنحة أن يخنقنا ،بعد أن بات التقاط الأنفاس صعباً في تلك اللحظات.فقلنا له:

■ كأنكَ تنفخُ بآلةٍ لجَلبِ الطير.أي سحرٍ هذا المكنونُ في هذه الآلة ؟

ـــ أنها جاذبيةُ الهر مونيكا ليس إلا .فهذه الآلةُ الصغير،عادةً ما تفجر ينابيع الأعين ،وتستنهضُ السلالّم  في الأرواح .

■ ومن تراهُ يرتقي تلك السلالّم ؟

ـــ ليس غير تلك المواد الكيماوية التي يتألفُ منها الشِعرُ .

 

■ هل وِلدَ ألن غينسبرغ في الحاضنةِ الشعرية طفلاً طائشاً ؟

ـــ أنا خرجتُ من الرحم طائشاً .هكذا يمكنكَ أن تقولَ ذلك،مستنداً على ما أكدتهُ تلك الممرضةُ التي أخرجتني من كهف أمي اللحمي المظلم.

■ كأنكَ لم تخرج من رحم أمك (نايومي) دفعةً واحدةً.خرجتَ قطعَ غيار ؟!!

ـــ وكيف عرفتَ ذلك؟ هل حضرتَ ولادتي؟

■ لا.لمْ أحضر ولادتكَ،لكنني اكتشفتُ ذلك من خلال العالم الشعري الذي جعلَ قصائدك قطعَ غيارٍ مشتتةٍ،لا جامع بينها إلا الصراخُ المُستفز !

ـــ لم يكن خروجي من ذلك الكهف دون تبعات جينية.ولذلك ،تصاعدتْ كوارثُ النفس من داخلي بمرور الزمن ،وكأن جسدي ((كراج)) لسيارات محترقةٍ، وأخرى على وشكِ الانفجار.فرحمُ أمي لا يختلفُ كثيراً عن أي عيادةٍ للأمراض النفسية.

■ خرجتَ من هناك وأنت تَعْوِي كلقيط لأمٍ يهودية ؟

ـــ لا. لا . لا . أمريكا هي التي علمتني العَوِاء منذ نعومة أظافري.

■ بسبب الانتماء إلى جبهة كتّاب  Beat Generation للرفض الأدبي المضادّ لنزعات أمريكا المادية والعسكرية والقمع الجنسي من خلال استخدام لغة الشارع في كتاباتهم .أليس كذلك؟

ـــ كلّ ذلك هو من أنتجَ هذا العَواء الأسطوري ضد جحيم الولايات المتحدة.أضفْ إلى ذلك مرض والدتي الذي جعلها نزيلة مستشفى الأمراض العقلية حتى الموت.

■ ومثليتك .أين يمكنُ أن تضعها في هذا الإطار ؟

ـــ بمؤخرتي.

■ وهل للمؤخرةٍ دورٌ ما في مقدمات الشعر وطقوسه يا سيد ألن غينسبرغ ؟

ـــ بالتأكيد. فالمؤخرةُ كلبٌ ما ورائي نابحٌ ،ويستعرضُ بعوائهِ التراجيدي القدرةَ على الثورة والتغيير.

■ التغيير بواسطة ((قاديش)) .تلك الصلاة التي عادةً ما تقامُ على الموتى ؟أم كان هدفُ التغيير يخص أمراض أمريكا المتعلقة بحرب فيتنام والتلوث البيئي والتمييز العنصري  ؟

ـــ كنتُ غارقاً بالمتاعب.إلا أنني سرعان ما منحتُ نفسي رياضة “الشاماذا” التأملية .ربما لألتحقَ بقطعتي المفقودة من المخ.

■ وبماذا كان ألن غينسبرغ يتأملُ .بالهلوسةِ .أليس كذلك ؟

ـــ أجل. أنا شاعرٌ متأملٌ بالهلوسة التي تحدثُها أمريكا في تربةِ عقلي الباطني ،أو كلّ ما يقعُ تحت ناظري من كتابات ومجازر تخصّ النزيف البشري الذي كنا نناضل ضدهُ سياسياً .

■ النضال من خلال جمعية أو اتحاد ((نفوذ الزهرة)) ضد الموت والخراب والقمع؟

ـــ أجل. كان ذلك خيار الكتّاب والمثقفين في أمريكا،ممن حاولوا صيانةَ الدم الأمريكي من العبث ،والترويج للحب والسلام والعدالة .إستراتيجيتنا تلك،أدخلتني السجون .

■ أدخلتكَ في السجون .ورمتك من بعد ذلك في متاهة المخدرات.أليس كذلك يا سيد غينسبرغ ؟

ـــ كتابي ((سقوط أميركا، قصائد هذه الولايات)) الذي صدر عام1973 ،كان بحاجة إلى الهلوسة.أو كان يفرضُ المزيد من العواء والجنون.

بعبارة أدق ،كان تمريناً انغماسياً في الأوضاع الدراماتيكية التي عشتها وأنا معلّق على حبال الغسيل،وتشتعلُ من تحتي حرائق شديدة البلاغة بقذارتها .

■ هل تعتبر قصيدة ((عُوَاء)) مُلخصاً لمجمل تجربتك الشعرية؟

ـــ أظنُ أن من أحبَ تلك القصيدة،كان يملكُ نزوعاً كلبياً بهذا الشكل أو ذاك.أما أن أضع كاملَ تجربتي في صندوق القصيدة المذكورة،فتلك جريمة .

■ ولمَ هذا الاستنكار؟

ـــ لأن في ذلك إقصاءً يمسُ الجوهرَ العام لكياني الشعري المتشعب ما بين العمل البهلواني وما بين التراجيدي والكوميدي والعبثي.

■ هل من أجل الشعر وحده،مارستَ التصويرَ الفوتوغرافي كمصور. وسجلتَ بعض الأغاني (( قم برقصة التأمل)) أو ((ارم فضلة سيجارتك ،امتنع عن التدخين)) وفتحت على نفسك جميع أبواب النصوص الشفهية والمكتوبة ؟

ـــ أنا جسدٌ شعري ليس إلا.فكلما وجدت منطقةً تذبلُ في باطني الأعظم،فتحتُ عليها طوفاناً بكامل شراستهِ،حتى أفيضُ وترتفعُ قامتي في اللغة التي عادةً ما تجعلُ من ذلك الجسد تجلياً في كتابات الجنون الذي يطردُ عن الشعر وحوشَ الخريف القاتلة.

■ في إحدى المقابلات الصحافية عبّرت عن شعوركَ لحظة كتابة قصيدة عَواء  حيث قلت  : ((اعتقدت أني لن أكتب قصيدةً، بل ما أردتُ كتابته فحسب، من دون خوف، أطلق العنان لمخيلتي، أفضح سريّتي. أخربش سطوراً سحريّة من ذهني الحقيقي أستخلص فيها حياتي، وأكتب شيئاً لن يكون في وسعي عرضه على أحد، أكتب لأُذنِ روحي أنا، ولقليلٍ من الآذان الذهبية الأخرى)).

ـــ كل مدخلٍ إلى الشعر،يبدأ عندي بالعواء.ليس لأنني كلب بامتياز،بل لأن العواء وسيلة احتجاج متقدمة ،خاصةً إذا كان المقابلُ من منشأ حيواني شَرسٍ ،ولا يفقهُ إلا بمن يصنعُ  له من لغتهِ صوتاً يتفاعلُ بما فيهِ من غضبٍ وثورةٍ وتكسيرٍ لعظام الفاسدين العظماء.

■  ثمة من يقول بأن (( قصيدة «عواء» كأنها أيقونةُ غينسبرغ الذي اشتهرَ بالقصائد أكثر من الدواوين، وبعض النقاد الأميركيين أطلقوا عليها مسمى «القصيدة المعجزة» لأنها كانت أشبه ما تكون بحجر الزاوية في تجربة غينسبرغ الشعرية، ووصفها الناقد بيل مورغان في كتابه «أنا أحتفي بنفسي» بأنها «القصيدة التي صنعت الأسطورة فدخلت ذاكرة الأدب الشعبي لحظة ولادتها»، وتوصف أيضاً بأنها «مرثاة غنائية طويلة… تفضح بلغة عادية فجَّة علل المجتمع الأميركي وعاهاته في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي صرخة من فئة الشباب اليائس ضد مجتمع مدمَّر وانتهازي))

ـــ لست سعيداً بذلك الوصف أو التعبير النقدي .فالنقادُ الذي يحيكون قولاً مثل هذا،ربما يعتقدون حقاً، بأنني كلبٌ في قفص،وليس عندي من المنتجات سوى العواء.القصيدةُ التي تحدثوا عنها،نصٌّ شرسٌ ،ولكنه ليس بالنصّ الوحيد الذي يحملُ مسباراً وينقبُ في الجيولوجيات الأمريكية عن الجراثيم القاتلة النائمة في التربة .

■ ما الذي فعلهُ اليأسُ بألن غينسبرغ ؟

ـــ في بداياتي ،لم أقمْ له وزناً .فهو لم يقتحمني كالعاصفة دفعةً واحدة،بل تراكم في خلايا جسدي رويداً رويدا،وصولاً إلى لحظة تحولهِ إلى نهر من الرماد.وبعد ذلك بدأ يغلقُ علىّ منافذ الهواء .تلك هي الحالة التي تحولتْ إلى وضع دائم،تتحكمُ به مخلوقاتٍ لا تساعدُ إلا على الموت انتحاراً.

■ ولم تقررْ الانتحارَ خوفاً من الموت؟

ـــ بل خوفاُ من تركِ البلادِ للجرذان الضخمة.

■ جرذان التكنولوجيا الحديثة تقصدُ يا سيد ألين غينسبرغ؟!

ـــ كنتُ مع التكنولوجيا المتحررة من التوحش وسلوك الجرذان.ولكن تلك الآلات ،ليست من اختراع نبيّ من الأنبياء .

■ ولكنكَ انتصرتَ على «مولوخ» في نهايةِ المطاف .أليس كذلك يا ألن غينسبرغ ؟

ـــ أنه الانتصارُ على الوَهْم ليس إلا. فالإلهُ السامي الشرير (مولوخ ) إله الفينيقيين،كان صاحب تاريخ فاشي في تقبل الأطفال كقرابين محترقة على باب مذبحه. وأمريكا في تاريخها الحديث،غير بعيدة عن سجلات ذلك الإله الشرير.

■ ومن أجل وقفتك ضد مولوخ تلك ، تعرضتَ قصيدة «عواء» إلى المصادرة عام 1957 علي يد شرطة سان فرانسيسكو بدعوى الإخلال بالآداب العامة كما قيل ؟

ـــ أجل.فأمريكا وقفتْ إلى جانب الإله الفينيقي الفاشي مولوخ ضد مواطن من سلالتها الجينية .

■ ربما لأنها أرادت معاقبتك على إهدائك (قصيدة عواء ) لصديقك -كارل سولمون – الذي التقيته في أحدى المصحات العقلية ؟

ـــ هذا أمر مضحك وبائس.فأمريكا ضمنياً،هي أكبر مجمع للمصحات العقلية في العالم .و-كارل سولمون- وأنا ومئات الألوف من المجانين والمضروبين في المخ ،ليسوا سوى غرف باردة في تلك المصحات التي باتت تضيق بالسكان الأصليين أو بأصحاب الهويات التائهة على التراب الأمريكي .

■ هل تثير الهويةُ بداخلك حساسية ما ،خاصة وإنك  ولدت لأم يهودية من عائلة روسية بالأصل ؟

ـــ الهويات مثلها مثل الدواليب،لا أرغب اللعبَ بها.إذ طالما كنت أدفع بها نحو الهاوية،لأستريح دون حصول ذلك ،وكأن القدر فرض علىّ الارتباط  بالعاصفة الميلودراماتيكية إلى الأبد.

■ كان ذلك واضحاً من المحتوى النازف لقصيدتك (قاديش) بحق أمك.كيف تلخص العلاقة ما بينك وبين تلك المرأة التي خرجت من رحمها ؟

_ ما أن اجتمعت مرارة العالم برأس أمي ،حتى أدركتُ أن عقلها  لن ينجو  من ذلك المصح.وذلك ما حدث بالضبط، عندما أكملت مسيرتها من المصح إلى القبر دون توضيح أو كلام أو استغاثة.

 

■ كم طابقاً يتألفُ رأسكَ يا ألن غينسبرغ؟

ـــ لم أعرفْ كم العدد بالضبط.فتارةً أشعرُ بأن عقلي خارج رأسي يعمل ويسكن في قفار بعيدة.ومرات أخرى أحس بأنني بلا عقل ،أنما كلّ من يسكنُ برأسي هم سكانٌ من الحشرات والفئران وقوارض من مختلف الأجناس.

■ هل تتبنى صورا أم مفاهيم أم أحداثا من وراء ردّ كهذا ؟

ـــ لا .كلّ ما قلتهُ ،لا يتعلقُ بما اشعرُ به في هذه اللحظة الفردوسية.فأمي كانت مؤسسة لعقول ضربتها الأعاصير لطرد الدماغ من الرأس كأي حيوان مستذئب، واستبداله بكمية من العجين. أمي،مثلما حملت الجنون في رأسها ،فقد كانت تحمل جمرة الشعر الضالة.

■ هل من أجل ذلك الجنون العائلي المكتسب وراثياُ، تعلقتَ أنتَ بالمغني والملحن -بوب ديلن –

فرحت تغني أشعارك خلفه على المسارح وفي الطرقات؟

ـــ تمنيتُ ان أكون مطرباً في حياتي.فالغناءُ بالنسبة لي، هو مجموعة الفيتامينات التي يستند عليها الجسد في الحياة وفي الحلم وفي الكتابة وفي الأرقام.كل إحساسّ بالفراغ ،يقودُ إلى حرق الحواسّ،  وتبديد صنعة الشعر في الباطن العميق المؤسس لتلك السعادة غير المنظورة أبدا.

■ هل جرّبتَ أن تكون فاحشاً شعرياً ؟

ـــ نعم.الشعرُ الناجي من الفشل،هو الشعرُ الفاحشُ الذي لا عهدَ له بالسرّد ولا بالتقريرية أو الإنشاء .كل نصّ مضطرب لغوياً،هو نصّ شيطانيّ يكسرُ الأقفالَ،ويهدمُ الحيطان ،ويتجهُ نحو مختبرات صنع الشعر من نيران الذوات التي تسابقُ الشيطان ،وتجعلُ منه وتراً تهتزّ له الكلمات،كلما توغلنا في عمقها.

■ أنتَ امتهنتَ التصوير الفوتوغرافي ،وأقمت العديد من المعارض الفنية،هل كان ما فعلتهُ تمريناً  على التصوير الداخلي للأعماق؟

ـــ بعض مناظر الخارج،هي انعكاسٌ للأشياء الداخلية على الرغم من عدم قدرة الكاميرات على الخوض بسبر العوالم الباطنية.بل ، وقد تجدني في بعض التصاوير،وكأنني رميتُ بعدستي في أعماق هذا المخلوق أو ذاك الكائن،لأقوم بتصوير أحداثه الجوانية.وكما وصفت بعض لحظات التصوير الفوتوغرافي بالرعشات التي تمسك بلحظة الزمن.

■ هل استطعت يوماً إمساك الزمن ؟

ـــ نعم.كان ذلك في أثناء التصوير،عندما شعرت بأن الكاميرة حجرةٌ لحبس الزمن أو لاعتقاله.

■ كان ذلك في آلات التصوير الميكانيكية .ولكنني أريد أن أسألك عن الزمن في الشعر ؟

ـــ الزمنُ في الشعر ،كما الثعبان في غيمة .

■ أهو سلسلٌ ومتدثرٌ ومخيفٌ إلى ذاك الحدّ ؟؟

ـــ في أغلب الأحايين ،لم أجد حياتي مرتبطة بزمن ما.كنتُ أعيشُ تحت الأنقاض،وكلما التقطتُ أنفاسي،أعادتني الحياة إلى تحت الركام مرةً أخرى،لأقومَ ثانيةً برفع الأحجار من على جسدي.

■  سبق لك وأن كتبت مناجاةً تحدثُ نفسك فيها.فأية أنثى وأية إشارات تلك التي تريد أن تبعث بها إلى الجنس اللطيف الآخر؟هل كنتَ محروماً ؟هل كنت شاذاً؟

 

ـــ حتى هذه اللحظة لا أعرف.فقلبي آنذاك، لم يعد يكن مكتملاً بجميع التجهيزات الضرورية للنساء. فيما كان جسدي يرسلُ مختلف الإشارات إلى مختلف الجهات،ومنها المُؤخَّرة التي سبق وأن اعترفتُ بسيطرتها على شلالات غرائزي.

■ لا علاقةَ لأحدٍ بذلك الشأن الخاص،إلا إننا نريد تأثيرات تلك الغرائز على النصوص.

ـــ في أثناء كتابة النصوص،كنت أقوم بتنويم شذوذي أو مثليتي،كي لا أترك النصّ تحت تأثير الأفعال الغرائزية بمختلف أشكالها.

■ كنت تُبعد جسدكَ عن جسد النصّ تقصد؟

ـــ بالضبط. فقد كنت أمنعُ نفسي من تضليل القارئ بما يخصنيّ،باستثناء الأشخاص المحبوبين.

■ هل تعتبر الحبَّ شيئاً ديالكتيكياً ؟

ـــ مع الشعر نعم.وهذا أمرٌ يحولُ دون تقوقع الشاعر في المستنقعات الضحلة.

■ وأين تريدُ له أن يتقوقع ؟في الأنهر أم في الكهوف أو فوق رفوف المكتبات ؟

ـــ أنا أرى الشاعرَ عالماً لا ينكفئ .أراهُ طاقةً تمرُ بمختلف التحولات الدينامكية التي تمضي ،تاركةَ خلفها الغبار والحصى المتطايرة والأسهم النارية.الشعر الذي نتحدث عنه،هو قنبلة لم تنفجر بيد فرويد وعيادات عصابة السيكولوجيات الغائمة بالمطر الأسود وقصص الجن.

■ هل تجد في الشعر مخلوقات من الجنّ،كما يعتقد البعض من النقاد،عندما يؤثرون الحديث عن السحر والكائنات الساحرة الغامضة التي تملأ بها الكلماتُ أثداءها بدل الحليب؟

ـــ نعم.من المؤكد وجود مخلوقات شبيهة بكائنات النانو،وهي تحرك الكلمات ،وتلعب بمصير النصوص التي يكتبها الشعراء قبل النوم بقليل، أو أثناء النوم.كل ذلك يأتي ضمن عمليات خاصة تقوم بها اللغة الثانية التي هي ظلال للغة الأم.

■ ألا تُعد أفكاراً كتلك أفكاراً خرافية ؟!!

ـــ عندما يتخلى الشاعرُ عن الخرافات،سرعان ما تتحول لغتهُ إلى كرةٍ تتداولها أقدامُ الصبية في ملاعب يغمرها الوحلُ .

■ والواقع .أين يوجدُ ضمن هذه الثنائيات ؟

ـــ الواقع هو تلك الكرةُ التي لا تختفي عن أقدام الصبية،ولا تتجاوز الملاعب الموحلة،شديدة البؤس والفاقة والقبح .فكلما يتداخلُ الموتُ بالشعر تعشيقاً،تزدادُ كراهيةُ اللغةِ للوقائع،أو للحقائق بشكل مطلق.

■ هل لأن الشعر لا يريدُ أن يموتَ كواقعةٍ من الوقائع على سبيل المثال ؟

ـــ بل لأنه يرفض أن يكون مريضاً على شفير الهاوية ،أو جثة في ثلاجة الموتى.الشعر موجة.وهو لا يرغب بمن يقوم باختزاله كمخلوق ضاّل يجب القبض عليه،وتسليمه للشرطة .

■ وماذا تصف ألن غينسبرغ فيما لو طلب منك أحدٌ ذلك؟

ـــ بالكلب الذي سلخوا فروته،وعلقوها للبيع في واجهة أحدى المعارض التجارية.

■ كنت أتوقعُ أن تضعَ وصفاً آخر ،غير الوصف الكلبي الذي اشتهرتَ به!!

ـــ لم أقلق يوماً ،حتى لحظة اكتشافي للسرطان في جسدي،ولا كذلك وأنا على فراش الموت. الحياةُ مليئة بالأوبئة وبالجراثيم،ومن العار أن يستمرَ الشعرُ بمقاومة هذا الشذوذ الوجودي المتمثل بأمراض الأرض وحده.

■ هل تعتبر مقاومة الشعر للجراثيم لذّةً تلتهمُ باطنَ الشاعر وتحرقُ خصوصياته التي عادة ما يعتمد عليها ببناء نصوصه ؟

ـــ لا.أبداً. فطالما كان الشعرُ مربياً عظيماً للبكتريا الشعرية في باطن الشاعر المأخوذ بضرورات استثمار خصوصياته للصالح العام ،عندما يمضي كقوة للابتكار والتميز وقطع حبال الغسيل الذي طالما تعوّلُ عليه اللغاتُ المريضة بإنتاج النصوص.

■ كيف تنظرُ إلى الليل في القصائد.وهل تختلف عن نظرتك إلى النهار الشعري؟

ـــ الأظافرُ الجميلةُ التي تنمو للقصائد في الليل جمالياً ،سرعان ما نقوم بتقليمها نهاراً ،منعاً لأي التباس بالتوحش والخوف من النظر إليها كأحدى أدوات القتال.

■ هل أحسستَ يوماً بنمو رصيف رومانسي بداخلك،كي تتسكعَ وتتمددَ وتمضي في مجرى الأحلام الصعبة ؟

ـــ كل عملي داخل المنظومات الشعرية ،كان بدافع الرومانسية السوداء،تلك التي جعلتني كمقلاة التيفال،تقلي أطعمةً وترمي للطير وللعابرين وللإبل ولمخلوقات الخيال وكائنات الأساطير من آلهة ورموز ووحوش.لم تترك لنا أمريكا إلا رومانسية الصفحة الأخيرة من غلاف العذاب الكوني.

■ ولكن الشعر مغامرة.أليس هو كما يليقُ به مثل هذا الوصف؟

ـــ مغامرة ،نعم.ولكن ليس بالسباحة تحت الدش،بل في الغرق بجوف تلك الأفران التي تعيد تكوين كائنات الشعر،وجعلها ندّاً لجميع الرموز التي أتت بها الأساطير إلى أدمغتنا وأرواحنا وأغانينا وتخوتنا وملاعبنا ومدارسنا التي أجهزت بها اللغةُ علينا،لنكون تلامذةً يرفرفون على حبال الكلمات.

■ الشاعر القوي –كما يقول هارولد بلوم- ((يحدق مليّاً في مرآة سلفهِ المتهاوي ،فلا يرى السلف ولا يرى نفسه ،يرى صنواً غنوصياً ،هو بمثابة الآخر المظلم النقيض الذي تاق أن يكونه،هو والسلف معاُ،لكنه خاف أن يصبحه)) .كيف تنظر أنت إلى ذلك؟

ـــ أنا طردتُ الأسلافَ مجتمعين ،وكانوا بأعلى قواهم وكمال جبروتهم، ولم أستضعف نفسي أمام نصوصهم أو أخاف من أحدهم .قلت للأسلاف جملة واحد:لترحمكم وحوشُ الهاوية.

■ هل معنى هذا أنكَ بلا خطوط اتصال مع أحد من أقرانك الشعراء معاصرين وأسلاف ؟

ـــ لم اشعر نفسي يوماً ،بأنني مدرسةٌ للتعاطف مع أحد.كان الشعراء جميعاً على حبال الغسيل، لما جفّ أحدهم،سرعان ما يفكّ ارتباطه بالحبل ويسقطُ أرضاً ،لتجرّفهُ الرياحُ بعيداً عني.

■ لم تتركْ نفسكَ قطاراً يخترقُ محطةً لشاعر، ، لم تترك شاعراً ما ،يستعملك طريقاً أو محطةً للمرور في تجربتك الشعرية التي امتلأت بالعواء.

ـــ نعم.الشعر حضانةٌ للجنون وحده.

■ ولكن ذلك يستدعي علاجاً.أليس كذلك يا ألن غينسبرغ ؟

ـــ متى ما فكرتَ بالبحث عن علاج للجنون الشعري،تكون قد ساهمت بنزع الفتيل عن النصّ.

■ ولكن القصيدة قنبلة مؤنسنة.أليس كذلك ؟

ـــ هي تبدو للعيان بتلك الصورة،ولكن القصيدة القوية،عادة ما تجعل نخاع عظامها من الحديد المسلح،لتحافظ على قوتها ،وتستمر زمناً أطول.على العكس من قصائد (الكاتو ) المحشوة بالبهرجة والحليب والبيض،القابلة للنسيان السريع.

■ كأننا نمسك بداخلكَ خيطاً نيتشوياً يا سيد ألن غينسبرغ ؟!!

ـــ ولكنه خيط من النايلون،يتطلب الحذر من مطّه إلى الأبعاد التي تؤدي به إلى حديقة اليأس والخيبة.ومن ثم تحدث القطيعة ما بين قوة النصّ،وبين محركات الحواسّ.

■ كم من الحواسّ في جسدك؟

ـــ ليس سوى حاسة واحدة لا غير:العواء.

■ لا تظنن أن العواء الذي بنيت شهرتك الأدبية عليه ،سيمرُ دون كشف عن كلبية غير مرضية، ربما تكون زائفة للتضليل،ولم تأتِ إلا من باب البروباغندا الذي توكأت عليها !

ـــ سأكون ممتناً لو تركتني حراً ،وأعيش بسلام في هذا المكان السماوي .لقد تعبت .تعبت.

■ هل تنتظر أحداً ؟

ـــأجل.  أنا أنتظرُ دانتي بفارغ الصبر،فعسى أن يمنحني هذا الشاعرُ دوراً ما، ولو ضمن أعمال الكومبارس في فيلم من أفلام الكوميديا الإلهية.

■ وإذا لم يأتِ.ماذا ستفعل ؟

ـــ سأذهب برحلة صيد في آبار الغيوم القائمة فيما وراء الجنائن المعلقة . .هناك أسماك المعرفة التي ستقوم بإرشادنا إلى مائدة الكون.

■ ستذهب للصيد دون أن تنجز تمثيل دورك في الكوميديا الإلهية يا سيد غينسبرغ؟

ـــ نعم.فأنا لا أطيق تحمل الماكياج على وجهي.

■ وما قصة هذا الضريح الذي حملته معك من تلك الأرض إلى هنا ؟!!

ـــ هذا ليس ضريحاً يا أسعد،بل صندوق الدنيا،وبه كتبٌ وثدييات حاسبات إليكترونية وأرانب وجسور لتمشي الدموع عليها ما بين شرق يمكث في الطوفان الأرجواني،وبين غرب ملتهب بالحمى .

■ متى تكون أغنيتك الخاصة يا غينسبرغ ؟؟

ـــ عندما تصطحبني الأمطارُ من المقبرة إلى الكتاب ،ولا أكون سوى نفسي المشبّعة بالأوكسجين غير المَيْؤُوس منه في الكتابة وأعمال البناء والتعمير الجسدي.

■من تعتقد أنكَ تشبه يا ألن غينسبرغ: ((كيتس)) ((لوتريامون)) ((دانتي )) ((بريتون)) أم الشاعر ((ويتمان)) ؟؟

ـــ قد لا أشبه من هؤلاء الشعراء أحداً ،إلا بعد وضعهم جميعاً بخلاط (مو لينكس) ،واستخلاص نموذج حديث يحمل من كل واحد عنصراً من أهم عناصره في الشعر والثمالة والموسيقى والسخط والجوع والشهوة والتشرد على طريق التيه.

■ هل لأنكَ مؤمنٌ بتضاد العناصر الكيماوية ،بما يوفر فرصةً للخلق أو للتصنيع الشعري على سبيل المثال؟

ـــ بالضبط. فانتظار شاعر خارق أو متميز كل مائة عام،أمرٌ مخزٍ ومحرج للوجود الإنساني.لذلك لا بدّ من صنع أولئك الشعراء لملئ الفراغات على تلك الأرض .

■ أنتَ تركَ الأرض وغادرتها،فلمَ تفيض مهتماً بها  يا ألن غينسبرغ؟

ـــ لا تصدق حكياً مثل هذا.فما من شاعر يغادرُ الأرض ،ويبقى بعيداً عنها.وكلّ ما  يُسمى بالشعراء الموتى،هم في حقيقة الأمر الواقع،يدورون حول محيط الكرة مرات ومرات،وسرعان ما يعودون إليها بطريقة ما.

■ هل تؤمن بالتقمص يا غينسبرغ؟

ـــ التقمص أفضل مساواة إلهية عادلة لدوران العقول في الرؤوس .أنه يشبه دورة الماء في الطبيعة تماماً.

■ وماذا ترغب بالشخصية التي تتقمصها بعد غيابك الأول ؟

ـــ أن أكون العقرب الأصغر في ساعة ((بيغ بن )) .