الشاعر العراقي مؤيد الراوي

1939- 2015

 

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

 

ونحن في الطريق إلى الحوار معه،داهمتنا فكرةٌ مخيفةٌ ،كأن يكون الشاعر العراقي مؤيد الراوي لم ينهض من قبره نحو السموات بعد،ويحضر إلى أحد الأمكنة التي سبق ورأيناها في حوارات مختلفة مع رموز الشعر في العالم الدنيوي.

لم تستمر تلك الفكرة بالتطور إلى حدّ التفاقم،إذ سرعان ما وصلنا إلى أحد الأبواب العملاقة هناك ،لنجدَ فتاةٌ خلاسية بعينين خضراوين ،وهي تفتح لنا الباب ،وتقودنا على ظهر طائر الـ (( الروموس)) الشبيه بطائر الصقر  إلى المكان الذي كان فيه الشاعر مؤيد الراوي ينتظرنا.

وما أن أصبحنا أمامه في تلك الحديقة الزجاجية العامرة بشقائق النعمان وأشجار العواطف العارية،حتى داعبنا الشاعر مؤيد قائلاً :أرجو أن يكون كل شيء واضحاً هنا.هذه المناطق آمنة.والقصائد التي كانت خائفة من الظهور بالتنورة البيكيني هناك،يمكنها أن تظهر هنا ببساطة وشموخ هنا.

آنذاك نطقنا بطرح السؤال الأول :

 

س:إلى أي حدّ كنت كاشِفاً ومَكْشُوفاً في كتابكَ الشعري الأول (احتمالات الوضوح) ؟

ج/بقدر ما كان في باطني من شموس ومن غيوم.

س:لتوضيح فكرة الانتماء العرقي ،أم لتلبيس الجسد اسماً مختاراً للتمويه على سبيل المثال؟

ج/لم تذهب بي فكرة الانتماء إلى غير الشعر،سواءً إن كنتُ تركمانياً أم عربياً.

س:هل تعتقدُ بأن كينونة الشاعر الأولى هي محض بيت جغرافي يسبق الشعري زمنياً ؟

ج/لا مانع من أن يكون ذلك صحيحاً .فمن الجغرافيات الترابية ،عادةً ما يتم الانتقال بالعدوى الشعرية  إلينا كحواس ولحوم ودماء وأفكار.

س:أية أمكنة يختارها الشعرُ كمنازل لسكن الشعراء برأي مؤيد الراوي؟

ج/ الجحيم.فربما وجدهُ اللغةُ هو المنزل العظيم الذي يليقُ بالشاعر.

س:أي شاعر كان .ودون تفريق تقصدُ ؟!

ج/لا.فالجحيم منازلٌ للعظماء وكتّاب المتخيّلات وحدهم كما أظن.

س:تقصدُ أنه منطقة خاصة بأثرياء الفكر من شعراء وكتّاب وفلاسفة وروائيين وفنانين ؟

ج/بالضبط.والجحيم الذي لم أصله بعد ،هو بتصوري درجاتٌ كما أظنُ.

 

س:أي جحيم تعني.الجحيم الذي تناقلت عنه الديانات والأساطير الحكايات والقصص والخرافات ؟

ج/لا.ربما ذاك لا يعنيني بأي شكل من الأشكال الآن.إنما أعني الجحيم الترابي على تلك الأرض التي كنا من سكانها ذات يوم من الأيام.

س:هل كنت حقاً من السكان الأصليين للأرض ؟

ج/كشاعر فقط.إما تلك الأرض،فكانت نتوءاً على جسدي ليس غير.

س:تعني أن الأرض كانت تعيش على دمك؟

ج/بالضبط.كانت نتوءاً  يئنُ ويمتصُ الدمَ من روحي حتى توسع فصار قبراً.

س:أية فلزات في جسم الشاعر كما تعتقد؟

ج/كان الخيالُ وحدهُ هو المُنبتُ أو المُشكلُ لمعظم ما في جسم الشعر من فلزات وبروتينات.لكن وحوش الواقعية وحشراتها  التي عادة ما تكون مستَفزَةً أو مناوئة للمخيّلة،فتقوم بتسميم تلك الفلزات للتأثير في منتجات اللغة الشعرية، وتخريب تصاويرها في مرآة علم الجمال الاستطيقا .

س:تعني إن المنطق مُضادّ لفكرة البحث في المحسوسات والمدركات التي لا يؤمن بها الشعر، وتذهب بالشاعر إلى البحث في الأشياء عن الجميل والقبيح السافل والعظيم السيف والوردة؟

ج/أظن ذلك أنني حاولت عدم الاقتراب من المنطق،خوفاً من أن تأكل التماسيحُ القصائدَ وهي طازجةً .

 

س:ولكن من جانب آخر،ألا ترى الشاعر تمساحاً في بعض أحواض اللغة؟

ج/أجل .هناك شعراء تماسيح ،ولكنهم لا يلتهمون غير الفاكهة وعظام بعضهم .

س:منْ ((بعضهم)) ؟

ج/الشعراء الذين ضلوا الطريق من شدّة غبار الأكاديميات التي كانت تُقدم لهم النظريات على صحون من البلاستك المطاط دون ملاعق.

س:كم كان طول المسافة التي ما بين الأسلاف وما بينك ؟

ج/ربع متر من الظلام الدامس.وأعلى مترين من جدار برلين.

س:لذلك أخذت راحتك بالكتابة الحرّة غير المشروطة بتقديم التنازلات لنظم الأسلاف وقواعد الكتابة التي طالما قاموا بوضع التشريعات إليها ،لتكون بمثابة القواعد التي تفرضها الأديان على الشعوب؟

ج/في مجموعتي الأولى (احتمالات الوضوح) التي نشرتها عام 1977 كنت مولعاً بإلغاء سيرة الأسلاف من سيرتي الذاتية ،عندما كان اكتراثي الوحيد بالسريالية ومنتجات مصانعها الخيالية الفاخرة.وكانت فكرتي آنذاك،تؤكد على إن الانغماس بمدرسة أندريه بريتون،سوف يوفر لي الغطاء بالتحرر من كل العوالم القديمة للشعر،دون فك الارتباط التام ببعض البذور التي لم أستطع اقتلاعها آنذاك، أو الوصول إليها بسهول .

س:تعني أنك أهملتها،ولكنها عادت بعد سنوات للنمو  وطرد السريالية من لغتك ؟

ج/لم يكن الأمر على ذلك المنوال،ولكنني سكتُ طويلاً،وكأن فاجعة لغوية أغلق برأسي بعض النوافذ ،لتتركني كسولاً ومتأملاً صمتي وهو ينمو ويتفرع ويتشكل غابات في عالم مجهول.

س:كأنك كنت في الصندوق الأسود للسريالية،وبمجرد ما حدث السقوط،خرجت مهرولاً من الطائرة نحو مناطق أخرى مأهولة بمخلوقات أقل تجريداً في اللغة وأعمق سوداوية في التصور .

ج/أجل.فربما كانت تلك الفترة مرحلة انتقالية نحو التفتيش عن الشاعر في جيوب العدم.لا أعرف.وليس من المنطق أن أحكي عن نفسي شعرياً.كنت طائراً وهبطت وسط قبائل متوحشة.أظن هذا يكفي.

س:هل شعرتَ خللاً في السريالية،أم لأن الشاعر مؤيد لم يستطع أن يمنحَ أفران بريتون المزيد من الملابس،ليتجدد؟

ج/كنت أحب بريتون غسالة،لا فرناً .

س:هل تعتقد بإمكانية أن يكون الشعر ثياباً قابلة للغسيل ؟

ج/بالطبع مع الحذر.فهناك شعراء يحبون غسل قصائدهم بطشت،مخافة أن تزيل الغسالاتُ الأتوماتيك الألوان الزاهية عن ملابسهم،وبالتالي يفقدون أهم ما في شعرهم من مزينات .

س:تعني شعراءً من غير فئة شعراء قصيدة النثر؟

ج/لا.فقصيدة النثر هي الأخرى شبيهة بسفينة جدنا نوح،محملة بشعراء فاشلين كثر.وسيغمرها الطوفان،مهما كانت وسائل الإنقاذ متوفرة .

 

س:هل لأن الطوفان بلا قرابين باردٌ وبلا معنى؟

ج/اللغة العربية مجموعة هائلة من الطواحين،وتحتاج إلى مشغلين وضحايا ومنشدين وكتّاب مراثي من الذئاب الفاجرة.لا يمكن الاعتماد على قوة النص الشعر بالانتشار والسيطرة ،بغياب الضعف والضعفاء.

 

س:هل تعتبر نفسكَ شاعراً قوياً ؟

ج/ربما.ولكنني لست متأكداً من مفهوم القوي شعرياً.

 

س:الشاعر القوي هو غير الفارغ من طبائع الآخرين وجرائمهم.هو الأنا في عموم الآخر.أي هو المنجم في التراب الذي يمشي عليه البشرُ مغامرين ومحبطين وخلّاقين وتنابلة.هل نتفق على هذا ،أم لديك اعتراض؟

ج/أنا معك.فالشعر سيرك يحتملُ وجود البهجة إلى جانب مضار السقوط القاتل من على الحبال أو يدفع بك إلى فم نمر ،لتنتهي بين أنيابه القاطعة كأية قطعة شوكولاتو بفم طفل.

 

س:لديك تصورات قاسية.هل مردّ ذلك ناجم عن وحدتك في هذا العالم؟

ج/لقد جربت الوحدةَ حتى توحدتُ بنقطة ما من الوجود.كل شيء كان رائعاً هناك.فأن يكون الشاعر وحيداً،فتلك صناعة غير صينية،مع احترامي الشديد لسور الصين.

 

س:هل رغبت مرةً أن تكون تنيناً ،يحاول تجريب كتابة قصيدة على ظهر ذلك السور الصيني العظيم؟

ج/أبداً.ولكنني حلمتُ بأن أكون قطاراً يعمل بطاقة الكحول ،ومنطلقاً بأقصى السرعات على خطين لا يلتقيا أبداً .

 

س: ليست تلك رحلة للراحة والسياحة والاستجمام،بل مرثية .أليس كذلك يا مؤيد؟

ج/ أدرك بعمق، إن سفر الشاعر استثنائي.فهو لا يسافرُ بتذكرة أو بحجز مقعد له في قطار أو طائرة أو سفينة.وكذلك فهو لا يشبه في سفراته القطط التي توضع في أقفاص وتنتقلُ من حضن لآخر.نحن نختلف في الصيغة الوجودية.فالقلق والكآبة والوحدة والفزع والتشرد والجموح الخيالي،عادة ما توفر للشاعر تلك الجنازة الغامضة للتنقل حول العالم.

 

س:كأنك ولِدت لتلعبَ مع الموت ؟!

ج/لا أعتقد ذلك.ولكنني كنتُ صديقاً له من أجل الشعر.

س:وهل يصلح الموت لأن يكون طعاماً للشعر على سبيل المثال؟!

ج/قد لا تصدق ،فيما لو قلتُ بأن أهم الوجبات السريعة التي يستلذّ بها الشعرُ ،هو الموت.إنه البروتين المفضل الذي يحرك الدم في عروق القصيدة،ويصنع لها مختلف الطقوس الخاصة بالرثاء والحنين والبعد والرحيل والحزن.

س:هل تعتقدُ بوجود موت غير الموت الإكلينيكي ؟

ج/أجل.موت الطفولة في الشعر.

س:هل موت الطفولة في الشعر عند الشاعر ،تعتبرُ لحظة وصول الحلم إلى العدم؟

ج/ليس بمثل ذلك الشكل التهويلي.ولكن انقراض شيء ثمين من جسدك،لا بدّ وأن يخلف اضطهاداً لبقية حواسّ الكيان الذي أنت محمول بداخله.

س:هل تعتبر الطفولة عضو من أعضاء الجسم؟

ج/بالتأكيد.وهو العضو الشفاف الرقيق الذي تحاول حمايته من الكسر والتصدع بكل ما تملك من قوة وهلع ودهاء وحكمة.

س:ربما من أجل تلك المخاوف،رحلت عن الأرض في يوم ولادة مجموعتك الأخيرة «سَردُ الْمُفرد» ،وكأن ذلك كان إعلاناً فدائياً،أو مقايضةً أو استبدالاً ،أن تغيب أنت ،بينما تستمر تلك الطفولة بالبقاء تحت الغلاف دونما نهاية!

ج/ذلك أمرٌ رائع.أن تبقى طفولتي تثرثرُ بقصائدي وتلعبُ بها ،سواءً مع الملائكة أو الوحوش.

س:أنت كتب في مقدمة كتابك الأخير شيئاً عن الشعر: ((“تعريف الشعر مسألةُ معقدة. ليس لأنه يقع دوماً في قلب أزمته الخاصة التي يريد تجاوزها، بل لأنه أيضا مرآةٌ لأزمة الإنسان ذاته، من عصر إلى عصر. وربما هذا التعقيد ناجمٌ في جزءٍ منه، وهو الأهم في نظري، عن أن الشعر، والفن عموماً، هو عكس المنطق. بينما عالمنا كان وما يزال محكوماً بقوة المنطق الذي يشكل قاعدة متسلطة على حياتنا المعاصرة ويبعدنا عن الشعر )) لماذا قلت ذلك .هل تعريف الشعر بالأمر المستعصي ؟

ج/مثلما للشعرِ خاصيةٌ بالتضليل،كذلك فهو لا يمنح الآخرين الفرصة لتعريفه.

س:بمعنى إنه غير معجب بالأقفاص التي تدركهُ،وتقوم بحبسه.

ج/بالضبط.فهو يريد التوسع والاتساع،لا أن نقوم بخنقه والتصرف بجثته وفقاً للأهواء النقدية التي تعتمد على الجانب المنطقي بتعريف الشعر.

س:هل هذا الرأي كان سائداً عند شعراء  ((خلية كركوك)) دون تنصل من أحد ؟

ج/لا أستطيع الجزم بجواب واحد يشم رأي مجموعة من شعراء ناضلوا من أجل إخراج الشعر من السراديب الأصولية لنظام الشعري التقليدي،والطيران به إلى الأعالي.كنا مثل اللقالق نجلس على قمم الأبراج ونطلق الأناشيد للتغني بالعراق البلد المشترك بالحب والعنف والكآبة ولعنات التاريخ والموت والزمن العصابي المريض .

س:ولم تصمدوا بالبقاء طويلاً على تراب العراق.هل كان ذلك عائداً إلى ضعف بفكرة الانتماء للوطن ؟

ج/كانت هجرتنا إلى الأراضي البعيدة،لا تتعلق بلذّة المغادرة ومعرفة ما يجري وراء الحدود،بل كنا خائفين على الشعر من الموت.

س:وهل شكّلت المنافي دروعاً للشعر،كي ما يحافظ على وجوده في الأراضي الجديدة ؟

ج/نعم.لقد نضجت نصوصنا واستطالت قاماتها وأعلنت عن ولادات شعرية لم تكن معروفة في العراق من قبل.

س:أنت قضيت نحبك في المنفى.كيف كانت رائحة التراب الألماني؟

ج/ما أن تجاوزت باب المقبرة،حتى حاولت القفز من التابوت والركض بعيداً عن المشيعين. لا أعرف ما الذي خطر ببالي لأفكر بتلك الرغبة آنذاك.إلا إنني وما أن رفعوا طرف الأرض قليلاً ،ورموني في القبر،حتى وجدت المغنية الشعبية الروسية (ليديا روسلانوفا ) أمامي مع جوقة من الجيش الأحمر وهي تغني لي ((كاتيوشا)) تلك الأغنية الروسية التي كتبها (ماتفي بلانتر) ولحنها ميخائيل ايزاكوفيسكسي عام 1938.

دهشتُ حتى الصدمة .وعندما سألتها عن أسباب قدومها لاستقبالي هنا ،أجابت:كي نشغلك عن سماع انهيال التراب على جثمانك في القبر.بعد سماعي لجوابها،وفرار الفرقة من القبر،سرعان ما امتدت لجثماني قبضةٌ،سحبتي بعنف،لأجلس في صالون بنفسجي ،وأشاهد أفلاماً عن الحرب العالمية الثانية !!

س:هل كانت لديك الرغبة بالتطوع كمقاتل في الحرب العالمية الثانية ،ولم تتحقق رغبتك تلك يا مؤيد؟!

ج/أجل.فطالما حلمتُ برفع العلم الأحمر على مبنى الرايخ.

س:هنا .وعلى مباني السموات، يمكنك أن ترفع العلم الذي تريد .أليس كذلك ؟

ج/لم استوعب معنى الحريات على تراب هذه السموات بعد ،ولا القوانين الناظمة للعلاقة ما بين مختلف الأجناس البشرية .إلا أنني علِمت بأن علىّ أن أحمل كتبي بيميني وأدخل المجرى الإلهي .فهناك سيقرأ الربُ ما في كتبي،ثم يقرر.

س:ما الذي سيقررهُ وكلّ ما أنتجته ثلاثة كتب على مدار سبعين عاماً من النحت اللغوي والعزلة والنحيب الداخلي والتوحد تحت فكرة إن المُقِلَ في الشعر كثيرُ؟

ج/لقد جمعتُ حياتي في ثلاثة دواوين شعرية .وكان ذلك كافياً.ربما لأن خواء حياتي المتصحرة إلا من حبال غسل الموتى من أصدقائي الشعراء،كان سبباً في تكثيف الحياة داخل حبة قمح تُرمى في الصحارى في نهاية المطاف.

س:ما مفردك الذي تعيشُ مفردهُ داخل مفردة الكون الذي سكنته الآن بعد الموت؟

ج/لا أظنُ إن إيقاعاً للمفردِ في نفسه ،سيُشكّلُ مواجهةً ضارّة بالآخرين،بقدر ما هو حالة من التجليات التي تفتحُ للنص الأبواب والأنوار معاً.

 

س:الموت يُلخصُ كلَّ شيء.أليس كذلك يا مؤيد؟

ج/ تلك كانت سيرتي الذاتية .السيرةُ التي كنت أجمع لها من العينين حبراُ،لأكتبها برفق ودون وصاية من أحد.

س: وسيرة الحب ؟!

ج/تلك سيرةٌ تداخلت بمرور الزمن مع العبث والسكوت والعدم،حتى تسللت إلى الجسد وأصبحت  غلافاً جافاً لمضخة الدم.

س:لذلك لا يعثرُ القارئ الذكي على نساءات في كتبك ؟

ج/ربما  لأن ورقي كان موحشاً وبلا رائحة لجَذب القطط والأرنب والدجاج.

س:كأنك كنت لا ترى الحب على الأرض إلا بواسطة الميكروسكوب أيها الشاعر؟!

ج/ عن أية أرض تتحدث عنها؟

س:هل لبسكَ النسيانُ لتسأل مستنكراً ، أم هو التنكر بحد ذاته ؟

ج/أنا لم أعش على الأرض من قبل.كنتُ أقوم ببعض الزيارات إلى هناك فقط.أجتمع ببعض الشعراء في حانة،ومن ثم أعود القهقرى إلى هنا واحدا وحيداً.

س:كيف وأنت تحكي عن تاريخك الأرضي قائلاً : ((: “قضيت ما يزيد على أربعة عقود من الزمن بعيدا عن مكاني الأول ” كركوك “، وأكثر من ثلاثة عقود عن بغداد، ولكن البلاد ما زالت تمثل عندي إشكالية لم تنته الى الحل. بينما تفاعلتُ بقدر المدة تلك مع مدن وبلدان أخرى برجاحة عقل وفطنة وبجدل وبوعي فدخلت كما أظن الى أعماقها. فَعَلت بي وغيَّرتني وملأتني. سيَّرت لي تجاربَ غنية في الرضى وفي الخسارة، وأحالتني أحيانا عبر المغامرة الى شحاذ والى بطل، مثلما أحالتني الى متواطيء وأدخلتني السجون. لكنها مع ذلك ابقت ذهني قادا على التمييز، يقبل هذا ويرفض ذاك، وأوقفتني أمام ذاتي لأحاول التطهر.)) ؟؟

ج/كلّ ذلك كان وهمّاً .