سهراب سبهري

7 اکتوبر 1928-21 ابريل 1980

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

كان مخلوقاً مُستَوطَناً من قبل الشعر حتى الثمالة.لم يكن يمارسُ اللعب مع الكلمات إلا من خلال انتمائها إلى الطبيعة الأم،فالأرضُ بذهنهِ  هي النسخة الأصلية للغة التي تعلمها فأتقنها فاستغرق في أتونها حتى المرض.

عندما نكتب عن مخلوق من ذلك الطراز،فانما نخص الشاعر الإيراني سهراب سبهري بجذور ثقافته الفارسية العميقة.فهذا شاعرٌ اللون والحساسيات المفرطة .اقتحمته قبائل من الآلام ذات يوم،لتستفرد به ،وتأخذهُ إلى القبر.فالموت،هو الآخر قارئ ذو ذائقة هائلة،ويحب التمتع بالشعر فناً يركنُ إليه في اثناء استراحاته ما بين تخوت المرضى وأبواب المدافن.

عندما اتفقنا معه على تحديد موعد لاجراء هذا الحوار،سرعان ما شعرنا بأن دمعاً كان يتساقط من صوته عبر الموبايل في ذلك النهار.كنا شغوفين للاجتماع به.لذا حملنا معنا أكثر من أسطوانة للمغنية الفارسية (مهدية محمد خاني) ذات الصوت الشجي المفعم بالعطر،والمملوء بشغف العاشقين ،لأننا كنا ندرك أن سهراباً ،كان يميلُ إلى سماع تلك الأصوات التي تنطلق من حنجرة ملتهبة بالنار وبالشعر وبالحواس.

ما أن وصلنا إلى المكان المتفق عليه في السماء الأولى،حتى رأينا الشاعر سهراب محمولاً على أجنحة طير((الزونو)) وهو طير شبيه بالنعام،ولكنه أضخم جسماً منه بمرتين.هبط به الطيرُ ذاك بمرافقة موسيقى من العيار الحزين.

تعانقنا مع الشاعر وجلسنا نطرحُ عليه أول الأسئلة:   

 

س/ما لونُ العقلِ الذي برأس الشاعر سهراب ؟

ج/لا أعرف للعقول ألواناً بالضبط.ولكن عقلي لوحة بخليط من الألوان كما أظن.

 

س/ تعني أن رأسك بعقل الطبيعة الأول؟

ج/أجل.الطبيعةُ المعلمُ الأفضل للألوان التي تزخر بها الأرواح والقصائد واللوحات.

 

س/ما رأيك بالطبيعة الصامتة.هل ثمة طبيعة خرساء بالفعل يا سهراب ؟

ج/لا وجود لمثل تلك الفكرة.حتى الجبال تنهض من تخوتها وتمشي ما بين الناس.

 

س/هل تحتاج الجبال إلى البشر؟

ج/أجل.فالصخور التي تقدح ناراً،تملك لغةً للتعبير عن كينونتها بالنار.لا وجود لحجر غير ناطق على تلك الأرض التي كنا ذات يوم من سكانها.

 

س/على هامش النار.هل يعتقدُ الشاعرُ سهراب بإمكانية تحوّلها إلى حبر للكتابة؟

ج/النار هي الحبر الأول للكتابة.أشفقُ على من لم يكتب بها.

 

س/وبرأيك منْ كتب بها ؟

ج/كلُّ المؤلفات العظيمة والمؤثرة في التاريخ البشري ،إنما كُتبت بتلك المادة التي تتفاعل فيها الفلزات مع الأحرف،لتكوّين النصوص الشاقة.

 

س/كيف تكون النصوصُ شاقةً يا سهراب؟

ج/عندما تفتح في جسد كلّ قارئ أكثر من نافذة لتصريف الحرائق .

 

س/ولمَ تصريف الحرائق بدلاً من الاحتفاظ بها على سبيل المثال ؟!

ج/ليس ثمة إمكانية للاحتفاظ بالنار في الجيب أو في خزائن الذاكرة.كما هو أن الأمر يتعلق بالطوفان. كي يستمر قارئ النصوص العظيمة بالمشي مع دورة الماء بالطبيعة.أي بأن يجعل النار تلامس الماء،ويجعل الماء يتناغم مع النار،فلا هذا يطفئ ذاك،ولا ذاك يترك النار تنقض على الآخر،وتقدمهُ هديةً للعدم.

 

س/هل كان سهرابُ يؤمنُ بالعدم ؟

ج/في الرسم فقط.

 

س/ماذا تعني بالضبط؟

ج/انعدام قدرة الفرشاة برسم صورة الله ليس غير.

 

س/هل كنت ترغب بذلك حقاً؟

ج/ما من فنان أو شاعر أو فيلسوف أو كائن عميق، إلا ويفكر بذلك.الجاهليون وحدهم من يقيمون الحدَ على من يرغب برؤية الإله والالتصاق به ،بإعتباره ربّ العائلة الكونية وصانعنا الوحيد في أرحام الأمهات .

 

س/هل لأنك تحاولُ التعويض بالإله عوضاً عن غياب الأب الذي مات وكنت صغيراً ؟

ج/لا أعتقد ذلك.وليس ثمة مصلحة بالتقريب ما بين الاثنين أبداً .

 

س/هل لأنك كنت خائفاً من ربّكَ بذلك الشكل المرعب ؟

 

ج/لا أظن ذلك.ولكنني من أصحاب الحساسيات الإستثنائية التي تحاول التفريق ما بين الإلهي والبشري بطريقة ما .

 

س/خوفاً من التكفير مثلاً،أم خوفاً من الله؟

ج/لا أعتقد بوجود قسوة في أنظمة وقواعد كل ما هو إلهي.البشرُ قبائل سيف ودم وانتقام وعداوات وأكلة أكباد.

 

س/كأنك كنت تنتمي إلى جوقات العرفانيين أصحاب النزعات الصوفية ؟

ج/أجل.فما بين القرآن الكتاب وما بين نفسي المستشفى  الكثير من الاحلام المتصدعة.لم أكن صوفياً بالمقدار الذي تتحكم به تلك المدارس التي كانت تراعي بنا الجانب الديني فقط،بينما كنت أعتقد بأن للأرواح محطات يزدحم فيها السحاب والجنون والخمر وخبز العاشقين على الرغم مما كتبته في مجموعة ( حياة النائمين) ثاني مجموعاتي الشعرية  .

س/هل في الشعر نومٌ ؟

ج/أبداً.الشعرُ سريرٌ لا تنطفئ الأجسادُ عليه.

س/تقصد أنه مكان خاص بتصادم الأجساد،لبلوغ الشهوة وحدها.

ج/في الشعر،حتى الموتى يمارسون الجنس.

س/أليس في هذا الفكرة غلواً لا يصح نقدياً يا سهراب ؟

ج/ما من ناقد ويجرؤ على انكار أن للكلمات اعضاءً جنسية تتوالد عنها أجمل كائنات اللغة أماً وأباً وروحاً للتخيل العظيم.

س/ما الذي دفعك للسفر إلى الهند ,باكستان ,أفغانستان ,اليابان والصين.وبقية دول أخرى.هل كنت محتاجاً إلى الاندماج مع شموس الشرق ؟

ج/كنت بحاجة لشحن نصوصي الشعرية بطاقاتٍ روحانية،ربما لا يعرفها سوى من أدمنوا ظلال تلك الموسيقى ومياهها الخفية التي عادة ما تعمل تحت الجلد.

س/اية موسيقى تعني يا سهراب؟

ج/أعني الموسيقى التي يقودها الاوركستراليون ،ممن يوقدون الحطب في مواقدنا اليتيمة .

س/تريد أنغاماً تحرقُ الأفئدة؟

ج/أجل. ولا أريدُ أفئدةً من رخام ويتراكمُ فوقها الجليد.

س/هل تعتقدُ بأن الموسيقى في العاشقين أشبهُ بأنهر تصعدُ إلى اعالي قممهم، لتلتهبَ وتصيرُ مداخن شجنية عادةً ما تثير البكاء؟

ج/الموسيقى مفاتيحُ القلوب.وكذلك فلا يصلح العقل للعمل دون أن يكون الراسُ من أعشاش الأنغام.

س/هل عشتَ حباً دون موسيقى؟

ج/الموسيقى هي السلّمُ الذي يتدرجُ الحبُ عليه ليصل إلى الذروّة.والعاشق البعيد عن النغم،لا يمثل في تاريخ العشق شيئاً حتى لو كان كازانوفا .

س/كيف تنظرُ إلى كازانوفا ياسهراب ؟

ج/كان جياكومو كازانوفا بطلاً أخرج الحب من غرف التحنيط إلى تاريخ المغامرات الصدامية .وكم احببتُ فيلم ((كازونوفا فليني)) للمخرج الإيطالي فيديريكو فيلييني .

س/هل سهراب الشاعر مع كثرة النساء في السرير الواحد؟

ج/لم أطرح على نفسي مثل ذلك السؤال يوماً،ولكنني مع تكاثر النساء في النصوص .

س/لماذا؟

ج/ربما لأن عطرهنّ أفضل من الحبر الصيني المستعمل في الكتابة.

س/هل خشيت على نفسك من الحب- الحبر  يوماً يا سيد سهراب؟

ج/من الحب الأكاديمي فقط.

س/ماذ تقصد بفكرة الحب الاكاديمي بالضبط؟

ج/أقصد الحبَ الذي يُدرسُ للناس تدريساً برفقة الحَكَمات التقليدية التي كان المعلمون يكتبونها على السبورة ،وكذلك الضوابط والعادات التي تفضلُ الأخلاق على التمرد وعلى تطهير الحب من الأغبِرة القديمة.

س/كيف يساهمُ الشعرُ بذلك ؟

ج/عندما يتخلص الشاعرُ من الهويات الهامشية المنتهية الصلاحيات والمهمومة التي يسيطرُ عليها الظلامُ بمختلف أشكاله،فآنذاك ،يكون الشعرُ قد بلغَ مرحلة التناغم ما بين الجسد والمسرح.

س/أي مسرح تعني ؟

ج/ليس غير مسرح التأثّر الشعري.

س/أنت صاحب تجربة كانت خليطاً من تجارب متنوعة ما بين شمس التبريزي والرومي والعطار النيشابوري وآخرين ،ممن تضخ بهم اللغاتُ الكثير من دمها .فمن شاركك بصنع شعرك؟

ج/كل هؤلاء تراب مُتلفز،وقد منحوني الصور لإبتكار الكثير من عوالمي المتواترة ما بين الثلج والليل والشموس الحارقة التي كانت تهيئ من الضوء أوراقاً لندوّن عليها شرورنا وغرامياتنا وأنين طبولنا النفسية التي تعمل في قيعان الباطن.

 

س/وماذا يمكن أن نجد في تلك قيعان سهراب الباطنية؟

ج/لا اعرف بالضبط،ولكن ليس كائنات شبيه بالثعابين.

س/هل تتوجس من الثعابين لإعتقادك بأنها كانت سبباً بأغواء الأب الأول سيدنا آدم بالتفاحة التي يقال انها كانت سبباً بطرده من الفردوس على سبيل المثال؟

ج/لا أعتقد بتساوي عقل الثعبان مع عقل نبي مختار من الربّ،حتى يخضع الثاني لإرادة الأول .تلك ليست خطيئة أبداً،بقدر ما هي جريمة موصوفة .

س/اين تقع الصوفية منك وبالعكس ؟

ج/الصوفية إيقاعي الأجمل.وكما تؤكد نفسي،فهي العالم الذي يحاول تهدئة الجنون البشري ،والأخذ بيد الناس بعيداً عن الطرق المزروعة بالألغام.

س/والأديان.ألا تعتقد بأن فيها من الألغام ما يثقل الأرواح بالحجر؟

ج/يمكن تجاوز ذلك،والالتحام بالربّ.

س/كيف سيتم الالتحام به، تقصد بعد تجميع قطع غيار الجسد من على الأرصفة ،وإعادة الجثمان إلى وضعه الطبيعي ؟!!

ج/الالتحام بالله يحدث في كل الأحوال،سواء أكنت جثة ممزقة أم جسماً كاملاً.فالربُ يحاكي الأروح ليس غير.

س/وهل يظن سهراب بأن الألغام لا تستطيع تدمير الأرواح أيضاً.

ج/ربما كان وجود الديناميت ضرورياً لإعادة هيكلة المخلوقات .فمنا ما خُلقَ على عجل،وكان من أعباء الدنيا،ومنا من هو زائد الحساسية،وعلى وجهه مئاتٌ من نوافذ البكاء الذي لا يحبه صاحب العرش.وكذلك في الأديان بشر يختصون بعبادة الورق وحده،حيث لا يقرأون إلا تصاوير النصوص،دون أن يفقهوا ظلالها النائمة في العميق ،ولا يعرفوا معانيها السريّة.

س/كم قراءة يحتاجها القرآن برأي سهراب الذي يحملُ نسخة صغيرة منه بجيبه؟

ج/بعدد القراءات التي نحتاجها لمعرفة الله وإدراك شئ منه .

س/أليس إدراك الله غريزياً برأي سهراب،وبالتالي فكلّ مخلوق لا يتحمل وِزْر فشل علاقته بربه من باب القدير العليم على سبيل المثال؟

ج/لكي يكون المخلوق عارفاً،عليه التمتع بكل ما يتعلق بالتكوين والمكوّنات التي تسببت بوجودنا في الأرحام أولاً ،وبعدها على الأرض.

س/متى يكون الشاعرُ ملاكاً من حرير ؟

ج/عندما تكون اللغة تنوراً مشتعلاً بالنار،وفيه الأحرف تستعر سعيراً .

س/لمَ يربط الشعراءُ قوة الشعر بالنار.شهوةَ الحب بالنار على سبيل المثال؟

ج/لأن النارَ تحمي الشعرَ والحبَ من التفسخ والعطب والتلف بشكل عام .وهي التي تُعيد التكوّين لكلّ معدومٍ بلغَ مرحلة العدم.

س/هل أحسست يوماً بأنك بلغت تلك المرحلة من إعادة التكوّين ؟

ج/أبداً.

س/لماذا ؟

ج/لأنني أحملُ نفسي بناري،مثلما تحملني ناري وتذهب بي إلى الآفاق التي لا باب لها ولا مفتاح.

س/من هي مفاتيح الشعر برأي سهراب ؟

ج/اللذّةُ التي يحدثها تصادمُ الكلمات ببعضها على ذلك السطر الاستثنائي المصنوع من خيوط الحرير المتألم والحزين.

س/وبابُ الشعر،هل هو بابٌ واحدٌ ؟

ج/لا باب للشعر. وكلّ شاعر يريد أن ينجو بشعره من التصحر والجفاف،ما عليه إلا تحطيم  الأبواب التي يعتقد البعض أنها حافظة للشعر من الريح والعصف وبقية الأهوال التي تتعرض لها اللغة الروحية للشعر.

س/هل عشت شعرياً وراء الأبواب،فأتتك فكرة لانقاذ شعرك بتحطيم الأبواب؟

ج/كنت شاعراً ماثلاً لسيطرة الأوكسجين الطبيعي على لغتي.

س/والله ؟

ج/الله صاحب البنيان اللغوي الأعظم والأول ليس إلا .

س/ألا يصح أن يتعدد بصوره وتصاويره داخل النصوص،بحيث يصبح الشعرُ مخلوق الكون الأفضل ،يتقدم فصائل الكائنات والرموز وشخوص الشعوب والأقوام والقبائل ؟

ج/حاولت أن أتقدم على الشعر بالرسم خطوة ،ولكنني سرعان ما وجدت نفسي حبيس دار الظلمات.

س/ظلمات الرسم في اللوحات ،أم تلك الظلمات التي لم يستجب لها الشعر،فأخرج نفسه منها ،هارباً إلى مقامات النور في اللغة وفي المقاهى وفي المراسم وفي المطابع وفي التخوت المثيرة للشهوات على مختلف أنواعها ومراتبها في الجسد الأم؟

ج/أنت قلت ذلك دون تدخل مني.ففي الجسد تراتبيات ومراتب ،وكل فقرة من الشعر ،عادةً ما تخضع لشيطان متفحصٍ فاحصٍ، يَرجمُ غباء الآخرين بحجارته التي كانت من  غير مادة ذلك السجيل .

س/هل حاولت رسم مرضك ؟

ج/أجل.فقد استعملَ السرطانُ الفرشاةَ والألوانَ،بعد أن أخذ كل شئ من بين أصابعها ،ليجعلَ جسمي دريئة على لوحات تخترقها السهامُ بالألوان.

س/ ماذا تعلق على  ما كتبه عنك أحدهم عندما قال : ((

لم يكن الله رمزا للصداقة إلا في قصيدة سهراب سبهري، ولم يخلَّد الماء يوماً على الأرض إلاّ في عالمه، فمن الطبيعة وشحذ مخيلة الصياد داخل الإنسان ولدت القصيدة في عالم سهراب، فهو الذي يقدس التراب،، ويصلي للشجرة، ويناجي الطير، وينظر للوجود بوصفه فراشة محاصرة معذبة بالماء والشمس.. وليس من السهل علينا ونحن نقدم هذه القصائد المترجمة اعتماد مغامرة انطباعية للدخول إلى تجربة متفردة أُقيمت على إرث شعري احتفل بالوردة والماء والشمعة والضوء لقرون عدة، من هنا ليس سهلاً أيضا تجزئة تجربة سهراب سبهري الشعرية، وتوصيفها على عجل، وليس من اليسير أيضا التطفل على منهج ما للاقتراب من عالم يضج بالحكمة والتحقق والهدوء والرؤى والتوق إلى المعرفة الإلهية )).

ج/أنا استطعت إلى حد ما من بناء علاقة ما بين نفسي واللآخر عبر الطبيعة المتحركة والصامتة ،أو الطبيعة النفسية التي زرعها القلقُ والخوفُ والجنون والغرام والنوم والهجرة.

س/هجرة الكلمات؟

ج/أجل.فلهجرة الكلمات فصول متعددة.كلّ كلمةٍ لها نزوعٌ لتمارس تمارينها في جغرافية مختلفة لتلك التي ترعرعت فيها،أو ورثتها بالتسلسل الجيني.

س/تعني ان لكلّ كلمة سرّ لغويّ من الأسرار الخاصة بمكنونات الكتابة؟

ج/بالضبط.الكلمة لها جذور معقدة،وهي لا ترمي بنفسها على السطور دون مبلاة.ثمة مخلوقات مغناطيسية تنجذبُ بعضها للبعض الآخر.لذا،فلا يعتقد المرء أن الكلمات حروف صامتة أو هامدة دون حراك.كل كلمة لها تاريخ عريق ،لا ينتهي عند حدّ ما .

س/هل أنت شاعر إشارات ؟

ج/لقد كنت مثل قالب شعري متماسك،وكلما حاولت التخلص من ذلك التنميط، سرعان يشتدُ علىّ خوفي من نفسي.

س/من نفسك أم من اللغة الجامدة؟

ج/ها أنت قلتها الآن،فيما ا،ا ،فقد بنيتُ عليها حياة قصائدي،عندما جعلت النورانية تمتزج باللغة،ومن بعد ذلك ،ليفيضَ الشعرُ بتلك الروى الصوفية التي لا تبعد الروح عن الله كثيراَ.

س/هل أدخلكَ اللهُ بالجنة؟

ج/أدخلني في عباده وكفى.

س/ولمَ تكفي أنت في هذا الجزء بالضبط؟

ج/كانت الأديانُ استنساخاً عن ماكينة الرب الواحد الأحد،وبقيت في هذا الوضع حتى الآن،ديانات تقتبسُ من بعضها،وتسرق نصوص بعضها دون إدانة لعمليات التناص المستعملة في تربية المخلوقات الآدمية التي بات توحشها يزدادُ مع الزمن الديني الذي انتقل من مرحلة ارسال الصلاة إلى الله إلى مرحلة ارسال القتلى إليه في معارك الذبح المفتوحة .

س/ثمة من قال عنك ((لقد أذهب سهراب بقلوب وعقول أجيال من القراء الإيرانيين وهو يقودهم إلى بستانه الشعري، إلى عالمه المخلوق من الماء والرائحة والتراب والشجرة والشمس، فبعد أن يمرّ القارئ على البساطة الكامنة في نصوصه، ويُلهم بوضوح الرؤية، يجد مخيلته وذائقته أمام اختبار نعمة الجمال المنثور في غموض وتجريد كبيرين. وهي واحدة من الزوايا المعقدة في تجربة سهراب سبهري. الذي يعدّ حسب نقاد الشعر واحداً من أكثر الشعراء رقة وسمواً في السنوات المئة الماضية من تاريخ الشعر الإيراني)) ما مدى صحة ذلك؟

ج/في أغلب الأحايين،كنت كمنْ يرى نفسه صاحب كرسي ،ويجلس على جبل لمناجاة رموز ،كنتُ أعتبرها مقدسةً أو مهمةً في تاريخي الشخصي.ولكن الموت منعني من ألاستمرار في تلك المناجاة،بسبب طغيان العبث على دوام وجود الموت وتآخيه معنا في الحياة وداخل التراب على حد السواء.

س/ولكنك وصلت إلى هنا ،ونراك معافى من العدم.هل ثمة خوف من أن ينالك موتٌ ثانٍ في هذه السموّات أيضاً ؟

ج/الجحيم .ألا يُعد الموتُ أرحم منه بكثير؟

س/ولكن الكثير من الفلاسفة والعلماء ،يعتبرون الجحيم أو جهنم ، ليس سوى نكتة إلاهية لا أكثر ولا أقل .

ج/ربما.فأنا لم أر أحداً يُساق إلى جهنم مثلما كان يقال.التهويلات تندثر هنا،ولا مكان للخرافات التي سُطرت عن ذلك.فالله رحمنٌ رحيمٌ.وتلك وثيقة تُبطلُ مفعول النار وهي تقشر الجلود ،لتعيد حرقها مرةً تلو أخرى.

س/هل صادفكَ وجودُ الشاعر عمر الخيام في مكان من الأمكنة ؟

ج/أجل.فقد بحثتُ عنه،ووجدته يدير خمارةً في عند النهر الخامس من أرض السندس.كان شاباً يرتدي بناطيل الجينز،ويمارس لعبة الغولف مع لاعبة حسناء روسية الجنسية تدعى ((سرفالوفيتا)) التي قامت بترجمة أعماله الكاملة إلى لغات مجمع الفردوس.

س/هل ثمة قراء للشعر في الجنة؟

ج/لقد علمتُ أن حروف جميع لغات الكتب تتعطلُ في السماء،عدا الحروف التي تتسق في القصائد وملاحم الشعر الأوبرالي الذي كُتب على الأرض أو تم تنظيمه هنا.فالشعر الفردوسي شأن إلزامي عام،ويدخل في تنمية الأذواق وتحسين الممارسات الجنسية ما بين الذكور والإناث.

س/هل ثمة شرق ثمة غرب في السموات؟

ج/أبداً.لقد وحدّ الغناءُ الروحاني جهاتَ الأرض بجهات السموّات،لتكون جهةً اسطورية من خميرة المشروبات الروحية التي تتكاملُ فيها أفعالُ الروح مع أفعال الجسد.

س/هل يُنظرُ إلى الشاعر كجنّي هنا؟

ج/كل ما قيلَ أو يُقال عن تجارب الشعراء في السماوات ،هو كلام غير نمطي.فكل شاعر يرغب بالكتابة هنا،يُنزل عليه من الملكوتُ جنًّيٌ ،ليزرعَ في تربة ذهنه الكلمات المختارة، ومن بعد ذلك تأتي عمليات تكوّين النص.

س/وكيف يتم النشر ،وأين؟

ج/ما أن يكملُ الشاعرُ قصيدته،حتى يرمي بها في هاوية وادي العفاريت،وهناك تتجلّى الكلمات بالضبط.فالكلمة التي لها روح عالية التوتر،ترجع للتحليق ثانية في الفضاءات.فيما الكلمات التي تملؤها الشيخوخةُ اللغوية،فتسقط أرضاً،لتأتي عليها أسراب النوارس لتنهش وتأكل وتتخلصُ من لحوم الكلمات الفاسدة.

س/برأي سهراب،كيف يمكن انقاذ النصوص من فكرة التحوّل إلى مداخن ؟

ج/بالإيمان في العقيدة ليس إلا .

س/عن أية عقيدة تتحدث أنت ،بينما نحن على أبواب العرش ؟!!

ج/عن عقيدة أن يكون الشاعرُ مخلوقاً فلكياً بامتياز.

س/كأنك تريد العودةَ للأرض ؟

ج/لم يكن ذلك حلمي أبداً.فأنا متمتعٌ بالحاسوب الإلهي،واسنطيع التعامل مع جميع كائنات الكواكب.