يقول أندريه جيد بحثاً عن سؤال الحب، ذلك السؤال الذي يبدو من غير جواب: “فتأتيني الرغبة حينئذ في أن أحبّ شخصاً مجهولاً، يظل مجهولاً إلى الأبد، حركة صوفية: أبلغ معرفة اللامعرفة”، كما يقول نوفاليس، في معرض سؤال الحب المجهول ذاته: “الحب صامت، وحده الشعر يجعله يتكلم”، هكذا يتشكل في مخيلتنا أن الكتّاب والشعراء، عبر تساؤلاتهم وتجاربهم، وحدهم من يمتلكون سرّ العشق والمعشوق.

نوقن في كثير من الأحيان أن للكتابة القدرة على ملامسة حدود الحب الضبابية، حين يعبر الكاتب بذلك العمق الذي ندركه في دواخلنا على شكل معرفة، هكذا نعترف أن الحب موجود في داخلنا، وليست الكتابة سوى الوسيلة الأقوى في ملامسة ذلك المكان الغامض، حيث نتعرّف على أنفسنا من خلال قراءة ما كتبوا.

الحب للبعض هو المنح والعطاء حتى النهاية، والبعض الآخر يجده في لعبة الحرمان، إذ في الحرمان الطويل تصبح الرغبة متقدة أكثر، وكما يقول فينيكوت: “كي أثير مكامن شهوتك يكفي أن أحرمك منها قليلاً”. إذن، الرغبة والحب هي لعبة كلما اتقنتها بدت ممتعة أكثر، لكن أليس هذا رأياً متطرفاً؟ لذلك من الجيد التعرف على بعض تلك العلاقات، العلاقات العاطفية لكتّاب وكاتبات معروفين في محاولة للتعرف على العالم الضبابي لحياتهم العاطفية.

هل استدلّ الكتّاب على أنفسهم في الآخر المعشوق؟ وهل يمكن اعتبار  سرّ الكتابة والحب هو السرّ المكتمل بطريقة غريبة حتى لا تبدو الحياة صورة داكنة عما يرافق الإبداع من الندم والوحدة؟

 

ألبير كامو وماريا كازاياس: الحب الرقيق والتلاؤم الفكري

كان الروائي والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو (1913 – 1960) قد عاش عدداً من العلاقات، ومتزوجاً من فرانسين فور، حين التقى عام 1944 بالممثلة الإسبانية ماريا كازارياس، ولم يتحقق لقاؤهما الثاني حتى عام 1959. رغم سرّية العلاقة إلا أن الوسط الثقافي الفرنسي كان يعلم بأمر العاشقين، أو كما وصفته ماريا في سيرتها الذاتية “السر المعروف”، لينفصلا بعد ولادة توأم كامو من زوجته فرانسين، لكن علاقتهما السرّية ستستمر حتى وفاة كامو بحادث سيارة.

تبدو هذه العلاقة مثالاً رقيقاً عن الحب المتماسك، الهشّ والمنطوي على تشارك فكري عميق في الحياة والفلسفة والفن. اعتمد حبهما على التفاهم الفكري والثقة بالآخر، تناقش الثنائي بطريقة تصاعدية دون أن يتحولا لندّين، وكأن الحوار يبحث عن نفسه من خلالهما. وفي شهادات الكثير من الأصدقاء، بدا واضحاً التلاؤم الفكري بين الثنائي منذ اللحظة الأولى، هذا التشارك منح العلاقة ثباتاً أكثر، ليتحدثا عن الكتب وعن آرائهما، فمن همنغواي إلى بروست حتى دوستويفسكي، قرأ العاشقان الكتب وتناقشا حولها، وعندما أخبرت ماريا كامو عن خيبة أملها في همنغواي، رد عليها مازحاً: “هذا جيد بالنسبة لك. لماذا تقرأين هؤلاء المزيفين الخالين من العبقرية؟”.

تُظهر الرسائل كامو كعاشق رقيق، يقول في إحدى الرسائل: “أنا متعب وأحتاج إليك، لكن بالطبع يستحيل توضيح أمر من هذا القبيل، بل يقتضي السياق أن تكوني أمامي”، كما تظهر ولعهما الفكري والجسدي، وحسب تحليل رولان بارت للرسائل، يجد أن العاشقين لا يتوقفان عن ترديد كلمات كالاجتماع والعودة والعيش، وتعكس رسائلهما نفاذ صبرهما، توقهما وانتظار أحدهما للآخر، التردد والخوف من سوء الفهم المحتمل، وكأنّ هذا البعد بقدر قسوته كان يزيد اتقاد مشاعرهما: “بالكاد أعطيت ساعي البريد رسالتي في نفس اللحظة التي منحني فيها رسالتك، وكان متأخراً جداً أن أسترد رسالتي، بالإضافة إلى أنني لم أتخيل أن تكتبي لي هذا الجنون، لدرجة أنه يستحيل علي التوقف حتى أجيبك”، يكتب كامو.

فيرلين ورامبو: الحب وإطلاق النار

بقيت علاقة الشاعرين الفرنسيين آرثر رامبو (1854 – 1891) وبول فيرلين (1844- 1896)، محط جذب القرّاء والنقاد لسنوات، ليس لكونها علاقة مثليّة وحسب، إنما لأنها جمعت اثنين من أهم شعراء فرنسا في القرن التاسع عشر. احتضن فيرلين الشاب رامبو القادم إلى باريس بعد سلسلة مراسلات، ولسوف يُسحر سريعاً به.

كان لرامبو أثر خاص على فيرلين، وهذا ما لم يُخفَ على أحد، لكن زواج فيرلين جعله يعيش تمزقاً بين زوجته وحبّه المحرّم لرامبو، الفتى الملعون. بعد اكتشاف زوجة فيرلين لعلاقتهما، هرب الثنائي إلى بلجيكا ثم لندن. لحقت ماتيلدا زوجة فيرلين بهما واستطاعت إقناع زوجها بالعودة معها إلى فرنسا، لكنه وفي طريق العودة يعدل عن رأيه ويتركها بعدما تبعه رامبو، لتنتهي هذه العلاقة المجنونة بإطلاق فيرلين النار على رامبو في بروكسل، يدخل فيرلين السجن ويسافر رامبو في رحلاته إلى الحبشة واليمن، حيث عمل كتاجر سلاح ورقيق.

 تبدو هذه العلاقة عنيفة ومضطربة، والسبب بلا شك هو رامبو الشاب الطائش والسكير، الذي استمرّ خلال ارتباطهما بالسخرية من فيرلين. لكن من جهة أخرى، فإن السنوات التي عاشاها معاً هي أكثر سنواتهما إنجازاً وإبداعاً، لتبدو العلاقة أقرب إلى العلاقة الهوسية، المضطربة، المشتتة والمؤذية للأشخاص داخلها وخارجها، حتى ذهب كاتب السيرة الذاتية جان جاك ليفرير، للقول: “هذه المغامرة كانت لتبدو مغامرة قذرة، لو لم تكن مغامرة لشاعرين عبقريين”.

فروغ فرخزاد وإبراهيم كلستان: في العشق والسينما والشعر

حين تعرفت الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد (1934 – 1967) على حبيبها السينمائي إبراهيم كلستان، كان متزوجاً. بدأت العلاقة بينهما عام 1958، تعرف الثنائي على بعضهما في الوقت الذي بدأ فيه إبراهيم يعمل كمصور مستقل، كان كلستان رجلاً واسع الاطلاع، حيث تعلم الفرنسية والإنكليزية بمفرده، وترجم همنغواي ومارك توين. وعلى العكس من معاصريه، كان رجلاً واسع المعارف وذا آراء ثابتة.

وفي عام 1958، عملت فروغ لديه كمساعدة في استديو الأفلام الذي يملكه ليصبحا عاشقين بعد ذلك. كانت فروغ تعيش تحت ضغط عائلي ومجتمعي كبير بسبب أفكارها وشعرها وحياتها المستقلة، بعد انفصالها عن زوجها برويز شابور، ظهر هنا دور كلستان، فكان داعماً كبيراً للشاعرة الإيرانية في هذه المرحلة، خاصة مع شخصيته القوية وأفكاره الثابتة، ولن تكون هذه العلاقة العلنية مقبولة اجتماعياً، خاصة في ظل زواج كلستان، وتحت الضغط التي وقعت فرخزاد تحته ستحاول الانتحار عدة مرات، ويبدو أنّ الشخصيتين القويتين للعاشقين ستجعلهما يتصادمان في أكثر من واقعة.

يقول الكاتب الإيراني صادق جوبك، عن هذه العلاقة: “لقد شد كلستان فروغ نحو القراءة، أي نحو البحث وقراءة الكتب الجيدة، ما أعنيه هو شيء يشبه علم القراءة واختيار الكتب ومعرفتها، لقد كان لتأثير كلستان ومعرفته وقع كبير على تطور شخصية فروغ الفنية”، قد يكون هذا الرأي واحداً من الكثير من آراء الوسط الثقافي الإيراني حينها، والتي كانت ترفض وجود موهبة شعرية كالتي تملكها فروغ، خاصة في عمر صغير، ولذلك كانوا بحاجة إلى إلصاق موهبتها بجهة ذكورية ما.

لنتعرف إلى علاقات حب التي عاشها المبدعون والتي أثروا وتأثروا فيها بالآخر، كقصة الحب المثلية التي عاشها الشاعرين الفرنسيين آرثر رامبو وبول فيرلين، والعلاقة العاطفية التي جمعت الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد بحبيبها السينمائي ابراهيم كلستان

من جهة أخرى، لا يمكن تجاوز تأثير الآخر في العلاقة العاطفية، ونجاح العلاقات العاطفية يُقاس بمدى تأثير الشريكين في حياة بعضهما وتطوير شخصيتهما، فذلك الشيء الذي رآه كلستان في فروغ هو ما دفعه ليقف إلى جانبها. يقول أخوها فريدون: “الشخص الوحيد الذي بإمكانه وصف فروغ كما كانت في القسم السابق من حياتها هو كلستان.. فكل ما يقوله كأنما فروغ نفسها قالته”، وفي رسالة من فروغ إلى كلستان أثناء تواجدها في إيطاليا، تكتب: “قلبي يبحث عن شخص يمكنني أن أحدثه عنك. شخص يعرفك ويتفهمك مثلما أعرفك وأفهمك”.

أمل دنقل وعبلة الرويني: الحب والورم الخبيث

تبدو قصة الشاعر المصري أمل دنقل (1940 – 1983) والصحافية عبلة الرويني، أقرب إلى الحكايات التراجيدية، تلك التي تهزم الإنسان دون أن تترك له فرصة للتفكير، فالشاعر الصعيدي الذي عانى طفولة قاسية وفقداناً مبكراً للأب سيحرم نفسه فرصة أن يكون طفلاً، وسيسرّع الخطا نحو عالم الكبار وقسوتهم، ليختار القسوة رغم الرقة التي تسكنه، حتى الحب سيكون مغلفاً بقسوة الحياة، لكن الشعر والحب يشيان بهشاشته.

في حين يكون الحب للبعض هو المنح والعطاء حتى النهاية، وجده البعض الآخر في لعبة الحرمان الطويل، حيث تصبح الرغبة متقدة أكثر، وهذا ما نجده في قصة الحب التراجيدية التي جمعت الشاعر أمل دنقل بالصحافية عبلة الرويني

منذ اللقاء الأول بين دنقل والصحفية عبلة الرويني اتخذا موقف الرفض، وكأنهما يحميان نفسيهما من حب كبير، متقلب، هادئ وعاصف، يحميان نفسيهما من الفراق. إنه حبّ صعيدي، يشبه قسوة ورقة قرى القنا، ستقول له عبلة في لقائهما الأول: “اطمئن لن أحبك!”، وسيقول لها في المرة الرابعة للقائهما: “يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة!”

ورغم محاولة الثنائي البحث عن الشكل الأفضل لعلاقتهما لكن سوء الفهم كان طاغياً، فكانا يتشاجران على الدوام، يبتعدان ويعودان، يغضبان، يهدآن، لكنهما كانا يبحثان عن بعضهما في النهاية، كلّ ذلك حصل لأنهما وقعا في الحب. ومع الوقت، بدأ الاثنان بفهم انفعالاتهما ونزقهما، تمكنت عبلة من تخيل عالم أمل الصخري، الشاب الفقير صاحب البنطال المثقوب فوق الركبة جراء سيجارة، والصحفية البرجوازية المتعلمة على أيدي الراهبات، وفي العوالم المختلفة تمكنا من الانتماء إلى بعضيهما.

تزوج الثنائي المصري لاحقاً، لكن الوضع الاقتصادي المتردي لأمل سيجعلهما يعانيان من الحاجة والفقر، ليكتفيا بالحب والتسكع في شواع القاهرة كما قالت عبلة. لن يترك القدر القاسي الشاعر الصعيدي، فبعد تسعة أشهر من زواجهما اكتشفا كتلة سرطانية في جسد أمل، سيخضع لعملية استئصال للورم، لينطفئ أمل الشفاء بعد شهر من إجراء العمل الجراحي، بعد اكتشاف الأطباء انتشار السرطان في كل جسد الشاعر.

تحولت الغرفة رقم 8 في معهد السرطان إلى المكان الأخير في حياتهما، حيث تلاشت قوة أمل شيئاً فشيئاً، وعانت عبلة من فقدان الحبيب والزوج والسند، سينهاران بالتناوب، ويعلمان مع كلّ إشارة أن أمل راحل، ليتساءل الشاعر: “لماذا أصابني السرطان في عام زواجي؟”. لقد كان سعيداً بهذا الحب ولم يكن الوقت المناسب للموت.

هنري ميللر وأناييس نن: الكثير من الجنس والكتابة

كان كلّ من الكاتب الأميركي هنري ميللر (1891- 1980) وأناييس نن (1903 – 1977)، متزوجين بالفعل حين التقيا، حافظ كلّ منها على زواجه بقدر حفاظهما على علاقتهما الخاصة، يشكل هذا الثنائي شكلاً إبداعياً متوهجاً من التبادل الفكري والكتابة، إنهما مثال قوي على اجتماع الأدب والحب معاً، قوة الأدب المدعوم بالحب والعاطفة والقدرة على فهم الآخر المبدع والحفاظ على مساحته، وهو ما تشاركته كلٌّ من عبلة وأناييس، فكلاهما استطاع الوقوف قرب المساحة الإبداعية لشريكه دون العبث بها.

ستبدأ علاقة الكاتبين منذ خريف عام 1932، أناييس في 28 من العمر وقد بدأت فعلاً بالشعور بأن علاقتها الزوجية قد بدأت تخبو، لتبحث عن نوع من التجديد والمغامرة في علاقة جديدة، بينما كان هنري في الأربعين من العمر وفي ذروة شهرته الأدبية، تبدو هذه العلاقة شكلاً من أشكال الاندماج المطلق، سواء الروحية، الجسدية أو العاطفية، يمارسان الجنس بشكل محموم.

كان هنري رجلاً مهووساً بالجنس، حيث عاش العديد من العلاقات مع البغايا، فكان يجدهن أكثر حقيقية، ولم يعش قصة حب جارفة أو مؤثرة، كذلك كانت أناييس، الكاتبة المهتمة بالإيروتيكية في الحياة والكتابة، حيث تعتبر واحدة من أهم كاتبات الأدب الإباحي. ذهبت مرة إلى إخبار هنري عن رغبتها في ممارسة الجنس معه داخل فراش الزوجية، في حين يكون زوجها نائماً قربهما على أثر منوم تمنحه إياه، بالطبع بقيت مجرد فكرة، لكنها تعكس اندفاع أناييس ورغبتها بالتعرف على الجنس بكلّ أشكاله.

تصف أناييس هنري بعدما رأته للمرة الأولى: “عندما رأيت هنري من الباب الواقفة عنده، أغمضت عيني للحظة لأتمكن من رؤيته من الداخل، كان دافئاً ومسترخياً وطبيعياً”، كان هنري يستعد لإطلاق كتابه المثير للجدل “مدار السرطان” حينها، سيقرأ أحدهما للآخر، وتجد أناييس أن عمل هنري يعاني من الفائض والجمل التي لا ضرورة لها، تطبع أناييس كتاب هنري مدار السرطان على حسابها، لن يدوم هذا الحب طويلاً، فسرعان ما تدرك آناييس برّية هنري، هوسه بالجنس وعدم بذله أي مجهود لأجلها، وتكتب أنه لا يراها سوى فتحة بيولوجية، دليلاً على هوسه الجنسي، هي التي كانت تسعى لدمج الحياة الفكرية والجنسية والعاطفية.

ومهما كان شكل الحب وفي أيّ صورة وصلنا، يبقى سرّ الكتابة والحب هو السرّ المكتمل بطريقة غريبة، لأن جزءاً من المعرفة يستوجب الكثير من الكتابة والحب حتى نستدل على أنفسنا في الآخر، وحتى لا تبدو الحياة صورة عن الندم والوحدة.

مناهل السهوي

((الرصيف))