محمد مهدي الجواهري

الوفاة1 يناير 1997، دمشق، سوريا
كتابة وحوار : أسعد الجبوري
عندما رأينا الشاعر في تلك البقعة من السماء، أدركنا حجم التبدل الذي طرأ على شخصيته، يوم كان موجوداً على الأرض. فقد ظهر التبدلُ على جسمه بسبب زيادة في الوزن. أما شكل الوجه البشوش، وتقاسيمه، فكانت تميل إلى أن الشاعر عاد إلى الوراء سنوات وسنوات. وجهٌ فارقته النظارات الطبية، وباتت مساحته محررة مما كان محجوباً في الماضي.
كان الشاعر محمد مهدي الجواهري بشورت متعدد الألوان. وبقميص أحمر مكتوب عليه: (هنا مركز الزلزال)، وكأن الشاعر المشاكس ذاك، مازال في مراهقة شعرية دائمة. رأيناه يمسك بالمضرب، ويمارس اللعب بكرة الريشة مع مجموعة من الفتيات اللائي كنّ منشغلات بصدّ كرات الشاعر الملتهبة الثقيلة قرب شط يقعُ على مقربة من طاولة عظيمة من مرمر أبيض كانت تنعكسُ عليه موجاتٌ لازوردية تنبعثُ منها موسيقى لم نستمع إلى مثيل لها من قبل.
شعرنا في البدء بأن الاقتراب أكثر فأكثر من اللاعب المتمرس الهائم بزلازل تلك الصدور المنسوجة من الينابيع ، ربما يًربك المشهد. ولكن الجواهري بدهائه ومكره، ألقى بالمضرب أرضاً وتقدم نحونا، فيما كنا نقوم بتصويره لقطات زوم.
صافحنا، وجلس إلى الطاولة مبتسماً، وهو يقول: كما ترونني الآن، أريد أن(( أطلّعْ )) الفرق، وألعب رياضة، طالما حُرمت منها على وجه تلك الأرض هناك.

(*) ولكنك مارست الرياضة الأخطر هناك يا أبا فرات.
لا تسمي الشعر رياضةً. فهو ليس غير تمارين في الجحيم.

(*) أي الأرضين صاغت الجواهري شاعراً عملاقاً بهذا القدر من القصيد، أهي أرض النجف، أم تربة الشعر؟
ليس من شك أرض النجف. فهي التربة الأولى التي تشبعتُ من نسوغها النحو والصرف والبلاغة والفقه، إلى جانب التداخل الروحي مع أبي الطيب المتنبي، والبيان والتبيين، ومقدمة ابن خلدون، ودواوين الشعراء العرب، ممن بلغوا الجبال بقاماتها، وصار بعضهم من القمم.

(*) فقط!
ليس هذا كله، كما يمكن القول. فقد كنت، منذ بدايات ما بعد الطفولة، أتلمس الحياة تلمس المتيم في حديقة غناء من الكلمات. لذلك قدرتُ إلى حد ما من أن أجعل بنيان جسدي موازٍ للبنيان الشعري الذي كنت أنصتُ إلى جداوله، وإلى أهواله، مبكراً. فالنجف لم تمنحني الفرصة الوافرة لرضاعة الشعر وحسب، بل دفعتني إلى كثير من التجارب غير المتعلقة بالجانب الأدبي. وهناك كانت الطواحين والصراعات المولّدة لمختلف الإرهاصات التي عادة ما تقود إلى الجانب الشعري في نهاية المطاف.

(*) وربما بسبب الضجر المبدئي من طقوس الثقافة الدينية التي ألبسوكَ إياها في تلك المدينة المقدسة الشريفة.
ليس في هذا الاستنتاج من جهد قيم، يدل على الواقع. فأنا والنجف، كلانا كنا نتطلع للخروج

من عنق الزجاجة إلى الفضاءات الأوسع. فالعمامة التي وجدتها موضوعةً يوماً على رأسي كانت تشعرني كما الكابوس بالضيق والانحسار. كذلك تلك المدينة، كانت دائمة المحاولات للخروج عن سراديب الحبس والقراءات المُكبلة، والتوسع بالاجتهاد طولاً وعرضاً.

(*) ولكنك سرعان ما استبدلتها بعمامة أخفّ. فما الفرق؟
العمامة الأولى كانت رمزاً دينياً. فيما الحطة، أو الكوفية المشغولة بالكلمات والرسوم الزخرفية التي استقرت على الرأس ردحاً من الزمن، فلا تغتني إلا بالبعد الجمالي.

(*) كأن لابد من مظلة، أو من خوذة، لحماية رأس الشاعر، خشية من تساقط أحجار الدهر عليه. أليس كذلك؟
هذا كلام دقيق. فرأس الشاعر، حتى وهي في أعلى درجات الهدوء والصمت والتأمل، تثير في الآخرين فزعاً ما. فليس عندي من شعر من دون نار، أو مشاكسة، أو قلق. لقد بُنيت حياتي كلها على تلك الأسس. فعلى أرض الشعر، خضتُ حروباً ما زالت تدمي القلب. ومع ذلك خرجت منتصراً، بعدما صنعت من القصائد مدافن عظيمة لكل من لا يليقون بالتاريخ.

الجواهري في مراحل مختلفة من حياته


(*) أيهما تقصد: حروب الهجاء، أم المديح؟
كلاهما. فما من مديح إلا ويقود إلى شارع فرعي من الهجاء، ولو بطريقة ما.

(*) وهل توفر تلك اللعبة الحالة براءة من ذنب قد تحسُ بأنك ارتكبته من جراء مديحك لهذا الشخص، أو تبرئة من موقف قد لا يليق بشاعر مثل الجواهري؟ بمعنى آخر، ألا تشعر بأن عوالم الهجاء والمدائح أدوات تُضعف الشعر، أو تقوض جمالياته؟
لا يظن أحدٌ أن الجواهري قد كتب يوماً تحت طائلة الخوف، أو التزلف، لأنني كنت مصدراً من مصادر الخوف بعينه، منذ أن شاركت في ثورة العشرين ضد السلطات البريطانية المحتلة للعراق، أي يوم كنت في عنفوان الشباب.

(*) وهل كان ذلك بسبب التكسب بالشعر.. علماً بأن أحداً لا يملك معلومات عن هذه الفكرة بعد كتابتك لما يقارب عشرين ألفَ بيت من الشعر؟
كنت أحشر الملوك والرؤساء وزعامات الدول والمقامات العالية بنفسي، كي يقفوا والشعر على خط واحد. أعرف أن قصيدتي أهم من بعضهم، ولكنني كنت أبادل العروش الرسائل الحارقة

التي كانت تجثو على صدري.

(*) في حياة الجواهري مجموعة صحف قام بتأسيسها: جريدة (الفرات)، و(الانقلاب)، ثم جريدة (الرأي العام). كيف ابتليت بمثل هذا السحر، لتتعلق بالصحافة؟
لم أر في العراق إلا ورقاً في مهب الريح، ورقاً حوله نيران عظيمة. لقد فطنت على تلك الفكرة مبكراً، أي منذ أن عملت في بلاط الملك فيصل الأول. ولذلك دخلت إلى هذا السلك من أجل تمتين جدار الرأي العام ضد كل بلوى تأتي بها الريح على العراق. وكذلك كانت فرصة لإثارة الشغب ضد تلك الحكومات، ومطالبتها بمختلف الإصلاحات.

(*) ما المسافة التي كانت تفصل ما بين الجواهري شاعراً، والجواهري سياسياً؟
ربما فرسخ. ولكنه سرعان ما يذوبُ مختفياً، فيخرج الشعر من الفرن ناراً ضاجةً تحرقُ كل ما في طريقها من دون رأفة، أو حدود.

(*) ألا تشعر بأن نتيجة مثل تلك إنما هي طبيعية لكل شعر موزون مقفى، باعتباره يستعمل فن الإيقاع للسطو على السمع، فيقوم بتهييج البشر؟
الشاعر الذي لا طبل عنده، أخرس لا نفع منه، ولا من كتاباته. فقوة الشعر بالتأثير المباشر الحادّ، لا بمطالعة الشعر وتأمل الحياة في الكلمات من الخارج، أو من خلال تحليل القصائد وتدوير زواياها.

(*) إذا أخذنا بصحة هذا جدلاً، فسيكون وقفاً على الشعر العمودي وحده باعتباره معمار إيقاعي!!
وهل ثمة شعر آخر؟

 

(*) وماذا تُسمي شعر التفعيلة وقصيدة النثر؟ ألا تعدهما حركتين شعريتين في التاريخ الأدبي الحديث؟
لقد نظرت بشيء من العطف على كتابات السياب. وجدت فيه شاعراً سابقاً لمرحلة الشعر الحر. وهو في جوهره، أو كما أراه أنا، ليس غير شاعر كلاسيكي أصابه نوعٌ من الانزياح،

فقفز إلى خارج الإطار، ليلحق به ركبٌ آخر، حتى كانت حركة الشعر التي سميت بالشعر الحر، أو شيء من ذلك القبيل.

(*) هل ينكر الجواهري على شعراء التفعيلة، أو الشعر الحديث، الجانب الشعري من وجودهم ضمن حركة الشعر بشكل عام، كون هؤلاء يخالفون أنظمة الشعر الكلاسيكي، أو لا يلتزمون بها؟
أنا لم أخش على الشعر من السياب، بل من “المخابيل” الذين راحت سفن الشعر الحر تحملهم على ظهورها الرخوة. لقد تكاثر هؤلاء كالنمل، وباتوا في حركة دائمة من التطاول على أصول الشعر ورموزه وتراثه. وأنا أتعجب من بعضهم عندما يقولون بأن كتاباتهم الشعرية باتت تسدّ رمق القارئ العربي، بعدما تخلص من القصيدة العمودية. كم هؤلاء فطاحل في الدجل والكذب.

(*) وهل تتمنى لو غرقت بهم تلك السفن، وأصبحوا طعاماً في أحشاء أسماك القرش؟
ربما كان ذلك أفضل من أن يتشمسوا على متون تلك السفن، أو أن يقوموا بتلك التجارب التي قادتهم إلى ما يُسمى بقصيدة النثر، أو الشعر المنثور.

(*) كما يبدو، فإن إيمانك بقصيدة النثر ما زال غائماً، أو معدوماً، بشكل نهائي. كيف ينظر الجواهري إلى حركة هذا الشكل الشعري، وصعوده الشرس في العالم العربي؟
لا أريد أن أطيل في البحث والتأمل عن قصيدة النثر في الوطن العربي، غير أنها بجملة قاطعة: جزء من مؤامرة الغرب في الشرق. لذلك فهي في فيضان زائد لتخريب ذائقة العرب.

(*) ألا تريد تغيير رأيك القديم، خاصة بعد وصولك إلى العالم الجديد الآخر؟
لم تتضح لي بعد بأن قصيدة النثر شأن فردوسي، بل هي من ألاعيب بودلير، ولعنات الغرب، الذي يحاولُ دسّ السّم في عسل ما يُمسى بالحداثة!

(*) ولكن الحداثة التي تحاول إلغاء دورها في حركة الشعر العربي ربما تنال من الجواهري أيضاً. ألمْ تعمل أنت على الخروج من قفص الكلاسيكية القديمة، فجددت الشعر بكلاسيكية غير نمطية، تحمل رؤى وعلاقات ووشائج لغوية لم تكن في حساب الشعر القديم من التراث العربي؟
أنا عملت على تحسين شروط البلاغة في القصيدة، وتنزيل المعاني بالزخارف الثقيلة. حدث ذلك، عندما قمتُ بتعضيد أعمدة الشعر الأصلية في قصيدتي، بأعمدة الظل، من أجل أن لا ينكسر البيت، أو يسقط المعنى في الغوغائيات.

(*) تقصد كما فعل الشاعرُ بدوي الجبل.
لا. لم يكن ذلك صحيحاً. فبدوي الجبل كان شاعراً هفهافاً، يقيسُ ضغطَ دم كلمات قصيدته قبل أن يكتبها، خوفاً عليها من (الدوخة)، أي فقدان التوازن، وعدم التماسك. فيما أنا كنت متهوراً.

أندفع قبل قصيدتي إلى الجحيم، أي كنتُ مثل شخصٍ تملأ رأسه النيران، ويريدُ الانتحار.

(*) هل كنت تغار من بدوي الجبل؟
أبداً. لقد كنا أشبه بجبلين متوازيين. واحد أقرع، والثاني مغطى بالثلوج.

(*) من كان منكما الأقرع؟
ومن يكون غير الجواهري، الذي احترقَ رأسهُ من المصائب.

الشاعرمحمد مهدي الجواهري في عقد التسعينيات من القرن الماضي


(*)
 ولكنكما كنتما غارقين في السياسة، وتبحثان عن مقعدين لكما في الحكم. دخلتما المعارك تلو المعارك. ونال كل منكما نصيبه من السلطة والقمع والحبس، دون أن يحالفه نجاح. فهل كان ذلك بسبب فشل الشعر في ابتزاز الحاكم، أم لأن السلطة قد لا تنفع الشعر مثلاً؟
لم أنظر إلى الشعر يوماً كشعر خالص لوجه الله. بمعنى الفن للفن. ولكنني كنت أقحمهُ في حياة العامة والخاصة على حد سواء. رؤيتي للشعر كانت هكذا. أن يمشي الحاكم على حبل الشعر، فيما الناس تصفقُ له وسط حالةٍ من الذعر.
لقد كنت عضواً في مجلس النواب العراقي نهاية عام 1947، ولكنني استقلت من عضويته احتجاجاً على معاهدة (بورتسموث) مع بريطانيا العظمى. بعبارة أدق، لقد تلمستُ السلطة بيدي، وجلست على أكثر من كرسي وثير، ولكنني لم أجد الراحة أبداً.

(*) وهل وجد أبو فرات الراحةَ في دول الاغتراب والمنافي مثلاً؟
وجدتها في القلق النفسي الذي عادةً ما يصنعهُ بي الشعرُ. شوف عيني أنا قليل الإيمان بالفلسفات. ولا أؤمن إلا بما يجلي الصدأ عن القلب. ففسر أنت ذلك على كيفك.

(*) أنت تأخذنا إلى النساء. عالم ما يسمى بـ (الطراوة). فكم كانت نسبة الحب في جسد الجواهري؟
تعرف أنت شنو الكاتولوغ؟ الشاعر العظيم مثل الكاتولوغ الممتلئ بالنساء الملونات. النساء طاقة شعرية، أو هنّ الطاقة المُتّجَدّدة التي يتحدث عنها العلماءُ في بحوثهم. ولا خيرَ في شعر لا يمتثل لتلك الطاقة التي تشحنُ روح الشاعر، وتجعله محطة لتوليد الكهرباء.

(*) لقد تزوجت مرتين من الأختين (مناهل) أولاً، وبعد وفاتها تزوجت بأختها الأخرى (أمونة). كيف لشاعر أن يتورط بهكذا رباط موحد اللحم والدم لأختين؟!! هل كان الزواج الثاني ربما لسد الثغرات بسبب وجود الأولاد وحسب، وليس فيه من الحب شيئاً؟
أنا نفسي حائر حتى اللحظة في ما فعلت. لا أعرف كيف جرت الأمور على ذلك الموال آنذاك. مرات أفكرُ وأعترف بأن قيامي بذلك العمل يمثل شبه خيانة لزوجتي الأولى. ولكن دماغي

ربما كان يعمل بشكل عشائري مفروض من العائلة في ذلك الزمان.

(*) وبسبب هذا الارتباك الداخلي رحت تعيشُ حياتك العاطفية، وأمجاداً غرامية في أوروبا. مع الفرنسية (أنيتا)، أو مع أخريات من بلاد الفرنجة؟
الحب مع (أنيتا) كان شيئاً مختلفاً. كأنه كان حب شمشون الجبار لدليلة. والحب العراقي مثل ما تعرف أذيّة. أي إنه يؤذي النفس، ويؤذي الآخر. فما من محبوب في بلاد العراق، ولم تنل منه (جوية) بمكواة الغرام. كل العراقيين يعانون من الحرمان العاطفي، وكأن القدر جعل قلب كل عراقي أشبه بكور الطابوق، يحترق ببطء ولا يكف عن إطلاق الدخان لخنق العالم.

(*) ولكن ثمة من يفند حبك لتلك الفتاة الفرنسية (أنيتا) نهائياً، ويعتبرها ضرباً من الأوهام، لأنك لم تكن تتقن الفرنسية، أو الإنكليزية، وبأن ذلك الحب لم يكن إلا مجرد إعجاب شاعر بعابرة سبيل!
ذوله الحجولك هذي القصص كلهم مخابيل، ولا يعرفون شيئاً، لأنهم ما يدرون بأن البنت الفرنسية هي التي تعرف العربي.

(*) وهل ثمة دليل على ذلك مثلاً؟
يعني منين أجيبلك دليل وحنه هنا!؟؟

(*) هل كتبت قصيدة أفروديت، إلهة الحب، من أجل امرأة بعينها؟
لا. كتبت القصيدة تلك عام 1932 من أجل المرأة بشكل عام.

(*) هل تتذكرها حتى اللحظة؟
نعم. فهي قصيدة تشغل بالي وتكاد لا تبرح رأسي

(مَنْ أتى أمسِ..؟
خبّريني….؟
ألا تدرينَ..؟
كلاّ فلستُ أُحصي الرّجالا..!!
أجميلٌ فلم أُمَـتّـعْـهُ
إذ نِمْتُ عميقاً ممّا لقِيتُ الكلالا؟
ومتى راحَ..؟
في الصباح..؟
ألا يرجعُ.. ماذا أبقى..؟
أغـادَرَ شـيّـا..؟
ناوليني أساوِري
فـأتَـتْهـا بصُـنَـيْديقَ.. أودعتْـهُ حُـليّـا
رفعتْ عندَها ذراعينِ
سُبْحانَ الذي يَخْلُقُ الجمالَ السّـويّا!!
وتمشّتْ مهتاجةً.. يتمشّى العُجْبُ
والحسنُ في الدماءِ غزيرا
نحوَ حَمّامِها تَرى مِنْ خلال الماءِ.. فيهِ
ما يَستثيرُ الغُرورا..
جسمَها اللدْنَ.. والغدائرَ تنسابُ
كما أرْخَتِ العذارَى سُتورا!
وخـريـرُ الميـاهِ في السـمعِ كالـقُـبلةِ.. حـرّانـةً
تَهيجُ الشُعورا..!
عبـدَتْ نـفسـهـا.. فداعَـبَتِ النّـهـدينِ بالشّـعْر
غِبطةً وحُبُورا..!
نَثَرَتْ شَعْرَها على كَتِفَيْها
نثـرةً خـيرَ ما تكونُ لديـهـا
واستدارتْ وَهْناً على عَقِبَيْها
فبـدا جـانـبٌ..
ولَـوّحَ ثـاني
وأرتها المرآةُ لَـمْحَ بيان
عن خيالين..
ثـمّ يـرتجفانِ
وبقايـا ظِلّيْنِ يَصطَرِعانِ

* * *

ثـم لَـمّـتْ فُـضَـولَه بيـديـهـا
فَمَشَتْ لمّـةٌ على نَـهـديْـهـا
فتمشّى الضِرامُ في حَـلْـمـتَـيْها
فـأطـلا….
وثْـبـاً من الذِروتينِ
مثلَما صكّ عاصِرٌ حبّتينِ)!

(*) والآن، وأنت في هذا الفضاء المطلق، ما حجم اقتراب الجواهري من الله؟
حجم اقتراب الشمس من يده.

(*) ألا ترى في هذا الكلام مبالغة، أو طيشاً شعرياً، فأنت لم تكن متديناً بالقدر الكافي.
لا مانع يحول دون أن يبالغ شاعر بقربه من ربه، وخلفه الغاوون بالملايين؟

(*) ولكنك لم تكن صاحب طريقة، أو من الشعراء الصوفيين. ففي شعرك إسراف في الملذات، وشمٌ وضمٌ وخلاعات عادة ما تأخذ الشاعر إلى النار، وتكسرُ له عنقه على الحجر الإلهي!
في داخل كل شاعر فاسق، شاعرٌ صوفي عادة ما ينام في ظله. أنا لا أعرف تفسيراً دقيقاً لمعنى الفسق. لأنني لا أراه دماً لا يعيش من دونه الشعر. لذا فكلما وقع الشاعر الفاسق في معصية كبرى، أسرع الأخير لنجدته وتطهيره، حتى أن ذلك الشاعر الصوفي طالما ينجذب إلى احتفالات الشاعر الخليع، فينخرط في ليالي الأنس من دون التفاتة إلى الوراء.

(*) وتقول هذا بعد الموت وأنت في هذا المكان الخالد.
إن من الأرواح لدرجات عند الربّ. ولكل درجة فردوس. وفي كل فردوس حماةٌ للبشر من الروتين والكسل. وإذا كنا نحن الشعراء ــ أو بعضنا ــ أصحاب رؤى لا يضيق بهم إيمانٌ، أو خيال، فذلك لأننا نستطيع التمدد في عوالمنا بحرية جيدة دون خوف. عندما تتخلص من أن تكون بشرياً، فأنت تكون بذلك قد قتلت المخاوف في داخلك، وحررت الكتب القديمة بما امتلأت من نار وعذاب.

(*) مع من يجتمع الشاعر الجواهري في دار الآخرة. هل ثمة ملوك رؤساء أشخاص بعينهم؟
لا وجود في هذه الدار لملك، أو رئيس. أعتقد بأن الله وضعهم في مكان خاص. لا أعرف. فذلك سرّ لم أطلع عليه بعد. لكنني سمعت بأن الأباطرة والملوك والسلاطين والرؤساء، يخضعون لتحقيقات لا تنتهي. يبدو أن وقت استجوابهم طويل طويل. والله أعلم!

(*) ولم يتم استدعاء الجواهري وحشره مع الملوك إلى هناك مثلاً.
سؤالك خبيث. وفيه من الشيطنة ما يكفي.

(*) لمَ تجد كل ذلك في سؤال عابر كهذا يا أبا فرات؟
كما سبق أن قلت لك، فعندما كتبت في بعض الملوك والرؤساء القصائد، كنت أحاول أن أفزعهم من شعري، فيما لو حاول أحدهم إزعاجي. لذلك كانوا يقفون أمام الشعر مرتجفين.

(*) والمال! ألمْ تحصل على ثروة من وراء ذلك؟
كنت لا أقيم وزناً للفلوس إلا بالمقدار الضئيل.

(*) منْ كان من الملوك والرؤساء الأكرم على الجواهري بالدنانير؟
المرحوم جلالة الحسين ملك الأردن. قيل لي إنه لم يسترح ليومين متتالين حتى حفظ قصيدتي فيه عن ظهر قلب، ونام في اليوم الثالث.

(*) هل لأنه لم يتوقع أن تكتب فيه قصيدة من ذلك العيار الثقيل مثلاً؟
فاجأته ببلاغة المبالغة.

(*) هل التقيت المتنبي في هذه الديار؟
مرات قليلة. أردتُ مناقشته في بعض ما كتبهُ، لكن الرجل كان يتهرب مني متذرعاً بأنه مشغول بزواجه من خولة أخت سيف الدولة، وبالبحث عن قاتله وقاتل ابنه محسد وغلامه مفلح (فاتك بن أبي جهل الأسدي) بالنعمانية بالقرب من دير العاقول غربيّ بغداد أيام زمان.

(*) كأنك تبرر له فعلة عدم الوصل معك يا أبا فرات.
ماذا تريدني أن أفعل. فكل منا أُغرم بشعره حتى الثمالة.

(*) ولكنه كان متيماً بذاته، على العكس منك!
ومن قال ذلك؟ الجواهري ذاتٌ نائمةٌ في كل بيت من شعره، لأنني أحببت أن لا أفصح عن النفس إلا للباطن وحسب. قبل أيام، سألني السؤال ذاته الزعيم عبدالكريم قاسم، وشرحت له ما تيسر لي من نفس هذه الأفكار التي أحدثك عنها الآن.

(*) وهل تجتمع بالزعيم عبد الكريم قاسم؟
لقد فرقتِ الشيوعية في العالم السفلي شعوباً عن شعوب أخرى، كان الصراع الطبقي وهّماً أثقل الحياة، ولم ينجُ منه لا الزعيم، ولا بقية طبقات الأمة.

(*) والبعث العراقي. ماذا فعل في رأي الجواهري؟
لم يكن البعث العراقي حزباً وفقاً للمنطق الأيديولوجي، بقدر ما كان مجموعة مشاريع للمقابر الجماعية، وأفعالاً لتفتيت العظام الآدمية.

(*) ولكنك كنت مع الزعيم في مدّ وجزر؟!
الزعيم أبيض. ربما هو الوحيد الذي كان مختلفاً عن بقية رؤساء الدول العربية. كان يحب الشعر. وهذا قد يمحو له بقية الأخطاء التي ارتكبت باسمه، أو تحت مظلته.

(*) هل تلقي ببعض النظرات على أحوال العراق من هنا؟
يصمت.
وفجأة ينهض من على كرسيه ويغادر المكان مكتئباً، ومغمغماً ببعض العبارات غير المفهومة، وكأن بركاناً انفجر في جسده. لم ندرك أن سؤالاً عن أحوال العراق كاد يودي بحياة الشاعر للمرة الثانية. ولكنه السؤال المخرز الذي أراد الجواهري ردهُ إلينا، لنهبط إلى أفران الجحيم الأرضي من جديد.