(1928-7- 8- 2009)

 كتابة وحوار: أسعد الجبوري

هل كان من الضروري، أن نحجمَ التفكير بأنّ علي الجندي شاعرٌ مات، مغادراً الأرضَ التي قطعها طولاً وعرضاً بالتسكع والحبّ والقهقهات التي كانت تغلفُ القهرَ الوجودي بورق الكتابة؟

ربما. أو كان من المفروض علينا فعل ذلك، لأن الرجلَ كان كتلةً شعرية،طالما امتزجتْ عبر الزمن بكتلة من لحمٍ مُقددٍ بالخمر والتبغ ورائحة النسوة، لتنسكبَ كلّها في قامةٍ من أحلام محطمة،استطاع الجندي في نهاية المطاف،أن يصنع من رمادها ملجأهُ المختار في الحياة.

في أول مرّة نراهُ فيها هناك، لم نصدق وجودهُ على ظهر بعير بني اللون بسنامين،وهو يحاولُ الانطلاق نحو البرزخ الصحراوي الموصول بنهاية العالم السفلي.

كانت صورتهُ غريبةً ومُستَفزةً.فأن ترى شاعراً مدنياً بثياب البدو، فتلك لقطةٌ مثيرةٌ للجدل.

لكن، وما أن استوقفناهُ من أجل هذا الحوار، حتى صاحَ بنا متألماً:

أريد العودة للربع الخالي.

فسألناهُ آنذاك متعجبين ومستفسرين:

■ تغادرُ فراديس السموات وعوالم الرغد هنا، وترغبُ بالذهاب إلى الصحارى؟!!

_ لن أذهب للسياحة، ولكنني أريدُ أن أدرك جيداً، لمَ كلّ ذرّة رمل من تلك الصحراء، وكأنها قد تحوّلت إلى ما يشبه القنبلة في العقل وخارجه؟

■ ليس عليك  التفكر بالعودة إلى هناك. حتى لو وصلت إلى عالم الفراغ والثعابين، لن تبلغ أمراً سوى العدم.

ـــ وذاك ما فكرت فيه مليّاً.لذا تراني متردّداً بالهبوط عبر البرزخ.

■ الحياةُ دون شِعر.. هل تُعَرّض نفسها لِلّوْم أو التأنيب برأي علي الجندي؟

ـــ هذا مؤكدٌ. ولكن على الشِعر أن يدرك هو الآخر أن من مهماته إعادة تكوين الحياة بواسطة المخيّلة.

■ وهل الشاعرُ ساحرٌ من السَحَرة، يستطيع تبني مفهوم إعادة صياغة الدنيا مثلاً؟

ـــ ليست الأمور تأتي ضمن هذا القالب، إنما قيمة الشاعر لا تكمنُ في السحر، بقدر ما هي مرتبة من سلالّم التنبؤ المعرفي الذي يفتحُ للنص نوافذَ لم تكن في الحسبان.

■ كيف يمكن الفصل ما بين أن يكون الشاعر نبوئياً  وما بين أن يصبح عَرّافاً؟

ـــ كما الفرقُ ما بين الزجاجة ومحتواها. بين وعاء الزجاج وبين النبيذ. فالشاعر التنبؤي زجاج عاكس يمتصّ أحداث الكون، ويقومُ بتشكيل الصور التي تَنمُ كلّ واحدة منها على نشوء حدث أو فكرة مستقبلية، فيما النبيذ،فيأخذُ مهمة تشريح الصورِ المُلتَقَطةِ،وطرحها عبر الممر اللغوي،لتكون فكرةً قابلةَ التحقق فيما بعد.

■ هل كان علي الجندي أحداً من الحالتين السابقتين؟

ـــ ما كنت أنا في حياتي، إلا ذلك السائل الجاري في عمق الزجاجة وخارجها، سواء أكان أحمرَ أم ماءً أم دماً أم ألماً.

■ وكيف تعتبرُ الآلامَ شبيه الماء والخمر والدم، سائلةً متحركةً؟

ـــ لم تكن آلامُنا نحن العرب كامنة في الجملة العصبية وحدها، لأن لكلّ منا آلامٌ تمشي معه.متحركة من باطنه البيولوجي إلى محيطه الكوني،حتى نكادُ نتعثر أو نغرق بتلك الآلام، وكأنها الفيضانُ الإلهي الذي جعل أقدامنا مَجادِيف لا تتوقف عن العمل،ولكنها في الوقت نفسه، لا تحققُ نجاحاً يحولُ دون أن نصبحَ غرقى معتقين تفسخاً بالمستنقعات.

■ أنت تملكُ عالماً من السوداوية والتشاؤم.هل هي عادة أم هي توريث أم صرخة؟!!

ـــ كل الأصدقاء يقولون :علي الجندي يسبقُ نفسهُ نحو الآمال السوداء،من أجل أن يقيمَ مأدبةً للمحزونين ومن قامت الأنظمة بظلمهم أو بسلخ جلودهم.

ولكنني في كل الأحوال أعلنُ براءتي من تلك الاتهامات أو التصورات،لأنني أعتبرُ التشاؤمَ عادةً مكتسبة ومرضاً مورثاً وصرخةً في وجه ظلام العالم. أعطني شيئاً من الأمل،لأرافقك بتشييع التشاؤم إلى أقرب مقبرة؟

■ هل لأنكَ كنت صاحب ((الراية المُنكّسة))؟

ـــ والعمود الفقري أيضاً.

■ تريدُ أن تقول،بأنكَ كنت جسماً بلا عمود فقريّ يا علي؟!!؟

ـــ بالطبع. فآخر فقرات عمودي الفقري،كانت قد سحقتها المدامُ (دلال حاتم) بيديها الشبيهتين بقطبي الرحى.

■ أليسَ في هذا تجنٍّ على المرأة التي كانت رئيس تحرير مجلة ((أسامة)) المتخصصة بالطفولة؟!!

ـــ كان أغلب الأصدقاء يثيرون الغبارَ والدخانَ بوجهي بسبب زواجي بدبابة تثيرُ الرعب في الأطفال كما كانوا يعلقون ساخرين من القدر الذي أودعها في سريري، وأذلّني عميقاً في شِعري الذي دخل مرحلة المازوت، بعد مراحل الكيروسين الخالي من الرّصاص والبرافين الذي كان مناسباً لمعظم توربينات المحركات الشعرية التي خضتُ تجاربها مع النساءات في مطلع عاطفتي وحتى شيخوخة المراهقة التي انتهت بداخلي.

■ أكان ذلك بسبب التنافس الأدبي أم بدوافع الثأر من الخيانات؟

ـــ ماذا أفعلُ إذا كنت اشعر على الدوام، بأنني صالة لانتظار النساءات حتى في أقاصي الصحارى؟!

■ إنها الروح الدونجوانية.أليس كذلك يا علي؟

ـــ لا أعرف.ولكنني طالما شعرتُ وكأنني سمكة قرش في حوض كبير من الجمبري الّنسْويّ.

أليس من الغباء أن تمضي إجازة السباحة بالبحث عن المنقذ، متخلياً عن فتح جميع بوابات جسدك لالتهام تلك المخلوقات التي طالما حدثتنا عنها جميعُ الديانات كي نعمل بضرورة الحفاظ عليها كقوارير لشرب العَرق،وإن كان سكاً دون ماء ووريقة خس؟

■ إلى أين قادَ الحبُ الشاعر علي الجندي في تلك الحياة الدونية الدنيوية؟

ـــ إلى الملعب.

■ كيف؟

ـــ كنت كمثل كُرة التّنس،أتمتع بالضرب من قبل الخصوم. فما من امرأة قابلتها في تلك الأيام،إلا وتحولت إلى خصم في نهاية المطاف.

■ وهل ينطبقُ ذلك على وجودك في ملاعب السياسية والايدولوجيات؟

ـــ لا لم اترك المياه الآسنة تختلط بدمي. وعليك أن تقرأ ما كتبه عني ممدوح عدوان: «وجعهُ السياسي كان وجعا يومياً وأمام الاتساخ الأخلاقي الذي كان يملأ الحياة من حوله، والذي كان ينجم عن تلوث بيئي سياسي راح يصرّ على نظافة خاصة غير مألوفة»؟

■ نحن نعرفُ بأن الشاعر علي الجندي استهلك السياسة بأدخنة المقاهي والحانات. هل يكون لزاماً على الشعراء أن يستمدوا قوة التأليف من قوة المواد التي تصنع النسيان،أو تدفع بالروح الفنية، كأن تكون غيمة نظيفة بلا مسحوق أيديولوجي؟

ـــ أجل.فالايدلوجيا تجعل الشعر حجراً والشاعر متحجراً إلا باستثناءات نادرة.

فالآلهة التي وضعت سحرها في الخمور،لن تتخلى عن النصوص الأكثر وعياً،والأعظم ابتكاراً في خَلق الشعر وطقوس الشعر وملاحق الشعر من غواة ومريدين ومنغمسين ومهووسين.

من هنا، لم أبحث عن مكان لي في تلك الأراضي القاحلة.

■ هل وجدتَ في الفلسفة جسراً ما،استطاع أن يوصلك بالداخل الصوفي الذي تتمتعُ به بعضُ قصائدك،عندما أخذتْ منحى روحياً،حتى دون انتباه منك؟

ـــ لم أتعمد الاستعمالات الفلسفية في كتاباتي،ولكن بعضها،كان يملأ داخلي بتشظيات شيطانية تقودني إلى أمكنة شبيهة بالرمال المتحركة،فأغرقُ تحت تأثير ذلك العنفوان.

■ ما هي دوافع الخمر بتثميل شاعر مثل علي الجندي؟

ـــ هي نفس دوافع البحر في حركة المدّ والجزر تماماً. وما الشاعرُ إلا مجموعة مياه في نهاية المطاف.

■هل اكتسبتَ تلك الخبرةَ من طقوس (( سلميّة )) كمدينةٍ بجسد متقمص لبيولوجية شعرية على مدار التاريخ؟

ـــ عندما تُعيدني أنتَ إلى مدينة (( السلميّة)) تكون كمثل من يدفعني لأخذ لقطة سيلفي أمام  (أبو الهول).فالسلميّةُ مدينةٌ شعريةٌ في مجرى الزمن،وهي التي أنتجت من ذلك القفر نجوماً ساطعة، تمردتْ على نفسها،لتشكلّ سلسلةً من الجبال اللغوية المنتجة لفعل الإبداع على طول المدى المستقبلي.

■هل من أجل ذلك قلتَ من قبل :(( أتأمل مستقبلي الملوي العنق بثغر الكأس ))؟!!

ـــ الخمرُ هو وعيّ الشاعر الوحيد للأرض وما فوق الأرض. للماضي المندحر وللآتي المتنازع عليه من قبل السيف والظلام وسلفيات العقل الحجري.

لذا،فإن كأسي هي عنقي الذي يمرُ به الهواء إلى حيث الوجود الموجود في اللغة وفي اللحم وفي الطبيعة التي نحاول إخراجها من الشيخوخة المبكرة.

■ كأنكَ ولِدتَ في كأس يا علي؟

ـــ أليس ذلك أفضل من أن تلدني أمي في غمدٍ يشخبُ بالدم؟

■ ولكن قل لي:كيف يمضي الخمرُ وقته في عروقك؟

ـــ كلّ قطرة من خمر،تمنحُ جسدي إشارة لاسلكيّة تختلف عن الأخرى.ولكنها تتجمع بالعروق في نهاية المطاف،لتمنحني نشوة الراديو.وعليك أن تعرف،ما معنى أن يتحوّل جسمك إلى راديو ببطارية من الكحول!

■ برأيك. هل توجد في القصيدة درجةُ غَلَيان؟

ـــ القصائدُ الفارغةُ من درجات الغَلَيان،ليست سوى أصوات لآلة موسيقية مقطوعة الأوتار. فدرجة الغَلَيان التي تتحدث عنها،هي نقطة ارتكاز الشعري داخل منظومة لغويّة كانت ميتةً قبل وصولها لتلك الدرجة الحارّة من معرفة العالم والانغماس بتفاصيله الحرجة.

■ إلى أي مدى ترى علي الجندي شاعراً بعيداً عن المنبر؟

ـــ أكره التهريج السياسي،ولا أعتبر المنبرية ضرورة شعرية إلا من أجل التصفيق فقط.

■ ولكن الغالبية العظمى من قصائدك الإنسانية،كانت مقنعةً بالدوافع السياسية التي عادة ما تتسبب بتحطيم بنية النصّ خيالياً، وجعله سرداً غير موفق إلى حدّ ما.

ـــ كان دافع الحرية سبباً جوهرياً وراء كلّ ما كتبته طوال حياتي. ومن كثرة التفكير بتلك الحرية،سرعان ما وجدت نفسي أشبه بطائر يقف على حبل غسيل، وهو يتأمل البشر ويقرأ في الأحداث بمرارة متطرفة.

■ هل يستطيع الشعرُ  تفريّغ الشاعر من الحطام والآلام والخسائر؟

ـــ أنا جرّبت ذلك ونجحتُ.عشتُ سنوات كادت تقارب القرن من الزمن. كلّ ذلك لأنني كنت أفتح حنفية الجسد،لتخرج منها نفايات التاريخ المؤلمة والقاتلة.وإلا ما كان لجسدي أن يتحمل كلّ تلك المصائب والأعباء.

■ هل حملت صخرة سيزيف يا علي؟

ـــ لم أكن بحاجة لصخرة أحد. كنت من جيل صخري، يمارس تفتيت نفسه بمطارق الحرية.ويمكنك أن تعتبر ذلك نجاحاً.فأن يقدر المرء على تفتيت صخوره بنفسه،فتلك مهمة ليست بالسهلة كما أظن.

■ ثمة من يتهم جيلك،بأنه خرج من رحم الخنساء، ولم تمكنهُ المازوخيةُ من الإفلات من قبضة النواح والنَدب.بعبارة أدق: كنتم قوافل إبلٍ للحُداء،ومن منشأ دراماتيكي مُصطنع؟

ـــ إذا كنا كذلك،ففضلُ ذلك يعود إلى صحارى العرب التي انتقلت من كل ما هو جغرافي،إلى كل ما هو بيولوجي، لتفيضَ الرمالُ بشراييننا حتى الاختناق. الشعر آنذاك،كان بمثابة جنازة يتبعها المقهورون تضامناً مع المصير الذي سيؤولون إليه في نهاية المسرحية.

■ وهل تظن أن المسرحية انتهتْ يا علي؟

ـــ لا. فالوصول إلى الموت بات أسهل. بل وفي زمن الحرب على سوريا،لم يُعدّ الموتُ عبئاً على الميت والحيّ،إنما صار صندوق بريد كلّ مخلوقٍ، يحاولُ الوصولَ إلى رغيف الخبز ما بين أطلال الزمن وخرائب التاريخ.

■ لمَ بقيتَ متشبثاً بشعر التفعيلة،دون أن تتخذَ خطوةً إلى أبعد من ذلك النظام الشعري؟

ـــ كنتُ خائفاً من قصيدة النثر،كأن أقع في فخ النُسْخة السّالِبة منها  بعد محمد الماغوط وأنسي الحاج وسركون بولص وآخرين من جيل الثمانينات وما بعده.

ذاك الخوف،وَلّدَ في نفسي إحساساً مضاعفاً بأن الفشل في هذه المنطقة الحرّة،ربما سيخفي كلَّ تلك المساحة التي حاولت الحفاظ عليها عبر تاريخي الشعري.

■ هل تعتبر نفسك من صقور الشعر أم من الحمائم؟

ـــ أنا بيضةٌ لم تفقس بعد. هكذا أشعر الآن.

■ كيف وصلت إلى أعالي السموات، ونزلت في هذا الفندق؟

ـــ ربما وصلتُ بأحد باصات نقل الركاب.لم أتذكر ذلك،لأنني كنت في درجة من الغَلَيان الخمري المختلط بالمعرفي والشعري النسوي.

■ هل واجهتكَ صعوباتٌ ما وأنت في الطريق إلى الله يا علي؟

ـــ حاولتْ طغمةٌ من الأسلاف اختطافي على الطريق،إلا أن بعض الملائكة سهلوا عبوري بواسطة عربة مجنحةٍ، تشبهُ العربات الأسطورية التي طالما قرأنا عنها في صفحات التاريخ القديم.

■ في السموات ويخطفون؟!!

ـــ لم أستغربْ من محاولتهم تلك، فأنا مخلوقٌ تراجيدي،عرفَ عادتهم التي تربوا عليها من كتب المرجعيات السقيمة التي تحاولُ اختطاف الناس، ومنعهم من الاتصال المباشر بخالق الأكوان في الغيب.

■ إذا تحدثنا عن درجة إيمانك، ماذا سيكشفُ لنا علي الجندي في هذه الآخرة؟

ـــ إن الشعر هو آخرةٌ مكتنزةٌ بالإيمان المثالي الذي لم يكن له مثيلاً على الأرض.

■ ألا تشعر بنوع من الاضطراب الروحي؟

ـــ لم تبق لي روح لم تنل منها النيران. لقد وصلتُ إلى الموت مكويّاً تماماً. لذلك لا أعاني من أية اضطرابات غير تلك التي تأتي من اللغة التي أنفخ في حرائقها على الدوام.

■ هل حصلتَ على عمل هنا؟

ـــ لا ليس بعد. فعملي الراهن،ما زال قائماً بالبحث عن النساء اللائي لم أجد واحدةً منهنّ في هذه الأمكنة التي مررت بها. وعندما سألتُ عنترة العبسي عن مكان إقامة النسوان،أخبرني بأنهنّ في الطرف الآخر من السماء. وللتفكير باقتحام أمكنتهنّ،يتعين علىّ وضع بعض الترتيبات الخاصة بالحبّ.

■ إذا كان علي الجندي ذئباً يكمنُ للمرأة في تلك الأرض القديمة : ((الشاعر وقد لسعته جمرة الخلق، يتسلل وحيداً إلى مخدع مرثيته التي يحب، يحضنها كالغزالة، يستحم برذاذ رائحتها النفاذة كالليمون، لتفرد على راحتيه أسبابها، ويتوارى خلف مكيدته الذئب. )) كيف سيكمنُ لهنّ في السماء؟

ـــ ليس قبل أن أجد امرأةً من تلك النساءات هنا.هذا سؤال سابق لأوانه.

■ أنت رثيت روحك بمزاج رائق يتمتع بموسيقى جنائزية:

عندما آوي إلى آخرتي المنتظرة،‏
امنحوني شكل موتي، رحلتي المنكسرة!‏
ودعوني أحتفي بالميتة المنفجرة،‏
واجعلوني أنتهي في صورة مبتكرة،‏
شيعوني أنا والنغمة في موكب صمت،‏
شيعوها لغتي المنتصرة..؟

ـــ لم أكنْ أرثي نفسي،بل فتحتُ نافذةً على العالم الآخر بالضبط. الموتُ نشوةٌ،قلّما يصلُ إلى ذُرْوتها أحدٌ  بفعل الذعر. وأعتقد بأنني ضبطتُ رائحة الرماد بلحظة دخول الموت إلى مجرى الجسد. جعلتهما يتحدان دون ذعر، ويكملان المسيرة من داخلي إلى خارجي الأبدي.

■ هل تعتقد بأن الحياة لهبٌ،والموتَ مطفأة له؟

ـــ لم أر في صفحات أيامي المنصرمة ما يوحي بأنني تخليت عن مصاحبة ذلك اللهب، حتى سميتُ من خرج من صلبي باسم (لهب) خرقاً للأعراف،وإيماناً مني بأن التابوات غير ملزمة بالنسبة لي.إلا أن ذلك اللهب الحياتي المحمول في أعماقي،لا يحتاج إلى مطافئ حكومية أو لأجهزة آلهة،تجعل تربة جسدي صالحة لزراعة السعادة والأماني والقصائد الباردة.

■ ثمة من يعتقد بأن علي الجندي،يمثلُ حياةً شعرية،أكثر من كوّنه نصاً من الشعر المنتج من مخيّلة بارعة.ما ردّك؟

ـــ ليس فيما يقولونه من خسائر أو عار.فأنا شاعرٌ خالٍ من النوايا السيئة، وكلما تقدمتُ في الزمن خطوةً،تكاثرتْ بداخلي الحياةُ كملايين من بيض البطارخ.فتلك الكثافة من البيض،يمكن أن يقفز منها البعض إلى الورق،ليتزوج بالقصائد.

■ هل وجدت نفسك في لحظة ما قرمطياً بحق؟

ـــ ليست الحياة ممتعة أو جوهرية بغياب العطر القرمطي.وعلى ما أدرك،فقد كنت قرمطياً في الباطن الشعري الذي يعكس رغبتي بالعدل والمساواة والتحرر من القيود والمرجعيات.فالقرامطةُ يجعلون الشعر ثقيلاً.

■ ولكن الشعر العميق برأي ((ولاس ستيفنس)) هو للفقراء والموتى على حد تعبيره.فما رأيك بتلك النظرة أنتَ؟

ـــ ربما تكون نظرته ثاقبة إلى حد ما.وربما لا قيمة لها أصلاً.فالشعر المعرفي المثقل بغبار الفلاسفة وحرائقهم،قد لا يجد له مقعداً بين الأحياء، ممن أفسدتْ عقولهم وسائلُ التواصل التكنولوجي.ولكنه في الجانب الآخر،ما كان ضرورياً حبس الشعر في صندوق خاص بفئة معينة،لأن الشعرَ عالمٌ مفتوح،وممتلئ بالأعيرة النارية والأدخنة والشرور والمسدسات إلى جانب الوردة وسرير الحب والتأمل الحرّ بمباني الأحلام،حتى لو كانت محترقة.

■ كلما دقق المرءُ بوجهك يا علي، تَراءت له صورتك بصورة ذلك الشريف في أفلام الكاوبوي.هل سبقَ وأن رأيتَ نفسك في مرآة على تلك الشاكلة؟

ـــ أجل.وكثيراً ما كنت مسحوراً بالممثل (كيرك دوجلاس) بطل أفلام الكاوبوي.ربما لست الوحيد من الشعراء  الصعاليك المتمردين الذين يتعلقون بالخيول والمغامرات وموسيقى الويسترن الغربي. فأعظم مهمة للشعر،أن تكون من قطاع طرق القراء النائمين على صحائف الندب.

■ هل التقيت بالشاعر محمد الماغوط في الجنة؟

ـــ كيف لي أن أجتمع به وهو في الجنة وأنا على أبواب النار؟

■ وكيف دخل الماغوط الجنةَ؟

ـــ دخلها اللعينُ بالواسطة. ليس لأنه ترانزستور مكثف العبادة،ولا لأنه عميق الإيمان صلاةً وصوماً وحجاً وجهاداً، بل كل ما هنالك، أن شفيعهُ عند الله،كانت زكاتهُ بقصيدة النثر.

■ ولم تتلقِ منه اتصالاً هاتفياً أيضاً.

ـــ كلا. فقد أخبرني ممدوح عدوان،بأن موبايل الماغوط،قد التهمتْ الحسانُ بطاريته مع كلّ المكالمات المسجلة القديمة. إلا أنه بعث لي بخبر يوصيني فيه بضرورة أن أقوم بارتداء الزِي الأفغاني،وأن أنتظر غودوت على باب الفردوس،فعسى أن يأتي صموئيل بيكيت الغامض،وهو يحملُ رايةً بالأسود والأبيض،فيتحقق حلم الحاضر- الغائب.

■ كأنك متَ لتعود إلى حياتك السابقة يا علي؟

ـــ منذ بواكيري الشعرية،وأنا أتلمسُ ذلك الازدحام الغنائي بالعدم. ومع ذلك،أصبحت خارج النعش. كنت طيراً ينزفُ تحت جلده، ويحلقُ تحت سموات المراثي دون حساب. بمعنى،أنني كنت في مجرى الكون منذ قِدم الزمان.

■  «لم يعد بيننا سوى: مرحبا آه يا امرأة.

فالقناديل أُخمدت والرياحين مطفأة.

أيّنا ضلّ دربه؟

أيّنا عاف ملجأه».

هل وجدتها في حالتها القديمة هنا..المرأة التي كتب لها ذلك أيام الأرض؟

ـــ ما زال الوقت مبكراً على ذلك حتى الآن. لكن،وعندما أجد تلك المرأة،سأرسل إليكَ بالأيميل وصفاً شعرياً جديداً عن وضعها.أما الآن،فأنا بلا نسوة. رجلٌ بائسٌ بعمق،يظنُ نفسهُ جالساً على كرسيّ من كارتون أمام رئيس هيئة المُحَلّفين في محكمةٍ تحيطُ بها النمورُ.