تيسير سبول

1935- 1968

شاعر

من مواليد الأردن/في بلدة الطفيلة

– حصل على إجازة الحقوق من جامعة دمشق

مات منتحراً

 

 

ببلوغرافيا:

(( أحزان صحراوية )) شعر  1967

 

محاولات:

(( أنت منذ اليوم )) رواية  1968

 

 

 

نقطة:

الكاتب والأديب الأردني الراحل تيسير سبول نذكره بكتاباته وبمواقفه وفكره وفي سياق من الأسماء المثيلة والمشابهة لهذا الرمز الذي وصل من العمق والمعاناة وحمل الهموم الوطنية والقومية أن أطلق الكلمة الأخيرة له على نفسه، والتي للأسف اتخذت شكل الرصاصة بعد قرار أنور السادات وقف إطلاق النار في حرب تشرين أول 1973 .

فقد كان طيب الذكر تيسير سبول يدرك كمثقف ووطني أردني عربي بعمق وإخلاص أية كوارث سياسية ستحل بالأمة العربية وأقطارها نتيجة هذا القرار. لم يحتمل الشاعر والروائي المرهف رؤية المقبل ولا إجحاف الحاضر، وان كان قد تحمل سخافة وتفاهة بعض أسماء من عاصروه وخيرا له أن فعل ذلك في هذه الناحية فقط أن ارتاح من مقاومة الانتهازيين الذين لا هم لهم سوى أنفسهم وأرصدتهم وجيوبهم ونجوميتهم وما يزالوا يكتبون أعمدة يومية ويجرؤون بوقاحة على إيراد اسمه في سياقات المنتحرين من الفقر أو العشق والغرام مع صبايا في سن بناتهم! مثل هؤلاء الذين يصلحون لكل زمان ومكان لا يعرفون من روايات وقصص ارنست همنجواي سوى أنه انتحر. ولا يعرفون من الأدب العربي أكثر مما يؤهلهم للنجاح بالانتساب في امتحانات جامعة بيروت العربية. وليس لديهم من الخبرة في شيء سوى الكتابة ولو عن أي شيء ما، كل يوم. وعلى رأي الزميل الكاتب والصديق الشجاع موفق محادين: «أصبحوا خبراء حركة سير لأنهم يكتبون عن المطبات».

تيسير سبول لمن قرأ له وعرفه حتى عن بعد دون أن يلتقيه شخصيا لا يمكن لأي مثقف وكاتب أن يورد اسمه ضمن سياق يقلل من شأنه إلا إذا كان الكاتب نفسه قليل الشأن في نظر نفسه ويريد التسلق على قامات الآخرين. تيسير سبول وكل من احبك ويحفظ لك مكانتك، نم هانئا بكل هدوء .. لأنك بمواقفك مازلت ترعب حتى اليوم هؤلاء، فكلما تذكرتك تذكرت غالب هلسا أيضا، أما الزبد فيذهب جفاء.

تيسير سبول وسياق الرجال

تيسير نظمي

 

 

 

 

 

طقوس:

 

 

الشاعر الانتحاري تيسير سبول

في كل سنة، وتحديداً في مثل هذا الوقت «التشريني»، تستيقظ صورة المُبدع الجنوبي تيسير سبول، في الوجدانيين العربي والأردني. هذا الروائي والشاعر الذي زلزل الساحة الثقافية الأردنية ضحى الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1973 حين وجه فوهة المسدس الى رأسه، ومات منتحراً.

وحينما تستيقظ الذاكرة ناهضة بحضور تيسير سبول، فإن هذا النهوض يؤكد كل سنة مكانته الابداعية المتميزة، وأهمية تجربته الكتابية، وريادته المبكرة في الرواية الأردنية الحديثة والتأسيس لها.

ولهذا سيظل مؤرخ الحركة الابداعية الأردنية يعتبر أن تجربة سبول الكتابية والحياتية كانت أحد أهم المفاصل التاريخية في الأدب الأردني.

وتأتي أهمية تجربة سبول من الوضع الذي كانت تعيشه الثقافة الأردنية والعربية في مطلع السبعينات من القرن المنصرم، كان الراحل سبول من الجيل العربي الذي دمرته الخسارة العربية الجغرافية التي خلفتها حرب حزيران (يونيو) 1967.

هذا الجيل الذي عاش على حلم الخطابات الرنانة والمتخمة بضجيج تحرير كل التراب الفلسطيني، كان عليه أن يكون أعزل من كل الأحلام عشية الاعلان عن وقف اطلاق النار، بعد أن قضمت اسرائيل في خمسة أيام أو أقل الضفة الغربية والجولان وسيناء.

وكان من الطبيعي غداة تبدد الحلم القومي، أن يقف سبول وكل من جايله ابداعياً في تلك المرحلة المرة، في المنطقة الحرجة من الوعي، أو لنقل في لحظة تعرية الوعي الزائف الذي ظل يغذي منطقة الوعي الكتابي بامكان النصر والتحرير وتحقيق الوحدة العربية الشاملة من المحيط الى الخليج. لحظة العُري هذه قادت الأديب الراحل تيسير سبول هو ومن جايله من الكتاب العرب في تلك المرحلة، الى الذهاب الى مساحة عدمية، كانت تتغلف بسوداوية فاتمة. وليس بغريب على الاطلاق أن يذهب الجيل الأدبي والابداعي العربي في تلك المرحلة، الى بئر الوجودية السارترية، التي كانت تطفح بغثيان «انطوان روكنتان» بطل رواية «الغثيان» لسارتر. وبـ «غريب» كامو، وبـ «اللامنتمي» لكولن ويلسن وبـ «جحيم» باربوس.

ومن يعاود قراءة المُنجز الكتابي الخاص بتجربة الراحل تيسير سبول، والرموز الابداعية العربية في تلك المرحلة لا بد من أن يلمس تلك العدمية التي كانت تُهيمن على المسارات الابداعية العربية وروحها.

تيسير سبول الذي توّجه مُدرس اللغة العربية في المرحلة الدراسية الابتدائية كصاحب أفضل موضوع إنشاء في المدرسة، كان يستعجل مساحة العمر المتاحة له كي ينهل من كل هذه القراءات، ويُسرع في تجربته الحياتية القصيرة ليذهب الى أبعد مدى في دراسة الفكر الاسلامي والعربي والعالمي، وليطلع على الأفكار الثورية الرائجة في تلك المرحلة، ويذهب في اللذاذات الروحية التي تمنحه اياها الكتابة.

لكن قارئ أعمال تيسير سبول الابداعية، لا سيما مجموعته الشعرية «احزان صحراوية» وروايته «أنت منذ اليوم» لا بد من أن يتلمس تلك النكهة السوداء والمريرة في الحبر الابداعي لتيسير سبول، لا بد له أيضاً من أن يُمسك بروح المرارة الطافحة من هذه الكتابة. تلك المرارة التي انتقلت من الحالة الكتابية، الى الحالة الحياتية ذاتها التي تخص الراحل تيسير سبول. ولعل المأساة حقيقة تكمن هنا، وتحديداً في تلك الحالة التي يتحول فيها الهم الجماعي الى هم شخصي.

لعل الصدق في التجربة الحياتية والكتابية التي عاشها تيسير سبول، هو ما جعله يصّوب في ذلك الضحى التشريني فوهة المسدس نحو رأسه ويطلق النار.

ربما هو الصدق ذاته الذي يجعلنا في كل سنة نحتفي بذكرى هذا الرجل الجنوبي الذي باغت رتابة أيامنا بتلك الطلقة التي ما زالت تمتلك هذا الصوت المدوي في ذاكرتنا الثقافة.

خليل قنديل

المصدر: جريدة الحياة

 

 

ظلال:

 

* أراد ان تمتد له يد صديق يثق به لمساعدته، ولم يكن هناك أحد فؤاد التكرلي يألف الأحياء، بمرور الزمان، فقدان أعزائهم وأصدقائهم رغم المرارة وصعوبة النسيان، غير ان الأمر يخرج أحياناً عن قضية الإلفة والنسيان، ويتحول الفقدان الى افتقاد يتكرر بين الحين والآخر، وقد يكون سبب هذه العودة الأثيرية للغائب هو وجود ارتباط على مستوى غير مادي بينه وبين أحد الأحياء الذين شاركوه في ماض ما، بحيث يجعل العلاقة مستمرة بين هذين المخلوقين رغم الفناء المادي لأحدهما. انا، مثلاً، لا تفارقني لمدة طويلة ذكرى «تيسير سبول» وصور لقاءاتنا القليلة. انه معي بشكل غامض من الأشكال.. لعلها تلك اللقاءات المتباعدة او لعلها رسائله اليّ او روايته الرائعة «انت منذ اليوم» أو أشعاره أو لعلها، آخر الأمر، مأساة انتحاره. كل هذه قد تكون أسباباً وثوابت في النفس، تبقي هذا الوجود الروحي الذي كان اسمه في الحياة المادية «تيسير سبول» تبقيه مضيئاً في أعماق ذاتي.

كان ضمن الوفد الأردني الذي حضر، في بداية سنة 1969، الى بغداد للاشتراك في مؤتمر الأدباء العرب. أراد ان يلتقي بي فالتقينا. قال:

ـ قرأت لك انصوصة «الدملة» في العدد الأخير من مجلة «حوار».

دهشت قليلاً ابتسمت وأنا أسأله:

ـ كيف تسنى لك ان تلاحظها وقد نُشرت بعد صفحات من قصة الطيب صالح الشهيرة «موسم الهجرة الى الشمال»؟

ـ لأني قارئ جيد، هذا هو السبب، وأريدك ان تتأكد من ذلك، وان تعطيني بقية أقاصيصك. وبمثل هذه الصراحة المحببة، افتتحنا، تيسير سبول وأنا، صداقة متينة، كانت قصيرة مع الأسف، تقوم على التفاهم والمشاركة العميقتين في الرأي والذوق كان آنذاك شاباً جاوز الثلاثين، يميل الى القصر وتبدو عليه التماعة الذكاء رغم مظاهر غامضة لمرض ما. قال لي بعد ذلك انه يشكو من احدى عينيه ويشك ان تكون مصابة بالسرطان. لم آخذ الأمر على محمل الجد.

صحبته بعد ذلك الى بيتي ذات مساء، وجلسنا جلسة عائلية أهديته خلالها نسخة من مجموعتي القصصية الأولى «الوجه الآخر».

عاد الى الأردن بعد انتهاء المؤتمر، ووصلتني منه بعد أيام بطاقة بريدية عليها هذه الكلمات:

«أخي الرائع، هذه هي البطاقة الوحيدة أرسلها بمناسبة العيد. في الأيام الأخيرة عدت أقرأك بشعور حميم للغاية. لقد ألجمتني الحياة وحتى عن رسالة للأعز من أشقاء روحي، وأتعرف ان لك فسحة دائمة بينهم. أذكر بيتك الصغير والوداعة اللطيفة الطيبة في حديقتك والتواضع العميق الذي تنثره على كل ما يخصك.

زوجتي بجانبي ونود ان تشعر أنت وزوجتك وأسرتك بأننا نذكركم باعتزاز… تيسير».

أرسل لي بعد ذلك بمدة قصيرة نسة من روايته «انت منذ اليوم» التي فازت بجائزة جريدة «النهار» البيروتية للرواية سنة 1968. قرأتها بشغف. هذه رواية استثنائية، كانت جديدة باتزان ولما تزل لذلك رغم ما يملأ الأفق الروائي العربي هذه الأيام من محاولات روائية أغلبها اجترار لا متعة فيه ولا حقائق ذات أهمية.

لفتت نظري منذ البدء لغة تيسير سبول الروائية. كانت دقيقة، كاشفة بحذر، مباشرة وذات جمال خاص، ووجدته، في روايته هذه يملك صنعة حقيقية ومبكرة.

يخلط تيسير سبول في «أنت منذ اليوم» ومنذ الصفحة الأولى، الأزمان والوقائع من اجل اظهار عورات مجتمعه وتناقضاته الصارخة. وهو عبر هذا الخلط المحسوب بدقة، يبني شكل روايته، ويقدم للقارئ صورة مكثفة عن هزيمة حزيران 67 المرة. انها صورة بارانومية ذات أبعاد ثلاثة: الماضي والحاضر والحالة النفسية. ولولا براعة تيسير سبول اللامحدودة، لما أمكن ضمن ستين صفحة فقط أن تقدم حياة «عربي» بأكملها.. منذ مقتل القطة الصغيرة وحتى تعليق الجنرال المقيت ذي العين الواحدة عن خصومه الذين حاربوا أفضل من سنة 1956 والذي فتح فيه للعرب باباً على «عصور الظلمة».

ان هذه الرواية هي عصارة لما فعلت الهزيمة في نفس هذا الكاتب ذي الحساسية الشديدة أمام انتمائه، وهي، بشكل او بآخر، عنصر مهم لفهم نفسية، وفهم بعض الأسباب الخفية لعمله المفجع الذي أقدم عليه بعد سنوات قليلة. كتبت له رأيي في روايته المتميزة واستمر التراسل في ما بيننا.

ومنذ رسالته الثانية المؤرخة 14/7/1969 لاحظت موقع الكتابة في حياته والقلق الذي بدأ يحسه لشعوره (الخاطئ بالتأكيد) بأنه قد نضب على المستوى الابداعي. كتب يقول:

«هل تتساءل معي ما جدوى حياة الانسان الذي خبر لذة الكتابة ثم يجد نفسه عاجزاً عنها؟ ليتك تساعدني في بحث هذه القضية. ماذا سنكتب؟ ان الكتابة اولاً وآخراً وجهة نظر شاملة! ما حقيقة وجهة نظر الانسان في ألف قضية مطروحة؟ هب انه افتعل موقفاً ايجابياً، ما قيمته اذا لم يكن سلوكه ايجابياً؟». هذه القضية لم تكن قضية بسيطة أو عابرة، فقد تكررت في رسائله بعد ذلك بصور مختلفة، وفي الأثناء أرسل لي مخطوطة اقصوصة عنوانها «صياح الديك»، وأخبرني انه نشر اقصوصة فكهة سماها «هندي أحمر» في مجلة الجامعة اللبنانية. لم تكن الأقصوصتان تملكان نفساً قصصياً ذا امتياز، ولعل تيسير سبول شعر بذلك قبل الجميع. حدستُ لديه ـ من الآراء النقدية الكثيرة اتي كان يضمنها رسائله ـ قابلية نقدية نفاذة حقاً أثارت اعجابي دائماً رغم اني لم أوافقه على كل آرائه.

في رسالة مؤرخة 5/10/1969 أخبرني بأنه سيزور القاهرة بمناسبة العيد في آخر السنة ويتساءل عن امكانية لقائنا. ثم يورد رأياً في مجموعة «النداهة» ليوسف ادريس. قال:

«النداهة.. هي القصة الوحيدة المقبولة وهي القصة المعنونة بهذا الاسم، وكان بالامكان ان تكون قصة جيدة جداً لو ان الكاتب كان اكثر جدية.. الحشو، التشتت، اللامبالاة في اللغة.. من بين الأسباب التي أساءت للقصة. اقرأه وقل لي».

أما في رسالته المؤرخة 6/11/96 فهو يشير الى القضية المهمة في حياته:

«والسبب المهم الآخر في قصة الحياة المضاعة ذلك السؤال الذي طرحت على نفسها بطلة قصة «الآخرون». كانت تسمع صوت اطلاق الرصاص في سكون الليل وتتساءل أين تقف هي من الأحداث؟ نعم أين تقف فعلاً؟ فيما يتعلق بهذا السبب أضع اللوم على نفسي لا على الظروف».

والتقينا في القاهرة أواخر سنة 1969، وكان لقاء سعيداً بالنسبة لنا نحن الاثنين، لكنه يقول عنه في رسالة وصلتني بداية 1970:

«لم أرك في القاهرة، لم أتحدث اليك. كيف تجري الأمور هكذا. لحيظات مسروقة: الأطفال. البياتي. مرسي… الخ».

ثم يبدي رأيه بأقصوصة «خطوبة» لبهاء طاهر ويراها جيدة، وكان قد قابل ادوار الخراط وأخذ منه مجموعته القصصية «حيطان عالية» ووجد اقصوصته هذه أفضل ما في المجموعة أكثرها نضجاً.

لم يخطر لي، بعد لقائنا في القاهرة، ان ذلك اللقاء سيكون آخر مرة أرى فيها تيسير سبول، كما لم انتبه الى جدية فقرة وردت في رسالته المؤرخة 16/1/70 «لا أكتب ولا أستطيع التفكير بالكتابة. ان شعوراً حادا بعدم الاستقرار يستولي عليّ وعبثاً أحاول في مثل هذه الظروف النفسية ما يسمى بالخلق». كانت العناصر التي دفعت الى فاجعة الانتحار، تتجمع بخفاء حول تيسير سبول، فحساسيته الفائقة بانتمائه الى أمة العرب وما يحمله هذا الانتماء من مشاعر بالاحباط والهزيمة واليأس، كانت قوية بشكل مدمر. يُضاف اليها ما يخلفه في النفس ادراكنا الفردي بتعطل القابليات الخلاقة وبالعجز عن ممارسة الكتابة الابداعية.

كل هذه المواقف يمكن ان يصبر عليها الانسان وأن يتجاوزها بارادته وبمضي الوقت، غير ان الأمر لم يحدث هكذا مع تيسير سبول.

كانت الرسائل بيننا خلال سنتي 71 و72 لم تزل مستمرة ولكن بوتيرة بطيئة، ومن احداها أعلمني بعودة المرض الى عينيه، وكنت آخذ طلبه بأن نلتقي لنجلس نتحدث حديثاً طويلاً حميمياً، مأخذاً عادياً لا عجلة تدعو اليه. غير أني، الآن، أشعر بأنه كان على حافة هاوية غير منظورة، وان يدرك، بشكل خفي ربما، الخطر الذي يختفي في زاوية من نفسه، فأراد ان تمتد له يد صديق يثق به لمساعدته، ولم يكن هنالك أحد مع الأسف. كنت انتظر رسالة منه في خريف سنة 1973، حينما قرأت، صدفة، خبر انتحاره.

لم تفارقني الصدمة التي شعرت بها حين قراءة الخبر، وما زلت غير سليم النفس من آثارها. لقد حوصرت تلك الروح الحساسة البريئة بين براثن آلات هرس متنوعة المستويات: كان هناك الادراك المضني بالعجز عن الخلق وكانت آفاق حرب اكتوبر ممتلئة بأشباح هزيمة أخرى وكان الاحباط حوله يسدّ عليه كل طرق الأمل والنجاة، فلم يجد الحل ـ واحسرتاه ـ إلا في طلقة مسدس.

لقد انقذ حياته بعد هزيمة 67 بكتابة «أنت منذ اليوم» إلا انه وعلائم ما ظنه هزيمة أخرى تبدو لعينيه، لم يجد ما ينقذ به ذاته، فقد خانته أمته وخانته موهبته.. فانغلق الباب عليه.

تيسير سبول.. خيانة الأمة والكتابة وفاجعة الانتحار

فؤاد التكرلي

http://aawsat.com/details.asp?section=19&article=41263&issue=8224

 

 

 

:هامش

 

ظاهرة الانتحار لا تتفشى في الأمة بسبب هزائمها الخارجية على يد الأعداء الخارجين، مهما كانت فداحة الهزائم وضراوة الأعداء.

ظاهرة الانتحار تعبير عن نزيف وتشقق داخلي يُباعد بين خلايا النفس الجماعية للأمة، فتصبح كل خلية بمعزل عن الأخرى، وينتابها الشعور بأنها قد تم التخلي عنها، قد تم هجرها، قد حوصرت وتقطعت شرايين اتصالها بالخلايا الشقيقة في النسيج الداخلي المحيط بها … عندها تبدأ رحلة الانتحار … كما تتساقط الأوراق الصفراء من الشجرة الأم .. وما الانتحار في نهاية الأمر؟

هو ذروة الحرب الأهلية داخل النفس الانسانية .. والتعبير النهائي عن تدمير جزء من الذات الواحدة للجزء الآخر منها.

وهذه الحرب الأهلية تبدأ عندما تشعر النفس إن الأهل قد تخلوا عنها ولكل نفس أهلها الذين تعتبرهم أهلاً .. فالانسان العادي أهله أسرته .. والانسان ذو الشعور الوطني أهله مواطنوه .. والانسان المفكر أهله حاملو فكرته … والانسان الداعية أهله جند دعوته .. والانسان المقاتل أهله جند رايته …

وطالما أن «أهل» كل نفس انسانية بهذا المعنى محيطون بها احاطة السوار بالمعصم .. وهي ثابتة بينهم في موقعها الطبيعي الذي ارتضته لنفسها وارتضاه أهلها لهان فإن أية معارك خارجية لا يمكن أن تؤثر فيها داخلياً .. ولا يمكن أن تفتح لها جبهة صراع داخلي، بل على العكس من ذلك يدفعها التحدي الخارجي على يد الأعداء الخارجيين إلى مزيد من التلاحم مع خلاياها الشقيقة في النسيج الداخلي للجماعة والأهل.

ـ مسيرة الانتحار:

من هنا فإن ظاهرة الانتحار لا تتفشى في أمة مندفعة إلى قتال أعدائها، مصممة على التصدي لهم، مهما كانت ضراوة المعارك.

مسيرة الانتحار تبدأ عندما تدخل الجماعة في حالة أطلق عليها في القاموس السياسي والصحفي العربي: «حالة اللا سلم واللا حرب».

اللا سلم واللا حرب هي أفضل بيئة لتفريخ الانتحار والمنتحرين. وإذا ما قررت جهة قضائية عربية ملاحقة قضايا الانتحار الأخيرة في العالم العربي، والبحث عن الجاني الحقيقي، فإني أتقدم برفع الدعوى على .. كائن مشبوه اسمه: اللا سلم واللا حرب!

قبل اللا سلم واللا حرب لم نكن نسمع بحوادث انتحار في عالمنا العربي ومنذ أقبل علينا هذا الكائن أقبل معه الانتحار من المشير عبدالحكيم عامر إلى عبدالكريم الجندي إلى تيسير سبول إلى خليل حاوي إلى راشد الخاطر .. على اختلاف المواقع والمواهب والمسببات التفصيلية والخلفيات الجزئية.

في ظل اللا سلم واللا حرب، أي اللا استقرار واللا معركة، يبدأ النسيج الداخلي لخلايا الأمة بالتفسخ .. فتريد بعض الخلايا أن تحارب بأي ثمن … وتجنح بعض الخلايا إلى أن تسالم بأي ثمن .. وتبقى معظم الخلايا في حالة اللا مبالاة .. (وهذه الخلايا أيضاً تتفسخ وهي لا تدري متوهمة أن اللا مبالاة ستنقذها من حتمية القرار. فتقرر لها الأحداث الهاجمة مصيرها وهي تتفرج على سكين الجزار).

في هذا التيه المتشعب الاتجاهات بين محاربة ومسالمة ولا مبالاة تدخل كل خلية صحراءها المنعزلة الخاصة بها .. وتتقطع طرق التواصل والتعاطف والتعاون بينها وبين خلاياها الشقيقة الأخرى .. وتبدأ تنسح من إفرازاتها الذاتية المرضية شرنقتها المغلقة من جميع الاتجاهات بلا أبواب ولا نوافذ ولا سبل سالكة باتجاه الآخرين من الأهل، وما تلك الشرنقة في حقيقة الأمر سوى حبل الانتحار وكفن النهاية.

ـ قافلة منعزلة تائهة!

في ظل هذه القطيعة للذات عن أهلها، بمفهوم «الأهل» الذي أشرنا إليه في البداية، تصبح النفس الانسانية كالجسم الذي فقد حصانته الأساسية المركزية ضد الجراثيم والعدوى.

أما الحادث المباشر المؤدي عادة لتنفيذ الانتحار، والذي يتصور الناس أنه هو السبب، فليس في حقيقة الأمر سوى القشة التي قصمت ظهر البعير .. البعير الحامل لأثقال الحياة، المحتمل لصراعاتها داخل النفس الانسانية.

وتبقى حالة القطيعة التي وقعت فيها النفس هي السبب الحقيقي .. أما الحادث المباشر فلم يكن سوى قاطع الطريق الذي هجم على قافلة منعزلة تائهة في الصحراء فوضع حداً لسفرتها الضالة التعسة. فالنفس في الحياة قافلة مسير يتحدد مصيرها بخارطة السير.

وجوهر الشعور بهذه القطيعة لدى الفرد الذي يحمل مشروع الانتحار في حقيبته النفسية الداخلية، هو إحساسه الملح، الفادح بأنه قد تم التخلي عنه من أقرب المقربين إليه .. من عزوته وعصبته وأهل نصرته .. من الذين ظل يتصور مدى العمر أنهم معه وأنه معهم، بغض النظر عن الأساس الموضوعي لهذا الشعور. المهم أنه شعور قائم في النفس بقوة ومسيطر عليها (تأمل مثلاً في علاقة المشير عامر بالرئيس عبدالناصر .. كيف بدأت واستمرت .. وكيف انتهت بعودة عبدالناصر إلى القيادة، أي إلى الأهل، بالمعنى الذي حددناه وبقاء المشير بعيداً عن «أهله» «في الظل» أي في القطيعة، على طريق الانتحار .. مع تضخم أحاسه بأن أقرب المقربين قد تخلى عنه .. ).

وعلى كثرة عوامل الانتحار وتشابكها، فإني أرى بأن الإحساس بالتخلي هذا من جانب أحب الناس إلينا، هو العامل المشترك والقاسم الأعظم بين مختلف حالات الانتحار .. من المحب الذي ينتحر لأن حبيبته قد تخلت عنه .. إلى القائد الذي ينتحر لأن رئيسه وجنده قد تخلوا عنه إلى الشاعر الذي ينتحر لأنه يتصور بأن أمته قد تخلت عن مبادئها التي هي مبادئه وجوهر كيانه .. بعبارة أخرى أنه «التمزق في علاقة الذات بالجماعة» كما اتضح في الارهاصات الأدبية لانتحار تيسير السبول ـ (راجع دراسة خليل الشيخ).

ـ «مهيار وجه خانه عاشقوه!»

هذا الشطر الشعري للشاعر أودنيس في ديوانه «أغاني مهيار الدمشقي» يمكن أن نستعيره من موضعه، لنلخص به العامل المشترك في كل انتحار أو مشروع انتحار.

«مهيار وجه خانه عاشقوه .. » تلك هي خلاصة القضية .. ولنلاحظ أن الذين خانوا مهيار هم «عاشقوه» وليس «أعداؤه» فخيانة الأعداء تحصيل حاصل .. أما خيانة العاشقين .. فذلك ما تقتل النفس نفسها من أجله!

والعاشقون كما قلنا ليسوا هم أهل الصبابة الغرامية بالضرورة فهم ما شئت بالنسبة لمن شئت .. من الجند للقائد .. إلى القراء المخلصين للكاتب … إلى المواطنين للوطن .. إلى الدعاة لصاحب الدعوة.

والمنتحرون العرب تكاثروا .. لا لأن العدو متطاول، ولكن لأن الحبيب متخاذل .. !!

* * *

من بين المنتحرين العرب الأربعة الذين ذكرتهم في بداية المقال، أعرف «خليل حاوني» عن كثب وبشكل شبه حميم.

عرفته أيام الجامعة، كنت طالباً وكان أستاذاً، وعرفته بعد ذلك صديقاً ومحاوراً، وكتبت نقداً لبعض أشعاره في مجلة «الآداب» وغيرها، وتنامت بيننا صداقة مودة مع صداقة الفكر.

وليس هنا مجال الاسهاب عن خليل حاوي الانسان والشاعر الذي أعرف.

ولكني فقط سألمح إلى خليل حاوي كمشروع انتحار .. كان مصدر الألم لخليل حاوي على الدوام هو ذلك الاشكال الصميمي الذي عبر عنه أدونيس بعبارة: «مهيار وجه خانه عاشقوه» ..

وبالنسبة لخليل حاوي فقد «عشق» هؤلاء:

1 ـ عشاق الشعر واهل النقد والفكر، أي الأدباء والمفكرون العرب بعامة.

2 ـ الأمة العربية بحضاراتها الشاهقة التي ظل خليل يؤمن بأنها ستنبعث من جديد، بعد عصور الجليد، حية موحدة فاعلة .. وقد تخطى خليل بهذا الإيمان مسيحيته التقليدية الموروثة، كما تخطى التزامه القومي السوري، وراهن على العروبة بكل ما يملك من أعصاب شاعرية متوترة، ونفس جبلية عنيدة وحساسية مفرطة وأخلاقية مستقيمة كحد السيف ..

3 ـ أهل ضيعته الجبلية الذين عمل معهم «بناءً»في صباه ومطلع شبابه قبل أن يلتقح بركب الدراسة متأخراً بعض الشيء (ولكنه نال الدكتوراه في الأدب من جامعة كيمبردج غير متأخر) وقد ظل خليل معتزاً بهل الضيعة الجبلية لا عن تفاخر محلي إقليمي ولكنه ظل يعتبرهم رمزاً للأصالة اللبنانية الضائعة في وجه طغيان الموجة التجارية السياحية الانخلاعية التي أغرقت بيروت وصارت تزحف إلى الجبل. وكان خليل يتحدى دائماً النماذج الانخلاعية في الفكر والسياسة والتجارة والأخلاق والحياة الجامعية، بنماذج الأصالة الجبلية .. وكانت كلمة السر دائماً في حربه هي «الأصالة» في كل شيء .. ضد «الزيف» في كل شيء .. ومنه تعلمنا المعنى الحضاري لهذه الكلمات.

وباختصار، فقد كان «أهل» خليل: أدباء العربية، والأمة العربية، والضيعة الجبلية الأصيلة.

ـ رسالة انتحاره:

وتساقط هؤلاء الأهل، في نظر خليل، واحداً بعد الآخر .. أدباء العربية ذهبوا أيدي سبا بين خائف ومتواطئ وسمسار ولم يبق إلاّ النادر من أهل الشعر الأصيل والفكر الأصيل الذي عاش من أجله خليل.

و «تعهرت اللغة» كما قال في رسالة انتحاره .. أصبحت تُباع وتُشترى .. وفقدت شرف الصدق.

أما الأمة العربية فنعرف ما حلَّ بها. وإذا كان المواطنون العاديون اليوم يشعرون بعبء المأساة .. فإن خليل كان يُذبح كل يوم بألف سكين بين سقوط الكلمة، وسقوط الأمة، وانحسار الأصالة الجبلية.

ثم جاءت ثالثة الاثافي، كما كشف طبيبه في حديث خاص بعد شهور من انتحاره، بحادث سرقة بيته العائلي القديم في ضيعته الجبلية! وكما ذكر الطبيب، فإن هذا الحادث كان له وقع الكارثة عليه «معنوياً» .. حدث هذا قبل انتحار خليل بأيام. وكان ذلك يعني آخر غدر من آخر أهل .. أفبعد كل هذا الإيمان بالأصالة الجبلية يسرق بيت خليل حاوي في ضيعته .. من أحد أبناء الضيعة؟!

مَن بقي إذن من «الأهل» لدى خليل حاوي؟ على صعيد الشعر والكلمة: المتنبي اشتراه كافور.

وعلى صعيد القومية: إسرائيل اصطادت كافور باسم السلام .. وعلى صعيد الضيعة .. انتحرت الأصالة بسرقة بيت الشاعر، وبقاء بيت السمسار عامراً!

ولم يبق غير الانتحار. فالأحبة شطر النفس وعندما يذهب شطر يسقط الشطر الآخر. هكذا ـ إذن ـ لا ينتحر منتحر إلا بفجيعته في أعز مَن يحب وفي آخر مَن يحب، ولا تخلو رسالة منتحر من مغزى: «مهيار وجه خانه عاشقوه».

فيأيها المحبون كونوا حيث أنتم من أحبابكم، زمن تساقط الأحباب، كي لا يكثر في أمتنا الانتحار .. فهي لم تعرف في تاريخها عادة الانتحار .. لم تعرفها من قبل، قط!

نعم .. لاحظ المستشرقون باستغراب أن الأمة العربية المسلمة لم تعرف في تاريخها ظاهرة الانتحار كما عرفتها الأمم الأخرى ..

ولا غرابة في الأمر، فالاسلام حرم قتل النفس .. إلاّ بالحق.

وتدل الإحصاءات العالمية المقارنة إلى وقت قريب على أن البلدان الاسلامية تتميز بانخفاض نسبة المنتحرين فيها قياساً بسواها من بلدان العالم الثالث المماثلة لها في المعيشة ونوع المشكلات.

وقد كتب سامي الجندي في كتابه «عرب ويهود» عن أول حادث انتحار في مرحلة ما بعد حزيران، وهو حادث انتحار المشير عامر، بقوله:

«كان حادثاً استثنائياً ونذيراً بتحول ذهني غير معهود في طبيعة هذه المنطقة»وقد صدق الكاتب حقاً في حدسه هذا.

فطبيعة منطقتنا العربية الاسلامية هي طبيعة توحيد على كافة مستويات الوجود والحياة، من توحيد الخالق الأعظم سبحانه إلى التوحد مع الأهل والعشيرة .. أهل العقيدة، وعشيرة الوطن الكبير.

وبفضل التوحيد، في وجه الثنائية وصراع الأضداد، تشيع في صميم الفرد والجماعة حالة من الاتساق والطمأنينة الداخلية، والانسجام مع النفس، تخفت بفضلها حدة التوتر النفسي والعقلي، وتغدو الحضارة حضارة انسجام وتوفيق، لا حضارة صراعات، وتضمحل لذلك ظاهرة الانتحار. (وهذا طبعاً في الأحوال الطبيعية لحضارتنا، لا في الوضع الراهن).

والمستشرقون الذين فسروا اختفاء المسرح التراجيدي من الحضارة العربية بأنه قصور في الخيال الفني، لم يدركوا جيداً أن التوحيد ينقض التراجيديا، أي صراع الأضداد في الوجود، وهي الفكرة الأساسية لمسرح التراجيديا».

وهكذا يمكننا القول إن اختفاء فن التراجيديا في تاريخ الاسلام، هو مظهر آخر لغياب ظاهرة الانتحار في المجتمعات الاسلامية.

فالاسلام، في العقيدة وفي السلوك الفردي والجماعي، يرفض الثنائية أو التعددية من مانوية فارسية أو تراجيديا أغريقية، ويطرح التوحيد، بديلاً لصراع العناصر المتضادة في الوجود، فيتآلف الفرد مع الكون، ويتآلف مع «الأهل» ومع المجموع البشري ككل، فتتلاشى بذور الانتحار لديه منذ البداية ولا يتعرض لامتحان تراجيدي.

أضف إلى ذلك أن الإسلام يعني في جوهره الكوني الوجودي العميق الاستسلام الحكيم لارادة الله في كل شيء: (قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا) والاستسلام للارادة الالهية فيما لا نقدر عليه. ولا نستطيع تغييره هو لب الحكمة الكونية، فهل بامكان فرد واحد، في لحظة زمنية، تغيير طبيعة الكون وسنن التاريخ وقوانينه الفاعلة منذ آلاف السنوات؟ وماذا سيجدي انتحاره في تغيير ذلك كله؟

وعندما يتحدث المفكرون المعاصرون عن «حتمية التاريخ» و «حتمية القوانين الطبيعية»، فإنهم يقولون للفرد الانساني، بلغة مختلفة لفظاًً، ما قاله الاسلام للانسان من قبل: «هناك ارادة عليا في الكون فوق رغباتك وآمالك. وعليك أن تدرك بوضوح الخط الفاصل بين ما تستطيع تغييره وما لا تستطيع». والاستسلام للارادة الإلهية في الاسلام هو غير الاستسلام للظلم والخطأ والجور. فهذه مظاهر ضد الارادة الإلهية والمسلم المعتمد كلياً على تلك الارادة ولا يخشى إلاّ الله يتحول حرباً على مظاهر الظلم والجور. وإذا كان الانسان متيقناً أن الله معه، وانّه مع إرادة الله، فمن يستطيع أن يقف في وجهه؟.

ـ هؤلاء الجند .. مَن هم؟

وهكذا تتحول التضحية بالذات لدى المسلم إلى مقارعة الظلم والخطأ لنيل الشهادة، ويتحول الاستسلام العميق للارادة الإلهية إلى قوة هائلة تدفع المسلم إلى ساحة النضال بارادة لا تلين وعزم لا يعرف التراجع:

(وإن جندنا لهم الغالبون). ومَن هم هؤلاء الجند المتقدون على الانتصار والغلب؟ هم الذين استسلموا بداية لارادة الله استسلاماً كاملاً فحررهم هذا الاستسلام الكوني العميق من كل عبودية وقيد في هذه الدنيا المتقلبة المتغيرة، المحدودة، وهذا معنى: إن قبول القدر هو الحرية الحقيقية!

وهكذا تتحدد العلاقة،وتتوازن المعادلة بين الاستسلام لارادة الله، من ناحية، والقدرة على التغيير والعمل والنضال من ناحية أخرى.

وتأتي الآية القائلة: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) والحديث القائل: «مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده … الخ» ليكملا الوجه الآخر للآية السابقة: (قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا)، ويصبح القدر هو الحرية.

وفي ظل هذا التوازن بين الاعتماد على الله، والاقتدار في الحياة لا تجد بذور الانتحار مجالاً للنفاذ إلى نفس المسلم.

ـ الاسلام والتضحية بالنفس:

وإذا كان علماء النفس يذهبون إلى القول أن التضحية بالنفس أي النزعة الانتحارية، كامنة في أعماق الانسان وتبرز في أوقات التأزم والأخطار والمهانات، فإن الاستشهاد في الاسلام هو الذي يلبي نداء التضحية بالنفس ويحول النزعة الانتحارية إلى قوة نضالية فاعلة ..

وإذا كان الانسان مستعداً للتضحية بنفسه .. فلماذا لا يدمر بهذه التضحية عدوه أو قيوده .. بدل تدمير ذاته؟

لماذا لا يستشهد .. بدل أن ينتحر؟

هذا سؤال جوهري وأساسي وحتمي أمام كل نفس عربية تشعر اليوم بعمق الكارثة وتطمح إلى التضحية بذاتها للرد على المهانة.

وقد لاحظت من رسائل القراء وتعليقاتهم في عدد كبير من الجرائد والمجلات العربية، على حوادث الانتحار العربية الأخيرة، إن الفكرة الجامعة بينهم هي رفض الانتحار وتقديم الاستشهاد بديلاً مشرفاً عنه. لماذا ندمر أنفسنا .. ولا ندمر عدونا طالما قررنا أن نموت؟

ذلك سؤال في منتهى البساطة والعفوية .. وفي منتهى الصواب والعمق.

والاجابة السليمة عليه تتطلب ألا يجد الانسان العربي نفسه دائماً بين عدو متطاول وحبيب متخاذل .. وأن يشد الأحبة العرب ـ أحبة الحق وأحبة الحياة وأحبة الكرامة ـ ازر بعضهم بعضاً ..

وإذا كان يراد دفع أمتنا إلى الانتحار، فإنها تستطيع الرد بالاستشهاد .. فعندما لا يكون خيار إلا بين أن يذبحك عدوك وأنت نائم في دارك، وبين أن تنتحر في دارك من شدة القهر، وبين أن تقاتل وتموت وأنت واقف في واجهة الدار ..

فهل من داع لإضاعة الوقت في البحث عن الخيار الأسلم؟

إنّ الجواب الحتمي، في هذه الحالة، أوضح من الشمس في رائعة النهار. وكل عربي يحمل اليوم مشروع انتحار، عليه أن يتذكر بأنه قادر على تحويله إلى مشروع هادف.

 

المنتحرون العرب … مَن المسؤول؟

* د. محمد جابر الأنصاري

http://www.balagh.com/islam/6n0z1u7z.htm

 

ظلال:

نُدرة من المبدعين الكاتبين، أو غير الكاتبين، قد يشقّ على القارىء في مستوىً معيَّن من التلقّي، وعلى الدّارس في مرحلة ما من مقاربة أعمالهم نقديًّا، انتشال نصوصهم – ولو على سبيل التّجريب – من سطوة ظلال سيرهم، وعزل هذه النّصوص عن تضاريس شخصياتهم في مسارها الحياتيّ، وفي عمق مكوّناتها الاجتماعيّة والثّقافيّة وخصائص نسيجها النّفسيّ وعلامات تجاربها الفكريّة، والتّعامل بعدئذٍ مع منجزها الإبداعيّ ضمن أُطر فنيّة خالصة (من هؤلاء على سبيل المثال – أردنيًّا: عرار، وغالب هلسا، وتيسير سبول، ومؤنس الرزّاز).
لكنْ، وبصرف النّظر عن مقايسة مثل هذه القراءة بمساطر المناهج النّقديّة المعروفة من تاريخيّة أو نفسيّة أو أيديولوجيّة، أو حتى انطباعيّة؛ فإنَّ اللجوء إلى مناهج النّقد الحداثيّة وما بعد الحداثيّة التي يلغي بعضها المؤلِّف ويُعلي من شأن النّصّ وحده، ويتعامل معه بوصفه كينونة مستقلّة قائمة بذاتها، مقطوعة الأطراف والوشائج، لا يُقصي تلك السطوة تمامًا، وإنْ غُيِّبت في الظّاهر. ذلك أنَّ نوعيّة النّصوص التي نعنيها هنا تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرَّد تبنّي منهج بعينه أو المزج والاستفادة من أدوات نظريات ومناهج نقديّة مختلفة، حتى لا يبدو المزج سهولة مواربة ومنفذ هروب من إشكاليّة تأويلها وتفسيرها وإضاءة منحنياتها وثنياتها ومكنوناتها إلى أبعد الحدود الممكنة.
لقد سبق أن انتهى شيخ النّقاد العرب، الرّاحل د. إحسان عباس، بعد دراسة طويلة متباينة المناحي (أحيانًا) – كما يقول – بين مؤثّرات الدراسات النّفسيّة “الفرويدية” والنّقد الجديد، إلى رؤية مؤدّاها “أنَّ كلّ عمل فنيّ هو قاعدة في ذاته، تنتزع من النّاقد المنهج والأحكام التي تليق أنْ تُطبَّق عليها”(1). وهو، وإنْ كان يتحدث هنا عن حصيلة تجربته في نقد الشِّعر خصوصًا، فإنّه يوسع من أُفق النّظر النّقديّ إلى أجناس أدبيّة وفنّيّة أُخرى، ويقعِّد للنّصوص من دواخلها، دون أنْ تبدر إشارةً في قوله إلى تحييد مصادر النّصوص/ مؤلِّفيها، ودون حاجز أمام الاستفادة من مختلف زوايا النّظر، قديمها وجديدها على السواء. إنّها رؤية يُطمأن إلى السّير في ضوئها من حيث أنها لا تبتر شرايين النّصوص ولا تسدّ منافذ تنفّسها، وتفقدها أوكسجين المؤثّرات الخارجيّة الذي يُضخّ فيها ويشحذ عناصر سيرورتها.
من هنا، فإنَّ تناول أعمال تيسير سبول (1939-1973)، وإعادة قراءة إبداعاته في الرّواية والقصّة والشِّعر، والنّقد أيضًا، يكشفان لنا أنَّ أي منهج من المناهج النّقديّة بوحدانيّته يقصُر نوعًا ما عن تلمُّس سُبل بلوغ مرتقى استشراف القيم الإنسانيّة والفنّيّة والفكريّة والأدبيّة التي تختزلها روايته “أنت منذ اليوم” (دار النّهار، بيروت، 1968)، أو ديوانه “أحزان صحراويّة” (دار النّهار، بيروت، 1968)، أو سائر ما كتب من قصص ومقالات ودراسات وأحاديث إذاعيّة، ضمّ معظمها النّاقد د. سليمان الأزرعي محقِّق كتاب “الأعمال الكاملة لتيسير سبول” إلى الرواية والديوان في هذا الكتاب(2). فسطوة ظلال سيرته وتجاربه الفكرية ومواقفه وردود أفعاله الدّاخليّة تتشابك حدّ الانصهار في ملامح شخصيّة “عربي” بطل الرواية، وتكاد أحزانه الصحراويّة تجسمه صورةً وصوتًا وفكرًا في فضاء صوفيّ خاصّ به ضمن الكون الشِّعريّ.
وكما يقول الشّاعر والنّاقد عبدالله رضوان في مستهلّ قراءته الحصيفة للبنية والخطاب في رواية “أنت منذ اليوم”، فإنَّ “الأعمال الأدبيّة المميّزة هي الأعمال التي لا ينفذ إليها النّاقد بسهولة، لأنّها تربك دارسها في تعدُّد مساراتها، وفي تعقُّد مقولاتها، وفي تشابك بنائها، وفي كونها لا تصل إلى دارسها بسهولة، بل إنَّ أية دراسة لها لا تكاد تحقِّق إلاَّ إضاءة لأحد جوانبها”(3)، وهكذا هي قراءة تيسير سبول غالبًا.
تبقى هذه مجرَّد إشارات خاطفة إلى ما أفاضت به دراسات كثيرة حول أدبه وشهادات عدّة كتبها أصدقاؤه وعارفوه عنه، تحليلاً وتقصّيًا وتأويلاً، على مدى أربعة وثلاثين عامًا مرَّت على انتحاره منذ عصر الخامس عشر من تشرين الثاني 1973. وما يزال إبداع تيسير مدار أوجه عدّة من الدّرس والمناقشة والبحث؛ إذ لم يعد من الممكن بعد صعقة حادثة انتحاره القول بأنَّ هنالك ما يبرِّر الفصل بين سيرته الشخصيّة ونصوصه، حتّى وإنْ حشر البعض أسباب الانتحار في زاوية الخيبة السّياسيّة في أعقاب هزيمة 1967 ليس إلاّ، وبعض آخر أرجعها ببساطة إلى المعاناة من آلام مرض الصفراء الراجعة في عينيه، وبعض ثالث ذكر فيما ذكر من الأسباب خشية تيسير من العجز والشيخوخة (!) ؛ حتى وإنْ بقي الانتحار لغزًا يحتمل المزيد من محاولات التّفسير والكشف عن غوامضه، عن طريق التّحليل الأدبيّ وارتياد أغوار الأسئلة والقضايا والمواقف التي يثيرها أدبه في الحياة والوجود والحب والموت، في غليان الوعي، وفي مرجل فواجع الغربة لدى الإنسان العربي في هذا الزمان .
وإذا كانت “أنت منذ اليوم” وشعر تيسير قد استأثرا بالحصيلة الأكبر مما أنتج الدّارسون والنّقاد من كتابات حوله، فإنَّ أدبه النّقدي التّطبيقيّ ما تزال الأضواء في اتجاهه خافتة، رغم ما يختزنه من التماعات ذلك التداخل السّلس تارةً والمُربك تارةً أخرى بين سيرة النّاقد في خطّها العريض المُنتهي بيولوجيًّا برصاصة الانتحار، وبين ما أعقب ذلك من خطٍّ عميق إنسانيًّا عبر ترِكة تيسير الإبداعيّة والأدبيَّة، وهو خطّ مستمرّ حتى يومنا هذا بعد أنْ أخذ شكل دائرة مغتنية بدوائر داخلها أعمق وأعمق في الدلالات، ومحمّلة بمكامن شديدة المباشرة أحيانًا في الإفصاح والوضوح عن روح تجربة هذا الأديب في سيرته بمجمل أبعادها.
بيُسر فسَّر لنا صديق تيسير المقرَّب الأديب رسمي أبو علي نقطة ارتكاز هذه الدائرة من خلال عبارة بسيطة كان يردّدها تيسير: “(تِك) وينتهي كلّ شيء في لحظات “… و(تِك) هذه تلخِّص ما وصفه رسمي “بالتدريب الطويل” جدًا الذي نفَّذه تيسير بمسدس حقيقي فيما بعد، وبعد أنْ كان يتحدَّث أيضًا عن “دراسته” لجميع طرق الانتحار على الإطلاق(4). بل إنَّ صديقه الآخر المقرَّب أيضًا الأديب صادق عبد الحق في حديثٍ له لمجلّة “نزوى” العُمانيّة يكمل هذه الإشارة فيرصد ميتات أدباء وكتَّاب كان تيسير معجبًا بها، مثل “ميتة “كامو” حين ارتطمت دراجته بشجرةٍ فقُضي عليه، ومثله ما كان يرويه كذلك عن لورنس ومصرعه، وبميتة همنغواي حين انقذف رصاص بندقيّته في جوفه، وبميتة الشاعر ماياكوفسكي”. ويقول: “لو عاش [تيسير] لأعجبته ميتة صديقه خليل حاوي الذي لم يفعل إلاَّ ما فعله تيسير تمامًا ..”(5).
في قسم من مقالاته النقديّة “يدرس” تيسير – فيما يبدو – وبشكلٍ انتقائي بعض المنتحرين من هؤلاء وسواهم، وأبرزهم فلاديمير ماياكوفسكي في قصيدته المعروفة “غيمة في بنطال”، وهي قصيدة لا تتحدَّث عن الموت كما لاحظت ذلك توجان فيصل في شهادة كتبتها في ذكرى تيسير – لكنّها تساءلت عن معنى اختيار تيسير لماياكوفسكي، وتومىء إلى اهتمامه بالخيوط التي نسجت فاجعة نهاية هذا الشاعر وبالوصيّة القصيرة الحزينة التي خلَّفها ماياكوفسكي، “ذلك الذي حمل مشاعر الناس جميعًا في قلبه وعصرها في صوته الشِّعريّ العظيم”، معلنًا وداعه: “زورق الحب الذي تحطَّم على صخور الحياة اليوميّة”، ورجاء لأمه ألاَّ تبكي وللنّاس ألاَّ يتقوّلوا عليه. أما المتقابل والمُشتَرَك بين هذين المُنْتَحِرين فتحدّده توجان – من جانب تيسير – في التّخفيف من أمر رحيله على أصدقائه مقابل “ألاّ تبكي الأم”، وفي “توجُّس الشاعرين من سوء الفهم وتقوّل النّاس عليهما”؛ إذ يقول تيسير في شعره:

(وجدّفوا عليّ/ ولوثت شفاههم آخر ما لديّ/ براءتي/ وا خيبة المسار/ أللذباب المطاف/ للذباب منتهى/ يقتات ذوب مهجتي؟).

وشاعر آخر يدرسه تيسير هو غوستاف أدولف بيكر، الذي يصفه في حياته القصيرة “كنيزك احترق بنار الرغبة المتشوّقة إلى الأبديّة”. ومن دراساته اللافتة للانتباه مناقشته “مسألة الإيمان في شعر إليوت” وتركيزه في هذه المناقشة على شكل آخر من أشكال الانتحار، ذلك الذي “تموت فيه الرّوح ولا تعود قادرة على الحياة”، إلاَّ أنّه يخلص في ختام الدّراسة إلى أنَّ الإيمان المزعوم لدى إليوت، لا سيما في قصيدة “أربعاء الرّماد”، أمر “لا يخلو من التعسُّف، لأن إليوت يمثِّل حضارة فقدت الإيمان”.
من نتاجات الأدب العربيّ المعاصر يختار تيسير رواية الطيّب صالح “موسم الهجرة إلى الشّمال”، فيحلِّل سمات شخوصها، ويعنى على وجه الخصوص بموقف بطل الرواية “مصطفى سعيد” من الوجود، فيرجِّح أنْ تكون حقيقة موته انتحارًا، لكنّه الانتحار الذي يدلّ على الهروب وتتويج الفشل أكثر مما يدلّ على أنَّ بطل الرواية صاحب موقف.
ومن الإنتاج السينمائيّ العالميّ يهتم تيسير بتحليل فيلم “العار” لبيرغمان، ويركِّز الاهتمام على شخصية قائد المركب في قصة الفيلم، الذي أنهى حياته بالانتحار طواعيّةً واختيارًا، ويقول هنا: “بوسع المرء أنْ ينتحر كما فعل قائد المركب، ولكنَّ أحدًا لن يعير هذه الحادثة انتباهه، فإنَّ جثث القتلى في كلّ مكان، وهو ليس إلاَّ جثة ضائعة بين الرّكام الإنسانيّ الهائل”.
صحيح أنَّ إشكاليّة الانتحار والموت من خلال فلسفة اختيار الإنسان لإنهاء حياته بيده، تكاد تستولي على جانب كبير من مقالات تيسير ونقداته ودراساته في الشعر والرواية والقصة والسينما، إلاَّ أنها تتفاوت في نظرة تيسير إليها وتمييزه ما بينها بمحاكمة الموقف الذي يؤدي إلى خيار فعل الانتحار في ظلّ شروط معينة، قد تكون صارمة، للقيام به. ففي قراءته لكتاب صلاح عبد الصبور “قراءة جديدة في شعرنا القديم”، يُبرِز أكثر ما يُبرِز مواقف الشّعراء العرب القدامى من الموت والوجود، مثل طرفة بن العبد، ومتمم بن نويرة الذي يرى الموت “صورة مبثوثة في شتى مظاهر الحياة”، ويشير كذلك إلى أبي نوّاس، وأبي العلاء المعرّي “الذي يرى الموت لونًا من النّعيم سيلقاه الإنسان، لأنَّ الدّنيا – بنظره – لون من الأسر”. وفي مقالته “رحلة إلى الشِّعر العربيّ/ المتنبّي” يتجلّى موقفه بإسقاط ذاته المُحبَطة المحتجّة في حديثه عن شاعر ذي نفس تتكسَّر حسرات، وهو يبدي التجلُّد والقوّة؛ صائحًا مع المتنبّي:

(حَتَّامَ نحنُ نُساري النّجمَ في الظُلَمِ/ وما سُراهُ على خُفٍّ ولا قدمِ/ ولا يحُسُّ بأجفانٍ يحُسُّ بها/ فَقْدَ الرُّقاد غريبٌ باتَ لم يَنَمِ).

يرى تيسير أنَّ المتنبّي إنّما “ينعى ذاته من خلال نعيه الزّمان العربيّ المتأخِّر، ويحنّ إلى تليدٍ من ماضي الأمة حينما كانت العروبة علمًا في الذّرى”، وينظر بنور عيني سلفه القديم إلى مجمل اللوحة الإنسانيّة فيرى قلقًا ورعبًا، “فالعدل منعدم بين النّاس، ولذلك تتمزَّق الأواصر بينهم حتى أواصر القُربى”، ويغوص أكثر في نَفْس الشّاعر المعذّبة أو يصعد مع روحه التائهة أعلى وأعلى، ليجد أنَّ نَفْسه هذه تجعله من الطراز الرّفيع الذي يضعه مع النُّخبة من شعراء العالم”. وتعليل ذلك عند تيسير أنَّ المتنبّي عاش عمره على مستويين: مستوى من الواقع، ومستوى من الكونيّة، وتمزَّق بينهما!
عمن يتحدَّث تيسير؟ عن المتنبّي أم عن نَفْسه هو؟ … سؤال يثيره نصّه النّقديّ هذا، كما كثير من الأسئلة الكبيرة وعلامات الاستفهام الحادّة والمتكرِّرة التي كان يثيرها دائمًا في نصوصه ويتركها في بعض الأحيان معلَّقة بلا أي جواب: “نعم إلى متى نحن نجري في هذه الحياة؟” أيعلن احتجاجه كما أعلن المتنبّي “حَتَّامَ …؟!” ويضمر الجواب غامضًا لحين يطول أو يقصُر؟!
لا بدّ عند ذِكر الشِّعر العربيّ وارتحال تيسير في معارجه من التطرُّق إلى حديث إذاعيّ قدَّمه تحت عنوان “رحلة مع الشِّعر”، وبدأه بأسئلةٍ صِداميّة يجيب عنها بأسئلةٍ حائرة. يقول هنا: “في موكبٍ من قدماء شعراء العربيّة نرتحل اليوم، موكب يفترق فيه المسافرون ثم يلتقون. وإلى أي أرض اليوم نرتحل؟ بل إلى أي أُفق نمضي؟ هناك حيث تلتقي السماء بالأرض، إلى أُفق الحب؟ ولِمَ يفترق المسافرون ويلتقون ثانيةً؟ … ثم يختار نماذج من شعر الحب في الأدب العربيّ؛ مستوضحًا ومتذوِّقًا دلالاتها في علاقة الحب بالموت. فبعض الشُّعراء يرى في “الحب غاية اللذّات”، وآخرون يرون أنّه “ضيم للنّفْس، وينقسم على ذاته، فلا يدري من أمره حالاً”، وفريق ثالث يرى أنْ لا حياة له بعد موت الحبيبة، إلاَّ في العالم الآخر معها. ويخالف هؤلاء جميعًا مَنْ “لا يؤمن بالحب، ويعتبره نزوة ساعة” … إلخ. أما تيسير فيقف أمام صورة شعريّة عن الحب يجدها “غريبة”، وفي ظنّه “أنّها جوهر فريد”، وتمثّلها الأبيات الآتية:

(فإن تمنعوا ليلى وحُسن حديثها/ فلن تمنعوا عنّي البكا والقوافيا/ فهلا منعتم إذ منعتم حديثها/ خيالاً يوافيني على النأي هاديا!؟)

لقد سبق لتيسير أنْ حاول الانتحار ذات مرّة في دمشق في أواخر دراسته الحقوق في جامعتها، بشهادة صديقه صادق عبد الحق، والسَّبب “عذاب حب” لفاتنة تفنَّنت في تعذيبه، وقد دعاها “غجريّة” في قصيدتين له نشرهما في مجلّة “الآداب” اللبنانيّة. لكنّه بعد ذلك الحب المرير وتلك المعاناة والشّروع في الانتحار ودخوله المستشفى خرج سليمًا، وتزوّج من الدكتورة الطّبيبة مي يتيم، وذهب إلى لبنان. وفي تلك الفترة أيضًا كتب قصتيه القصيرتين “صياح الدّيك” و “هندي أحمر”، ومضمونهما سخرية من زيف مجتمع المدينة الكبيرة، كما ترجم قصة “الخطيئة” لإدوارد مكارثي(6).
بالطبع لم تكن خيبة الحب وطعناتها وحدها بؤرة إصرار تيسير على تدوير فكرة الانتحار في رأسه، ودَرس طرقها والتدرُّب على تحقيقها فعليًّا، لكنّها خيبة انجذبت إلى خيبات أخرى أكبر وأعمّ وأشدّ طعنًا في العمق على أصعدة مختلفة، خيبات أخذت تتشكَّل في خلايا عالمه فكرًا ورؤى، وشيئًا فشيئًا، بوتيرة ربما كانت سريعة أو بالأحرى متفاقمة، تحوّلت من الخاصّ الشّخصيّ إلى العام الإنسانيّ، لتصبح لديه طريقة مقاومة ومواجهة واحتجاج ضدّ مرارات الواقع وانهيار القيم فيه، واستشراء الظُّلم والقسوة المُضطهِدة للضعيف والبريء والنّقيّ، وانقلاب الموازين بالكذب والتملُّق والنّفاق النّذل، “وعبثية التحدُّث في وسط مشحون بالضّجيج والتخبُّط والأحقاد واللاأباليّة بكلّ شيء”(7)، وليكون تنفيذ الانتحار بالفعل الاختياري نوعًا من السخرية إزاء هذا الخراب كلّه، ببساطة “تِك”، لكنْ بكلّ الامتلاء الرّوحيّ نحو سبيل الخلاص.
يضع النّاقد د. سليمان الأزرعي بعد طول بحث واستفسار واستيضاح في الأسباب المباشرة لدخول تيسير، الرّافض للواقع، لعبة الموت، نقاطًا على الحروف في هذا الصّدد؛ مستبعدًا الأسباب التي جاء بها البعض والمتعلقة بمرض الصفراء الراجعة في العينين، ومستعينًا بآراء النفسانيين والمفكّرين مثل “فرويد” الذي ينظر إلى “الكاتب والأديب نظرته إلى أي عُصابي يصون نفسه بواسطة العمل الإبداعيّ من الانفجار”. ويرجع نكوص معظم الكُتَّاب عن اتمام ما كان بعضهم قد شرعوا به من علاج بالتحليل النّفسيّ، بل “رفض معظمهم أن يشفى أو يتلاءم .. إما إلى أنهم ظنّوا أنّهم قد يتوقّفون عن الرّتابة إذا تلاءموا، أو لأنَّ الملاءمة المقترحة مع المحيط كانت رجوعًا إلى حالة عاديّة أو محيط اجتماعيّ يرفضونه”(8). ويكاد د. الأزرعي يطابق بين ما قاله “دوركهايم” وظروف انتحار تيسير، من حيث أنَّ ظروف المُنْتحِر الاجتماعيّة تتميَّز “بالاضطراب المستمرّ والاختلال العام في جميع الأصعدة، وعندها تقصُر قدرة الفرد دون تخطيط أهدافه بسبب الأيديولوجيّة المضطربة وأسلوب الحياة السّائد غير المستقرّ، فيفقد الفرد ذاتيته ويعاني من مشاعر الفراغ والجمود، ويصبح كائنًا بيولوجيًّا دون التمتُّع بالجانب الإنسانيّ فيه، وتفقد الحياة معناها لدى الفرد، ويعاني من أحاسيس العزلة المفزعة والفرديّة الضّائعة، ويفقد تلقائيته تدريجيًّا حتى تبلغ أقصى مداها في إحساس داخليّ بالموات يسبق الإقدام على الموت الفيزيقي وتنفيذ الانتحار”.إنَّ الشعور الدّاخليّ بالموات لدى تيسير جعله يكتب في العدد الثاني من مجلّة “صوت الجيل”: “لعلي لنْ أكتب إطلاقًا لأنني لا أملك شيئًا أقوله للقراء”. ولم يكن الأمر كذلك، فقد كتب مرثية “القافلة الأولى” و”الرحلة” و”السؤال” و”المستحيل” و”أشباح الرّجال”، غير أنّه في الوقت نفسه تأكَّد شعوره بالموات من خلال هذه الكتابات(8).
“إذًا فعلها!!!” … هكذا عبَّر بعض أصدقاء تيسير سبول عن دهشتهم وذهولهم ساعة بلغهم نبأ إقدامه على الانتحار وارتحاله الأخير، رغم أنَّ حديث الانتحار كان – من جانبه – معروفًا لديهم ومتكرِّرًا في أحاديثه وكتاباته ورسائله، لا سيما الرسائل إلى صادق عبد الحق، لكن في غمرة الذهول كانت سيرة الانتحار قد اكتملت وبلغت الخاتمة.

كايد هاشم

http://www.masa7at.com/vb/showthread.php?p=5154

 

 

فلاش

كتب أسعد الجبوري: كان للشاعر تيسير سبول جسداً من الزجاج.كل شئ يمر فيه ،يُنظر.وكان هو يتفحص انهيارات ما في داخله من قلاع وتماثيل ولوحات ومنازل وصور.رجل ليس لديه سوى يأسه الذي كان ينتشر في دمه ويسيطر على كل خلاياه.

بدوي أخطأ بحسابات عدم القدرة على التعايش مع الزمن النفسي الجديد.

 

 

 

نماذج:

 

عودة الشيخ

 

هوذا شيخ الشتاء

اغلق الأفق وجاء

هوذا ينقل في الشارع نقرات عصاه

قادم يحمل في سر اهابه

ادوات من فنون السحرة

ريشة ترسم اقواسا على عرض السماء

وزنادا يشعل البرق وغليونا لتصعيد الغمام

فقفوا

ودعوا لغو الكلام

واهتفوا

مرحبا، شيخ الشتاء

2

العجاج

 

مدلجا اسلم للريبة قلبه

ممعنا خلف يقين مدّعى

ضيّع ربه

كنت امضي

ارفع الساق احث الخطو لكن

عبثا تعبر ساقٌ دون ارض

ماثلا في حدقة التساؤل شاهدت

قطارا من سنين

يتعدى حاملا مالست ادري

لسواي

ورؤاي

ضجر خددت الريح جبينه

سطّرت فيه فيه احاجي

كحّلته بذريرات عجاجِ

أي وهم

جمّد التاريخ في عروقي وعرّى

للرياح الهوج نهرا

تسبح الاجيال في خفقته

وهي لا تسأل ان كانت ستلقى مستقرا

اي وهم كان

تضليل وحيره

خلجةٌ من دون اعصاب

وخفق في الرماد

واحاجي

تتهادى في شراييني طوفان عجاج

حين ساومَت على الله نداء

(عُد الى الصمت فرحم الصمت ماوى

لعيونٍ حدقت من دون جدوى)

وترددتُ

وكدتُ

حينما انشقّ ضباب التيه فجرا

وروت عيناك في رفة نظره

المكانين التي حجّرت المصلوب حيره

حدثتني

(قطرة الماء التي تنأى الى الشاطئ

لا تفتح بحرا)

عبثا تشهق…تهوى

في حضيض الارض سرا

ويظل البحر هدّارا بإذن الابدية

ابدا يعبرني هذا القطار

حاملا لي

شجنا-مجدا

رعيلا من صغار

يرثون الارض والتاريخ من بعد

ولا ادلاج

ولا وهم غبار

3

شهرزاد

لم أسرت بي حكاياك الى أمس دفين؟

عبر سرداب من الاوهام يفضي ليقين

فاذا بي مثقل احمل في جنبي سرا

ليس يدري

عن خفيات لياليك الطويله.

(الف ليله

كل ليله

حلمك الاوحد ان تبقى لليله)

قصة تروى ومذ كنا صغارا

حملتنا لاراضي الجن

عبر الريح والانواء في عرض البحار

وحببناك

حببناك كثيرا

وسهرنا ليلة في اثر اخرى

لهفة تسأل عما

كان من أمر اخيرا

وعفا من بعد الف شهريار

ففرحنا.

في بلادي، حيث عين الطفل والشيخ سواء

دعوة تحيا على وعد انتصار.

شهرزادي

شهرزادي يا صديقه

قيل ما قيل ووحدي

انت اسررت اليه بالحقيقه

الف ليله

كل ليله

حلمكِ الاوحد ان تبقي لليله

فاذا مالديك صاح

معلنا للكون ميلاد صباح

نمت والموت سويا في فراش

الف ليله

غاض في عينيك ايماض التصبّي

واستوت كل المذاقات

فمرٌّ مثل عذب.

بعدها كان وما كان-صباح

كنت فيه بعض ذكرى عن صبيه

اين منها شهرزاد؟

شهرزادي

خدعة ضللت الاذان عكرا

ورست في خاطر التاريخ دهرا

ان عفا من بعد الف شهريا

وسنبقى

في بلادي- حيث عين الطفل والشيخ سواء

دعوة تحيا على وعد انتصار

كلما دقّ على الافق شتاء

نتسلى بحكاياك الشجيه

ونغني لانصار

لم يكن يوما ولا يرجى انتصار

تحت عيني شهريار

 

 

**

السؤال

 

 

قبل هذا اليوم كانْ

كان طفلاً

ملء عينيه سؤال

ولذا غذّ خطاه

مسرعاً خلف رؤاه

يستطيب الارتحال،

وهنا باغته الصوت وقال:

(حيثما وجّهت لا أين

فقفْ

هذه أرض المحال).

قبل هذا اليوم كانْ

كان طفلاً

وهو طفلاً ما يزال.

ولقد يعبر حيناً

سالكاً أيّ اتجاه،

ولقد يذكّر طيفاً

من قديمات رؤاه

ولقد يضحك أو يبكي

فطفلاً ما يزال

هو يحيا

والذي مات السؤال..

**

مرحبا

رغم أن الحب مات

رغم أن الذكريات

لم تعد شيئا ثمينا

ما الذي نخسر إن نحن التقينا

ابتسمنا وانحينا

وهمسنا:مرحبا

ومضينا.

ليس يدرى ماالذي نضمره

في خافقيتا

مرحبا كاذبة نسكت فيها الناس

حتى لا يقال

آه يا عيني على الأحباب

عشاق الخيال

وحدنا نعلم أنا

افترقنا

وانتهى ما كان من حب قديم

يوم قلناها معا:

حبنا كان خرافة

نحن كفناه بالصمت

ضننا أن نريق الأدمعا

وافترقنا

غير أن الآخرين

أعين مفتوحة دوما علينا

فدعينا

نمنع الألسن أن تمضغنا،

وإذا نحن التقينا

ابتسمنا

وانحينا

وهمسنا:

مرحبا