غازي القصيبي في ذكراه العاشرة أديب لم يزل ينير العقول | الشرق الأوسط

 

الميلاد2 مارس 1940
الوفاة15 أغسطس 2010

 

 

لم نر له أثراً في ذلك النهار.لكن،وبعد أن أرهقنا البحثُ عنه بين قامات الجبال ،وجدناه برفقة الرُّخُّ،ذلك  الطائرُ الخُرافيُّ الذي بالَغَ القُدَامَى في وصفه ،وهو يحفرُ الصخورَ بآلة معدنية لم نشهد لها مثيلاً على الأرض من قبل.

أذهلنا المشهدُ ،فتوقفنا لننظر إليه من مسافة قريبة.وما هي إلا لحظات،حتى أثار الرُّخُ انتباهَهُ إلينا.وهنا توقفَ الشاعرُ غازي القصيبي عن العمل،مقترباً خطوات منا.

صافحنا الشاعرُ الذي بدت على جسمهِ النحافةُ واضحةً،فقد كان يرتدي بنطلوناً من الجينز وقميصاً من الكتان الأسود مع قلادةٍ تتضمنُ ساعةً حول رقبته.

كان طائر الرّخْ يراقبنا عن كثب.فبين الفينة والأخرى،كان يقذفُ من منقارهِ المعقد الطويل خيطاً من نار زرقاء.

ربما في محاولة منه لإرهابنا في تلك الأثناء؟

لا نعرفُ كيف نفسرُ ذلك التصرف .فالطيورُ التي كنا نشهدها في هذه الأمكنة،غريبة الأشكال ،وتتمتعُ بمزايا خارقة.

ومن أجل أن لا نسترسل بالتفكير أكثر سألنا الشاعر غازي القصيبي قائلين:

 

س/ما الذي تفعلهُ مع هذا الطير الخرافي هنا ؟

ج/نستكملُ مرحلةً جديدةً من البحث عن النفط بين الجبال السماوية.ربما تضحكُ أنتَ أو تتهكم .ولكن تلك هي الحقيقة.نريدُ أن نعرف إن كانت ثمة آبار للبترول هنا أم لا.

س/وماذا يفعلُ هذا الرُّخ معكم.أهو مهندسُ جيولوجيا مختصٌّ بالتنقيب عن تلك الآبار مثلاً؟؟!

ج/نعم.فهذا الطائر قادرٌ على معرفة وجود النفط في باطن الجبال.

س/كأن مملكتكم الغابرة لم تعرف النفط أبداً ؟!!

ج/كلا.ولكنني مجبرٌ على فعل هذا هنا.فثمة من يواصل الضغط علىّ ليحصلَ على منابعَ جديدةٍ للطاقة في هذه السموات.

س/لمَ لا توضح أكثر ؟!

ج/قد ينفعني التكتمُ.فهناك من يراقبني بواسطة أولاد الإبليس الأحمر من بعيد.

س/وهل للإبليس ذريّة ؟

ج/أنهم أشبه بالحشرات المختصة بالمتابعة والملاحقة وكتابة التقارير لجماعات المطاوعة التي بدأت تعشش في بعض مناطق السماء هنا .

فأولئك  أنفسهم، يريدون أن أستخرج لهم نفطاَ من هنا،ليوسعوا من أعمال نار جهنم ،علّ ذلك يُزيد من طاقة التهاب السعير بأضعافٍ مضاعفة.

س/ ومتى كنتَ خبيراً بموضوع البترول ،حتى يكلفكَ هؤلاء -دون الربّ – بهذه المهمة هنا ؟!!

ج/ ذاك كان تخريفهم الأكثر غرابة من السوريالية ذاتها .

س/ قلْ لنا :كيف كانت أسفارك بين المدن يوم كنتَ على الأرض؟

ج/رحلاتٌ متنوعة في نقطة واحدة من الزمن.

س/ولكن الزمن متحرك،هل كنت أسيراً داخل قفص من أقفاص الزمن الأرضي القديم مثلاً ؟

ج/لم أكنْ بتلك الصورة بالضبط،إلا أن حياة الإنسان ليست أكثر من نقطة غبار، تدورُ في مدارات الأكوان العظيمة التي نحن جزءٌ منها هناك.

س/أما زالتَ دبلوماسياً في إجاباتك حتى بعد الموت ،ووصولك إلى هذي السموات؟

ج/ -يضحك ويقول- الحذرُ مطلوب .

س/الحذر أم الخوف من السيف؟

ج/أنا لا أتمتعُ بحسّ فلسفي إلا فيما ندر.اقصدُ الحسّ الفلسفي الضخم المتشعب.

س/تقصد أن الفلسفةَ حرامٌ ، إلا بما تسمح لك به التأويلات التي قد تنجيّ المرء من الملاحقة والجلد والعقوبات الكبرى؟!!

ج/تعلمت من مهنتي كسفير،أن أرى المقصّ ظلاً للساني على الدوام.

س/هل من تلك الوظيفة تعلم القصيبي الدروسَ ؟

ج/بالضبط.هكذا تكومتْ برأسي خبراتي الدبلوماسية والوزارية كأكياس الرمل.

س/ذلك ما فعلته بالضبط.فقد كنتَ ذكياً بحماية نفسك من أعيرة السلطات الحكومية والدينية على حدّ سواء .ولكن أليس عجيباً على رجل درس القانون أن يفعلَ ما فعلته ؟

ج/إذا تحدثت عن بداياتي الدراسية ،فيمكنني القول بأن مدارس الإحساء والمنامة لم تكسبني تجارب ضخمة مؤثرة ،تؤهلني لنيل الليسانس بالحقوق من جامعة القاهرة.أنا اعتبرت أن دراسة المواطن السعودي للقانون هي بمثابة نكتة سوداء سمجة.

س/هل لأن الشريعة الإسلامية في المملكة هي أمُ وأبُ القوانين ؟

ج/ذلك ما تعودنا عليه.

س/وهل القوانين عاداتٌ وتقاليدٌ يا حضرة الحقوقي وجناب السفير ؟!!

ج/في المملكة :نعم.

س/هل من أجل ذلك هربتَ بجلدك من أجل الحصول على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من كاليفورنيا ؟

ج/بالضبط.لأنها تعلمُ الخبرة بالهرب من جميع الالتزامات القانونية في الداخل،لتبقي عينيك مفتوحتين على مهمة واحدة:كيف تستحضرُ التزوير ونفخ العضلات من أجل مصالح بلدك.كان الأمريكيون والغربيون عموماً، يمنحوننا الشهادات العليا،وهم يبتسمون دون تردد،لأنهم يدركون أنها شهادات لا تصلحُ لأي دور وظيفي في المملكة التي أنشأتْ لقبائلها قواعدَ قوانينها الوضعية منذ أكثر من 1400 سنة.

س/ها قد بدأت متمتعاً بقدر ما من النقد للأسلاف !!

ج/ ليس ما أقوله يشكل نقداً،بقدر ما أن البشر في المملكة ،تحتكم إلى تلك الوقائع الثابتة التي تحتاجُ زحزحتها إلى زلزال عنيفاً بقوة 8% من مقياس ريختر الذي لا يؤمن به إلا القلة في المملكة.

س/لا يؤمنون بالاستنتاجات العلمية لمراتب الزلازل وحركة البراكين ؟!!

ج/بالطبع لا. فكل تلك الأشياء قدرية مرسومة بضوابط الخالق .فهو الذي يقررُ الزلزلةَ والشطبَ والمحو والنسفَ على هذه الأرض الزائلة زوال الحياة يوم القيامة.

س/وأنتَ الشاعر.وأنتَ الروائي.وأنتَ القاص الحكواتي الحقوقي الدبلوماسي الضاحك الفنان المتحسس للوحات الكون،كيف عَمرّت كل تلك الأعوام مع نظام سلفي من ذلك الطراز؟

ج/كان نهاري للسفارة وليلي للأدب .هذا ما يمكنني قولهُ بالضبط.

س/ولكن شِعركَ لم يأخذك إلى محاكم المطاوعة من جماعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).هل لأنك َ كنت قوياً ،فلم يستطع المطاوعةُ من النيل منك لجلدكَ في الساحات العامة ؟

ج/ولمَ تريدهم يفعلون ذلك بجسمي؟

س/لأن شِعركَ ورواياتك وأفكارك تثيرُ برؤوس المطاوعة تأويلاتٍ، تجعلُ منك شاعراً زنديقاً بكل بساطة!

ج/ لو كان بعضهم في لندن أو تلك الأمكنة التي عملت فيها سفيراً،لانتزعوا مني رأسي بكل سهولة وحق ،وفقاً للأفكار المذهبية التي ما تزال تشتعل بدواخلهم على مدار الزمن.

س/ألا يُكفر غازي القصيبي أولئك المطاوعة بعد أن تخلصَ من سلطاتهم الدنيوية؟

ج/ومن قال لك بأنهم ليسوا موجودين هنا ؟!!

س/هل التقيتَ بأحدهم في مرافق هذي السموات الشاسعة ؟

ج/بالأمس أمسكوني أنا والأميرة ديانا في دار أزياء ((الساحرة والملاك)) فيما كنا نتحدث عن فاعلية ماكينات سنجر الخاصة بالخياطة.وعندما نهضت لمواجهتهم بالصولجان الذي كان بيدي،سرعان ما نهضت ديانا لتقفَ بجسمها النحيل جداراً ما بيني وبينهم . وسألتهم: من أين نفذتم إلى هذه السماء يا مطاوعة؟!!

أجابوا :لقد وصلنا متخفين بأكثر من معطف شبيه بمعطف نيقولاي غوغول ،على الرغم  من عدم معرفتنا اللغة الروسية ،ولكننا وصلنا إلى هنا مهاجرين بمعاطف الكثير من الصحابة .

س/هل بتَ خائفاً من أن يكفركَ هؤلاء ؟

ج/لا أعرفُ .ولكنني بصددّ كتابة رواية عنهم.

س/ولكنهم لا يؤمنون إلا بروايات الأولين:أبن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وكل من سلكوا في الفقه مذهب الإمام أحمد بن حنبل.هل أنت منهم ؟

ج/ ما من مواطن تخلصَّ من بئر ظلام هؤلاء إلا بصعوبة.أنا كنت خائفاً وما زلت من ماكينات تكفير هؤلاء الذين جعلوا التكفير أشبه بالوجبة السريعة التي يتناولها البشر في مطاعم ماكدونالد .فهم ما برحوا ينتجون التكفير كل يوم بطريقة جديدة،حتى أصبحوا أضحوكة للرأي العام.

 

س/لماذا لم يستطع هؤلاء اصطياد غازي القصيبي طيلة وجوده في المملكة،وأنت الذي لو أخضعوا كتاباته للتحليل ،وفقاً لمنطقهم المذهبي،لوجدوا فيك الزنديق الصالح لقطع الرأس؟!!

 

ج/أتحفظُ على هذا السؤال.هم حاولوا الإيقاع بي،ولكنهم أدركوا بأنني كنتُ محميّاً من الملك.

 

س/ولكن غيرك يأكلُ الجَلدَ والإعدامَ على أيدي جماعة المطاوعة وبعض الزمر التي تحكمُ المملكة تراثاً وأدباً وتشريعات وقوانين وأساليب حياة.

ج/هؤلاء هم القوةُ الضاربةُ أكثر من السلطة في المملكة .فكلّ تحديث إجماعي أو أدبي أو فني أو علمي عندهم ،هو بمثابة البدع المُحرمة التي تطيح بفكرهم وتخرب لهم مسالك التربية التي شبوا عليها.

س/هل تعتقد بأن حركة التجديد ستبقى مُعرقَلةً بسبب وجود هذا الكم الهائل من العقول المشبّعة بالرمال؟

ج/لقد حاولتُ أن أكون مختلفاً في كتاباتي -شعراً ورواية وصحافة- وحققتُ بعض التقدم ببطء .ومع تزامن الانفتاح التكنولوجي الذي يقوده بعض المجددين،ستخرج المملكة من الظلام إلى النور حتماً.لا يمكن إغلاق البلاد ،وترك المفاتيح بجيوب المطاوعة.

س/منْ القادر على تفريغ تلك الجيوب من المفاتيح،وأنت نفسك الذي كنت تشغل المناصب الكبيرة  والوظائف المهمة في الجامعات والوزارات والإعلام والتربية  ،لم تتمكن من أن تغير شيئاً ،ولا تمكنتَ من تحرر الناس من الأفكار البالية والقوالب الجامدة.خاصة وكانت لك “الحظوة” لدى قيادة المملكة ؟!!

ج/ما تقوله صحيح.ولكن تغيير عقلية سعودي واحد،تحتاج إلى بلدوزر وربع قرن من الزمن.أقصد تلك العقول التي زُرعتْ بتربتها أشدّ النصوص تمسكاً بالعقائد الجامدة ،وأكثرها قتلاً للحداثة ، بل لكلّ بنية تحاولُ الخروجَ من الغيبوبة المذهبية الوضعية.

س/هل من أجل ذلك كانت الأوامرُ بنقلكَ من منصب وزاري إلى آخر وإلى إعفاءك من جميع المناصب ؟!!

ج/أجل.فقد كنت مشاغباً بصمت.

س/وهل كانت قصيدة (سيف الدولة الحمداني) النقدية لسلوك أمراء المملكة هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير ما بينك وبين الملك فهد عام 1983 ؟

بيني وبينك ألف واش ينعبُ

فعلام أسهب في الغناء وأطنبُ

صوتي يضيع ولاتحس برجعه

ولقد عهدتك حين أنشد تطربُ

واراك مابين الجموع فلا أرى

تلك البشاشة في الملامع تعشبُ

وتمر عينك بي وتهرع مثلما

عبر الغريب مروعاً يتوثبُ

بيني وبينك ألف واش يكذبُ

وتظل تسمعه ولست تكذبُ

خدعوا فأعجبك الخداع ولم تكن

من قبل بالزيف المعطر تعجبُ

سبحان من جعل القلوب خزائنا

لمشــــــــــــــــــــــاعر لما تزل تتقلبُ

قل للوشـــــــــاة أتيت أرفع رايتي

البيضاء فاسعوا في أديمي واضربوا

هذي المعارك لست أحسن خوضها

من ذا يحـــــــــارب والغريم الثعلبُ

ومن المناضل والسلاح دسيسة

ومن المــــــــكافح والعدو العقربُ

تأبى الرجولة أن تدنس سيفها

قد يغلب المقدام ساعة يغلبُ

في الفجر تحتضن القفار رواحلي

الحرحين يــــــــــرى الملالة يهربُ

والقفر أكرم لايغيض عطاؤه

حينا ويصغي للوشاة فينضبُ

والقفر اصدق من خليل وده

متغير متـــــــــــــلون متذبذبُ

سأصب في سمع الرياح قصائدي

لا أرتجي غــــــــــنماً ولا اتكسبُ

 

وأصوغ في شفة السراب ملاحمي

إن السراب مع الكرامة يشربُ

أزف الفراق فهل أودع صامتاً

أم أنت مصغ للعتاب فأعتبُ

هيهات ما أحيا العتاب مودة

تُغتال أو صد الصدود تقرُّبُ

ياسيدي في القلب جرح مثقل

بالحب يلمسه الحنين فيكسبُ

ياسيدي والظلم غير محببٍ

أما وقد أرضاك فهو محببُ

ستقال فيك قصائد مأجورة

فالمادحون الجائعون تأهبوا

دعوى الوداد تجول فوق شفاههم

أما القلـــــــــوب فجال فيها أشعبُ

لا يستوي قلم يباع ويشترى

ويراعه بدم المحاجر تكتبُ

أنا شاعر الدنيا تبطن ظهرها

شعري يشرق عبرها ويغربُ

أنا شاعر الأفلاك كل كليمة

مني على شفق الخلود تلهبُ

 

ج/يمكنك القول بأن غازي القصيبي ،خرج إلى الدنيا من تلك القصيدة ،صورةً تنمُ عن تعاسة وقلق بطلب الإنصاف من أهل الحكم .

كنت آنذاك بمثابة لغم مدفون تحت التراب،وسرعان ما انفجر دون حساب لنفسي، أو لمنْ وضع عليّ قدمهُ ليستأنس بالمشي على جسمي والاستمتاع بمقتلي ؟

س/ألمْ تكن تلك الشكوى وذلك التذلل للملك ،بمثابة انتحار للشعر أمام جبروت السلطان؟

ج/ لست أول من فعل ذلك.كلّ أجدادي من الجاهليين وما بعدهم،عمدوا على تثبيت دعائم الكراسي والعروش السلطانية،مقابل مال أو منصب أو تفريغ لمرض نفسي عضال.

س/لماذا بقيت مرتبطاً بالشعر العمودي،ولم تحدث خرقاً بكتابة قصيدة النثر مثلاً؟

ج/مجمل الشعر السعودي يعدُ من الموبقات التي لم ترتفع إلى مرتبة الحرام بالمطلق،ولكنها تبقى تحت طائلة العقاب .كنتُ أقنعُ الجماعات الدينية المتطرفة،بأن الالتصاق بالشعر العمودي،أنما هو نوع من الاندماج بالشعر الجاهلي .كل ذلك من أجل كسب مرضاتهم،بأننا وهم على خط واحد بالانتماء إلى التراث  السلفي.فكيف لي أن أنتقل إلى حركة الشعر الحديث أو قصيدة النثر ،وهما من الحركات المرعبة للبقية الباقية من شجرة الأسلاف التي تغمر نفسها ورقاً وغصناً وجذعاً تحت الرمال ؟؟

س/وهذا ما ذكرته بعض المصادر حول قيام ما يشبه الانتفاضة ضد توزيع كتابك الشعري ((معركة بلا راية)) .أليس كذلك؟

ج/نعم.فكما ذكرتْ أحدى المصادر بأن ((ابتدأت تلك المشاحنات من جانب الوعاظ مع إصداره لديوانه الشعري الثالث “معركة بلا راية” عام 1970، إذ ساروا في وفود وعلى مدى أسابيع عدة، نحو الملك فيصل لمطالبته بمنع الديوان من التداول، وتأديب الشاعر، فأحال الملك فيصل، الديوان، لمستشاريه ليضطلعوا عليه ويأتوه بالنتيجة، فكان أن رأى المستشارون أنه ديوان شعر عادي لا يختلف عن اي ديوان شعر عربي آخر، إلا أن الضجة لم تتوقف حول الديوان واستمرت الوفود بالتقادم للملك فيصل، فما كان منه سوى أن شكل لجنة ضمت وزير العدل ووزير المعارف ووزير الحج والأوقاف، لدراسة الديوان أو محاكمته بالأصح، وانتهت اللجنة إلى أن ليس في الديوان ما يمس الدين أو الخلق، ولا تمر هذه الحادثة في ذهن القصيبي إلا ويتذكر موقف الملك عبد الله بن عبد العزيز من هذه القضية، إذ يقول غازي: “سمعت من أحد المقربين إليه أنه اتخذ خلال الأزمة موقفا نبيلا وحث الملك فيصل على عدم الاستجابة إلى مطالب الغاضبين المتشنجة”.)).

 

س/هل وجد غازي القصيبي ثمارهُ في الشعر أم في الرواية؟

ج/أنا كائنٌ شعري بالدرجة الأولى.ربما بسبب الأحوال التي مرت بها حياتي منذ طفولتي .ولكن تلك الآلام ،لم تمنعني من اختراق الجانب الآخر من حياتي الفكري،يوم اتجهتُ نحو كتابة رواية (شقة الحرية) ومن بعدها (العصفورية) وذلك للتخلص من التوترات العالية التي كانت ترافقني ذهنياً.فقد وجدت في الرواية الملاذ للتخلص من أكوام الذنوب التي حاول جهابذة الظلام جعلها جزءاً من حياتي جراء معارضتي لفرض مشاريعهم على المجتمعات بقوة السلاح والإرهاب الفكري .

 

س/ندركُ بأن رأس القصيبي كان على قائمة المطلوبين، عندما بدأ حراسُ الرمل والظلام بكتابة المنشورات وطبع أشرطة الكاسيت ضدك شعراً وفكراً وسلوكاً..حدث ذلك يوم كنت حياً هناك على الأرض .هل ما تزال تكتب الشعر هنا؟

ج/لا .أبداً.أنا انقطعتُ عن الشِعر الفصيح منذ أن وصلت إلى هنا .ما يشغلني الآن هو دراستي للشعر النبطي المستعمل والمستهلك الأدبي والثقافي الوحيد في الخليج.

س/وما القصةُ بالضبط ؟!

ج/هذا شعرٌ وثنيّ يشرفُ على كتابتهِ والترويج إليه مجموعاتٌ من ((الجَانّ))كما عرفت من أغلب المصادر الموجودة على هذه الرقع السماوية.

س/أنتَ تتحدثُ عن نكتةٍ أم خرافة ؟

ج/أنا أتحدثُ عن حقيقة تطويق عقول الخليجيين بهذا الشعر النبطي وحده،وليس أي نمط حداثوي آخر من شعر العالم؟!!

س/ولماذا يحدث ذلك بالضبط؟

ج/ربما لأن الأساتذة الأسلاف ممن يتربعون على عروش الإعلام الخليجي ،ما زالوا يتحكمون بثقافة الشاشة وبمزاج المشاهدين.لذلك يبعدون مجوهرات الحداثة عن الاحتكاك بالناس هناك، ليضمنوا السيطرة على الرعاع من القطعان النبطية المُخّدرّة بالدراهم المليونية.

س/متى ستشرقُ الشمسُ على الجزيرة ؟

ج/ عندما تنتهي صلاحية مملكة ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) في تلك البلاد التي تُجلدُ وتُعدمُ في الشارع كل لحظة .

س/والشِعر أين يقفُ ؟ أين يحاربُ؟كيف يكون مقاوماً للتصحر الروحي والذهني على حد سواء؟

ج/هل لديك كاميرا؟ تعال لنلتقطَ مع هذا الطائر الخرافي صورة سيلفي ،فذلك أفضل من كل الكلام.

وهكذا سنضعُ نهايةً لائقةً لهذا الحوار المُلتهب .