(الميلاد: 19 كانون الأول/ ديسمبر 1910، باريس، فرنسا

الوفاة: 15 نيسان/ أبريل 1986، باريس، فرنسا)

أسعد الجبوري كتابة وحوار أسعد الجبوري

كان الوقتُ غروبًا،عندما وجدتُ الرغبةَ تتلوى برأسي مثل ثعبان محموم يريد مقابلته في تلك السماء التي كانت مكفهرة في ذلك اليوم. كنت أفكر بمصير حواري معه، وكيف يمكن ترتيب الكلمات داخل الأسئلة، والانطلاق بالحوار مع شاعر رجيم، له تاريخ أسود بمخالفة القوانين والأحوال البشرية. فهو لصٌّ ومنحرفٌ ومرتكبٌ لجنحٍ مختلفة، وقد سبق أن حُكم عليه بالسجن المؤبد في بلاده الفرنسية، حيث قضى منها تسع سنوات، ليطلق سراحه بعد ذلك بأمر خاص من قصر الإليزيه، ليكون طليقًا بلا حدود.
إنه الشاعر الفرنسي اللعين جان جينيه، ذلك المؤلف الذي استولى على وعي الكثير من كتّاب العالم وشعراء العصر وقراء المؤلفات الشاذّة والقاسية والمؤلمة.
خاطبناه عبر صفحته المدموغة على صخرة من سلسلة الجبال المغربية. واتفقنا على أن نلتقي هناك بعد ساعة ضوئية واحدة. هكذا انطلقنا عبر مجرى البرزخ. توغلنا بالغابات الزجاجية، حتى وجدناه بانتظارنا مع طير (السيروفين) الشبيه بطائرات الهليكوبتر.
وما أن شاهدنا من بعيد، حتى حلّقَ على متن ذلك الطير، ليهبط أمامنا مصافحًا ومتحدثًا عن تقاليد النُزل الذي اختارهُ للكتابة داخل منطقة الغابات الزجاجية في الليل التي تضمُ بحيرةً تتغير ألوان مياهها بمختلف الألوان في الليل وكذلك في النهار.
تحدث جان عن أمور تتعلق بتربية الأفاعي والاستحمام بقطر ندى الأنجم والسفر على جناح طيره الخاص المُسمى بالسيروفين وكذلك عن أثاث النُزل الذي يقيم فيه.
وما أن انتهينا من بروتوكولات الاستقبال والتعارف، حتى بدأنا بطرح الأسئلة. قلنا له أولًا:

بريد السماء الافتراضي.. حوار مع الشاعر الفرنسي جان جينيه

 (*) كيف كان خروجُكَ من تلك الأرض؟
– كخروج الغصنِ المكسور من غابةٍ باردة.

(*) وهل كنت نزيلًا في غابة يا جان؟
– بكل تأكيد. فالعواصف التي مررتُ بها، ما كانت تعني شيئًا يسدّ الفراغات في جسدي المطعون بمختلف الرغبات.

(*) تقصدُ بمختلف الرغبات والجنح؟
– لا فرق ما بين الاثنين. فكلاهما يؤدي إلى الجدل. أنا مخلوق ولِدتُ لقيطًا بمنطق الجنس اللاهوتي التائه لا الزواج المُشَرْعَن وفقًا للهويات..

(*) وما هو المنطق الذي يتمتع به الجنس التائه؟!
– أن تسقط برحم أمك بعض الجمرات الشهوانية، ثم تنهضُ أنتَ من ذلك الكهف المعتم، لتجد العالم وهو يُسلط عليك الأضواء لتحجيمك ولشطبك وجوديًا، ومن بعد ذلك رميك نفاية في صندوق للقمامة دون أي اكتراث.

(*) وهل كنتَ خائفًا من أن ينالَ منك العالمُ لقلة أخلاقك على سبيل المثال؟
– لم أكن أؤمن بوجود أخلاق واضحة لأنظمة الحكم في العالم، ولا بوجود شعوب تُشغلها الأخلاقُ، لتمنعَ الجياع من سرقة قوتها المنهوب في بطون الحيتان.


(*) قيل إن سجلك الشخصي يشير إلى كونك من السُراق البارعين يا جان جينيه؟
– ليس بذلك القدر من التهوّيل، ولكنني كنت محترفًا. هذا ما يمكنني قوله. الحياةُ علبةُ حلوى، وعليك سرقتها بالطريقة التي تراها مناسبة لإشباع الدورة الدموية بالشوكولاته.

(*) هل صحيح أن سرقتك لنسخة نادرة من ديوان “أزهار الشر” لبودلير، هي التي كانت وراء دخولك للسجن في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي؟
– أنا لم أسرق تلك النسخة، إنما استعرتها بطريقة (أرسين لوبين) البوليسية التي علمنا إياها ابن البلد الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.

 

(*) وما الدافع وراء سرقة تلك النسخة الفريدة المحفوظة في المكتبة الفرنسية؟
– لم أفعل ذلك حبًا بقراءة الشعر، بل من أجل أن أستنشق الرائحة الشيطانية الكريهة لبودلير. أشمها بعمق وبحرية أكبر.

(*) وهل تكمن روح بودلير في تلك الرائحة برأيك؟
– بالضبط. فعفونة الشاعر بودلير وطغيان شرورهِ الأخلاقية الهدّامة، من أهم المفاتيح التي تَدلّك على شخصيته الشعرية من الباطن إلى الظاهر.

(*) هل هي العفونة التي استنشقتها الكنيسة في كتاب (أزهار الشر) فادعت عليه في محاكم باريس ليحذف منه 10 قصائد تحت ذريعة الإساءة للدين المسيحي والأخلاق العامة؟
– تمامًا. كان ذلك في 25 حزيران/يونيو عام 1857. وهو ما دفع بي ككلب ضال أراد أن يشم تلك القصائد التي حذفت من طبعات كثيرة لذلك الكتاب الشعري المخيف.

(*) وماذا عن تَسوّلك وهروبكَ من الجندية. ماذا كان ذلك يعني؟
– إنه الملل من قذارة حروب فرنسا الداخلية ومن مشاريع إراقة الدماء في مستعمراتها المُضطَهَدَة. لقد كنتُ أغرقُ نفسي بكل ما هو مسخ، يمكن أن يبني جدارًا يمنع رائحتها الكريهة من تجاوز حدود جسدي.

(*) ولكنك كنت متطوعا في الجيش الفرنسي، عندما عملت جنديًا في سورية ولبنان والمغرب بالإضافة إلى فرنسا.
– كانت تجربة جنسية جيدة قبل أن تكون وظيفة عسكرية.

 (*) لمَ اختلفتَ مع الطبيعة بيولوجيًا وسوسيولوجيًا؟
– لأنني مختلفٌ.

(*) لأنك كنت مختلفًا فقط، أم ثمة مشروع كان وراء ذلك؟
– لم أفكر إلا بالتمرد آنذاك. كنت مثل كاسحة ألغام تشقُ الطرق الوعرة على الأرض وفي لحم الجسد دون خوف أو ألمْ.

(*) ألم تشعر بشيء من العار؟
– أبدًا. كنت محاطًا بمخلوقات نفسي المتعددة المختلفة، وهي تقوم بحفر الخنادق حولي، والدفاع عني بشكل مثير.

(*) ثمة من أمعن بتوبيخك قائلًا: (ليس هناك شخص أمعن في الحقارة إلى هذا الحد. إن جان جينيه الذي طوبه سارتر كقديس، وعامله كوكتو كصديق عزيز، مدح الغستابو وهتلر والسرقة والشذوذ الجنسي في هذيانات غنائية فاجرة أغلب الأحيان، ولكنها تتمرغ أحيانًا وتذوب في المضحك. إن هذا السافل ذا الوثيقة المنحطة، من مؤسسات الإصلاح، من السجون النتنة والبيوت المقفلة –المحتقر حتى من رفاقه في الرجس – أعطى ارتعاشه لذيذة لواعظين يبشرون بالأخلاق بحكم العادة حول المستحيل والعدالة والشخص البشري). لماذا كل هذا عنك يا جان؟
– لأنني بطلٌ تراجيدي يصلح لأن يكون ممثِلًا للعالم المنحط ليس إلا.

(*) تعني أنك حاولت بناء شخصك كأسطورةٍ للشر في منتهى الانحطاط؟!!
– ربما عملت ذلك دون قصد. ولكنني أقول بأن الشر لا يعملُ على بناء قواعد له خارج الجسد. عليك التأكد من ذلك، لأنها الحقيقة الوحيدة التي كانت الأرضُ ترتفع عليها سيقانها الذابلة.

(*) هل كنت تشعرُ بوجودك كحشرة على الأرض القديمة؟
– أجل. فتلك الأرض شبيهة بجثةٌ لا بدّ لساكنيها من مصّ دمها الفاسد، وذلك من أجل إعادة تدويرها، وجعلها حقلًا للعطر والضوء والكتابات المنتعشة بالأزرق.

((ضفة ثالثة))