نصوص الغريق :عبد الوهاب لاتينوس.

 

 

هذا الوجه الشعري السوداني الجميل الذي ابتلعه البحرُ واستغرق بالموت غرقاً وهو يركب قوارب الموت بحثاً عن أرض بلا دم وعن رغيف غير محترق في وطن يليقُ بالشمس والشعر والمانجا والمياه،هو ضحية نتحملُ نحن وزرها ،كما تفعلُ اللغةُ التي تشرد هذا الشاعر عبد الوهاب لاتينوس بين طبقاتها ،وجُرح بأحرفها الحادّة الحارّة حتى هرب من حرائق السودان إلى جوف بحار الهجرة ،فمات على أول أبواب الملح،ربما ليطعم جسده للمياه كي تكرر دورتها في الطبيعة،وتخرج من تراب الأرض وردة أو سنبلةٌ لتدوم الأرض بمواجهة العدم . كنْ غريقاً قوياً تحت الماء .كنْ صديقاً للقرش الأرحم من جنرالات الخرطوم . كنْ سفينةً لنوح الغريق هو الآخر في تابوت الطوفان. كنْ يا صديقي دمعة البحر التي ستشعُ فوقها الأنجمُ في آخر الليل، آخر الموت. آخر سطر للكتابة على ظهر النيل الحزين.

(( أسعد الجبوري ))  

 

سأفرُّ مِن وطن تلهب ظهري بالسياط
ليل نهار
سأفرُّ مِن أمرأة لا تعرف كيف تطعم روحي ،
رحيق جسدها .
سأفرُّ مِن كل شيء
وأهرب غير مكترث نحو العدم .
2
وحده الحزن ينبتُ في جسدي
أنا الذي لا روحَ لي .
3
لم أكن يوماً لأحد ،
لم أحب يوماً قط ، لا أمرأة ، لا وطن .
لم يكن الحب سهلاً
فأقع في فخه
ولم أكن سهلاً أيضاً
فيقع الحب في فخي
كلانا لم يكن للآخر
كلانا كان ضد الآخر .
4
سنفرُّ مِن الوطن ، سنهرب حثيثاً نحو المنافي ،
ولكن الغربة هي أيضاً ، قاسية لا تحتمل
ستمتص رحيق أرواحنا لا محالة .
5
روحي ، مثل طيف ،
مرت مِن هُنا
جسدي مذ أزل
لم يمر ولم يعبره أحد ،
فقط ظل وحيداً عالقاً في غابةِ العدم .
6
تصرخُ فلا يسمعكَ أحد ،
إذ يبتلعُ جوف الليل صوتكَ
قبل أن ينكسر صمت الليل
ويسمم كل شيء .
لا شيء مباح إلا في الليل
فالنهار
ليس أكثر مِن غبش ،
أو رماد ،
أو حتى خراب يحبس أنفاس الكون .
في الليل ،
ستكون خبزاً ولكن ليس حافياً
هذه المرة .
ما يطبخه النهار
لا تهضمه إلا مائدة الليل .
7
لستَ تجرؤ على مد يدكَ

عاليةً للشمس ،

فيدكَ تنقصه بضع إنشات

لذلك الغرض .

كما لستَ تقوَ على إحتمال ضحكات الضوء

التي تمزق داخلكَ ، صمت الليل .

أيها الضوء أمسح عن وجهي

غبار الحزن

أغسلني لأصير نقياً كالبلور

خفيفاً مثل مطر تدحرجه يد الريح .
8
لستَ تجرؤ على مد يدكَ
عاليةً للشمس ،
فيدكَ تنقصه بضع إنشات
لذلك الغرض .
كما لستَ تقوَ على إحتمال ضحكات الضوء
التي تمزق داخلكَ ، صمت الليل .
أيها الضوء أمسح عن وجهي
غبار الحزن
أغسلني لأصير نقياً كالبلور
خفيفاً مثل مطر تدحرجه يد الريح .
9
سنموت ، نتلاشى في فراغِ الكون .
الحرب وحدها تستطيع وضع حداً لهذا العبث اللامتناهي .
ما لم نخوض حارباً مجنونةً ، تحصد الأرواح عن طيب خاطر ، وتأثث الكون بالخراب ، لا يمكن للسلام أن يآتي .
الإنسان كائن تافه ، أثبت جدارة فشله ، وأنه سلعة فاسدة ،
إذ الكل يحاول التخلُّص منها .
لا وطن أبداً ، هناك هراء فحسب .
10
عبثاً ، ستمضي نحو حتفكَ ؛
اليوم ، أو غداً
أو حتى بعد غد ،
لا أحد بوسعه وقف عجلة الخراب
التي تسحلُ جسد الحياة .
عبثاً ، لا شيء ، لا خلاص سيآتي
في اللحظاتِ الأخيرة ،
لينقذَ جثة العالم .
عبثاً ، لا ضوء يومضُ
فيُفزع الليل .
عبثاً ، كل شيء قد أحتضر ؛
الوقت ، اللغة ،
الصرخات ، الحُلم ،
الأغنيات ، الحب والموسيقى .
عبثاً ، كل شيء قد تلاشى ،
ولم يتبقى ،
غير فراغ يصطخب بعنف ،
غير جثث تدخل في صمت كئيب ،
وغير خراب ينسكبُ سخيًّا
مِن حنجرةِ الله .