قصائد من خليج كابيندا وحوض الكونغو
تختزل مملكة الكونغو لوحدها خليج كابيندا. وإذا وقفنا فقط عند هذا الوصف، سوف نغفل حوض نهر الكونغو الذي تمتدّ على ضفافه ممالك فانغ، وفون، ومويت، والعديد من الشعوب الأخرى، التي لا تخضع لتنظيمات حكومية، وصولًا إلى المناطق النائية على الساحل الغربي لكيفو. بينما إذا انطلقنا من الضّفاف الشرقية لجمهورية الكونغو الديمقراطية، نزولًا نحو أنغولا وناميبيا- القلب التاريخي لمملكة كونغو- من جهة، أو صعدنا نحو الغابون، الكونغو برازافيل، جمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون – الواجهة الغربية للخليج – من جهة أخرى، ستظهر أمامنا قارّة عملاقة فعلًا، قد تؤثّر الاضطرابات التي تحدث فيها كلّ يوم على بعض من سلوكياتنا اليومية في شتّى أنحاء العالم، فهي من المصادر الغنية لزراعة الشاي والقهوة، ولديها احتياطات هائلة من الذّهب والماس، تصدّرها إلى الأسواق العالمية، دون أن ننسى بعض المعادن الثّمينة الأخرى، التي لا غنى عنها في صناعة أجهزة الكمبيوتر، وقبل كلّ شيء، في صناعة هواتفنا الذكية.

عندما اكتشف البرتغاليون هذه المملكة الفريدة من نوعها، في بداية القرن الخامس عشر، توالى بسرعة إيقاع افتتاح عدد كبير من السفارات التابعة لدول مختلفة، خصوصا من على ضفتي المحيط الأطلسي، بما في ذلك الكرسي الرسولي في روما. وبعد هذه الفترة بقرنين ستعرف المملكة رواجًا كبيرًا في تجارة الرقيق، لكنّها ستتمزَّق بعد ذلك وتنهار نهائيًّا بعد تقسيم أفريقيا في عام 1885 ببرلين. وقد تساءل الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي ذات مرّة في قصيدته “احتضار”: “لديّ مجداف من غناء/ فأين النّهر الذي يجب عبوره/ هل هو هذه البركة من الدّم؟”
إنّ خليج كابيندا هو أرض الأنتولوجيات الشعرية العريقة. ولا يمكن للمرء أن يحصر العدد الكبير من الشعراء والمغنّين والموسيقيين والرّسامين الذين أنجبتهم هذه الأرض، وقد أبدعوا أعمالًا رائعة تصوِّر لنا ما عاشته، وتعيشه حتى الآن، من بؤسٍ ومآسٍ وإبادات جماعية. ويمكن القول، إجمالًا، إنّ الأدب الأفريقي الناطق بالفرنسية وجد في حوض الكونغو موطنًا ومستقرًّا خصبًا له منذ عقود طويلة.
فيما يلي ترجمة من الفرنسية لبعض القصائد التي كتبها أبرز شعراء هذه المنطقة الغنيّة من قارّتنا السمراء.

                                                                                                                                                      (ترجمة وتقديم نجيب مبارك)


رسالة إلى ميم

ماكسيم أنديبيكا (الكونغو)

مثل شجرة المانجو بعد أمطارِ أيلول،

يُعطِّر الأرضَ بصاقُ الزهور

وتنظّف الطيور حناجرها الصّدئة

بعُصارة الزّهور وقطرات المطر

تصبح الأغاني خضراءَ ونضرة

مثل جلدِ اقتراننا

مثل جلدِ طفلتنا كورين

تطير في السماء عاليًا

وينفكّ عناقُ الشيخوخة

فيولد كلُّ شيء، يولد من جديد ويُزهر الأمل

وأعلى نقطةٍ بيضاء من كليمنجارو قلبي

تسحقها بروقُ شجاعتك

حبُّك

وإيمانُك

وهو يجفُّ على طُرقاتي وطُرقنا المنسيّة

التي ضاعت ودُفِنَت

بفعل ضبابٍ معتم فوق نظّارتي الأحادية،

بينما هذه العزلة المخصيّة برعمٌ ينتحب

وبُثور الانتظار المتعثّرة في حَمَّةِ ذراعيك

والزّمن مثل الخنفساء

ومثل السلطعون

وهو يتراجع على طُرقاتي

وطرقنا في 14 يونيو

وتلك الطرقات في أيلول على خليج لوانغو.

من حولي وبداخلي

الجروحُ والآلام

مفرداتُ العذاب والصمت

أنوارُ الأمل وصرخات الحارس

وقعُ خطاه فوق رأسي

وفي رأسي

الخوفُ بالداخل

الخوفُ بالخارج

كلُّه يغنّي اسمك وحبّك

الفخورُ والعظيم مثل سفوح الكونغو

حبّك الذي يحلب مربَّعات الظلام

خلف قضبانِ عتمةِ السّجن الآخر

فضاءُ للعتمة في فضاء قلبي

سماء الظّلام على دروب الفجر

كلُّ شيء يغنّي لي حبّك وحبّنا

أنا الطفل الضالّ، أنا

لقد وجدتُ طرقاتي وطرقنا هنا

حيث لا تزال الرّمال المحترقة تهمسُ باسمك

تحت كلّ خطوة من خطواتي.

 لوحة لمونيكا باترسون

 

ألمي

ألكسندرين لاو (أفريقيا الوسطى)

لا يمكنكم المشيَ في صمت

كما أفعل الآن

من دون أن أغمضَ عينيّ

وأنا أبحث بين مقاطعكم

أكشف إيماءاتكم المنحرفة

إنّكم تثيرون شفقتي بهذيانكم

لن أخفضَ رأسي بعد الآن

سأغوص بنظرتي في رذائلكم

باحثة عن أتفه دليل

لم أعد خائفةً من حماقاتكم

لم أعد خائفةً من كراهيتكم

لم أعد خائفةً من سخريتكم

ومن الآن فصاعدًا، أنتم الذين سوف لن تحتملوني

لن تكون لديكم الشّجاعة لاستقصاء حياتي

لن تكون لديكم الشجاعة لمواجهة نظرتي

لأنّ في هذه النظرة، سوف تنعكس صورتكم

فوق محيط الألمِ الّذي ألحقتموه بي

أقف مرفوعةَ الرأس وأحيّيكم

لقد أبكيتموني وجعلتموني أتألّم

وسلبتم أنوثتي

واليومَ أواجهُ الحياة

دون أدنى ضغينة

أنا امرأة ناضجة، افتراضية، شافية ومبارَكة

وأشكركم على هذا الألم

وأسامحكم على كلّ الآلام

التي ألحقتموها بي

فأنتم مغفورٌ لكم.

***

بلدي بين الشمس والمطر

بيير أكيندينجو (الغابون)

بلدي يسير ببطء نحو البحر،

ثمّ يسافر فجأة عبر الشمس والمطر.

بلدي يعلّق غاباته

مثل أوراق ميّتة على طول النهر.

كم هي غريبة جدًّا مسيرةُ البشر البطيئة

نحو شرقِ الخلود

في بلدي هناك الكثير من الأحلام المجدّفة

الكثير من المجدّفين الّذين لن يصلوا أبدًا.

بلدي يبتلعُ جرعة قويّة

من هذا النبيذ الغبار الذي يحبُّ أبناء شعبنا زرعه

بلدي زرعَ بين قلاعِه

بعضَ المدافع الّتي تصلح أن تكون هواتف

كم هو غريب جدًّا هذا العددُ الهائل من إشاراتِ التّحذير

ومن الحماقاتِ والمآسي القادمة

في بلدي نظراتٌ

تخافُ وتأمل

في شيءٍ يجب أن يأتي.

فجأةً، في اللّيل، انفجارٌ كبير من الضحك

إنّه بلدي الذي يضحك أو يبكي كأنّه يضحك

إنّه بلدي الذي يبكي من أجل حرّيته

ضاحكًا مثل الطبول وهو يصفّق بيديه.

ثمّ يأتي الغرباء

أولئك الذين يغنّون في صمت

ويتنهّدون ويتعجّبون في صمت

لأنّ في بلدي

ضحكُ الفقراء

غريبٌ عن الأغنياء الذين فقدوا

وطنَهم

ووطنَك.

***

التائهون

كوام طاوا (الكاميرون)

أولئك الّذين

أُبيدوا

في ساحاتِ القتال

يتجوّلون

في ساحات القتال.

أولئك الذين

أُعدموا

في السّاحات العامة

يجُوبون

الساحات العامة.

أولئك الذين

يُلقى بهم

من فوق الشلالات

يتجوّلون

فوق الشلالات.

أحيانًا نسمع

أصواتَهم المكتومة

في دموعِ الشعب

المقهور

تطلق الصَّرخة نفسها:

إلى متى

إلى متى

سوف يستمرُّ تجوالنا؟

***

تمزقات

فالنتين إيف موديمبي (جمهورية الكونغو الديمقراطية)

X

والآن، أين ضحكاتُ النّساء؟ ردًّا على نواقيس السّاعات، يستجيبُ البحر بترنيمةٍ من أقفال لغة البامبارا. وفي تجويفِ كتفيك، تُواجه قناديلُ البحر عشَّ التعاويذ.

أمسحُ بعينيّ الحُفرَ الآمنة حين أسمع نداءك: آثارُ سعادةٍ مفقودة في الأمواج، تضاعفها انتحاراتي مثل أصوات أكمامٍ بلا نهاية.

إنَّ فوضى القمم هي عتمةُ المرتفعات، قليلٌ من الفرح يغشَى كلّ المدارات. يُغطّي السحاب لهجاتِ بعض أشجار اللَّيمون المزهرة. أيُّ ريح نتبع من جديد؟ […]

III

رجالٌ آخرون هنا، سعداءٌ وخائفون. أدهشيني، يا شظايا الأشياء ويا أسّتها القلوب تحت القفّازات! أنا ابنُ قرابين مرفوضةٍ ومُغتصَبة من براءةِ التّقنية وجوع الأرض. وقد صارت الأرض، اليوم، مغطاة بالندم والفضائل المنذورة لجفاف موسم الأمطار. […]

حصيرة النسيج

تشيكايا أوتامسي (الكونغو)

لقد كشفَ للتوّ سرَّ الشمس

وأراد أن يكتبَ قصيدةَ حياتِه

لماذا في دمه بلّورات

لماذا في ضحكه كرياتُ دم

كانت روحه ناضجة

عندما صرخ عليه أحدهم

رأسُ زنجيّ قذر

منذ ذلك الحين، بقي ضحكُه اللّطيف

والشجرةُ العملاقة ذات الدّمعة الحيّة

أهي هذه البلاد الّتي يسكنها مثل وحشٍ

خلف وحوشٍ تتقدّم خلف وحوش

نَهرُه كان الوعاء الأكثر أمنًا

لأنّه كان من برونز

لأنّه كان من لحمِه الحيّ

وهنا قال لنفسه

لا، حياتي ليست قصيدة

ها هي الشّجرة وها هو الماء والأحجار

ثمّ كهَنوت هذه الصّيرورة

نصحوه

أن من الأفضل أن يحبّ الخمر

ويستيقظَ في الصباح

ولكن دون طيورٍ جديدة في محبّة الأمهات.

***

لقد جَرَمتني…
باولا تافاريس (أنغولا)

لقد جَرَمتني بحذرٍ
نقشتَني
في عالمكَ كجُرح
كطَرفٍ اصطناعي
ملعونٍ وضروريّ
حوّلتَ مجرى عروقي
لتُفرغها في عروقك
ولا علاج لها
لديك نصفُ رئةٍ تتنفّس
والأخرى حيّةٌ بالكاد
اليومَ استيقظتُ مبكرًا
لطّخت جسدي الملتهب
بالتّاكولا والماء البارد
لن أخضّ الزبدة
ولن أضع الحزام
سأذهب جنوبًا
للقفز على السّور.

***

عار…
آلان مابانكو (الكونغو)

عارٌ عليك يا من تُحاصرني
في هذا الجزء من الأرض
وتمدُّ لي الطّبل لأقرعه

خُذ زنوجتك المجوَّفة
البَسها مثل إعانة
وخصوصًا، لا تنس رمحك
وحصيرتك أيضًا
نحن ننتظرك هكذا
بلباسِ جلدِ النّمر

أمّا بالنسبة للأحزمة
فليس لديّ سوى تقاطُعات
وأصداءُ بابل.

***

القدرة
ويروير ليكينغ (الكاميرون)

هناك كلماتٌ مثل المسكّنات
تُخفّف الألم وتتركُ مذاقَ النعناع
هناك نظراتٌ مثل صوفِ الخروف
تستُر وتُدفئ مداعبةً الجسد
هناك ابتساماتٌ مثل البدور
تُنير ببعض الحميميّة.

القدرة!
القدرة على النّظر
القدرة على الاكتشاف
القدرة على التّخمين
القدرة على الشمّ
والقدرة على السعادة!

إنّها عناقات مُسكِرة
ولمساتٌ كأنّها مداعبات الشمس
متخفّية وسرّية ومثيرة
تغذّي فينا طَعمَ الانتظار!

القدرة
القدرة على الإحساس
والقدرة على السعادة

إنّها مداعباتٌ مقلقة
تجعلك في حالةِ تأهُّب!
إنّها كلماتٌ تتكهّن بالمصير
وجُملٌ كأنّها مراسيم

من أجل الاكتشاف
والقدرة على السعادة!

إنّها وجوه تشبه أمثالًا
غامضةً ورمزية
تدعو إلى الحكمة
لأنّ الحياة هي المستقبل
والمستقبلُ هو أنت.

***

لوحة للفنانة الكوبية من أصول أفريقية هارمونيا روزاليس

تتمّة لبوق مسدود
أنطوان تشيتونجو كونغولو (جمهورية الكونغو الديمقراطية)

البوق
يعزفُ نغماتٍ حادة
على رموش اللَّيل مباشرةً
فتُسمَع ضحكةُ الإسفلت الذي يتجعَّد من النّشوة
والرّصيف وهو يشكو من ضغطِ الحناجر
المسربَلة بالصراخ
وهذه الطبول الضالّة
والمطارق من الخشب الملعون
والأخاديد التي تٌدحرجُ حصَى يأسي
والمياه النّتنة للأنهار التي لا تُقهر
وموسيقاها الصامتة تصاحبُ مشيتي اللَّامنتظمة
فوق أرصفةٍ مفعمة بالخوف
وشاحبةٍ من الغضب
وهذا الضّحك الذي من قارٍّ ووَرد
في شقّ الليل
ودهليز الرعب

هذا الضحك اللُّؤلؤُ ينبعث
من حياة طافحة بالهزّات والجروح
ولا يفسدها شيء
سيبقى حيًّا في فمي
وعلى قارّ شفتيّ
وفي بطني المحجمة
وأفراحي المبقورة
وحجارة أرصفتي المشتعلة
ورائحة الحريق الرائعة
وفي أنف التّائه الأبدي
إنّه زهرةٌ فوق مقبرةٍ جماعية
بالوعةُ ملاريا
ينبتُ فها بستانٌ مذهل.

***
قرية الأجداد
جان بابتيست تاتي لوتار (الكونغو)

كنا نتلمّس طريقنا إليك
تحت سماء تتزيَّن بالنار
زيتُ التّعب على كلّ الوجوه
(أنتِ حقًّا أرضُ البترول والشمس)
وكنا نبحث في الحريق
عن آثار أخرى غير رمادِ شجرة
أنت الّتي كنت غنيّة بالأساطير
حيث ظلُّ أزيز الحصاد يتلُو
بصوتٍ رتيب
ترنيمةَ شمسِ الظهيرة
مقابل لحاء شجر الأوكالبتوس
وبعض الغربان بربطاتِ العنق
تصفُ أعلاه سطورَ
مصيرٍ حلزوني

إنّها هدأة المساء
تمتدُّ إلى جذور شَعر الرأس

تقفلُ الشجرة مظلَّتها الشمسية
وهذا الكلب الغروب يُشهر
في وجه اللّيل
خطمه الدموي

تفتحُ لنا الذّاكرة ثناياها
لنعبر أمواتَنا في الأحلام
كلُّ شيء ينطلقُ ثانيةً في الجَري نحو الفجر
يصيحُ الدّيك
ويهربُ جِنيُّ الليل
حاملًا تحت ذراعه دربَ التبانة
مثل كيسٍ من الفاكهة.