الدعوة إلى إدخاله وصديقه بول فيرلين معاً إلى البانتيون لا تخلو من التسييس والإضمار الشاذ

رامبو وفيرلين في لوحة رسمها هنري فونتين- لاتور العام 1872(متحف رامبو)

كان من المنتظر أن يعمد جمع من الشعراء والكتّاب الفرنسيين إلى إعلان رفضهم الصارم للعريضة التي رفعها وزراء ثقافة سابقون وكتّاب ومثقفون مدعومين من وزيرة الثقافة الحالية روزلين باشلو، وفيها يطالبون رئيس الجمهورية إمانويل ماكرون بدفن رفات الشاعرين أرتور رامبو (1854-1891) وبول فيرلين (1844-1896) معاً في “البانتيون” أو مقبرة العظماء. وكانت هذه العريضة أثارت أصلاً سجالاً ثقافياً واسعاً وحالاً من الانقسام في الوسط الأدبي والثقافي الفرنسي، نتيجة “المعاني” التي تضمرها لا سيما في شأن الصفة “المثلية” المعروفة التي أُطلقت على الشاعرين، اللذين جمعتهما علاقة حميمة لفترة قصيرة، انتهت بإطلاق فيرلين النار على رامبو في 10 يوليو (تموز) 1873 في أحد فنادق العاصمة البلجيكية بروكسيل وإصابته في يده. وراجت أخبار بأن العريضة غير بريئة تماماً وأن وراءها مشروعاً ملتبساً يحاول دمغ الشاعرين بالصفة “المثلية” وترسيخها رسمياً ووطنياً عبر دفنهما معاً في “البانتيون” الذي لم يدفن فيه حتى الآن سوى الشاعر والروائي فيكتور هيغو. ولعل رد الفعل المعارض بقسوة للمشروع  بدر من عائلة رامبو نفسها وقامت إحدى حفيدات الجيل الثالث المتحدر من شقيقه فريديرك، بحملة معلنة قالت فيها “إذا أدخل رفات رامبو وفيرلين إلى البانتيون معاً فالعالم سيفكر فوراً بمثليتهما”. واعبترت أن هذه العلاقة الملتبسة لم تدم إلا بضع سنوات في مطلع فتوة رامبو.

بيان ورسالة الى رئيس الجمهورية

أما البيان الذي أصدره الشعراء والمثقفون المعارضون في صيغة رسالة إلى رئيس الجمهورية، ونشرته صحيفة لوموند أمس الجمعة ووسائل تواصل عدة، فكان سجالياً، عميقاً وشاملاً، وفيه فنّد المولج بكتابته الكاتب “الرامبوي” ألان بورير، أسباب رفض المشروع وتناول أبعاد العلاقة القصيرة التي جمعت بين الشاعرين، وحلل شخصيتيهما ومسيرتيهما الشعرية. وقد يكون البيان وثيقة مهمة لقراءة الظاهرة التي شكلها هذان الشاعران. وصف البيان المشروع بـ”الخطأ” بل بـ”الزلة” التي يجب عدم ارتكابها. فهذا “إدخال قسريّ للرفات” إلى البانتيون، ويخالف مشروع رامبو الشخص والشاعر، “الفتى المتمرد” والتائه في العالم.

واستشهد البيان بأبيات وأقوال عدة لرامبو تؤكد شخصيته الرافضة والمقتلعة والمهرطقة، غير القابلة للتدجين، أيا يكن، وطنياً أو سياسياً أو اجتماعياً، ومنها قوله: “وطني ينهض/ أنا أفضّل أن أراه جالساً، لا تحركوا الأحذية، هذا مبدأي”. ووصف البيان الموقعين بأنهم من الشغوفين برامبو و”المجنونين به” بحسب ما قال فيرلين. وسأل البيان: “لماذا لا تحترمون الصرخات الرهيبة التي أطلقها رامبو في “فصل في الجحيم”؟”. فهذه الصرخات لا تصبو إلى أن تُدفن في البانتيون، فرامبو يقول: “إنني من عرق سفلي” و”لست من هذا الشعب”. وبدا البيان هذا يذكر ببيان آخر أصدره الشاعران إندريه بروتون رائد الحركة السوريالية، ولويس أراغون العام 1927 ووزعاه في مدينة رامبو شارلفيل، عند الاحتفال الرسمي بإزاحة الستارة عن منحوتة نصفية لصاحب “الإشراقات”، ووقعه بول إيلوار وماكس إرنست وجاك بريفير وريمون كينو وسواهم.

لا يخفى أيضاً البعد السياسي لهذا المشروع أو “المحاولة السيئة” و”الاستعادة” التي تظن أنها صائبة، والتي “تأخذ اليوم طابعاً وطنياً معروفاً ومحدد الوجهة”. وكأنها ترمي إلى ترويض رامبو النمر الشرس، أخلاقياً وقومياً. وتساءل البيان حول إمكان دفن رامبو مع أبطال وطنيين، هو الذي قال خلال الاحتلال البروسي (1870 -1873): “أتمنى جداً لو أن منطقة الأردين (منطقته) تقع تحت الاحتلال وأن تُستنزف بشدة، أكثر فأكثر”. وهذا الكلام الذي أطلقه رامبو في أوج تمرده وسأمه السوداوي، يضمر ما تسميه الدول “خيانة” وطنية، نظراً إلى تأييده الاحتلال. أما في شأن فيرلين فذكر البيان بأن الشاعر المتناقض والشديد التناقض طلب من رفاقه في ثورة الكومونة أن يوجهوا مدافعهم إلى البانتيون.

وأورد البيان أن شاعراً واحداً كبيراً يرقد حتى الآن في البانتيون هو فيكتور هيغو من أصل 78 شخصية تستحق الدخول إليه، وإذا أرادت الدولة أن تصحح هذا النسيان فعليها أن تدفن هناك رفات شخصيات كبيرة مثل بودلير وجان راسين وموليير ولا فونتين وليوبولد سيدار سنغور وسان جون بيرس وسواهم. أما إدخال شاعرين معاً وليس شاعراً واحداً أي “ثنائياً مثلياً” ضمناً، فهذا ما لا يبدو بريئاً. فهل يدخلان لإبداعهما الشعري أم لعلاقتهما؟ ورأى البيان أن الجمع بين الاسمين هنا هو تبسيط بيوغرافي وخطأ أدبي لأنهما ليسا من القامة نفسها. وطرح البيان بعمق قضية العلاقة بين الشاعرين، فرامبو لم يكن مثيلياً طوال حياته، وعلاقته بفيرلين يصفها فيرلين نفسه بـ”الحلم السيء”. وهي أشبه بموقف تحريضي ضد الأخلاق البورجوازية، كما كانت تُفهم في السياق الأخلاقي في ذاك العصر. ومعروف أن فيرلين كان متزوجاً وكانت له مغامرات عشقية مع نساء كتب عنهنّ قصائد. أما رامبو فعاش مغامرة مع امرأتين في عدن إحداهما حبشية وكاد أن يتزوجها. وقال البيان: “أيها الرئيس المنتبه للرموز، لا ترتكب هذه الزلة، لا تقتلع رامبو من أرضه الأم. دع رامبو الذي نادى بـ”الحرية الحرة” يرقد بهدوء بين أهله. ومن جهة أخرى رأى البيان أن في هذا المشروع ضرباً من الأمركة التي تغزو الثقافة الفرنسية وتلوثها كل يوم، وحتى اللغة الفرنسية.

علاقة مضطربة

معروف أن فيرلين عاش حياة عاصفة ومضطربة لم يعرف خلالها الهدوء والسكينة اللذين طمح إليهما. ولئن كان بدأ حياته متمرداً وعابثاً ولامبالياً فهو تزوج وذاق القليل من الهناءة العائلية. لكن لم يمضِ على زواجه عام حين تعرف إلى رامبو واشتعلت العالقة بينهما. كان رامبو قرأ بعض قصائد فيرلين في بلدته النائية شارلفيل، وأعجب بها فراسله معرباً عن رغبته في التعرف إليه. وسرعان ما أجابه فيرلين كاتباً إليه: ” تعال، أيها القلب الكبير الغالي”. وفي العاشر من سبتمبر (أيلول) العام 1871 التقى الشاعران. كان فيرلين في السابعة والعشرين ورامبو في السابعة عشرة ولم يكن زار باريس من قبل. ولم يهرب رامبو من بلدته إلا ليحقق حلمه كشاعر وليحيا حياة التشرد والصعلكة متمرداً على المجتمع والعائلة والأخلاق، مغامراً مغامرة الحرية بلا شرط ولا ندم. وظن رامبو أنه سيجد في فيرلين مثيله أو قرينه وأن لقاءهما سوف يتحول إلى مغامرة شعرية وحياتية سافرة. لكن صورة فيرلين صدمته في البدء إذ وجد فيه شخصاً منهكاً وقلقاً ومرتبكاً وعلى مقدار من الرزانة. وظل رامبو يحرضه على التحرر حتى نجح في إخراجه من جوه العائلي الرتيب وحياته العادية. وراحا يرودان الملاهي والمقاهي ويعيشان حياة بوهيمية بامتياز. وما لبثت حياة فيرلين الزوجية أن تحولت إلى جحيم تبعاً لذاك الفتى الذي كرهته الزوجة (ماتيلد) أيما كراهية. ولم تقتصر مغامرة الشاعرين على التشرد في باريس بل سافرا الى لندن وبروكسيل بعدما خاضا ثورة “الكومونة” معاً.

وفي حياة الحرية والتشرد ظل فيرلين متردداً تردده الطبيعي، يحن أحياناً إلى حياته العائلية. ولم يكن رامبو يخفي امتعاضه من تردد فيرلين وجبنه أمام الحياة الجديدة، حياة “الشاعر الرائي” المشرعة على المغامرة والمتفلتة من أي قيود. لكن علاقتهما الحميمة لن تدوم طويلاً ولا بد أن تنتهي نهاية مأسوية بعدما حفلت بالحب والإثم والفوضى والجنون والتوتر والبؤس والفقر والحلم والبوهيمية. فها هو فيرلين يطلق النار على صديقه في العاشر من تموز العام 1873 في بروكسيل فيصيبه في يده ثم يدخل السجن ليمكث فيه قرابة عامين. وحين يخرج من السجن يلتقي رامبو مرة واحدة وأخيرة على الأرجح. وفي نهاية ذاك العام (1875) يكتب كذلك رسالته الأخيرة إلى رامبو وكأنه يريد أن يتخلص منه نهائياً ليبني حياة جديدة ستكون مأسوية وملأى بالخيبات والمغامرات الصغيرة الفاشلة ولكن بالإيمان المسيحي أيضاً. أما البيان الذي رفعه جمع من الشعراء والمثقفين في صيغة رسالة إلى رئيس الجمهورية فحمل تواقيع أسماء كبيرة في مقدمها الشاعر أدونيس الذي يحمل الجنسية الفرنسية مع السورية واللبنانية وميشال دوغي وغي غوفيت والطاهر بن جلون وبرنار نويل وجاك ريدا وفلورنس دوليه وعبد اللطيف اللعبي وسواهم من نقاد يؤلفون “عصبة” اصدقاء الشاعر رامبو.