بريد السماء الافتراضي.. حوار مع الشاعر العراقي يوسف الصائغ

الشاعر العراقي يوسف الصائغ (1933- 2005/ الصدى نت)

كان واقفًا تحت شجرة التفاحات الأربع، وفي يده باقةُ سنابل، مع صليب من خشب الزان. لم نكن نعرف ما سبب انتظاره في محطة القطارات تلك، لولا طائر السراب (جيكو)، الذي سرعان ما حط على الأرض بين تلال الزئبق، ليهبطَ من على جناحيه النحاسيين الشاعر العراقي، يوسف الصائغ، حيث كنا في انتظاره في الرابعة فجرًا، بعد أن وصلنا قبله بخمس دقائق إلى المكان المتفق عليه.
وما إن بدأت بمغادرة المحطة، وسط ضجيج الركاب، وصراخ المشردين، وأغاني السكارى وقدامى المحبوسين، ممن كانوا يستأنسون بأحضان نساء كنّ بجلود مدبوغة بأختام النار، حتى هبطت علينا غيمةٌ حمراء، سرعان ما التقطتنا لنختفي عن المحطة وقطارها الإلكتروني بسرعة البرق.
غادرنا المكان طيرانًا في تلك الكتلة الهلامية من السحاب. وكنا من علوٍ، ننظرُ إلى تلك الصحارى والبحيرات والملاهي ومقرات الأحزاب والمدافن ومباني السجون المُشيدّة على الأرض، وأعيننا تغرورق بالدموع وصوت النحيب الرّنان.
ومع التغلغل البطيء للغيمة في منطقة الكشف عن الأرواح والنوايا والذكريات، باشرنا الحوار مع الشاعر يوسف الصائغ، بالسؤال الافتتاحي التالي:

يوسف الصائغ (الصدى نت)

(*) ألا تعتقد يا يوسف، بأن المخلوق البشري نُوتةٌ تخرجُ من الرحم لتنمو على سلالّم الوجود الموسيقية؟
هذا ما يمكنُ الإيمان به بقوة.

(*) هل عشت شهورًا من الموسيقى وأنت في رحم أمك يا يوسف؟
كنتُ مندمجًا بالإيقاعات إلى حدّ الفتنة. فعوالم النزل، أو الفندق الأول، الذي خرجت منه، كانت مفتوحة الآفاق، مثلما كنت أحسُّ بذلك.

(*) أكان الرحمُ فندقًا، في رأيك؟
بالضبط. ولكن رحم أمي كان دار أوبرا، كما كنتُ أراه. وفي أحايين أخرى، يضيقُ عليّ ويصبح غرفة لاجتماع حزبي.

(*) كيف تعلّمت الاندماج باللغة الشعرية؟
كان الدرسُ الأول في الرحم، يوم كنتُ ألتقطُ الكلمات بمختلف الايقاعات، وأكتبُ لأمي أول قصائدي المُرتَبِكة.

(*) وهل راجعتَ ما كتبتهُ من شعر بعد ولادتك؟
لا، وأبدًا. فبعد أن تفتحَ الوجودُ أمامي، سرعان ما هرولتُ إلى الانغماس الفوري بالعالم. شعرتُ بأنني مولودٌ لنوعٍ آخر من شعر الافتراس.

(*) وكان ذلك بفعل ما في داخلك من ذئاب، كأن تصبح شاعرًا؟
لا. بل برغبة أن أكون شيطانًا يغادر الحضانات الأولى للشعر، ويسافرُ نحو عواصم أكثر ملاءمة من الأرحام، بإنتاج الشعر، ونمو بويضاته بأفران متفاوتة الحرارة والمشاعر والانتماءات.

(*) تقصدُ تفتحَ زهرة الماركسية اللينينية في جوفك.
بالضبط. ذلك ما حدث، عندما بدأت البلشفية بطمر بذارها في تربتي.

(*) لتصبح فلاحًا شيوعيًا!
لا. بل لأكون فلاحًا على الورق، وعاملًا يؤتمن عليه في مصانع اللغة.

(*) ما المسافة الفاصلة ما بين الشعرية والأيديولوجيا، في رأي يوسف الصائغ؟
يقينًا، المسافة منعدمة تمامًا.

(*) كيف. أو لماذا تعتقدُ بذلك؟
ربما لأن تربة الشعر رقيقة، ولا تحتمل أفعالَ الأدوات الحادّة لكلّ من المنجل والشاكوش.

(*) ألا تظن بأن قولًا كهذا يهددُ مستقبلك السياسي، وربما يتسبب في طردك من الحزب الشيوعي؟
التهديدُ الإرهابي في العراق يشملُ كلّ الكائنات الحيّة. بما في ذلك حياة النملة العابرة، أو

العاملة التي تحملُ حبةَ القمح على ظهرها، فتموت على الطريق شهيدة الحرية، قبل أن تبلغَ منزلها.

(*) وماذا يقولُ الشِعرُ عن ذلك. ألا يحتجُ، أو يقاتلُ؟
يحتجُ بباصات نقل الركّاب، عندما تحمل المحتجين والمعارضين، ومرضى التعذيب والقهر والاضطهاد، وتودعهم في الصحارى والسجون، وفي مجاري الهجرات السريّة للمنافي.

(*) ألم تجد في السلطةِ جماليات؟
نعم. وكل تلك الجماليات من صنع أدوات التعذيب، أو من رائحة المقبرة.

(*) إذا كان الأمر بهذا المشهد الحديدي القذر، فلماذا على الشاعر أن يكون سياسيًا؟!!
لأن السياسةَ مرضٌ ينتقل بالعدوى، أو بالتلقيح.

(*) إذا أدركنا العدوى بسبب مرض ما، فما قصدكَ بالتلقيح؟
عندما تقوم بعض النظريات على مفهوم فتح الأبواب في الجسد من دون تابو، فمن نافل القول إن التكاثر الحزبي سيتم بواسطة التلقيح المتبادل ما بين الذكوري والأنثوي لصناعة العضو.

(*) صناعة العضو! تقول يا يوسف!!
أجل. العضو الحزبي.

(*) كم نسبة الرومانسية في بنية العضو؟
مثلما تبدأ أعضاءُ الأحزاب أعمالها في السرّ، وتحت الأرض، وفي السراديب، متوترةً دائمة الذعر، فستبقى الرومانسية الأيديولوجية متنعمةً بالشرط السياسي المعقم من الكفاح المسلح ضد الديكتاتوريات.

(*) كيف وجد يوسف الصائغ نفسه في الموجة الصاعدة للشعر الحرّ، منذ بداية ظهوره في العراق؟
كنت فقيرًا بأدواتي الأولى، إلا أنني سرعان ما أنعشتُ نفسي برائحة الشعر الحرّ، لأصبح من المُتدرّبين المتحمسين لتلك الموجة التي أدخلت المياه إلى أرواحنا ودفاترنا ولغتنا التي كانت محط نقد ثبوتي جامد.

(*) هل النقدُ هو منْ حَرّك عجلة الشعر الحرّ في بلاد الرافدين قبل غيره من بلدان العالم العربي؟
لا، ليس ذلك بالتأكيد. الذي استعجلَ بذلك الانقلاب الشعري كان متعلّقًا بفكرة الثورة على

القوالب الكلاسيكية التي كانت سائدة شعريًا على العرب منذ قرون وقرون طويلة. وبديهي أنه كان علينا كسر النوافذ المغلقة، والخروج من السراديب إلى الفضاءات الواسعة.

(*) وفي رأيك، ممن تحرر الشعرُ ليكون حرًّا؟
من هيمنة أوزان البحور، والرنين المأتمي للقوافي، والشرح، والسردّ، والحساسيات المتوفاة.

(*) وهكذا نجحتم في إخراج الشعر من المأتم الكلاسيكي الصحراوي، إلى المرقص الرومانسي المديني بعطور شانيل، أليس كذلك؟
على الرغم من نحول عضلاته، وضعف جسمه، إلا أن الشاعر بدر شاكر السياب هو أول من تأثر وقفز من سجن غوانتنامو الخليلي إلى خارج حدود الأنظمة القديمة التي كانت تتحكم في حركة العقل والعواطف والقلم والسلّم الوزني على الورق.

(*) وفي اعتقادكَ، ما الذي يُبدلُ في مسيرة الشعر ما بين العمودي والحرّ والتفعيلة وقصيدة النثر والهايكو والنانو؟
ليس غير التوكيد على أن الشعر مجموعة ألغام تستجيبُ انفجاراتها إلى تحريك الأنفس، مع ترك الواجبات التي تفرضهُ علينا قواعدُ كتابة الشعر.

(*) وبقية الفنون المتنوعة التي كنتَ تتفاعل معها مسرحًا وروايةً وفنًا تشكيليًا، هل كانت مُعرقلةً للشعر في أثناء كتابتك له؟
عندما أذهبُ إلى الشعر، أحسُ بأنني مُخلّص جمركي لكلّ المتاعب والأحزان والكوارث. وبعكس ذلك، أنا رهينة لبقية الفنون.

(*) ماهي مواضع الشعر والرواية والرسم والمسرح والمونتاج السينمائي في خريطة جسد يوسف الصائغ؟
الشعر وفقًا للتقسيم، حسب المناطق الجغرافية، فإنه في مجرى الروح. أما موقع الرواية، فيتمركز في العقل، فيما العينُ هي مقر للرسم. والوجه للمسرح مع اليدين. بينما السينما، موضعها الجمالي يقعُ في القلب.

(*) وأين موقعُ الحبّ؟
لا موقع للحب في داخلي. كأنه تنورٌ مهجورٌ في خِرْبة على طريق الجحيم.

(*) هل كان وضع ذلك الحب قبل الارتباط بـ(سيدة التفاحات الأربع)، أم بعد رحيلها الذي سبقتك فيه عن الأرض؟
لقد تعدّدت صور تلك المرأة، وتعدّدت أصواتها، في نصوصي الشعرية، بعد ذلك الموت. كأنها عاشتْ نجمة في مقبرة، كما كنت أحس في بداية موتها.

(*) هل كان الخوفُ، أو الذعرُ، سببًا في تعدّد تلك الأصوات في قصائدكَ، يا يوسف الصائغ؟
نعم. كان جسدي مجموعة سراديب وكهوف ومعتقلات للغربان والذئاب والتماسيح والمخبرين وشرطة الحواس. لم أرَ جسدي يومًا يجلسُ على كرسيّ وراء شناشيل، وينظرُ بالعينين إلى

هلال، أو قمر، أو بدر، وحتى إلى صورة شمس منسيّةٍ على مصطبة من مصاطب الليل. أو يقفُ على شرفة مفتوحة المدى، ويتأملُ وجوده في العالم. كنت كما الجرذ المذعور الذي تتناقلهُ التجاربُ من مختبر إلى آخر.

(*) هل فكرت في الانتحار يومًا ما من تاريخك الأرضي. أو لماذا فضلت التعذيب والقهر والذعر اليومي على الموت بطريقة الساموراي؟
لم تكن لديّ الشجاعة لأفعل ذلك. ربما بسبب تلك الكوابيس التي كانت تقوم بتدرّيبي على أن أكون شاعرًا مُنارًا بالقسوة.

(*) هل كنتَ تتمثلُ السيد المسيح في الصلب ودرب الجلجلة مثلًا، أم كنت مسحورًا بما زرعهُ فرانز كافكا بشخوص رواياته؟
كان المرض الأيديولوجي يمخر في عظامي، وبقدر ما كان وقحًا وصَلْفًا، حتى جرى ذلك الانقلاب السياسي، لأستريح من الأشباح، ولو نسبيًا.

(*) من الذي يتأذى أولًا في جسد الشاعر: العقل، أم القلب؟
لا هذا، ولا ذاك، إنما الذي يُوجع حقًا هو ورقُ التاريخ الشخصي.

(*) ومصيرُ النصوص؟
ما إن تسقط الرايةُ الحمراء من يدك، أو تُقطع اليدُ وتُرمى الراية منكسّةً، يكون عليك الفِرار من الرعب الجسدي والنفسيّ، ومنح الرقبة والسكين للنصّ، ليفعل ما يشاء.

(*) يبدو أن يوسف الصائغ قد تحوّل بفعل الحزبية إلى كائن شيزوفريني متعدد المخاوف والمواقف والمحطات والرؤى.
تمامًا. فما من حزب إلا ويملك خانًا لتربية المواشي قبل إطلاقها في البراري.

(*) من أجل اجترار الأعلاف والنظريات الأيديولوجية، تقصد.
ذلك ما كان حقيقيًا، ولا مَناص منه في العالم العربي، وإلا فالصعود إلى المشانق أسهل من الاستلقاء على سرير، حتى لو كان طاردًا للنوم!

(*) كيف ترى العلاقة ما بين الشعر والموت؟
هما مجرى الزمن قبل فكرة الحياة. فالشعر، وإن كان أقوى الأعضاء الفنية المناوئة للغياب

والتغييب، إلا أن الشاعر الفذّ عادةً ما يضع جبينهُ على جبين الموت، ويندمج الاثنان بقراءة ما تستحدثه المخيّلةُ من معلّقات ما بعد العدم.

(*) وفي رأي يوسف الصائغ، لمَ الانتماءُ إلى التراجيديات؟
لأنها الملاذ الآمن، والأكثر حيويّة، من الكوميديا، حتى لو كانت سوداء.

(*) وما درجةَ ظلمةِ نفسك في تلك الأرض يا يوسف؟
حالكة ومتكاملة الملامح في الاحتراق، مثلها مثل روح مالك بن الريب، عندما تحاكى مع الموت عبر حصانه.

(*) وأنت في موتك، مع من حكيتَ؟
حينما دخلتُ البرزخ، لم أجد في طريقي سوى اثنين: فلاديمير لينين، وميشيل عفلق. واحدٌ بلبلٌ أحمر، والآخر غرابُ مقبرة. ولكنهما كانا جالسين إلى طاولة عامرة بالأفخاذ وزجاجات الخمور، من الفودكا، وعرق الريان السوري.
وما إن دعاني الرفيقان لاحتساء كأس الزقوم، حتى انغمستُ في الكحول انغماس عاشق مشغوف، إلى أن ظهر علينا ستالين المنتظر.

(*) ثم ماذا حدث بعد ذلك، يا يوسف؟
لم أع شيئًا من تلك السهرة، فكل ما أتذكرهُ أن ستالين سحب غطاء الطاولة، لتتطاير فوقها الرؤوسُ مع الكؤوس، لنستقرَ مع كل أهل الأرض في جهنم.

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/interviews/2020/9/22/