أسعد الجبوري

ثُعابينُ الأرشيف

 كورتاج لمخلوقاتِ الرمل والجنّ والجَرَاد

رواية

 

 

 

 

 

1

 

في تلك الليلة الضريرة، نزلتُ في رحم تلك المرأة نقطة حليب ضالّة، قُذِفَ بها وسط ظلام حارٍ وموسيقى كثيفة، تصاحبها رائحةُ عطر صنوبري ،ربما كان قادماً من غابة (سان لوران) أو الأمازون .

يا لها من نشوة. أن يَقذفَ بكَ أحدهم إلى مكانٍ ما، فيصبح من ممتلكاتك في الحال.وبورقة طابو  بالخط العريض :هي سندٌ قانوني يضمنُ أحقيتك بذلك العقار المعتم الذي سرعان ما تكتشفُ بأنك استوليت عليه عنوةً،بعد أن فزت بالضربة القاضية ضد ملايين من خصومك المتوحشين،لتكون بطل اللِّقاح الأسطوري الأول.

اعتبرتُ الرحمَ أوتيل لموجات من الحيامن الذين أتتْ بهم الأمواجُ إلى هناك. منهم من احترقت به شهوتهُ ،فتدهور مسرعاً بنطح الحائط ولم يبقَ حيّاً.ومنهم من ذهب بين القنوات كالزبد المنتهي الصلاحية،تاركاً السرير الداخلي لتلك المرأة في دوامة الفراغ.ومنهم حيوانٌ منوّي واحدٌ،هو الأقوى من بين كل أولئك البرابرة السوبر – إيروسيين،يخترقُ جبهات الجيوش ويحطم أعناق الوحوش،ليحتل ذلك الرحم،ويستحوذ على صندوق رسائل العاشقين المختومة بالزلازل والأمواج والاضطرابات.أليس الرحمُ حَمّام الشعوب ومترو الأرواح؟

أنا الآن في الأوتيل الشبيه بمصباح أسود !!

لا أعرف لمَ ظننتُ بأن الرحمَ مصباحٌ مطفأ، أو ما يشبههُ في تلك الصورة التي قفزتْ إلى ذهني الذي لم يتشكل بعد.كنت أفكر بالطريقة التي يمكن للنقطة أن ترى الآخر بعينين يقظتين.فليس حريّاً أن يأتي بي أحدهم من العدم ،ويقذفني في مجرى الحياة ،دون أن أتمكن من رؤية مخلوقات العالم الداخلي ،مادام زر النور ضائعاً،ولم أصل إليه؟

ما من امرأة حُرّة بأنوثتها،وتتركُ رحمها مَهجَعاً للنوم فقط.لابد من نور يوقظ الطريق من السرير إلى باب الأوتيل الذي أنا فيه الآن. لذلك وجدت لذةً بضرورة الاكتشاف .فاستعملت شريط المعلومات الجيني بالبحث عن زر النور المتخيّل ، وأين يمكن أن يكون موقعه من تلك الجدران اللَدُنة؟

لم أصل إلى نتيجة من وراء تلك التساؤلات.فلقد امتلأتُ فزعاً من كثافة الظلام ولزّوجته في بداية الأمر، خاصة وأنني مخلوق جديد الإقامة في مكان جديد، لم يستطع تفحص كامل مرافقه، ابتداءً بالمهبل وعنق الرحم وإلى الرحم والمبيضين وقناتي (فالوب) في ذلك الجسد الذي انتصرتُ بزراعة نفسي بتَنّورهِ المُلْتَهب.

خيبتي من عدم وجود زر ضوء في ذلك المكان من جسم أمي، وَلّدَ عندي فكرةً للبحث عن تخت، لأخذ قيلولة طارئة. وهو ما قمتُ به بالسرعة القصوى، وذلك عندما أقنعت نفسي بأن الرحم، ليس غير سرير مقعر بلا قوائم، ولا تحيطُ بفِرَاشهِ الوَثير مساندٌ.

منذ ذاك الوقت، أرتبط مصيري كجنينٍ بذلك السرير اللحمي، ارتباطاً عضوياً. فهو حاضنتي في الحياة، ومن دونه العدم. وكان على فارس الحب، أو الرجل الذي يدّلو برحم أمي دَلْوهُ الغرامي ، أن يحرر الطريق ما بين (قناتي فالوب) أولاً، لتكون سالكة، وتصلحُ لنقل البويضات من المبيض إلى الرحم بسلاسة، ودون عوائق تحول دون إخصاب البويضات.

كل ما أتذكره، أن شيئاً تم بلحظة خاطفة من تلك الحفلة المَاجِنة الصاخبة.

شيء يشبه الثعبان الأملس، يقتحمُ مستودع الخلق، ويقذفني مع ملايين من تلك المخلوقات الخام التي لا ترى بالعين المجردة. بعدها بدقائق، يتم الانسحاب التدريجي لذلك الثعبان، ليكون خارج الرحم مرة أخرى.

لم أدرك حجمي بالضبط. ، فآنذاك لم أكن أعرف عن وحدات القياس شيئاً.

كل ما أتذكره، أنني نطفةٌ مهملةٌ على سرير من اللدائن الدافئة داخل جسد، لا يتوقف عن الحركة أو النمو أو الصراخ، ولا عن التعارك الذي طالما يُولّد الشرر من خلال شدّة الاحتكاك.

 

نواة:

 

لا أعرف على وجه الدقة، من ألقى بيّ في ذلك الأوتيل؟

فالفاعل في مكان وأنا في آخر، ولم يكن بيننا إلا رائحة اللحم وصرير العِظام ولذّة التأوهات وبعض الموسيقى وكميات كبيرة من الفشار المتبادل ما بين مخلوقين، كانا يمارسان الحبّ على سرير مقام فوقي. والرحمُ الذي وجدت فيه نفسي مذابةً ،ليس مخدعاً لرجل حالم وحسب ،بل هو روايتهُ في كلّ كتاب ،ما دامت نقطةٌ من مَنويّ الخليّة التَّناسليّة الذَّكريّة التي تتَّحد بالبيضة أي : بالخليّة التَّناسليّة الأنثويّة لتكوّن الزّيجوت،تشكل كل السيرة الذاتية للكون وللتكوين بالمطلق.

 

كم خشيت أن يسقط ذلك السرير عليّ من هوّل الاهتزازات، فيتسبب بخنقي، وأذهب هدراً دون أن تكتمل صورتي خارج ذلك المصباح اللحمي.

على ما أتذكر. فكل ما حدث يومها، كان يشبه طقساً من الرومانسية المنعشة المتهتكة.

ربما كان ذلك تمريناً أولياً.

عرفت ذلك، من خلال شعوري بهوّل القذيفة التي وضعتني مع ملايين الحيامن في مدار ذلك المكان الدافئ، ليتم بعدها اختياري، فأكون النطفة المُلقِّحة لتلك البويضة التي ظهرت من المبيض فجأةً لمعاكستي، وكانت أشبه بغانية أثقلها فستانُ الزفاف ومساحيقُ الماكياج.

لم يمضِ شهرٌ على وجودي نطفةً في ذلك الرحم، حتى توسعت رؤيتي لمحيطي، ورغبتُ لو كان لي في الجوار بعض المنازل، لأتزاور مع سكانها.

إلا أن ذلك لم يكن بالأمر الممكن. مما زاد من حنقي على وجودي في ذلك المكان، وملأني بحزن بارد، سرعان ما قادني إلى الانكفاء على نفسي، بعد أن فقدت الأمل من العثور على توأم لي في ذلك الرحم المتقلّب المزاج الشبيه في بعض الأحايين ببئر مظلمة متحركة المياه.

لا أدرك كيف يمكن لنطفة أن تنام على سرير أو في كيس مطاطي وسط ظلمة، طالما تخفُّ كثافتُها أثناء الجماع، فتصبح شفافة إلى حدّ كبير، فيما هي نفسها، تكون مدلهمة كغيمة سوداء الصوت والصورة  بمجرد أن ينتهي العمل الجنسي؟

كنت راغباً منذ البدء بتوسيع رقعة أفكاري النُّطْفَوية، في محاولة لتجاوز مرحلة التكوين الابتدائية إلى مرحلة (العَلَقة). ففي المرحلة الثانية، يمكن العثور على تربة حافلة بمختلف الفلزات، قد تصلح في بناء عوالم النفس الغرامية والاجتماعية والفلسفية وتداعياتها بشكل مبكر.

كان نومي في ذلك الكيس – الدهليز  السرير، يشكل تَحَدّياً أولياً لوجودي.

لضيقهِ أولاً. وثانياً للزوجته وارتباطه بخيوط هرمونية، لا أحبذ السباحة في صمغها، الأمر الذي كان يدفعني إلى القيام بتدرّيب جسمي المتناهي الصغر على الاختباء في زوايا الرحم الصعبة، فتَارَةً كنت ألتصقُ بأعالي السقف، وتَارَةً تجدني مغطى بالغشاء المخاطي في أسفل القاع، ومرات أجد كتلتي مرهقةً وضيقة الأنفاس، مما يضظرني إلى البقاء بعيداً عن بقايا ذلك الزبد الذي عادة ما يترك ملايين الحيامن فضلات، وهي تطفو في مجاري الأزقة والزواريب وأخاديد الرحم السريّة، لتُطرح بعد هدوء الطوفان خارجاً.

مع نموي المضطرد داخل الرحم، كان ثمة نمو آخر يجري خارجي.

شعرتُ بذلك من خلال الأصوات التي كانت تخترقني بإيقاعاتها، وأنا مرمي كالمضغة السوداء تحت جنح الظلام. كنت أمتصّ الأصوات امتصّاص الإسفنج للسوائل، ودون أن آخذ من الزمن وقتاً طويلاً.

فأنا في ذلك الوقت العصيب، ما كنت لأقوم بشيء، سوى الاستمرار بمحاولاتي المتكررة للاستماع إلى ثرثرة الخارج، وتفكيك معاني تلك الأصوات التي كانت تمثل لي سلسلة طويلة من الرموز والشيفرات المُعقدّة.

استطعتُ. . وبعد الاستغراق الطويل بتتبع مصادر تلك الأصوات، التعرف على هويات أشخاصها، ومن ثم الانخراط في حيواتهم وأحداثهم الجارية في العالم الفوقاني، حتى شعرتُ مع بدء ذلك العمل، كما لو كنت أقوم بمغامرة بوليسية لتعقب أصوات مجرمين لا ثقة لي بعلاقاتهم مع صاحبة الرحم الذي كنت أعيش فيه. هكذا اعتقدت، وبشكل مبكر، أنه ما من صوت إلا وله ظاهرٌ وباطنٌ.

هل ثمة خطأ باعتقاد من ذلك القبيل؟

لا أعرف. ولكنني أدركتُ منذ ذلك التاريخ الذي تعلمت فيه أن أكون تلميذاً مستمعاً لجميع الموجات الصوتية التي كانت تمر فوق السُّرّة.

ضحكتُ من كل تلك التفاصيل التي تحدث لي، وأنا في طور النطفة . فهل من المعقول أن يحدث لي كل هذا الذي يحصل وأنا في ذلك الطور من التكوين؟!!

أنا متأكد بأن ما يقع لي، هو حقيقة مركبّة على خيال سحري مبالغ فيه.

فكيف لمُضْغَة صغيرة، أن تحاول حرق المراحل، بالعبور إلى ما وراء العلقة؟؟

كنت أقول ذلك لنفسي وأضحك بعمق من شدّة هوّل المخيّلة، عندما تحاول التفتيش عن معنى خاص بكياني في العالم الخارجي. عالم ما يسمى بالمخلوقات الحيّة من أقوام البشر، وأنا لم  أبلغ مرحلة ما بعد النطفة!!

 

هامش للسرد:

 

ثمة شيء غامض كان ينقل لي صوراً وحكايات عن العوالم المختلفة التي كنت أجهلها.

فليس بمقدوري كمضغة كنطفة كعلقة، أن أعرف كل تفاصيل عوالم الأرض وأحداثها بتلك السرعة الفائقة وأنا حبيس في ذلك القمقم المرعب.

ثمة كائنات سحرية غامضة، هي من كانت تَسْبُرُ كتلتي اللحمية بنوع من الأشعة الباردة، حتى تقوم بشحني وتزويدي بتلك المعلومات.

وبمجرد أن تنتهي فترة ضخ المعلومات في جسمي، سرعان ما تختفي تلك الكائنات من ذلك الرحم، دون أن تترك أثراً يخصّ وجودها.

آنذاك. . أبدأ أنا بالتحليل والتفسير وفكّ طلاسم تلك الأفكار والأوامر والوصايا والتحذيرات والنصائح، إلى أن جاء ذلك اليوم الأسود بالمؤامرة التي كانت تُحاك ضدّي.

فبعد متابعة مطولةٍ لصوتين من تلك الأصوات المخزونة بداخلي، والواردة إليّ عبر القنوات الموصلة للصوت، شعرت وكأن رجلاً حديدياً ما، كان يمارسُ ضغطاً هائلاً  على تلك المرأة التي كانت تحملني ببطنها، من أجل أن تتخلص مني، فتسقطني من رحمها، ليتحرر الاثنان من خطيئة، تسببتْ بها شهوةٌ عابرة لإحداهما، وأنتهي أنا بالإجهاض: قطعة لحم للكلاب!

لم أنمْ بعد سماعي لبعض التفاصيل الخاصة بمحاولات قتلي في ذلك الرحم.

لذا كرّستُ جلّ وقتي من أجل معرفة كلمة  “كورتاج” التي كانت تتكرر على مسامعي بكثافة. وعندما توصلت إلى معرفة الكلمة ومصدرها، تأكدتُ من أن جريمةً باتت تدبرُّ ضدّي، وإنها ستستهدفني في أي وقت قادم أو لاحق. وما علىّ إلا منع حدوثها بأية طريقة من الطرق.

كنت أثرثرُ دون وعي مني، بل وكانت كل أفكاري تثير الضحك والسخرية على حد سواء.

وإلا فكيف يجوز لنطفة ضالّة تختفي في بئر سحيق، أن تتحكم بأعمال مخلوقات كاملة الأجسام من سلالات البشر في الخارج؟!

هل يكون بمقدوري أنا النطفة، استعمال البريد الاليكتروني وكتابة ملايين الرسائل والريبورتاجات لمناداة المنظمات الإنسانية ومطالبة شيخ الأزهر ومراجع الشيعة وقداسة البابا بالتدخل العاجل من أجل أن يوقفوا عملية الإجهاض التي كانت على وشك الحدوث لي، وبالتالي لتنقذ النطفةُ حياتها وتستريح من القتل العشوائي داخل ذلك المعتقل المعتم، خاصةً وأنني جنين سليم، لم أعانِ من خلل في الكروموسومات لأستحق الموت إجهاضاً؟!!

في تلك الليلة. . وعلى الرغم من عدم قدرتي على النوم، إلا أنني رأيتُ في حلم من أحلام اليقظة تظاهرات ضخمة مناوئة للإجهاض، وهي تجتاح شوارع العالم. فيما كانت سيارات عصابات المافيا تقوم بمطاردتي ما بين أزقة المدن وبين دروب متناثرة  السهول والوديان وفي أعالي الجبال، وكأنني خطيئة شعوب الدنيا، ويجب التخلص مني بأي شكل من الأشكال والصور، حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب جريمة !

لم تمض ساعات على ذلك الكابوس، حتى استعدت رباطة جأشي، لأرى شيئاً ما، وهو يقوم بتوسيع مجرى عنق رحم أمي، فيظهر بوجهي وأنا في جوف ذلك المكان المعتم.

كان الزائر الأول هو رأسُ آلة كهربائية شبيه بالملعقة، دخلتْ الرحمَ من أجل التقاطي وسحبي إلى الخارج.

لكن. . وما أن أدركتُ أنا بمسار تحرك تلك الآلة الباردة التي أرادت البدء بعملية الكورتاج، لجَرف جثتي وقحطها من الرحم بواسطة (المكحتة) المعدنية اللعينة، حتى انكمشت على نفسي مثل بَقّة راحت تشدّ على نفسها وتتقلص بشكل هائل، لتبتعد قدر الإمكان،تاركةً تلك الآلة تسبحُ في خيبتها، وهي تدور في الفراغ دونما طائل.

 

هكذا جرى المشهد ،بعدما فضلتُ أن ألعبَ لعبةَ القط والفأر مع تلك الآلة القاتلة، على غِرَار ما كان يحدث ما بين توم وجيري في أفلام الكارتون.

فكلما حاولت المكحتة الغوص في الرحم أكثر، كنتُ  ألَبِدُ في هذه الزاوية أو تلك، مفسحاً الطريق أمام تلك الآلة للبحث الحرّ في الفراغ.

كنت أدرك حركة آلة الموت تلك بواسطة الحرارة. وكم كان علىّ ذلك شاقاً.

كان لطبيب الكورتاج أسوةٌ حسنةٌ بتلك الثعابين التي  تستهدي على ضحاياها بواسطة الألسن ذات الشعبان في التذوق والشمّ معا.

ذلك ما حصل لي بالفعل. . . تموهن بدور ثعبان من فصيلة النانو، وعندي عضو يسمى (عضو جاكبسون) يتموضع فوق لثتي، ويقوم بتحليل الروائح وإرسالها للمخ، من أجل إدراك حركة جسم تلك المكحتة باعتبارها مخلوقاً قاتلاً.

هكذا كانت تمرُّ أمامي أفلام الرعب بالمئات يومياً، الأمر الذي يرفع منسوب الخوف في خلايا كتلتي، ويجعلني أشبه بفُلْفُلة حمراء حارّة من شدّة هوّل تلك الألاعيب التي تريد أن تسحقني بين مخالب الآلة الجهنمية قبل بلوغي مرحلة تكوّن العظام.

كانت الآلة تدورُ بالرحم بحثاً عن جنين الخطيئة، لتغرفهُ من هناك مُقطعاً مفروماً، ومتحولاً  إلى نفاية. لكن المكحتة تتعب، تتصبب عرقاً.

كنت أراها وأنا ملتصق بسقف الرحم، بعد ما قررت المواجهة وعدم الاستسلام لآلة الطبيب المجرم. ولو كانت المكحتة مخلوقاً من لحم ودم، لعرفتُ كيف أقومُ بتأديبها. ولكنها خليط فلزات تنتمي إلى الحديد والمعادن الشبيهة به.

ما أن تم انسحاب تلك المكحتة من جوف الرحم دون تحقيق أي هدف، حتى التقطت الأنفاس وسط ذلك الظلام الرطب، وأنا أقوم برفع أصبعي السبابة والوسطى إشارة النصر وسط موجات هرمونية كانت تقوم بعملها لتنشيط خلايا بطانة الرحم.

وربما من أجل أن توفر لي الطقس اللازم لحياة تخلو من الرعب والاستفزاز والأعمال العدائية.

ماذا كنت ستفعل لو تم إلقاء القبض عليك وسحب جثتك من قاع الرحم مباشرةً  إلى سطل زبالة مستشفى أو عيادة طبيب اختصاص نساء؟!!

 

ظلال:

 

(حوار ذاتي ما بيني وبين نفسي)

  • كنت سأنتحر من العار.

-كيف ستنتحر آنذاك، وأنتَ ميتٌ في سطل النفايات يا هذا؟

  • لا بد من إيجاد وسيلة أخرى للتعبير عن تلك المؤامرة القذرة.

-ألمْ تفكر بالقفز من الرحم مثلاً؟

  • تريدني أن أقفز للخارج وأتسكع كالصعاليك على الأرصفة، وأنا في طور الكائن الهلامي؟

-أليس ذلك أفضل من أن تُرمى كنفاية إلى سطل الزبالة؟

  • عندما يكتمل جسدي، سأفكر إلى أين يمكنني الذهاب، سواء إلى المدينة أم إلى الصحراء.

-كيف عرفت بأن ثمة صحراء في الخارج؟

  • أدركت ذلك تخيلاً من خلال حبل المشيمة.

-وما علاقة حبل المشيمة بتلك الصحراء؟

  • في الحقيقة، إنه الحبل الموصل ما بين رمال الداخل الهرموني ورمال الخارج على ما أظن.

-يبدو عليك تأثير الفلسفة مبكراً. هل أخذت دروساً من أحد؟

  • الكبسولة التي حملتني إلى هذا المكان، كانت تحمل مكونات العقل والعاطفة على حد سواء. ويبدو أن الرجل الذي قذفني إلى هنا، كانت شهوته ثقيلة ووازنة كمختبر. وربما قد بالغ هو بشحني بالمعلومات.

-سأكفُ عن الثرثرة، وأترككَ تواجهُ مصيرك.

طرحت تلك الأسئلة على نفسي، بعد مرور أسابيع على محاولة الكورتاج الفاشلة.

لم أتلق جواباً يشفي الغليل تماماً، ربما بسبب استمرار  محاولات التخلص مني بطرق أخرى كالتسمم بالمعادن الثقيلة أو غازات الاحتراق أو بتناول بعض الأدوية.

ففي صباح أحد الأيام، شعرتُ بكتلتي وهي تكاد تشتعل بنار عظيمة.

كل ذلك حدث، بعدما وصل إلى جسدي سائلٌ غامض، لم أستطع تحليل مكوناته. ولكنه كان بطعم حامض قريب إلى المرارةّ، وله رائحة النفتالين الذي عادة ما يُستعمل كمبيد للآفات المنزلية.

حتى أن أبخرة تلك المادة، تصل إلى مستويات ساّمة لكل من يرقات الحشرات المضرّة بالمنسوجات.

وكما علمت، ففي الماضي كان النفثالين يستخدم عن طريق الفم لقتل الديدان الطفيلية في الماشية.

إذاً. أنا هو تلك الدودة المتطفلة على حياة أناس يعيشون في الخارج، وثمة خطة تستوجب قتلي بالنفتالين. فتلك المادة الساّمة، قد تليق بالحشرات وحدها، ولا يستحسن أن أموت أنا قتلاً بسمّ غالي الثمن غير النفتالين الرخيص مثلاً؟

لكن كيف وصل إلى جسدي وأنا في ذلك الرحم؟

لقد تم ضخ كمية محدودة من تلك المادة في كأس شمبانيا، سرعان ما ابتلعته صاحبة رحمي، عندما كانت المرأة –أمي- في ذروة تألقها مع الذكر الذي كان مُغرَماً بجسدها الجميل المثير.

هكذا بدأت العملية من كأس الشراب. لذلك، وما أن بلغتني أولى طلائع رائحة النفتالين، حتى أدركت أخطار تلك المادة على الفور، وهي عديدة، منها اضطراب نظم القلب، واضطراب غازات الدم، وفقر الدم الانحلالي، وتأثر الكبد والكلية، وأحياناً الفشل الكبدي، وكلها تقود إلى جعلي عصفاً مأكولا، على الرغم من أن جميع قطع غيار جسمي لم تكتمل بعد!

فكرت في البدء أن أقطع المشيمة، وأتحرر من سموم النفتالين، ولكن مسألة قطع ذلك الحبل يُعدُّ حلماً، وأنا لا أملك سكيناً أو آلة حادة للقيام بتلك الفكرة.

فالانتحار كما كنت أظن، أفضل من الموت سماً بالنفتالين.

كانت لحظات حرجة، يقابلها سرعة امتصاص الدم لتلك المادة.

فكرت، وفعلت على الفور ودون تأخير، وذلك حينما قمت بحركة التفافية، أدّت إلى تكوين عقدة صغيرة في حبل المشيمة، حالت دون تقدم النفتالين إلى جسدي، وكنت بذلك قد قطعت الطريق على النفتالين في إيصال السم إلى جسدي.

تذكرت خط ماجينو الذي يُعد نموذجاً للتحصينات الدفاعية الثابتة. لا أدرك لمَ وجدت في نفسي مثال ذلك القائد العسكري في تبني تلك النظرية؟

هل لأن واجباً يتطلب مني إقامة خط دفاعي ما، لإيقاف تقدم السم في جسمي، كما فعل الفرنسيون لمنع تقدم القوات الألمانية؟

ولكن خط ماجينو سرعان ما سقط  وفشل في حماية فرنسا من الغزو الألماني في الحرب العالمية الثانية. فهل سيحدث معي هذا، وينتصر هجوم النفتالين؟

لا أعرف.

ولكنني ربطتُ تلك العُقْدَة في الحبل السرّي، واختبأت حابساً أنفاسي. ومنتظراً المصير الأسود.

بعد ساعات من الحبس الذي فرضته على نفسي داخل رحم أمي المتلاطم بأمواج النفتالين، فقد يتسرّب السمُّ إلى جسدي من أي ثغرة غير محسوبة؟

ولكن الأمور بدأت بالتغير البطيء.

سمعت قَرْقَعَةً مروعة لأصوات لم أفهم سببها بالضبط.

في البدء توقعت هجوماً من نوع آخر. ولكن الذي توضح فيما بعد أن تلك القَرْقَعَة، ما كانت غير مواد طبية، كانت تمخر الأمعاء لتطهير المعدة من النفتالين. غسل معدة بالضبط. وهو ما دفع مزاجي للانفراج قليلاً، والتقاط الأنفاس من جديد.

فالتخلص من النفتالين، يعني أن المرأة (أمي) حصلت على إسعافات في مواجهة الموت. وأن الجنين الذي هو أنا، ما زال يمضي بطريقه إلى الحياة.

ضحكتُ على فشل المؤامرة الثانية. وفجأة قفزتُ بحركات أكروباتية، لأقوم بفَك تلك العقدة التي سبق وأن قمت بربطها للفصل ما بين المشيمة وبين مصدر المادة السامة.

. هل يمكنني أن أستريح؟

أن أعاود الحلم بالخروج حراً من ذلك الرحم، ورؤية العالم الآخر؟

يبدو أن حلمي بالتحرر من المنغصات وحوادث الاغتيال والتسمم لم تنتهِ بشكل من الأشكال. فما أن انقضى أسبوعٌ على تسرّب النفتالين إلى الدم، حتى وقعت لحاملتي (أمي) واقعة أخرى، وذلك عندما دسّ في طعامها أكثر من نوع من العقاقير التي تساعد على الإجهاض.

أدركت ذلك من خلال انقباض عضلة الرحم الشديد وحدوث صدمة عصبية، وهو ما أدّى إلى حدوث نزف شديد.

لا أعرف اسم تلك العقاقير بالضبط، ولكنني أفرغت من جسدي مواد غريبة، استطاعت التحكم بحركة عضلات الرحم، والحيلولة دون تفريغ محتوياته التي لا تعني غير وجودي هناك.

بعبارة أدق، وجدت حالي مسيطراً على الدوخة التي أصابتني من وراء تناول حاملتي (أمي) لتلك العقاقير المحظورة التي تم وصفها لها تحت عنوان آخر:

التخلص من حالات الغثيان التي كانت تنتابها من وراء ((الوحام)) في كل مرة.

بعد أقل من ساعتين على ابتلاع حاملتي لحبتين من عقار محظور، والذي جلبه لها عشيقها الذي هو بالأساس أبي، اضطررتُ إلى تغليف جسمي بمادة أفرزتها من جسدي في الحال، للحفاظ على كياني من جريمة تناول العقاقير التي كانت تدُسّ لأمي، بهدف إجهاضي، والتخلص من العار الذي كنت أمثلهُ للأب الافتراضي !!

كم كانت رغبتي عاليةً، فيما لو قمت بكتابة بعض شعارات الاحتجاج المناوئة للإجهاض والاغتيال على جدار ذلك الرحم، ولكن الرغبات داخل ذلك الفندق أو الكهف اللحمي المعتم، لم يتحقق منها شيء إلا بوجود نور ساطع. وذلك ما لم يحدث قبل لحظة الولادة.

وجدت نفسي وأنا أبكي في أحدى زوايا محل إقامتي.

لا زهور لتهدئة هياج الحواسّ، ولا شرفة للجلوس فيها على كرسيّ هَزّاز  لتأمل العالم والمشاركة بأحداثه. ولا شمس ولا قمر ولا كتب ولا زجاجات نبيذ ولا أقراص فياغرا للنكاح.

تراءت لي شلالات نياغرا وهي تشقني بالنصف، لتضيع مني دموعي التي حاولت ادخارها ليوم أسود آخر.

لكن تلك الدموع اختلطت مع بخار الشلالات الذي كان يتصاعد من الرذاذ المتطاير نحو السموات.

فجأة وجدت حالي مستيقظاً من سطوة تلك الأحلام، وهذه المرة على صوت ارتطام.

قلت في نفسي، ربما هي هزّة أرضية أطاحت بأمي أو بحاملتي على الأرض، ولكن شيئاً من ذلك القبيل لم يحدث، بعدما علمت بأن حاضنتي تعرضت إلى حادث مؤلم.

بالطبع لم ترطمَ أمي أحدى عربات قطار الشرق السريع. ولم يقذفها أحدٌ من برج أيفل. كل ما في الأمر، إن أحداً ما دهسها بدراجته الهوائية، فوقعت أرضاً، متدحرجةً إلى أسفل ذلك الشارع المعبد بالحجر الأسود.

لا أعرف كيف التصقت آنذاك بالحبل السرّي لأمي، ورحت أتأرجح في محاولة لاستيعاب الصدّمة، تلافياً للسقوط  على عتبة الرحم.

قلت: لا تقع يا ولد وتذهب (شاطي باطي).

أمك وقعت بفعل فاعل من أجل أن ينتهي بك المطاف ميتاً، فتُلقى كالحشرة خارجاً. تمسّك بالمشيمة. بالشجرة، إذا كان ثمة شجرة داخل الرحم. بالحائط إذا كان هناك حائط شبيه بجدار برلين. تحمل الآلام. فالوقت ما زال مبكراً على أن تكون جثة بحجم البقة، أو أكبر منها بقليل!!

لم يتم طرحي من ذلك الرحم على مدرجات ذلك  الحجر. بقيتُ صامداً، فيما ألقي القبض على الجاني الأزعر صاحب الدراجة الهوائية الذي اعترف بقيامه بارتكاب تلك الجناية، مدفوعاً من قبل والدي ذاته!

“أبي يريد قتلي بمختلف السبل والطرق والوسائل”

ذلك ما صرختُ به في نفسي وأنا أنتحب خِزياً من تلك العقوبة التي حيّرني سببُها آنذاك.

لم أجد رغبة بالنوم بعد تلك الحادثة.

حاولت أن أرفع صوتي عالياً لمخاطبة أمي، إلا أنني فشلت بسبب وضعها الصحي. فهي نائمة تحت تأثير المهدئات على سرير في مستشفى قريب من البيت.

لذلك كتبت إليها رسالة عبر البريد الإلكتروني، أعبّر فيها عن تضامني معها ضد كل المؤامرات التي تحاول دفعها إلى الإجهاض بالقوة،والتخلص مني وكأنني قطعة لحم زائدة أو فاسدة، يجب أن يقذفها القصاب إلى أي كلب أو قطة عابرة، أو يفرمها مع اللحوم، لتكون كباباً على كل سيخ ملتهب بنيران الفحم.

” ملايين الأجنة يذهبون كباباً في كل شهر.

وأنا لا أريد أن أكون واحداً من أولئك الذين يَتفحمون بين تلك النيران، حتى دون أن تكون لهم رائحة من فضلات ذلك الشحم المحترق، وهو يملأ الأمكنة بالدخان المُطعم بشهوات الذئاب النازلة كالحمم من بين الأنياب.

لم يكن الإجهاض يا أمي سبيلاً دالاً على قيم أخلاقية طاهرة، بقدر ما هو جناية مركبّة لفعلين يفهمهما واضع المني في ذلك المكان، وصاحبة البويضة الخارجة من بركان الرحم، والذي هو في حقيقته أوسع من الأكوان جميعاً، فالرحم كما أفهم، هو مخزن أسرار الأكوان.”

لم تتسبب وقعة أمي على الأرض في ذلك الحادث المقصود، بإسقاطي أو بإنزالي من ذلك الرحم.

شعرت وكأنني تعرضت إلى بعض الرُضوض. لكن ذلك التعرض لم يكن مباشراً، ولم يأخذني إلى الموت.

أنا تعرضت للرضوض من شدّة الذُعَر فقط. وجسدي الجنيني ما زال في ذلك القاع العظيم.

كانت فكرة دهس أمي قرب مدرج محطة القطار فكرة صالحة نوعاً ما. فتدهورها من الأعلى إلى الأسفل أكثر من عشرين درجة من درجات ذلك السلم الحجري الصّلَب الضيق، قد يسحق عظمي على لحمي، ويحولني إلى نزيف غير قابل للعلاج، إلا بعد تفريغ الرحم من محتوياته، وبالتالي، قد يستريح فاعل تلك العملية الجنسية من تلافي خطيئة ، ما زال يعمل على محوها من سجله العاطفي.

لا أعرف كيف يمكن لأب أن يزرع أجنةً في أحشاء امرأة، وأن يتحوّل بعد الانتهاء من شهوته إلى مُخلّص جمركي للقضاء على ذريته، وبتلك الطريقة القاتلة؟؟!!

فتارةً يختار الكورتاج أداة لقتلي. وتارة يستخدم العقاقير المُسممّة طريقاً للتخلص مني، أو يختار دفعي إلى الهاوية، رغبةً بطرحي من سجل جيناته.

ربما حدث كل ذلك، من أجل أن يوهم المرأة التي نام معها، بأن الحملَ يقتلُ الرغبة بالحب، وما عليهما إلا أن يقضيا زمناً أكثر انتعاشاً وأطول شهوةً، بعيداً عن البطن المنفوخ، تمتعاً بالجسد الذي خلق للجنس فقط.

كان أبي يحاول تبييض تاريخه الجنسي بفكرة التحرر من الأقفاص التي تمنعهُ من التعدد الجنسي والانتشار العاطفي بين مجموعات الحريم.

لم أشعر بأنني حاصلُ خطيئة ما في معادلة حب ما.

شعورٌ من ذلك النوع، لم يخطر على بالي بالمرّة وقط.

فوجودي في رحم تلك المرأة التي لم أعرفها عن كثب بعد، يظلُ محكوماً بعمل بيولوجي بحت يسمى النكاح، وليس وجوداً يرتبط بتشريع لديانة أو بقيم أيدلوجية  أو محكوم بفلسفة أو بشروط أخلاقية.

لذلك رحتُ أبددُ مخاوفي بشأن فقدان هوية السلالة الجينية التي قد تتحكم بوجودي مستقبلاً، وما إذا كنت من ظهر أب معروف، أم سيتلقفني عالم اللقطاء، فأغرق تحت أمواجه العاتية في دور الأيتام وجمعيات الأديان التي لا تتظاهر إلا بالأعمال الخيرية.

قبل أن أغادر المكان طفلاً سالماً معافى من مختلف المعارك والعديد من الخطط والدسائس التي دبّرت وحيكت ضده، ولم تؤثر به ضرباتها على أشدّها، كان عليّ أن استعيد قواي بالتدريج، وأن أنزل من سقف الرحم إلى سريري الذي كان يطفو كما قطعة فلين في ذلك الرحم .

شعرت بأن عملي ذاك، كان شبيهاً بالأعمال التي عادة ما تقوم بها الغواصات الحربية، وقتما تريد الظهور على سطح المياه لالتقاط الأنفاس، بعد أوقات طويلة من التَّخَفِّي في جوف البحار.

فكرت في تلك الأثناء بالغناء.

قلت لنفسي: أيها الولد ما عليك إلا أن تكون طائراً وتغادر هذا القمقم. فمن أجل أن تعيش وتزدهر، لابد من استخدام  مختلف الحيل لمغادرة الرحم. فكل مكان يسيطرُ عليه الخلاف، سيقتلك، أو سيقوم بشلّ قدرتك عن التحرك، خاصة وإنك لا تملك في هذا المكان لا غرفة نوم ولا صالون استقبال أو ضيافة  ولا قاعات درس أو مسرح للطرب أو مرسم للتشكيل العنكبوتي للفنون الجميلة.

كل ما لديك في هذا الرحم، هو ظلام محزن، يجعل من الجنين جنازة تطمرُها الهرموناتُ بمياهها اللزّجة.

عليك المغادرة والتنزه مع بقية مخلوقات الكون في الخارج.

هيّا لا تتردد.

 

(( يتبع))