ترجماتمئوية ميلاد ماريو بينيديتي.. مؤسس قصيدة النثر بأميركا اللاتينية

                                                                                                                   ماريو بينيديتي (1920-2009)

أحمد عبد اللطيف

جمع الكاتب الأوروغواني ماريو بينيديتي (1920-2009) بين عنصرين نادرًا ما يجتمعان في كاتب: الجودة الفنية والطموح الجمالي مع جماهيرية وانتشار قرائي على مستوى قراء الإسبانية أولًا ثم على مستوى مقارب في القراءة في أكثر من 20 لغة تُرجم إليها. لعل ذلك يرجع إلى تنوع كتاباته ما بين القصة والرواية والشعر والدراسة والنقد الأدبي والصحافة والمسرح وتحويل بعض قصائده لأغانٍ غناها مطربون مشاهير مثل مانويل سيرات ودانييل بيجليتي وناتشا جيفارا. ولعل ذلك يرجع إلى طريقته في الكتابة نفسها، إذ يكتب بينيديتي عن الملموس والمعيش والتجارب الحياتية التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومكررة لكنه يصنع منها فنًا ويستخلص منها فلسفة الحياة، مستخدمًا في ذلك لغة بسيطة تشبه لغة يحيى حقي، ونافذة كسَهم.
في مقدمة كتاب “أنطولوجيا شعرية: ماريو بينيديتي”، يقول الناقد بدرو أورجامبيدي “في بداياته الشعرية، أسس بينيديتي لما ستكون عليه أعماله التالية: دمج الصورة العامة (مناظر، شوارع، بيوت) مع الصوت الذاتي المتأمل، ويتجلى ذلك في قصيدة “أختار منظري”:

لو بوسعي أن أختار منظري

سأختار، وأسرق هذا الشارع،

هذا الشارع بغروبه الحديث،

حيث أعيش مجددًا متجسدًا فيه

وإليه أحمل كل نوستالجيا فياضة

وأعرف رقمه واسم أشجاره السبعين”.

يشير أورجامبيدي إلى أن ماريو أدخل للشعر الأميركي اللاتيني ما أدخله ماتشادو للشعر الإسباني، وهو استخدام اللغة العامية في الكتابة وإعادة النظر في الحياة اليومية، وهو يوازي شعراء أميركا الشمالية في فترة الثلاثينيات إذ كانوا يتناولون ما هو عائلي بلغة بسيطة وبواقع محدد. يتجلى ذلك في ديوانه “قصائد المكتب” حيث يدوّن يوميات موظف في روتين العمل. وفي مجمل أعماله، لا تغيب روح الفكاهة الملتصقة بالتعاسة، وتساعد في النظر إلى الآخر وللذات نفسها بدون كثير من الغبن، والفكاهة هنا قادرة على خلق دواء للأرق. يقول أورجامبيدي: “يخطو الشاعر الأوروغواني في شعره فوق المقترحات التقليدية ويعرّف خلال الخمسينيات قصيدة النثر. هذه الطريقة الجديدة في الكتابة والتعبير عن الواقع ستجد صداها عند التشيلي نيكانور بارا، مبتكر “القصيدة المضادة”، لكن قصيدة بينيديتي هي التي ستعبد الطريق في الستينيات لـ شعر التحاور، الذي تبناه خوان خيلمان، أبرز شعراء الأرجنتين، وكذلك روبرتو فرنانديث ريتومار في كوبا وإرنستو كاردينال في نيكاراغوا”.
هنا ترجمة لبعض قصائد ماريو بينيديتي بمناسبة مئوية ميلاده، وهي قصائد تعبّر عن تطوره الشعري على مدى زمني طويل.

 

الآن كل شيء واضح

حين ينشغل الرئيس كارتر

كثيرًا

بحقوق الإنسان

يبدو جليًا

في تلك الحالة

أن “حقوق” لا تعني

منحة

أو عطاء

أو إرادة حرة

أو يمينًا

أو ضد يسار

أو طرفًا مواجهًا للقلب

الطرف الأيمن في النهاية

بناءً على ذلك

ألم تأت اللحظة بعد

لنبدأ حملة عالمية

من أجل يسار الإنسان؟

*****

الشعراء

الشعراء يلتقون في المؤتمرات

في الحفلات الراقصة وفي السجون وفي الأنطولوجيات

يحصد بعضهم الإطراء في كتيبات الشهرة

ويُحاصر البعض بطبقة رقابية

الشعراء يتعانقون في المطارات

مجازاتهم تشعل إنذارات الجمارك

وعادة ما يتثاءبون مع سماع شعر الآخرين

وبعد انتهاء المهمة يسرهم

أن يقترب منهم الشبان بتواضع وخجل

الشعراء يلتقون في الندوات

من أجل السلام بدون أن يحققوه أبدًا

بعضهم يتلقى النياشين/ وبعضهم الضرب بالهراوات

إنهم أقلية عابرة وأطياف مختلفة

كنوزهم ضجر غير قابل للنقاش

دراسات عنيفة تبرز سقالاتهم

المحللون يبحثون عن المتغيرات/ والشعراء

عادة ما يتركون شيئًا منها لتحميس المجموعة

الشعراء يرتادون صالات الباولينغ والمتاحف

لديهم إجابات قليلة لكن أسئلة كثيرة

بسيطة أو معقدة/ أحيانًا ودودون

وأحيانًا يعشقون الحوريات المدهشات

يشربون ويتناقشون ويصمتون ويبرهنون ويقيّمون

لكن حين يصل اليوم لآخره

يعرفون أن الشعر سيصل/ إن وصل

حين ينفردون بأجسادهم وأرواحهم

*****

تقرير عن الندبات

1

الندبة لغة

لو حدثتني ندباتك

لا أتمنى أن تصمت

2

الندبة ليست صورة

من ندبة أخرى بعيدة

إنها نسخة جديدة

مُحسّنة في أغلب الأحيان

3

لأنها حفلة البشرة

فالندبة فيما تبقى وحين تنأى

تهجر الرغبة في الهواء

4

ندبات الأحلام

وهي معجزة وسحر

تتمتع بنقيصة

أنها غير ملموسة

5

مثل مغامرة ولغز

تبدأ الندبة

قبل أن تغدو ندبة

6

واضح أن الأفضل

ليس الندبة في ذاتها

وإنما استمرارها

*****

جمع الكاتب الأوروغواني ماريو بينيديتي (1920-2009) بين عنصرين نادرًا ما يجتمعان في كاتب: الجودة الفنية والطموح الجمالي مع جماهيرية وانتشار قرائي عالمي

يوتوبيات

كيف سأصدق/ يقول فلان

أن العالم غدا بلا يوتوبيات

كيف سأصدق

أن الأمل محض نسيان

أو أن المتعة محض حزن

كيف سأصدق/ يقول فلان

أن العالم محض روتين

حتى لو كان كذلك

أو أن الموت هو الصمت

حتى لو كان كذلك

كيف سأصدق

أن الأفق هو الحدود

أن البحر لا أحد

أن الليل لا شيء

كيف سأصدق/ يقول فلان

أن جسدك/ يا فلانة

ليس إلا ما يرجفني

وأن حبك

هذا الحب القديم الذي يقودني

ليس عراء عينيكِ

ولا سكينة يديكِ

كيف سأصدق/ يا فلانة الجنوبية

أنك لستِ إلا ما أبصر

وما ألمس وما ألج

كيف سأصدق/ قال فلان

أن اليوتوبيا بلا وجود

إن كنتِ أنتِ/ يا فلانة العذبة

جريئة/ وخالدة

إن كنتِ أنتِ/ يوتوبياتي

(القصائد من كتاب “أنطولوجيا شعرية: ماريو بينيديتي”)

((ضفة ثالثة))