كتابة وحوار: أسعد الجبوري 

بعد التخطيط للحوار معها، أصبنا بحالةٍ من القلق الشديد. كنا مذعورين من اللحظة التي ستجمعنا بامرأة كتبتْ تاريخها بالدم والدمع والأنين، فكان خيارُها الوحيد، في ذلك العصر، أن تأخذ دورها البطولي في المسرح التراجيدي العميق، بعدما اختارت تمثيلهُ كأولِ أنموذج أنثوي مُولِّد للآلام والفواجع في تاريخ نساء العرب، من الجاهلية، وحتى الآن.
تلك هي الشاعرةُ النجدية، تماضر بنت عمرو السلمية، المُلقبة بالخنساء.
ما إن هبطنا على الصفحة الثالثة من تلك السماء، وخرجنا من المصعد الذرّي، حتى وجدنا شيخ الغربان (طاليوط) الضخم في انتظارنا على الباب. وبمجرد أن شَعَرَ بوجودنا أمامهُ، أطلقَ مجموعة من قذائف النعي، وهو يشير بمنقاره العظيم إلى مبنى جميل مصنوع من الزجاج الأزرق، كان يحمل لوحة (عيادة مازوخ) للفَحص التجريبي الخاص بالقائمين حديثًا من الموت.
توقفنا قليلًا للتفكير والتأمل في ما كان يجري من حولنا، إلا أن فتاةً شقراء خرجت من باب تلك العيادة لطرد شيخ الغربان، واستقبالنا بتلك الابتسامة المبهمة وهي تقول لنا: قليلًا، وستنتهي الخنساء من العلاج. إنها في حضرة الكاتب النمساوي (ليوبولد فون زاخر مازوخ) الذي أعطى أهل الأرض مصطلحَ المازوخية.
ثم أضافت الممرضة لتهدئة أعصابنا، قائلة: كانت الشاعرةُ مُصابةً بمسّ من الجنون والألم والوحدة واليتم والترمل، ومختلف الفجائع التي دفعتها لممارسة التعذيب في حق نفسها كضحية مظلومة لكسب التعاطف معها. وختمت كلامها بالقول: لا تذهبْ بكم أفكاركم، فقد ننجح في هذا المصح من في إعادة تأهيل الخنساء.
وقبل أن تنهي الممرضةُ كلامها، سرعان ما انشق بابُ إحدى الغرف، لتصبح الخنساء بيننا.
لم تقبل المصافحةَ، ولا ردّ السلام. اتخذت الخنساء كرسيًّا في زاوية الصالون، وجلست لتستمع إلى أسئلتنا.
وكي لا يضيق علينا الخناق من ذلك الطقس المضطرب، فتحنا باب الحوار بهدوء. فقلنا للخنساء:

(*) دعينا في البدء يا سيدتي نسألُ: ما الفارقُ ما بين تماضر، وما بين الخنساء؟
أنا أخذتُ الاسم الأول تماضر من دون علمٍ مني، كما يأخذ البشرُ أسماءهم بعد الولادة. فيما أخذت الاسم الثاني (الخنساء) من تكوين وجهي الشامخ شعريًا، بسبب ارتفاع أرنبتي أنفي.

(*) هل الكبرياءُ نزعةٌ تَفور في النفس، أم هي خصلة مكتسبة من الأعمال، في رأي الخنساء؟
الكبرياء مرضٌ جميلٌ للشعر، وبخاصة إذا كانت قائلتهُ امرأةٌ مثلي.

(*) هل ثمة فاصل، أو فرق، في الشعر، ما بين الشاعرة الأنثى، والشاعر الذكر؟
بالضبط. فلكلّ جسدٍ إيقاعهُ اللغوي. الشعراء يكتبون مضافين إلى غرائزهم، فيما كتابةُ النساءِ للقصائد أقرب ما تكون إلى الولادات في عرض صحراء، أو تحت خيمة.

(*) ومتى يصبح الشعرُ في الهاوية، في رأي الخنساء؟
عندما يكفّ الشاعرُ عن البكاء بالضبط.

(*) وما علاقة الشعر بالبكاء يا خنساء؟!!
إنه المشيمةُ المربوطة بالجنين. وكذلك لأن الدمعَ رائحةُ الشعر وحبره، كما تعلمتُ أنا ذلك.

(*) ومن كان المعلمُ الذي درّبك على أن البكاء هو الطريق الأفضل والأسرع لكتابة الشعر؟
أخي الأول صخر بن عمرو السلمي، وأخي الثاني معاوية بن عمرو بن الحارث بن الشريد

“الشعراء يكتبون مضافين إلى غرائزهم، فيما كتابةُ النساءِ للقصائد أقرب ما تكون إلى الولادات في عرض صحراء، أو تحت خيمة”
السلمي. هما المعلمان اللذان فجرا تلك الينابيع السوداء في العينين من دون توقف.

(*) هل قصدكِ أن للدمع القدرةَ على قتل الشعر، فيما لو قلّ منسوبُ البكاء في عيني الخنساء؟
لم ينجح الموتُ في قتل الشعر داخل أوردتي، ولا استطاع الغيابُ فعل ذلك، بطمر عيني بالطين منعًا لانهمار الدمع من البئرين الموجودتين على وجهي.

(*) أهو شعورك بالذنب الحارق، عندما تسببتِ في موتِ الأخوين بدافع الانتقام والثأر القبلي، وذلك عندما حرضتِ صخرًا على أخذ الثأر لأخيه معاوية، الذي مات مقتولًا؟
كان ذلك تاريخًا داميًا، غرسَ فيه الحقدُ رماحًا ونبالًا في قلبي، ولا تزال ترعبني وتدميني حتى الآن. كل حياتي صارت بعد مقتلهما ترابًا لا ينبت فيه إلا الشوك والحنظل، وسرعان ما تحولت رملًا يحلم بقطرات ماء، ولكن من دون أن تستجيب غيمة من الغيوم، فترش ترابي ببعض القطرات.

(*) هل كان القتل عند أهل نجد من مصادر الجريمة المنظمة التي تشكلّت في العصر الجاهلي؟
أجل. فما من ميت خارج متر من ميادين الحروب، إلا جريمة منظمة. فويلي على صخر مما جرى له على تلك الأرض التي اشتدّ أحمرُها حتى بلغ درجة احمرار البرق في العين.

(*) كأن مقتل الأخوين معاوية وصخر لم يُشبع هواجسك القتالية العدوانية، ففتح لأبنائك الطريق في مجرى الدم، عندما دفعت بالأربعة إلى الموت في معركة القادسية. حتى إن الروايات تخبرنا عن الخنساء: (أنها وقبل بدء القتال أوصتهم فقالت: “يا بني لقد أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم”، إلى أن قالت: “فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجعلت نارًا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والقيامة”) من كان وراء ذلك التحريض. المرض النفسي، أم شظف العيش. أم ماذا؟!!
كانت لحظة تجلٍ ليس إلا.

(*) وكيف بلغتْ بكِ القسوة، فأطعمتِ نار القادسية، عندما حرضتِ أبناءك الأربعة عمرة، وعمرو، ومعاوية، ويزيد، على الجهاد، وقد استشهدوا جميعًا في تلك الحرب. أية أمٍ ترتكبُ جنونًا مثل ذاك الجنون الذي ارتكبتِ وِزْرهُ يا خنساء؟!
كلّ ما قدمتهُ لتلك القادسية كان حلالًا. فقد كانت الحربُ فرضُ عين، كما قيل لي. وكنت أطمح إلى التقرب من الله بالقرابين الأربعة، بعد أن كنت أمَةً للشياطين في ظلمات الجاهلية.

(*) ومن أخبركِ إن الله يأمرُ أمًّا أن تدفعَ أبناءها إلى التهلكة، هو الذي حال دون سكين النبي إبراهيم ورقبة ابنه إسماعيل (وفَديْناه بذِبحٍ عَظيمٍ)، فأمر إبراهيم بذبح كبش كقربان يعوضه عن رؤيته لذبح ابنه إسماعيل في المنام، اقتراف جرم من ذلك النوع.
أنا لا أرى إلا ما يراهُ الله من حكم عليّ. نقطة على السطر.

(*) ألم يكنْ ذلك انحرافًا في العواطف، كما رأت بنت الشاطئ، عندما كتبت عن موقفك تقول: (الموقف جدّ عجيب. ومع ذلك لم يلتفت إليه أحد من الدارسين، مع ذلك أني أراه شاذًا منكرًا، ولا تفسير له عندي إلا إحدى اثنين، فإما أن يكون حزنها المشهور على صخر قد جعل

“بعد موجات الموت التي رافقت حياتي، وجدتُ نفسي مازوخيةً ببطولاتٍ لم تبلغها قبلي من نساء العرب أيةُ امرأة”
الرواة والسمار والقصّاص لا يكترثون لغير هذه الأخوة الفذّة، بل لعلهم أضافوا إليها ما أضافوا حتى جعلوا منها أشبه بقصة أسطورية. وإما أن يكون موقف الخنساء من بنيها، مصدره انحراف في تماضر، جعل عواطف الأخوة فيها تطغى على عواطف الأمومة التي هي جوهر الأنثى). ما قولك عن بنت الشاطئ؟
ما قالته عني كان صحيحًا. فأنا بعد موجات الموت التي رافقت حياتي، وجدتُ نفسي مازوخيةً ببطولاتٍ لم تبلغها قبلي من نساء العرب أيةُ امرأة.

(*) وماذا لو عاصرت الخنساءُ زمنَ حكم صدام حسين، هل كانت لتجرؤ بالتفريط المتطرف، فتقوم بتقديم فلذات الكبدِ لقادسيةٍ أطلقَ عليها بـ(أم المعارك)؟
تعلمتُ من مقتل أخويّ صخر ومعاوية أن لا أدخل في حروب خاسرة.

(*) والشعر بلا حرب. كيف يكون في نظر الخنساء؟
مثل الصعود في مركبٍ متهالكٍ إلى أعالي نهر متدفق.

(*) هل الحرب ضرورة شعرية؟
ما من شاعر، أو شاعرة، ويكون فارغًا من بعض الأسلحة جسديًا. ضع هذا الأمر في البال دائمًا.

(*) ما الذي تقصده الخنساءُ بالضبط؟
أقصد أن للشعر أسلحةً، عادةً ما نتبارز بها، تارةً ضد أشباحنا الباطنية العميقة، وتارةً أخرى نشارك فيها أسلحة الشياطين للقتال الحر ضد كل من تُسوّل له نفسهُ تدمير خيمة الخيال المنصوبة في الرأس.

(*) وهل تؤمن الخنساءُ بأن تحت قحف رأسها غرفةٌ للشياطين تتحكمُ في نظم القصائد؟
أجل. فلولا تلك المخلوقات، لصار الشِعرُ يبابًا، والشاعرُ حصانًا بلا قوائم.

(*) ألا يمكن، في تلك الحال، القولَ بأن من يكتب الشعر هو الشيطان لا الشاعر. أليس ذلك صحيحًا؟
لا أظنُ أن ملهمًا للشاعرة، أو للشاعر، مثل صَليل الحَديدِ، خاصةً عندما تنطق السيوفُ بأصواتها، وتمضي في اللحم كوقع سنابك الخيل على أرضٍ من الحجر.

(*) كأنك قامة حديد في ثياب امرأة. ما الذي أخذ بك إلى تلك القسوة، إلى ذلك العنف. أهو لعب القمار الذي تعلمتهُ الخنساء الزوجة من البعل الأول ابن عمك، رواحة بن عبد العزى السلمي، أم كان تيمنًا بالقوة، واستعراضًا لها في مرآة بعلها الثاني، مرداس بن أبي عامر السلمي؟
كان الزواج من الأول (رواحه) ترتيبًا للمتحف العائلي المنصوص عليه في الفكر القبلي وعادات البداوة. فيما كان الزواج الثاني بـ(مرداس) للترفيه النفسي، وسدّ الرمق، لكرم نفس الرجل الفياضة روحًا ومالًا وشجاعةً.

(*) والحب. كيف كانت صولاته في المشهد العاطفي لقلب الخنساء؟
مثلما كانت لقلبي ظلالهُ الغامضة على امتداد الصحارى، مثلما وجدتُ العواطفَ وهي تقفلُ أبوابَ جسدي، وتطلب مني توديع الحبَّ، وملازمة الخندق، بدلًا من السرير. وهكذا هِمتُ على ما كان يفيضُ على وجهي من دمع وحزنٍ وأسى.

(*) حتى تقرّحت العينان تقرّحًا!
ليت التقرّح وحدهُ كان مُلازمي في ذلك التاريخ الغباري، بل وصلت العينان إلى مرحلة انطفاء النور، وانقباض التصاوير.

(*) هل تم التعويضُ عن حزنك بالشعر في سوق عكاظ، بعد أن رفع تبجيلُ النابغة الذبياني من معنوياتك، عندما أشاد بك قائلًا: “والله لولا أن أبا بصير – أي الأعشى – أنشدني آنفًا، لقلت أنك أشعر الجن والإنس”!!
أحبُ أن يكون الشعرُ كبريتًا مبجلًا وقابلًا للاشتعال. ولا أعتقد أنني بلغت بشعري تلك المرحلة

“مثلما كانت لقلبي ظلالهُ الغامضة على امتداد الصحارى، مثلما وجدتُ العواطفَ وهي تقفلُ أبوابَ جسدي، وتطلب مني توديع الحبَّ، وملازمة الخندق، بدلًا من السرير”
من الشيطنة النارية. صحيح أن الجن والإنس كيانٌ لجسد واحد بنصفين، إلا أنني طالما عشتُ هائجة الفرَائِص بحضن الجن، لأنه كان الأمتع شغفًا، والأكثر شغبًا، والأعنف خرقًا للعادة.

(*) بعد المديح العالي، والإشادات بشعركِ، كيف كانت نظرةُ شاعرات زمنك إليك؟
كنّ كمن يشعلن روثًا طريًا تحت ثيابهنّ، فيشغلن أنفسهنّ بالاختناق عن سماع تلك المدائح التي كانت تقال في حق شعري.

(*) هل اعتبرتِ شعركِ بمثابة نقلة نوعية من عصر الجاهلية إلى صدر الإسلام؟
لقد قال العربُ عن شعري كثيرًا. صاحب بيان ومتجاوز للمعاني التي كانت متداولة في أسواق اللغة.

(*) ثمة من قال: (اشتهرت الخنساء ببكاء بني سليم، وما وصل من شِعرها يعين على تقبّلِ هذه التسمية؛ إِذ جل قوافيها يرشح بالرثاء الموجع، والبكاء الحار، والدموع البوادر، ولا سيما المتحدّرة منها على صخر؛ لجوده وبذله وحلمه). ما صدق ما قيل من هذا؟
لم يشاركني بفواجع ذاك الزمان أحدٌ. كان الشعرُ وحدهُ الإطفائي الذي رافقني في أغلب درجات سلّم العمر. فكلما وجدني أتقلّب على جمر، سرعان ما هرع ليطفئ ناري العاملة بين طبقات لحمي.

(*) لم نقرأ للخنساء شيئًا في الحبّ. هل كان خوفًا من سيوف القبيلة ولعناتها، أم كان جفافًا في القلبِ، وقصورًا بالقدرة على احتواء المحبوب؟
لا هذا ولا ذاك. وإنما لأنني وِلدتُ رحمًا للإنجاب فقط.

(*) ما يعتقد به عامةُ النقادُ أن امرأة تكتب الشعر من خارج الجسد، تبقى مخلوقًا لا يعوّل عليه إلا داخل اللغة المتصحرة الحديدية الباردة، مهما توهجت بالنيران، أي خارج الحياة، فما ردّ الخنساء؟
لا أنفي عن جسدي نظرات مثل تلك، ولكنني فضَّلتُ حرث الرمل على الحرث في الماء. تلك كانت قناعتي. وربما لا أخلو من مرض ما.

(*) وما هي أخطر أمراض الشعر؟
أن يكون الشاعر جسدًا لغويًّا وحسب.

(*) ولم يصبك الندمُ على العيش بتلك الصورة المأساوية؟
لقد أكَلَتْ لحمي البلاغة، وأتلفتْ شّهواتي قواعدُ اللغة، بعدما وجدتُ روحي تتآكلُ في تلك الأواني المستطرقة للغة التي ألبستني ثوبًا من نحاس، يرنّ كلما ركد الدمعُ في عيوني.

(*) أهي فكرة التوحش التي دفعت بك إلى تقمص شخصية المرأة المتفحمة التي انهالَ عليها جورُ الكون؟
لقد جرى لي في رأسي بحق، مما أدى إلى انتقال المآسي إلى قصائدي في الرثاء، فكتبتُ عن

“كان الشعرُ وحدهُ الإطفائي الذي رافقني في أغلب درجات سلّم العمر. فكلما وجدني أتقلّب على جمر، سرعان ما هرع ليطفئ ناري العاملة بين طبقات لحمي”
موتاي من دون رادع ديني، أو تنقيح لغوي، مما جعلني أمشي على أطراف الرماح نائحةً باكيةً، من دون جزع، أو رحمة بالنفس.

(*) هل جرى ذلك لرغبة منك بأن تكوني الشاعرة الأولى في طبقة أصحاب المراثي، كما عدّك محمد بن سلام الجمحي، صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء؟
أجل. فما أردت بذلك إلا أن أزيح الشاعرة ليلى الأخيلية عن طريقي، لأبلغَ قمة الشعر في سوق عكاظ.

(*) وهل استطعتِ فعلَ ذلك؟
لقد تقدمتُ عليها بالسَبك والبلاغة، وعدم التصنع، ووضوح المعاني، والقصر في التعبير.

(*) ولكن بعض النقاد يعيبُ على شعرك قلةَ الحكمةِ والغزل؟
لقد تغزلتُ بالموت، حتى الاندماج. وتلك كانت حكمةُ الله التي ترجمتها في قصائدي النائحة الصائحة الفائحة بالدم وروائح السيوف المُضمَّخة بالعدم.

(*) هل مارست مهنة الرثاء هنا؟
لمرة واحدة فقط، لا غير، وذلك عندما أخذني شيخ الغربان (طاليوط) لأجتمع بأخي صخر في مسرح العرائس. وهناك، سرعان ما ارتفع بنا البكاءُ صوتًا ودمعًا ليعلو مباني الجنة والنار، حتى وجدنا جسدينا يتأرجحان بخيوط خفية ،فدخلتُ أنا وصخر بغيبوبة خفيفة.
وبعد أن رجعنا إلى الصحو واليقظة ،عادت أدمعي للسيلان كسابق عهدها. لكن صخرًا، وما إن شاهد انهيار الأنهر من عينيّ، فرّ من بين يدي وهو يصيح: لتكفّ عيناك يا أختاه عن الإزهاق. فما من دمعة إلا بروح.

(*) وهل استطعت تتبع أثر صخر وإعادته؟
كان ذلك حلمًا. فما إن قمت بمحاولة اللحاق به، حتى تقدم مني أحد ضباط الأمن العاملين في عيادة (مازوخ) ليحول دون ذلك. بل فضّ جلسة الحوار، وسحبني من ساعدي بقوة، ليدفع بجسدي إلى داخل المِصعَد الذرّي صارخًا في وجهي:
لا مكان للبكائيات هنا. ولذا عليك العودة للأرض يا تماضر، قبل أن تغرق السموات بالندب والرثاء والعويل.
وهكذا تم طردي من السموات ، لأستعيدَ حياتي الثالثة بين مقابر الأرض من جديد. لكن الأمر المُروّع بالنسبة لي، بات يتعلقُ بعدم معرفتي بالأشياء التي سأبكيهِا هذه المرة، بعد أن شاركَ أخي صخر بطردي من السماء؟!!!!

 

((ضفة ثالثة))