بريد السماء الافتراضي.. حوار مع بابلو نيرودا

لم نحسب حسابًا لمتاعبَ الرحلةِ عبر البرزخ الترابي المؤدي إلى أعالي الفضاء، ولا شكل الهدية التي سنحملها معنا إليه من أحجار تشيلي. كانت الفكرة الأولى التي ركزّنا عليها تتعلقُ بحالة الشاعر الصحية، ومدى استعداده للتفاعل معنا بعد كل ما حدث له من آلام ومتاعب على الأرض.
لذا.. وما إن التقطنا من حارسه الشخصي أول إشارة إلكترونية بضرورة الحضور إلى منازل السموات، حتى قمنا بترتيب موعد إجراء هذا الحوار المفتوح مع الشاعر التشيلي، بابلو نيرودا، وصعدنا مع الريح دون خوفٍ.
منذ اللحظات الأولى التي جمعتنا بالشاعر بثت صورتهُ الطمأنينةَ والراحةَ عن وضعه الصحي الجيد. وفيما هو كان متحمسًا للحوار بشكل ممتاز، دفعنا ذلك إلى الدخول في الطقس الشعري العام، بمساعدة من حارسه الشخصي الذي كان ممسكًا بطير (الغولاسينو) الشبيه بإوزة ضخمة، هي أنيسةُ الشاعر التي تقيمُ معه في بيته المعلّق بين الأشجار.
هكذا تم كل شيء بهدوء. فما إن اجتمعنا على شرفة منزله المُطلةِ على النجوم، حتى دارت في رؤوسنا الأسئلةُ حاميةً، فيما كان هو يقوم بحشو التبغ في غليونه، استعدادًا لجولة جديدة من التدخين الذي رافقهُ في حياته، رافضًا التوقف عنه حتى بعد الموت. وهنا سألناهُ:

تمثال نيرودا في كرنفال الشوارع “نيرودا قادم يحلق” تكريماً للشاعر الحائز على نوبل للأدب 1971 في سانتياغو دي تشيلي (27/ 12/ 2015/الأناضول)


(*) في رأي نيرودا، من أية نقطة يمكن أن يبدأ الحوار مع شاعر من طرازك؟
لا يمكن تحديد ذلك الأمر بنقطة ما، ولكنني أفضل أن يبدأ الحوار من الجملة المشتعلة في جسم الشاعر.

(*) هل تقصدُ أن نبدأ من الجملة العصبية؟
بالضبط. فأعصاب الشعراءِ المشتعلة هي حواملُ نصوصهم في الدرجة الأولى.

(*) ألا يخشى الشعراءُ من حرائق تلك الجملة العصبية وهي تنفثُ النيران في أجسادهم؟
أتصورُ العكس. فما من شاعر حقيقي اللغة، ويحيا بعيدًا عن نيران مقدّسة، اختصاصُها صُنع التجارب العظيمة في الكتابة والتأليف العميق. فكلما كانت النيران حامية الوطيس، كلما كانت النصوص بطعم الثمار الناضجة.

(*) ثمة نصوص باردة، كأن نارًا لم تمسسها أبدًا، لا على ورق، ولا تحت لحم. ما رأي نيرودا؟
أنا معك بالتأكيد. فهناك ملايين من النصوص الشعرية الباردة التي تدثرها الثلوجُ تحت الجلد، أو في الكتب. وأعتقد بأنها لشعراء يملكون في دواخلهم أفرانًا مُعَطلة، أو غير موجودة في الأصل.

(*) ألا يستطيع النقادُ تقديم التدفئة لتلك النصوص، وبالتالي لإنقاذ الشعر من برودة الأعصاب؟
لا أعتقد. فحركاتُ النقد عمومًا، ربما أوشكتْ على البطالة، بعد أن أصبحت محطات بلا وقود.

(*) ألا يعتقد بابلو أن الشعرَ لحظةٌ من روح اللغة؟
نعم. لحظةٌ تشقُ لحمَ الشاعر، وتخرجُ كالبخار من هناك.

(*) إلى أين تذهب القصيدةُ بعد خروجها من الجسد؟
ربما إلى أعالي جبال الأنديز، حيث مرابض النسور. فالشعر الذي ننَشدهُ قد لا يجد له مكانًا يليقُ به إلا في الأعالي، وذلك من أجل أن يتطلع إلى آلام المسحوقين والضعفاء والمنبوذين، ممن سُحقوا بآلات الحديد، وأحذية رجالات القسوة.

(*) هل على الشاعر أن يكون بمثابة الصندوق الأسود لآلام البشر ومواجعهم وحطام أحلامهم التي عادةً ما تذهبُ مع الريح؟
ليس ذلك فقط. بل الشاعر المعاصرُ مسؤولٌ عن فتح الطرق أمام الأقدام العارية. أي يجب أن يأخذ دور البلدوزر الذي عليه مهمة تحطيم أية عوائق تعترض صعود تلك الأقدام المُتعَبة نحو المستقبل.

(*) أتظنُ أن البلدوزر من أصلٍ شيوعي؟
لقد اعتنى الماركسيون بلحى ذقونهم أكثر من الاعتناء بالطبقة البروليتارية، وذلك عندما أغرقوا

الفقراء بنظريات استجلبت لهم عداوات الأنظمة الرأسمالية ورموز البرجوازيين، فدفعَ بهم رعبهم الداخلي إلى استجرار الفقراء نحو صالونات الحلاقة، لجزّ أفكار تلك النظريات الماركسية من رؤوسهم كما يُجزّ الصوف من جلود الخراف.

(*) قد لا تجلب مثل هذه الأفكار كثيرًا من التقريظ لبابلو نيرودا، المتشدد الشيوعي القديم، وعضو مجلس الشيوخ، واللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيلي!
نيرودا فوق الأرض غير نيرودا على الأرض. لست خائفًا حتى من الرفيق ستالين هنا.

(*) هل رأيتَ جوزيف ستالين في مكان ما من الأمكنة السماوية؟
أجل. لقد عَرّجتُ على دكان ملحمته، وكان مرهقًا ويتصبب عرقًا أحمر.

(*) هل كان مشغولًا في كتابة ملحمةٍ ماركسية؟
لا، لا. لا تدع عقلك يذهب بك إلى البعيد. فالأمر لا يتعلق بالكتابة أبدًا، إنما كان المقصود من كلامنا أن ستالين بات قَصّابًا، وله ملحمة لتكرير وإعادة إنتاج كل اللُحوم التي تم تقطيعها وإبادتها خلال حكمه الحديدي. لذلك رأيتُ الرجل منهمكًا بالعمل لإعادة هيكلة الملايين من قتلى تلك الحقبة.

(*) وأدولف هتلر. ألا يتحملُ جزءًا من تلك الكارثة العالمية بإراقة الدماء؟
ما زال هتلر محجوزًا تحت الإقامة الجبرية، حيث فُرضَ عليه رسم وجوه الملايين من ضحايا الحرب العالمية الثانية. وقيل إنه ما إن ينتهي من تلك المهمة، حتى يقدم للمحاكمة الربانية، أو يتم إعفاؤه، ومنحه رخصة لفتح غاليري!!

(*) هل تعرفت على وجود تجمعات شعرية في السموات؟
هنالك أكثر من حركة واتجاه للشعر في الجحيم. لكن المدرسة الأعظم للشعر في الفردوس العاشر هي مدرسة صامتة لا حراك فيها إلا من خلال الريموت كونترول.

(*) هل شعراء الفراديس روبوتات كما أظنك تقصد يا سيد بابلو؟
في اعتقادي، نعم. فأغلب تجاربهم الشعرية على الأرض كانت بلا طعم، بلا قنابل، بلا خلافات. وأعظم شعراء تلك المدارس الساكنة الهادئة كانوا من السلاحف.

(*) تعني أنهم شعراء برمائيون، يتلاءمون مع كل الظروف من دون معارضةٍ، وبطيئو المشي على السطور، وبين الشعوب؟
أجل. الشعرُ لا يرتفع، أو ينغمس في الوجود، إلا من خلال التصادم والحركة والاختلاف مع المفردات الميتة في اللغات النمطية الجاهزة. بمعنى آخر، أنا لا أرى الشعراء إلا كنيازك عاملة، فهي إن تصادمت مع بعضها في الفضاء تنير العالم، وإن هوت أرضًا يصنعُ اصطدامُها معدنَ الألماس.

(*) هل تعتقد بأن للقطارات فضلًا عليك، وذلك لأنها دفعتْ بك إلى الشعر عبر رحلاتك الدائمة؟
بالتأكيد. أنا لا أنكرُ ذلك. فقد كنت أرافقُ أبي (خوسيه ديل كارمن رييس) الذي استطاع الحصول على عمل في السكة الحديد في تيموكو. ومن هناك بدأت رحلاتي في القطار لاكتشاف الطبيعة، ومناطق الصراع، وأمكنة المعارك القديمة التي سبق أن حدثت ما بين المستعمرين الإسبان والأروكانوس في منطقة الأروكانا. كان القطار معلمي الأول في كتابة الشعر. مثلما كانت السكك سطوري، وصوت العجلات الموسيقى التصويرية للقصائد المتألمة، عندما تفتح عدساتها وتقوم بتصوير الفقر والإهمال والدمار الذي كان يهدّمُ أجساد بشر تلك المدن التشيلية البائسة.

(*) هل تعتقد بأن كتابك الشعري (عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة) هو أولُ عمل شعري استطاع أن يُقدمك إلى القارئ العالمي بشكل جيد، مما فتحَ عليكَ أبوابَ الشهرة؟
ربما. فقد كان ذلك بمثابة كتاب شعري يحمل أصواتًا لم يستطع القراءُ تجاهلها، كونها تحمل

أنينًا مؤلمًا استطاع أن يندمج بلغات الآخرين وآلام أرواحهم، على الرغم من حجم التفاوت ما بين النص الأم والنص المُتَرجم. ولكن عليك تَذكّر قصيدتي الانفجارية على الصعيد الشعبي، ألا وهي (أنشودة الحفل)، التي نشرتْ قبل كتابي المذكور أعلاه.

(*) إذا كان الناقد الأدبي هارولد بلوم قد وصفك قائلًا: “لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره”، فثمة نقاد آخرون ربطوا شهرتك بالقضايا السياسية كمناضل شيوعي أولًا، ومن بعد ذلك كشاعر للجماليات التي أول ما ارتبطتْ بالطبيعة. ما رأي بابلو في ذلك؟
كل جملة من قصيدة هي تعبير سيكولوجي عن النفس. وهذا يعني أن القصيدة التي تزدحم بالجُمل النفسية المحترقة إنما تفرضُ على كل ناقدٍ خصوصية وضعها ضمن السياق الشعري العام. لذا فقد يكون الناقد هارولد بلوم قد وجد في شعري ما يسحره، فكتب ذلك. أما شعري والسياسة، فهما في مجرى واحد. هما كيانٌ واحدٌ، أحدهما يشتقُ من الآخر رائحة البارود، أو عطر الياسمين.

تمثال نصفي للشاعر التشيلي بابلو نيرودا بجانب بحيرة في حديقة تشاويانغ في بكين (13/ 11/ 2014/فرانس برس)

(*) مع منْ يتوازنُ الشاعرُ في رأي بابلو؟
ما من توازنٍ في الشعر في رأيي. هناك توازنُ رعب فقط.

(*) توازن رعب، كما في عالم الدول والأسلحة تقصدُ!
أجل. فالشاعر النبي الحذق الذكي النسر يحذرُ من أن يفقدَ توازنَ أجنحته في فضاءات اللغة، فينكسرُ ويتشتتُ. فينكفئ ويذبلُ. فييأسُ ويموتُ.

(*) أيةُ صورةٍ هي الأقرب إلى ذهن بابلو نيرودا: الشاعرُ الطيرُ، أم الشاعرُ المصباحُ؟
لا هذه الصورة، ولا تلك. ذهني يحتفلُ بصورةِ الشاعر الشبح ليس إلا.

(*) لماذا؟
لأن على الشاعر أن يكون كائنًا بطاقيةِ الاخفاء. أي أن يكون عصيًّا على الامساك.

(*) ألا تعتقد بأن هذه الفكرة تهدّدُ مهمات الشاعر المرتبط بأهداف المذهب الماركسي الذي يعملُ على جعل الشعر طينًا ليّنًا تحت أقدام الطبقة الكادحة، أو ما تُسمى بالبروليتاريا؟
أنا أتحدثُ عن الشعر خارج الكانتونات العقائدية والمذهبية.

(*) هل كانت الواقعيةُ بمثابة طلقةٍ في جبهة الشعر، لأن الأخير غالبًا ما يعتمدُ على الأساليب التعليمية ذات المنشأ الأيديولوجي الدعائي المناوئ لجرثومةِ الخيال؟
لا أعتقد أن الماركسيةَ مضادّة للخيال بالمطلق، ولكنها تنظرُ إلى المخيّلة كمرض عُضال، لأن منتوجاتها الأدبية والفكرية طالما تُبعدُ الطبقةَ العاملة عن نضالاتها الثورية على الأرض، والاستغراق في يوتوبيا الأحلام الزائفة.

(*) هل كانت صداقتك عميقة مع خورخي لويس بورخيس، كما تعتقد؟
 كنا أصدقاءً بشكل حسن. ولكن لماذا هذا السؤال؟

(*) هذا السؤال يتعلق برأي بورخيس بكَ. فعندما سألناه في حوار سابق من سلسلة بريد السماء الافتراضي: كيف تحققُ اللذةَ العظمى لجسدكِ؟ سرعان ما استفزتهُ الفكرةُ، وقال غاضبًا: هذا سؤالُ مجرثمُ ولئيمٌ. وهو بكل المقاييس يعتبرُ اعتداءً على خاصية العمى الذي أوقعني فيها الزمنُ. وأنا أشكُ بأن بابلو نيرودا وراء طرحهِ. ثم عَلّق قائلًا: كنا أنا وبابلو أصدقاء متخاصمين بهدوء على بعض المبادئ الخاصة بالماركسية وسيطرتها الفكرية، تلك التي تجعل الفرد عبدًا للدولة، مع تفريغهِ من محتواه الإبداعي لصالح الجماعة. وعندما قمنا بتذكير بورخيس بانتمائكما إلى قارة واحدة، أجابنا بأن لا قدرة له على مصاحبة شيوعي من طراز نيرودا. مضيفًا أنك كنت (مَصلّحيًا) بإفراط. واستشهدَ بقضيةٍ مهمةٍ، وهي أنك لم تقم بإدانة جرائم حكم العسكر برعاية بيرون في الأرجنتين. بعبارة أدق، أضاف بورخيس، كان نيرودا شاعرًا يعرفُ من أين تؤكل الكتف. أما بالنسبة إلى انتمائنا المشترك إلى أميركا اللاتينية، فلا يعدو أن يكون توليفةً جغرافيةً لا غير..
لا بأس. فكلّ ما قاله بورخيس هو من باب الحماقة، أو المزاح الغليظ. ولا أطمحُ من أعمى أن ينالني بأقل من هذا الهراء.

(*) ألا تحملُ هذه الإجابة قسوةً حادّةً بالتعبير البلاغي؟
ولمَ لا. فربما تعيدُ هذه القسوةُ لخورخي لويس بورخيس النظر، فيستغني عن النظارة السوداء، ويرتاح وجهه من حمولة الظلام لبعض الوقت.

(*) هل اجتمعتَ ببورخيس هنا؟
لا أبدًا. فقد قيلَ لي أن روحه لم تصل إلى السموات بعد، وذلك لأنه سبق أن هَرِبَ من تابوته قبيل تشييع جنازته بساعات، فوقعَ في بئر واختفى.

(*) ولم يستطع عزرائيلُ القبض عليه! كيف؟!!
يعتقدُ البعض أنه تسرّبَ إلى أحد المفاعلات النووية، فتحصنَ هناك. قد يبعث مثل ذاك الاعتقاد

على الضحك والتهكم، ولكنه احتمالٌ من الاحتمالات الواردة التي فكرَ فيها بورخيس لمعرفة ما إذا كان ملاك الموت عزرائيل يملكُ القدرةَ على اختراق مثل تلك الأمكنة النووية، أم لا.

(*) هنا نحاولُ الاستفسار عن علاقتك القديمة بالشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا. هل كانت تلك الصداقة ثمرة الحرب الإسبانية وحدها؟
لم تكن الحرب الأهلية في إسبانيا مفتاحًا لعلاقتنا، ولكنها الخنجر الذي طعنَ في وجدان تلك الصداقة التي انتهت بإعدام لوركا في بداية الحرب.

(*) هل يموت الشعر في رأي نيرودا؟
مع أن الشعر ليس بدبابة، إلا أن مصيرهُ أفضل من الحديد. كلّ شيء ينتهي إلى الموت، عدا اللغات الجمالية. والشاعر الذي يتقنُ اللعبةَ، إنما يُكيّف نصوصَ لغته بالضدّ من العدم، بل وتقفز فوقه، ليبقى الشعر حيًّا على الدوام، ما عدا الشعر القصدّي الذي يُنظم تنظيمًا رياضيًا، فذلك ينتهي في الهاوية، ويُنسى اسمًا ورسمًا.

(*) على ذكر الأسماء، ما المسافة الفاصلة ما بين اسمك الحقيقي (ريكاردو أليسير نيفتالي رييس باسولاتو)، وبين اسمك الشعري المستعار، بابلو نيرودا؟
علاقة الشاعر باسمه أهم من علاقته بشعره. ولو كتبتُ أنا آلاف الصفحات باسمي الأول (ريكاردو أليسير نيفتالي رييس باسولاتو) ربما ما كان لقارئ أن يلتفتَ لي ويضعني على قائمة ذاكرته. لذلك قررت اختيار اسم بابلو نيرودا، كصوتٍ موسيقي مفعمٍ بالفن وبالفخامة. اخترتهُ اسمًا يلتصقُ بالذهن التصاق القُرادة بضرع بقرة.

(*) تعني أن اسمك تغذى بدم الدّواب لتنتشرَ، وتصبح مشهورًا، مما دفعك ذات يوم إلى السخرية منه في كتاب (التساؤلات)، الذي نُشر في الأرجنتين بعد وفاتك، عندما قلت: (هل من المعقول أن يدعى الواحد بابلو نيرودا)؟!
هذه هي حال الأسماء في الأنطولوجيات العالمية. فالأسماء تأتي متقدمةً على الشعر، وهناك مئات من الشعراء العظام ممن قتلتهم أسماؤهم، فدفنتْ نصوصهم الجميلة والهائلة في مقابر المطابع من دون شفقة، أو رأفة، من أحد.

(*) أنت تخلصت من مقتل الاسم الغليظ، أو غير المحبب، ليصطادكَ الموتُ مسّمومًا على يد الجنرال بينوشيه، بعد أن أطاح بالحكومة الاشتراكية المنتخبة في تشيلي، وقتل الرئيس سلفادور ألليندي. أليس كذلك؟
لو تأمّلنا ما حدث في تشيلي لتوقفتْ قلوبنا من هول المذبحة. ولكن التكتّم على أحداث ذلك الانقلاب الدموي المتوحش كان عارًا تتحملُ البشريةُ مسؤوليةَ الصمتِ عنهُ.

(*) ولكن قلبك توقف مسّمومًا بعد الانقلاب بأيام. فمثلما يصرّ سائقُك الشخصي مانويل أرايا، فإن عملاء الرئيس بينوشيه تخلصوا منك بحقنة من السّم، ولم تكن وفاتكَ بسبب مرض سرطان البروستاتا كما كان يشاع؟
ذلك ما أثبتهُ خبراءُ الطب الجنائي بعد سنوات. فقد قال الدكتور (أوريليو لونا) إن الخبراء

“تأكدوا بنسبة مئة في المئة” أن شهادة الوفاة “لا تعكس السبب الحقيقي لوفاتي بالسرطان”. أنا أخبرتُ سائقي الخاص بأن شخصًا ما قام بحقني بشيء ما في بطني وهرب، بينما كنت نائمًا. المهم أن الأمر انقضى، ووصلتُ إلى هنا لأستريح من ضجيج المدافع ورؤية الدماء وهي تسيل في شوارع سنتياغو بعد مقتل الرئيس سلفادور الليندي.

(*) أيهما الأسرع وصولًا إلى أوردة الشِعر: الدمُ، أم عطرُ الزهرة؟
القصائدُ أرواحٌ لا تعيشُ على الدماء، ولكنها طالما تتضمخُ بالعطر الأحمر الذي سرعان ما تقوم بتحويله من مادة مُستَفِزة إلى عطر يحاكي أحزانَ البشر ويتعاملُ مع آلامهم كترياق لتطبيب الأنفس الجريحة المُنهَكة من جراء الحروب والتعذيب والقتل.

(*) ثمة من يقول: (لقد سُمّي الشعراء، بحق، بالإلهيين، أي النبوئيين، المشتقة من الإلهي، أو من يؤلّه. هذا العلم سمّي بربوبية الشعر). هل تؤمنُ بذلك حقًا؟
نعم. ولا أدري ما المانع الذي يحولُ دون ذلك! فإذا كان الأنبياء قد تشاركوا بنصوص متشابهة، أو منقولة عن بعضهم بالتقادم، فإن الشعراءَ أتوا بنصوصهم الشخصية التي عادةً ما تزيّن اللغاتَ بمواد خام من الجماليات لم يكنْ لها وجودٌ على أرض الواقع، أو في الكتب القديمة. من هنا يمكننا القياس بالتشابه الشمولي ما بين النبوئيين، والتنافر والاختلاف التام ما بين الآلهة الشعريين، ممن وجدوا على الأرض، وكلٌّ في يده كتابه الخاص غير المنقول، أو المنسوخ عن أحد.

(*) سأسألك عن المرأة. كيف كانت حياتك العاطفية مع الزوجة الأولى من أصل هولندي ‘ماريكا’، ولمَ فشلت تلك العلاقة بعد ثلاث سنوات؟
ليس أفضل من أن ينتهي بإنجاب الطفلة (مارفا مارينا) في مدريد. كانت خاتمة لعلاقات حبية شائكة تصارعية ما بين العمل السياسي والفراغ العاطفي الذي حوّل الجسدين إلى كتلتين من الثلج على ما أؤكد.

(*) وهل ضمنَ لك الانتقالُ إلى الزوجة الثانية (ديليا ديل كاريل) الأرجنتينية حرارةً، أو تدفئةً مركزيةً، وهي التي تكبركَ بعشرين عامًا؟!
لقد ألغى انتماؤها للشيوعية الفوارق الزمنية ما بين جسدينا، أسوة بالفوارق الطبقية. ذلك ما أنا متأكد منه.

(*) أنت ألفتَ كتابًا عن “حجارة تشيلي”. هل كان تقليدًا لكتاب (أوراق العشب) للشاعر الأميركي والت ويتمان، الذي كنتَ مسحورًا بطقوسه وبشعريته؟
أجل، ثمة سحرٌ، أو ثمة خيطٌ ما بين الكتابين بشكل من الأشكال. ففي وقت قديم من الزمن، كنت، وكلما حاولت فتح الباب والكتابة في الشعر، وجدتُ ويتمان مختفيًا وراء الباب. آنذاك أتجاهل وجودَهُ، ولكنني سرعان ما أستفيد منه.

(*) كيف استفدت من ويتمان؟ هل استعملتَ رائحةَ حبرهِ في كتابة قصائدك؟
بالضبط. يا لعظمة السؤال. كنت أشحنُ نفسي بذلك العطر، لأنفجر مثل حجارة تشيلي بمختلف

الفلزات المُكوّنة لمعاني الوجود، خاصة بعدما اكتشفت أن الشاعر هو الآخر كان معدنًا من معادن حجارة تشيلي التي لا يُستهان بها.

(*) ماذا تخبرنا، بابلو نيرودا الميتافيزيقي، عن علاقتك بالله؟
ما تزالُ غامضةً حتى الآن. أريدُ أن أقرأ كتبهُ الجديدة التي نُشرت هنا، ولم تصلنا يوم كنا على تلك الأرض. ومن بعد ذلك سنتلمسُ طريقنا نحو العرش لنتحاور.

(*) كي تتحول من ضفة الإلحاد إلى الضفة الأخرى من الإيمان؟
لا أظنُ أن أحدًا يجبرُ أحدًا على فعل ما لا يرغب فيه. فرجالات السموات أكثر تحررًا من دعاة الحرية على تراب الأرض القديمة. الحريةُ هنا ليست نهائية، مثلها مثل بقية الديانات. أليس ذلك ما تقوله الآياتُ: (من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)، وكذلك (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).

(*) ما اللُغْزُ الذي ما يزال عصيًّا على الحل بالنسبة لك؟
لُغْزُ الحبّ. فحتى في منازل السموات ما زال هو العبء المُحَيّرُ، والأعظم، هنا.

((ضفة ثالثة))

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/interviews/2020/10/20/