(الميلاد: 19 كانون الأول/ ديسمبر 1910، باريس، فرنسا

الوفاة: 15 نيسان/ أبريل 1986، باريس، فرنسا)

 

أسعد الجبوري أسعد الجبوري 15 أغسطس 2020

كان الوقتُ غروبًا، عندما وجدتُ الرغبةَ تتلوى برأسي مثل ثعبان محموم يريد مقابلته في تلك السماء التي كانت مكفهرة في ذلك اليوم. كنت أفكر بمصير حواري معه، وكيف يمكن ترتيب الكلمات داخل الأسئلة، والانطلاق بالحوار مع شاعر رجيم، له تاريخ أسود بمخالفة القوانين والأحوال البشرية. فهو لصٌّ ومنحرفٌ ومرتكبٌ لجنحٍ مختلفة، وقد سبق أن حُكم عليه بالسجن المؤبد في بلاده الفرنسية، حيث قضى منها تسع سنوات، ليطلق سراحه بعد ذلك بأمر خاص من قصر الإليزيه، ليكون طليقًا بلا حدود.
إنه الشاعر الفرنسي اللعين جان جينيه، ذلك المؤلف الذي استولى على وعي الكثير من كتّاب العالم وشعراء العصر وقراء المؤلفات الشاذّة والقاسية والمؤلمة.
خاطبناه عبر صفحته المدموغة على صخرة من سلسلة الجبال المغربية. واتفقنا على أن نلتقي هناك بعد ساعة ضوئية واحدة. هكذا انطلقنا عبر مجرى البرزخ. توغلنا بالغابات الزجاجية، حتى وجدناه بانتظارنا مع طير (السيروفين) الشبيه بطائرات الهليكوبتر.
وما أن شاهدنا من بعيد، حتى حلّقَ على متن ذلك الطير، ليهبط أمامنا مصافحًا ومتحدثًا عن تقاليد النُزل الذي اختارهُ للكتابة داخل منطقة الغابات الزجاجية في الليل التي تضمُ بحيرةً تتغير ألوان مياهها بمختلف الألوان في الليل وكذلك في النهار.
تحدث جان عن أمور تتعلق بتربية الأفاعي والاستحمام بقطر ندى الأنجم والسفر على جناح طيره الخاص المُسمى بالسيروفين وكذلك عن أثاث النُزل الذي يقيم فيه.
وما أن انتهينا من بروتوكولات الاستقبال والتعارف، حتى بدأنا بطرح الأسئلة. قلنا له أولًا:

 (*) كيف كان خروجُكَ من تلك الأرض؟
– كخروج الغصنِ المكسور من غابةٍ باردة.

(*) وهل كنت نزيلًا في غابة يا جان؟
– بكل تأكيد. فالعواصف التي مررتُ بها، ما كانت تعني شيئًا يسدّ الفراغات في جسدي المطعون بمختلف الرغبات.

(*) تقصدُ بمختلف الرغبات والجنح؟
– لا فرق ما بين الاثنين. فكلاهما يؤدي إلى الجدل. أنا مخلوق ولِدتُ لقيطًا بمنطق الجنس اللاهوتي التائه لا الزواج المُشَرْعَن وفقًا للهويات..

(*) وما هو المنطق الذي يتمتع به الجنس التائه؟!
– أن تسقط برحم أمك بعض الجمرات الشهوانية، ثم تنهضُ أنتَ من ذلك الكهف المعتم، لتجد العالم وهو يُسلط عليك الأضواء لتحجيمك ولشطبك وجوديًا، ومن بعد ذلك رميك نفاية في صندوق للقمامة دون أي اكتراث.

(*) وهل كنتَ خائفًا من أن ينالَ منك العالمُ لقلة أخلاقك على سبيل المثال؟
– لم أكن أؤمن بوجود أخلاق واضحة لأنظمة الحكم في العالم، ولا بوجود شعوب تُشغلها الأخلاقُ، لتمنعَ الجياع من سرقة قوتها المنهوب في بطون الحيتان.


(*) قيل إن سجلك الشخصي يشير إلى كونك من السُراق البارعين يا جان جينيه؟
– ليس بذلك القدر من التهوّيل، ولكنني كنت محترفًا. هذا ما يمكنني قوله. الحياةُ علبةُ حلوى، وعليك سرقتها بالطريقة التي تراها مناسبة لإشباع الدورة الدموية بالشوكولاته.

(*) هل صحيح أن سرقتك لنسخة نادرة من ديوان “أزهار الشر” لبودلير، هي التي كانت وراء دخولك للسجن في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي؟
– أنا لم أسرق تلك النسخة، إنما استعرتها بطريقة (أرسين لوبين) البوليسية التي علمنا إياها ابن البلد الكاتب الفرنسي موريس لوبلان.

(*) وما الدافع وراء سرقة تلك النسخة الفريدة المحفوظة في المكتبة الفرنسية؟
– لم أفعل ذلك حبًا بقراءة الشعر، بل من أجل أن أستنشق الرائحة الشيطانية الكريهة لبودلير. أشمها بعمق وبحرية أكبر.

(*) وهل تكمن روح بودلير في تلك الرائحة برأيك؟
– بالضبط. فعفونة الشاعر بودلير وطغيان شرورهِ الأخلاقية الهدّامة، من أهم المفاتيح التي تَدلّك على شخصيته الشعرية من الباطن إلى الظاهر.

(*) هل هي العفونة التي استنشقتها الكنيسة في كتاب (أزهار الشر) فادعت عليه في محاكم باريس ليحذف منه 10 قصائد تحت ذريعة الإساءة للدين المسيحي والأخلاق العامة؟
– تمامًا. كان ذلك في 25 حزيران/يونيو عام 1857. وهو ما دفع بي ككلب ضال أراد أن يشم تلك القصائد التي حذفت من طبعات كثيرة لذلك الكتاب الشعري المخيف.

(*) وماذا عن تَسوّلك وهروبكَ من الجندية. ماذا كان ذلك يعني؟
– إنه الملل من قذارة حروب فرنسا الداخلية ومن مشاريع إراقة الدماء في مستعمراتها المُضطَهَدَة. لقد كنتُ أغرقُ نفسي بكل ما هو مسخ، يمكن أن يبني جدارًا يمنع رائحتها الكريهة من تجاوز حدود جسدي.

(*) ولكنك كنت متطوعا في الجيش الفرنسي، عندما عملت جنديًا في سورية ولبنان والمغرب بالإضافة إلى فرنسا.
– كانت تجربة جنسية جيدة قبل أن تكون وظيفة عسكرية.

 (*) لمَ اختلفتَ مع الطبيعة بيولوجيًا وسوسيولوجيًا؟
– لأنني مختلفٌ.

(*) لأنك كنت مختلفًا فقط، أم ثمة مشروع كان وراء ذلك؟
– لم أفكر إلا بالتمرد آنذاك. كنت مثل كاسحة ألغام تشقُ الطرق الوعرة على الأرض وفي لحم الجسد دون خوف أو ألمْ.

(*) ألم تشعر بشيء من العار؟
– أبدًا. كنت محاطًا بمخلوقات نفسي المتعددة المختلفة، وهي تقوم بحفر الخنادق حولي، والدفاع عني بشكل مثير.

(*) ثمة من أمعن بتوبيخك قائلًا: (ليس هناك شخص أمعن في الحقارة إلى هذا الحد. إن جان جينيه الذي طوبه سارتر كقديس، وعامله كوكتو كصديق عزيز، مدح الغستابو وهتلر والسرقة والشذوذ الجنسي في هذيانات غنائية فاجرة أغلب الأحيان، ولكنها تتمرغ أحيانًا وتذوب في المضحك. إن هذا السافل ذا الوثيقة المنحطة، من مؤسسات الإصلاح، من السجون النتنة والبيوت المقفلة –المحتقر حتى من رفاقه في الرجس – أعطى ارتعاشه لذيذة لواعظين يبشرون بالأخلاق بحكم العادة حول المستحيل والعدالة والشخص البشري). لماذا كل هذا عنك يا جان؟
– لأنني بطلٌ تراجيدي يصلح لأن يكون ممثِلًا للعالم المنحط ليس إلا.

(*) تعني أنك حاولت بناء شخصك كأسطورةٍ للشر في منتهى الانحطاط؟!!
– ربما عملت ذلك دون قصد. ولكنني أقول بأن الشر لا يعملُ على بناء قواعد له خارج الجسد. عليك التأكد من ذلك، لأنها الحقيقة الوحيدة التي كانت الأرضُ ترتفع عليها سيقانها الذابلة.

(*) هل كنت تشعرُ بوجودك كحشرة على الأرض القديمة؟
– أجل. فتلك الأرض شبيهة بجثةٌ لا بدّ لساكنيها من مصّ دمها الفاسد، وذلك من أجل إعادة تدويرها، وجعلها حقلًا للعطر والضوء والكتابات المنتعشة بالأزرق.

(*) هل ثمة كتابة مهذبة وأخرى وضيعة وسافلة برأي جان جينيه؟
– لا أظن ذلك، بقدر اعتقادي بوجود رائحة لكلّ كلمة تسكنُ قاموسًا.

(*) وكيف تظهر تلك الرائحة؟
– كل موقع نتن على الأرض، سرعان ما تتسربُ رائحته إلى اللغة، ليحتفظ بها القاموس للأبد، وتصبح جزءًا من سلوكه بالتعامل مع الكلمات.

(*) وهل تنطبق هذه القاعدة حتى على المؤلفات الأخلاقية؟
– لا أعتقد بوجود فوارق ما بين الكتابات الأخلاقية والمؤلفات الساقطة. الموضوعات هي التي تمنح عطورها للكلمات من خلال العدوى وجسّ النبض. فلا أعتقد مثلًا بأن كتابة أخلاقية ستكون مثمرة ودائمة الحضور في الأذهان، فيما لو رفضت الاحتكاك بالجنس أو بالشر أو بالموارد الوضيعة في الوجود الإنساني.

(*) هل صحيح ما قيل عنك بأن (جان جينيه غير القادر على بلوغ السمو في النور، سعى ليبلغهُ في الظلمات)؟
– أجل. فالوصول للسمو تحت جنح الظلام، هو أسهل بكثير من الوصول إليه على أرض تملؤها أعمدة النور الطبيعي الكشاف.

(*) ألا تشعر بأن الاثنين يتساويان عندك: النور والظلام؟
– أنا عشت 90% من حياتي في العتمة. وطالما تسبب لي الظلام بمختلف اللذّات.

(*) هل يُقدسُ جان جينيه شيئًا؟
– أجل. فأنا أقدس الذباب والسجون والنتانة والسطو المسلح على كلّ ما لا يمت للشعر بصلة عضويةٍ أو بصلة قرابة.

(*) أهي نزعة التخريب التي تسيطر عليك بلا انفكاك؟
– لقد عشتُ الخراب بمختلف أشكاله. لذلك أرى بأن تقديس ذلك الخراب الشمولي، هو قداسةٌ، إن لم يكن ضرورة حتمية لصيانة الأنفس من التعفن.

(*) هل تظن بأن تخريب بنية الإنسان ضرورة مهمة؟
– بالتأكيد. فهدم أنظمة سلوكه الكلاسيكية التي ولد في حضنها، ستقودهُ إلى خيارات رائعة، وذلك عندما يمتلك قراراته بنفسه وليس بتوريث العادات العائلية أو حسب أنظمة الجينات.

(*) هل يخضع الشعرُ لقوانين الجينات برأي جينيه؟
– قطعًا لا. فمورثات الشعر ما تزال غائمة، وهي بالأساس تخضع لطاقة الجنون الخفية المضادّة لكل تعريف لغويّ.

(*) متى تكون في مركز الشعر؟
– حينما تغمرني الأمطار من الداخل، ولا استنجد بمظلة أو بثياب واقية من البلل.

(*) هل ترى الشعر ماءً؟
– أبدًا لا. الشعرُ دمٌ فائض القوة والقيمة والتجليّ.


(*) كيف يدخل جان جينيه القصيدة؟
– لم أضطر يومًا للبحث عن باب أو نافذة للدخول إلى الشعر. كنت أستلقي على بطني وأكتبُ بلهجة تلك الأعماق المُتلاطمة في ذاتي.

(*) هل شعرتَ بأن بعض الكلمات تشبه التوابيت يا جينيه؟
– أجل. فالقسم الأعظم من مساحات القواميس هي مدافن لاستعمالاتنا الخاصة.

(*) تعني مقابر يدفنُ فيها الشعراءُ جثثهم؟
– لا يتعلق الأمر بجثث الشعراء وحدها، إنما بقصائدهم الوضيعة، تلك التي يفقد فيها الشعرُ النبض والحركة والكلام والبويضات التي تذهب ميتة للتواليت أيضًا.


(*) ألا يمكن تقديم العلاج للنصوص المُشرِفة على الموت مثلًا؟
– قد ينفع التنقيحُ في أمور جزئية منها وحسب، فيما لا يحتاجُ الشعرُ إلا للتلقيح المباشر وليس عن طريق التلقيح الاصطناعي عبر الأنابيب.

(*) لماذا تتحدثُ أنتَ عن الشعر كمخلوق آدمي مكتمل الإنسانية، وليس كنموذج لغوي مكوّن من كلمات مشتتة المصادر؟!
– لأن الشعر هو النسخة الأولى من العالم الأنثروبولوجي الحامل لطبائع المخلوقات البشرية.


(*) هل تعتقد بوجود شعر من تأليف كائنات أخرى كالحيوانات على سبيل المثال؟
– حتمًا ذلك موجود. وربما تكتب الدببةُ أو الذئابُ أو الحميرُ أو الأرانبُ الشعر أفضل مما نكتبه نحن على مر العصور. الحيوانات في الحب، تمثل حالات متقدمة عن حالات الغرام البشري.

(*) من هو الأقدر برأي جينيه على استخدام لعبة الروليت في المخيّلة: الشاعر أم الروائي؟
– الأول بالطبع. فالروائي ظلٌ من الظلال يحاولُ التشبث بالحياة عن طريق الاستنجاد بالشاعر. وكثيرًا ما يسرق الروائيون صناديق السائل المنويّ من بنوك الشعراء، بهدف إنعاش أرحام الروايات في أثناء الكتابة وتأليف الخيال والاستعانة به للنشر والترويج.

(*) أنت رأيت مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان بعينيك. وكتب عن ذلك  نصًا «أربع ساعات في شاتيلا». هل استطعت النوم بعد ذلك؟
– تمنيتُ لو لم أملك عينين آنذاك، لتعفياني من رؤية أبشع مناظر التاريخ الدموي قسوةً ورعبًا وانحطاطًا بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

(*) هل الشعرُ يبكي؟
– أجل. فهو كما الحصان عندما يموتُ صاحبهُ ويستغرق بالبكاء المحسوس واللامرئي، أو إذا مرضَ، ولا علاج له إلا بطلقة الرحمة.

(*) قيل في معلومة عنك، بأنك تمتنع عن الاغتسال إلا نادرًا!! هل كان صحيحًا يا جان؟
– نعم. ما قيل عني كان صحيحًا، لأنني لا أريد أن أفقد شيئًا من جسدي.

(*) كيف. وماذا تقصد بذلك؟
– ما أقصدهُ، هو أنني كنتُ حريصًا على أن لا تفقد قصائدي جلدها وتصبح عاريةً أمام الغبار.

(*) ولكنك كنت عاريًا في كل شيء مكانًا وزمانًا، فكيف تحرص على أن تكون مُحجبًا هنا ومستباحًا جسديًا هناك؟
– قد لا تصدق فيما لو أخبرتك بأنني مصاب بمرض الاختلاط البيولوجي والسيكولوجي إلى الحدود القصوى. كنت اشعر بذلك الاختلاط وأتخبط أكثر.

(*) هل كنت خائفًا من مرضك بالسرطان؟
– ليس بذلك القدر الرهيب، كنت بحاجة للراحة، لذلك رفضت العلاج الكيميائي والإقامة في قبر تحت تراب مدينة العرائش المغربية.

(*) عشت حياةً طويلة عليلة وصاخبة، ثم مت عاريًا في حمام غرفتك بفندق فرنسي. هل ندمتَ الآن على شيء فعلته أو على شيء لم تفعله يوم كنت على تلك الأرض؟
– لا أظنُ بأنني فارقتُ تلك الأرض يومًا منذ موتي وحتى اللحظة. أنا من خزينةُ تراب ولن أتخلى للسموات عن روحي الأرضية.

(*) وشغفك بالموسيقى؟
– أججهُ الموسيقارُ العظيمُ موزارت بـ (قداس الموتى). أو بتلك السيمفونية التي فرغتنيّ من الرماد، لتترك الجمر يقرأ صفحاتي بهدوء.

(*) بعد سجنك المؤبد، لماذا لم يوقع كل من فرانسوا مورياك وألبير كامو على العريضة التي رفعها جان كوكتو وحشد كثير من كتّاب فرنسا إلى قصر الإليزيه من أجل إطلاق سراحك بعد مرور تسع سنوات من السجن على مختلف الجنايات والمخالفات القانونية التي سجلت ضدّك؟
– المهم أنني خرجت من السجن، لأكون ذئبًا في غابات الخارج، وليس بين دفاترهم وعشيقاتهم وكؤوسهم. تلك مرحلة.

(*) أيهما احتوى الآخر، الشعرُ أم أنتَ؟
– أنا أول من أدخلته تحت جلدي ليقرأ في تراكيبي، ومن ثم تركته يكتب لي مشاعري بحرية أولئك الذين يمتطون الموج وصولًا إلى اللذّة القصوى.

(*) هل الشعرُ لذّةٌ وحسب؟
– الشعرُ سيّارةُ إسعاف للمرضى بتحولات اللغة وتناغماتها الموزعة بين ما هو غامض وما هو مكشوف بلا حجاب. لذا فهو ما وراء اللذّة وما قبل الحطام.

(*) هل كنت شاعر معنى يا جان جينيه؟
–  كنت بابًا للتيه، ويستطيعُ كلُّ من يرغب بالفرار من العالم السفلي، أن يحقق حلمهُ بالقفز من صدري إلى تلك الفراديس المرسومة على لوحات الغيب.

(*) ومتى أصبحت حاضنةً لأهل التيه؟
– عندما وجدتُ القمرَ معلّقًا على باب خيمتي في مجرى ريح الرب.

((ضفة ثالثة))