Nazim Hikmet

15يناير 1902 – 3 يونيو 196

لم نكن نعلم إنه ما زال شغوفاً بالسجون والتظاهرات وكتابة الشعارات على حيطان الدولة العثمانية.الذي أكد لنا ذلك هو مراقب حركة النشر في الجرائد السماوية،حيث بقي الشاعر التركي ناظم حكمت مخلصاً لانتمائه الحزبي كمناضل من أجل الحرية والعدالة والرغيف الساخن للفقراء.هكذا وجدناه على  باب ذلك الجزء الذي يحتل قسماً من منطقة الجحيم .

كان ناظم منهمكاً يتصبب عرقاً وهو يوزع المنشورات الشيوعية التي تدعو السكان إلى وجوب التحلي بأخلاق الثورة المضادّة لجميع أشكال العبودية،بما فيها الدينية.

داهمنا الخوف من أن يتعطل هذا الحوار بسبب مواقف الشاعر ناظم حكمت من الأديان.إلا أنه سرعان ما قام برمي أوراق تلك المنشورات فوق رؤوس المجتمعين،واتجه نحونا على ظهر حيوان ((الغوليلو )) الذي ينتمي لفصيلة النمور ،حيث كان فرحاً ومنتشياً بتعليق صورة ماركس في رقبة ذلك الحيوان المستطيل .

ما رأيكم أن نجلس على تلك صخرة سيزيف ونجري الحوار هناك.

هكذا طرح الشاعر ناظم حكمت علينا السؤال فجأة.فقلنا له،لا مانع لدينا من ذلك.وهكذا اقتربنا من تلك الصخرة الضخمة وجلسنا.

وبمجرد أن التقطنا الأنفاس،حتى افتتحنا حوارنا مع الشاعر سائلين:

س:أنت ولدتَ وبفمك ملعقةٌ من الذهب.هل كان ذلك صحيحاً ؟

ج/نعم.ولكنني لم أستعمل ملعقة الباشوات،تركتها تحت سريري دونما أي اكتراث بقيمتها .

س:كأنكَ خرجت من رحم أمكَ شيوعياً على الفور؟

ج/ربما.فقد كان ثمة من يلقنني النظرية الماركسية – اللينينية يوم كنت في تلك الأحشاء.

س:تعني إن وضعك العائلي البرجوازي من خلال والدك الباشا الثري المتنفذ في الدولة العثمانية من خلال وظيفته العالية، لم يؤثر في تربيتك؟

ج/أبداً. فقد كنت شاذاً على تلك القواعد المنضبطة، ولم يؤثر أحدٌ من العائلة بتكويني  الفكري سوى قادة العاصفة الحمراء القادمة من موسكو .

س:ما الفرق ما بين الشيوعية والرأسمالية برأي ناظم حكمت؟

ج:كالفرق ما بين لحم الديك الرومي المشويّ في الفرن على نار هادئة، وما بين حبات البطاطس المسلوقة  على الحطب بقدر في العراء .

س:ولكن النار هي الفاعل الوحيد عند الطرفين.

ج/ الأمر لا يتعلق بالنار وحدها،وإنما بالمذاق.

س: ألا تعتقد بأن الأيديولوجيات ،عادة ما تنشط في سنّ المراهقة،وسرعان ما تخبو  وتشيخ مع التقدم بالعمر ؟

ج/ولكن يمكن تنشيطها ،والتخلص من الخفوت والذبول ؟

س:كيف يحدث ذلك .بالمنشطات الشبيهة بحبوب الفياغرا مثلاً ؟

ج/لا لا .إنما بالسجون.فالمعتقلات من أدوات التنشيط الحزبي ،لأنها تعيد تكوين المنتمي نظرياً ووجودياً .

س:كيف.هل يتم ذلك من خلال دمج الإيديولوجي بالبيولوجي مثلا؟

ج/ تماماً.فعندما تتوغل الشيوعيةُ بالدم البشري،سرعان ما ينتج عن ذلك جسدٌ بخلطة بيولوجية جديدة.

س: هل كان أتاتورك من طبقة البروليتاريا ،لتعمل على خدمته وتكون له تابعاً ؟

ج/لم أكن تابعاً له بكامل جسدي،وقفت معه لتحطيم الامبراطورية العثمانية،ثم ما لبتث أن انقلبت عليه،بعد أن تشبّعتُ بأفكار العالم الاشتراكي الجديد المناهض للنازية والفرنكفونية .

س:ودخلت بعد ذلك السجن كمعارض شرس للأتاتوركية ؟

ج/أجل.وكان السجن مدرسةً ،استطعت من خلالها إعادة تأهيل نفسي وعقلي وجسدي لمقاومة كل ضعف وذبول .

س:ألا تعتقد بأن السجنَ قد أكلَ لحم الشعر  من جسد ناظم حكمت،ولم يبقِ منه سوى العِظام ؟

ج/وذلك ما كنت أرغب فيه بالضبط.

س:لماذا؟

ج/لأن اللحوم سرعان ما تفسدُ ،ويذهبُ بها العفنُ إلى المزبلة،بينما تبقى العِظامُ  أسلحةً لقتال البرجوازية وأدوات النفوذ الامبريالي.

س:ولكن الانتماء للأحزاب، عادةً ما يُقلل من نفوذ المخيّلة في الشعر،وبالتالي يحرق أوراق الإبداع.ألا يعتقد الشاعر ناظم حكمت بذلك؟

ج/ثمة موضوعات في حياة البشرية ، أكثر أهمية من اللغة والخيال .لذلك أنا مهتم ببناء وتدعيم طبقات الفلاحين والعمال والناس البسطاء، أكثر من البناء الشعري داخل اللغة.الشعر يمكن أن يبقى مستمراً في الحياة فيما لو تركته أو قمتَ بالتخلي عنه مؤقتاً،ولكن لا يمكن أن تفعل ذلك مع الجائع الذي إذا لم تطعمه يموت وتنتهي حياته من سجلات الوجود.

س:ما الذي أتى بك إلى الشعر،وكنت ضابطاً في البحرية؟

ج/لقد طردوني من تلك المدرسة البحرية (نوال)  عام 1920 مجبراً ،لأنني بلياقة ناقصة .لذلك يممتُ وجهي شطر موسكو لدراسة الاقتصاد والعلوم الاجتماعية هناك.

س:ولكن العلوم الاقتصادية،لم تعلم ناظم حكمت الاقتصاد بالشعر،بل جعلت منه مدخنة لا يخرج من فمها سوى الدخان السياسي بطعم الفلفل الأحمر للبلاشفة.

ج/ومن أين استطعتُ بناء عضلاتي الشعرية ،لولا تلك المدخنة الإيديولوجية ؟

س:تعني إنك كنت شاعراً من طبقة البروليتاريين حزبياً ولغوياً ؟

ج/أجل. وتلك كانت قوتي الحقيقية التي روّجت لي ،لأن أكون شاعراً طبقياً على مستوى العالم.

س: بعد أن قضيتَ في السجن 12 عاما، ولم يفرج عنكَ إلا بعد إضراب عن الطعام في سجن أسكودار بإسطنبول عام 1950،كيف استطعت الفرار إلى الاتحاد السوفياتي.؟

ج/حدث ذلك عندما لجأتُ للشياطين ،فقامت بتهريبي عبر الحدود إلى هناك.

س:هل يؤمن ناظم حكمت بالملائكة والشياطين .

ج/ نعم.فهما بمثابة البلاشفة والمناشفة على طاولة مستديرة وفي وكر واحد أو خلية في الجسم الشيوعي.

س:ماذا كان إحساسك ، عندما أسقطتْ عنه الحكومةُ التركية الجنسية،؟

ج/كان ذلك القرار بمثابة إشعال النار في غابة.

س:هل تعتقدُ بأن الوطن ترابٌ وحسب؟

ج/الوطن مثل الشعر،جغرافية بتراب وآلام وأناشيد وقمح وعمالٌ يشيدون الجسور ما بين الشرايين والقلب.

س:كيف كان وضعكَ العاطفي في السجن؟

ج/ العشاقُ  المساجين  أحلامٌ نائمة .

س:ولم يستطع أحدٌ بإيقاظها ماداموا هم في الحبس؟

ج/كنت أناجي بالسر زوجتي( منور) مثل طير انتزعوا ريشه،وأبقوا عليه في قفص معتم.

س:أيهما الأهم عند شاعر مثل ناظم حكمت،الحبُ أم الحزبُ ؟

ج/الحزبُ بالطبع.

س:لماذا الحزب بالضبط ؟

ج/لأنه لا يلهو بكيان المرء،ولا يبدد طاقاته تحت الطاولة الشهوانية،فتضيع الحياة هباءً.

س:من أجل ذلك كنت شاعراً ميت العواطف،ولا ثمن عندك إلا للحبر الذي لا يقود إلى الاعتقالات والمشانق ووحشة عنابر الموت؟

ج/ذلك قدر الشاعر الإيديولوجي المنغمس بالسحر الماركسي .أي القدر الذي لم تبق الامبريالية له إلا إياه .

س:هل كان ناظم حكمت طبالاً بوظيفة حزبية ليس إلا ؟

ج/وما العيب في ذلك؟ لكل حزب في التاريخ مهرجون .وإنما النضال سيرك خاص ،لا يستعمل به المنتمون شبكة الحبال التي يتعلق بها البهلوانيون،بقدر ما تستهويهم حبال المشانق .

س:أنت لم تكتب في الشعر – الدواوين رسائل إلى ترانتا – بابو (1935)، وملحمة الشيخ بدر الدين (1935)، ومناظر طبيعية وإنسانية من بلدي (1966-1967)، وملحمة حرب الاستقلال (1965)- بل كتبت في المسرح العديد من المسرحيات- الجمجمة (1932)، والرجل المنسي (1935)، وفرهاد وشيرين (1965)، كما ألف رواية “إنه لشيء عظيم أن تكون على قيد الحياة، يا أخي” سنة 1967.

ما هي لحظة الالتقاء ما بين الشعري والمسرحي ؟

ج/في الشعر،عليكَ أن تكون إقطاعياً.إما في المسرح فلن يكون أمامك إلا أن تصبح من الشغيلة ،حيث العمل الجماعي.

س:كم من الأسماء استعرت في حياتك الأدبية؟

ج/ كنت أعمل كاتباً متخفياً عن الأنظار بأسماء مستعارة مثل “أحمد أوغوز” و”ممتاز عثمان” و”أرجومنت أر” و”أورخان سليم”..كانت فترات زمنية قاسية من الإرهاب الفكري التي أخضعت البلاد التركية تحت أحذية العسكر.

س:كانت لديك علاقة حميمة مع البريد كما ذكرت زوجتك ذلك.((قالت إن ناظم حكمت كان يصحو كل صباح ليذهب راجلاً إلى مبنى البريد تسقطاً للرسائل المقبلة من الوطن البعيد تحمل أخباره . وكانت تلك الأخبار زاداً وملهماً وباعثاً على الدفء في برد الروح الذي يجتاح المنفى . وفي صباح أحد أيام صيف عام 1963 خرج إلى مشواره اليومي نحو البريد، لكنه لم يعد . لقد سقط ميتاً في الشارع وهو في طريقه متلهفاً إلى رسائل الوطن .)) ماذا كان وراء ذلك شغف الارتباط بالوطن وحدهُ ؟

ج/كان البريد ذاك ،يحمل لي ذرات من تراب تركيا تحول دون جسدي وصقيع المنفى.كنت أستنشقها بمتعة لا تقاوم،مما أدى إلى موتي ذات يوم

س:هل كنت ترى إن بتلك العلاقة جانباً صوفياً ؟

ج/لقد تشبّعت بالأناشيد الصوفية مبكراً،فكانت المولوية مدرسة منحتني الكثير من الشغف الوجداني بالأرض والناس .

س:ألمْ تجد في الصوفية تعارضاً مع الشيوعية ؟

ج/كنت أنظر للصوفية كطاقة وجدانية ترفع بالمنتمي الشيوعي إلى مصافي الرموز الحزبية ليس غير.

س:هل تعتقد بأن ما قاله عنك الناقد” جوزين دينو”: ((إن ناظم أذكى النار في الهشيم الشعري، وحرره من القواعد العروضية))  كان صائباً ؟

ج/ ربما كان كلامه مبالغاً .فأنا حررت الشعر من عدم الانجرار وراء المدارس السريالية والدادائية .كنت أستنشق الشعر بأنفاس رومانسية تنغمس بالواقع اليومي للشعوب المناضلة ضد الاستبداد والقتل والطغيان.

س:كتبت عنك الناقدة عالية كريم في دراسة لها بعنوان –ناظم حكمت شهيد الحب الإنساني- قائلة: (( * لا يخلو شعر ناظم حكمت في معظم مراحله من مبدأ الصنعة. حتى قصائده المباشرة والتعليمية التي كتبها في أوج نضاله لم تخل من الصنعة او المتانة. لكن الصنعة هنا يجب ألا تكون بمثابة المأخذ على الشعر بل هي التي تتيح للشاعر ان يحقق ما يسمّيه ولعاً بجعل الشكل متطابقاً مع المضمون. فالشكل في نظره ينبغي له ان يمنح المضمون مزيداً من الوضوح شرط ألا يطفو هو على السطح كما يقول. وليس من المستهجن ان ينأى ناظم حكمت عن إغراءات الزخرف (أو الباروك) والحذلقة والافتعال وأن يمعن في الإيجاز والاختصار حتى وإن كتب الكثير من الشعر الدرامي والملحمي.

قد لا يصمد شعر ناظم حكمت كله ولا نثره كلّه أمام حكم الزمن، وقد تسقط من نتاجه قصائد كثيرة ونصوص كثيرة وخصوصاً تلك التي كتبها تحت وطأة المنفي والنضال والالتزام وهي في معظمها لا تخلو من النفس التعليمي الذي يتوجّه الى الشعب. ومقولته الشهيرة (ما أريد قوله للشعب) ساعدت ربما علي جعل بعض القصائد والنصوص غاية في المباشرة وخلواً من الفنّ الشعري أو الملحمي الذي كثيراً ما برع فيه. )) ما رأيك ؟

ج/ لا يُبقي الزمنُ شيئاً على حاله.التحولات جزء من العملية الإبداعية.ولن أشكو فيما لو طوى النسيانُ شعري.لقد كنت مكافحاً من أجل الإنسانية ،وذلك هو الوسام.

س:هل رأيت السيد مصطفى أتاتورك هنا ؟

ج/لن أبحث عن خزانة آلامي القديمة،ولا أريدُ تَذَكُرَ حياتي القديمة في سجون تركيا.كل ما أرغب به الآن،هو الانضمام للمواكب الخاصة التي ستتظاهر ضد البيرسترويكا.

س:ومتى سيحصل ذلك ؟

ج/ حال وصول جثمان رئيس الاتحاد السوفيتي  الهدّام ميخائيل غورباتشوف إلى هنا.سيقدمهُ ليون تروتسكي إلى المحاكمة على الرغم من اعتراضات يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء الأخوان المسلمين على تلك المحكمة.

س:ما الهواية التي تمارسها في هذا المكان الجديد ؟

ج/سبق لي وأن مارست لعبة الغولف،وتركت تلك اللعبة،عندما ضربتُ الكرةَ ،وسرعان ما سقطت من السماء على الأرض دون أن يتمكن أحدٌ من استرجاعها.