كتابة وحوار أسعد الجبوري

بعد كلّ القرون التي مَضتْ على رحيله،لم يَسْتَسِغ النومَ تحت الأرض.أخذ على عاتقه مهمة السفر والتجوال في مناطق الصين،دون أن ينتهي منها بعد .كان يكتبُ القصائد تحت الأشجار ،ويمارس التزلج على ثلوج الجبال ويشرب النبيذ على أطراف البحيرات .
ذلك هو الملف الشخصي للشاعر الصيني دوفو .اطلعنا عليه النسرُ الأعمى ((توسولا)) ،ولم نقتنع به كثيراً لقلة المعلومات عنه إلا بشكل مُبْتَسر .
لكن ..وما أن اتصلنا به لإجراء هذا الحوار،حتى فاجأنا بالهبوط أمامنا على ظهر ذلك التنين الأزرق.كانت الصورة صادّمة ومرعبة بالنسبة لنا.

إلا أنه وقبل أن تذهب بنا الصْدّمةُ المدى الأعمق في النفس،قال لنا دوفو ضاحكاً :سأخذكم معي على ظهر هذا الملاك في جولة حول القمر البنفسجي النائم في حضن الإله أبولو .لذا ،فما عليكم إلا أن تَركّبوا خلفي وتشدّوا السواعد حول خصري وأنتم تطرحون الأسئلة .
حاولنا التملّص من الوضع ،وتأجيل الحواء أو حذفه من قائمة بريد السماء الافتراضي، إلا إننا امتنعنا عن فعل ذلك،ونزلنا عند رغبة الشاعر الصيني دوفو .

فعلنا ما طلبه منا بذعر.وذاك ما تم. فما أن طار بنا الحيوان ،حتى شعرنا بضرورة حذف المخاوف من النفس ،والتمتع بالجرأة العالية في طرح الأسئلة لتفادي الخوف من الرحلة المفاجئة العجيبة.فقلنا للشاعر دوفو:

س: هل تعتقد بأن الشعر يُصنع صناعةً ؟

_ لا أعتقدُ بذلك أبداً .كل شئ يُمكن أن يصُنع في الصين صناعة يدوية أو بالماكينات إلا الشِعر.

س/هل بسبب استعصاء هذا النوع من الكتابة على أن يكون نوعاً من البضائع على التصنيع؟

_  بالضبط..الشعرُ  استثناءٌ،ولا يمكن التعامل معه إلا كخلق فني فريد النوع.

س:ومن يكون الخالق برأي دوفو ؟

ج/ليس غير العذاب.

س:هل تعتبرُ العذابَ هو أهم مناجم الشعر؟

ج/ليس في الشعر وحده،فالعذاب هو الفلز المُحركُ والمشع في الوجود الإنساني كلياَ.

س:هل تضع نفسك مقياساً لما تعتقد به، أم تلك نظرية تقوم على إدراك فلسفي خاص بك؟

ج/ أنا لا أستوعب ما في خارجي من نظريات،لذلك أؤمن بالحبر الصيني الذي يغمرني فقط .

س:يبدو أن ذلك الحبر الصيني ،قد نجح بصبغ عوالمك الباطنية تماماً .ما ردّك؟

ج/أنا لا أملك ردّاً .عليك بطرح السؤال على الشمس .

س:أي شمس تقصد .شمس الداخل أم شمس الخارج يا دوفو ؟

ج/لا تلك ولا تلك.

س:لماذا تحاول تجهيل النفس،والفرار من الحقيقة التي كنت فيها ؟

ج/ لن أعترف بكامل الحقيقة،فمثلما أنا نصف حقيقي ،مثلما شمس الشعر هي النصف الآخر من النفس الذي لا يشرقُ على الشاعر إلا بعد منتصف الليل.

س:هل يمكن لشاعر مثل دوفو أن يحتكرَ الشمسَ لنفسك فقط،وأن يربط بلاد الصين الشاسعة بشروق وغروب شاعر بائس يائس يعيش على خط التيه ؟

ج/لا عار فيما قلته ولا خطيئة. أليس من العظيم أن يرى الصيني نفسه كشاعر،جسدَهُ بحجم خريطة بلاده،فلا يغيب عن العين ،لأنها منبعَ الشمس ومصبها .

س:من أين لك كلّ ذلك الكبرياء ،وأنت مُعدَمٌ ،كانت أعظم أمانيه أن يتطوع في سلك الخدمة الرسمية ليكون موظفاً في عهد أسرة تانگ الملكية ؟

ج/أجل.فقد سبق لي وأن نجحت بعد فشلي بالكثير من الاختبارات،وحصلت على وظيفة ،سرعان ما جعل من عينيّ موقدين للنار،ولذلك استقلت وهربت إلى مدينة تشنكدو  .

س:لماذا فعلت ذلك؟

ج/ استقلت عام 759 بسبب فساد الرؤوس الكبيرة من الساسة التي ملأت رأسي بالكراهية والسخط على بذخ الحكام  اللامعقول أمام جوع الشعوب وفقرها وقهرها اللا محدود.

س:ما الذي يفعله البؤس بالشعر؟

ج/ما تفعله المصيدةُ بالفئران .

س:ماذا تعني بهذه المقاربة يا سيد دوفو ؟

ج/ كنت أعني أن البؤس يفتح شهية القصيدة للكتابة عن فئران الفساد ممن يلتهمون الرغيف والرصيف على حدّ سواء.

س:ولكنك كتبت عن الرخاء الذي أصاب البلاد في عهد أسرة تانغ الملكية .أي قبل استقالتك بسنوات.فما الذي حدث؟

ج/لم تبق الأحوال على ما كانت عليه آنذاك،فقد شهدت البلاد الكثير من  الثورات والاضطرابات التي فتحت خزائن الفوضى لتعمّ أغلب مناطق الصين.

س:وهل وجدت بهروبك من المواجهة حلاً ؟

ج/نعم.

س: كيف كانت ذلك ؟

ج/لقد سافرت مع عائلتي حول مدن البلاد كسيراً وجائعاً يستجدي الأرغفة ،مقابل أن الحافظ على رأسي من السقوط بحضن الفاسدين.قلت لنفسي أن الموت جوعاً ببطء ،أفضل من أن تذهب به سيوف الأقوياء.

س:ومتَ على وسادة القهر والفاقة ببطء. أليس ذلك ما حصل يا دوفو؟

ج/ليس ذلك ما حدث بالضبط.فقد بلغني عطفُ أحد الحكام ،عندما جعلني أميناً لسره كرقيب في شانجان ،فوفر لي السكن والطعام والترف .

س:مقابل ماذا؟

ج/أن أكرس نفسي للشعر فقط.

س:وتكرست للراحة مطولاً بعد ذلك ،أم انتهت بك في زاوية حادّة من الحياة؟

ج/متُ صريعاً من كثرة التمتع والدلال .

س:هل الانفراج والاندماج بالسعادة من العوامل المضادّة لنمو القصائد عند الشاعر؟

ج/إذا كانت تربته متصحرّة.

س:وأنت..كيف كانت تربتك يا دوفو؟

ج/مثل تربة الصين .

س:تربة نمو الأساطير تعني؟

ج/بالضبط.فقد ولدتُ لأكون تنيناً .

س: تنيناً برأس يقذف ناراً ؟

ج/ناراً تكتب الحكمة على الوجوه والجدران والآفاق.فليس أعظم من المعرفة عندما تكون بيوتاً يسكنها الناس على الأرض بدلاً من الخنادق وميادين القتال.

س:هل كنت من المعادين للقتال ؟

ج/نعم.

س:حتى القتال من أجل الوطن؟

ج/لا.كنت من المعادين للقتال بين الأخوة. لم أكن أريد رؤية قطرة واحدة من دم صيني تلوث قميص صيني آخر.

س:كأنك تحاول رسم صين أخرى، كفردوس خالٍ من الدم والتعذيب والقسوة والجنون والبؤس ؟!!

ج/ربما تجد تلك الصورة في قلب كل صيني .ولكن مع اختلاف بقراءة أو رسم تلك الفراديس كأحلام لابد من تحققها على الأرض.

س:ثمة من ينظر إلى الشعر كخلاصة لعذابات الشعوب.وثمة آخرون لا يرون في الشعراء إلا جمهرة من المشاغبين الذين تتحكم بأرواحهم الشياطين.ما رأي دوفو ؟

ج/كل ما قيل صحيح.الشعر خزينة للحوادث .والشاعر إذا لم ينتم إلى الشيطنة،عليه الابتعاد عن القصائد.

س:هل لا بد من رؤية القصيدة تنيناً يلفظُ النار؟

ج/أجل.

س:حتى في الشعر الرومانسي؟

ج/ومن قال إن الرومانسية ليست تنوراً؟

س:تقصد أنها ليس غير مدرسة للعب بالنار ؟

ج/أجل.والشاعر الفذ هو مخترعٌ للألعاب النارية التي تستطيع تغيير وجه السموات ،وجعل البصر متحفاً للسعادة أو البهجة حتى لو كانت مؤقتةً .

س: هل كنت شاعراً قوياً؟

ج/ كنتُ قوياً بالاتحاد مع الطبيعة ومع مشاعر الشعوب التي كانت تنظرُ إلى القصائد كمعابد إلهية يمكن أن تُخلص البشر من الشر والمآسي،وتجعل الحياة بلا دموع.

س:ولكنك كنت شاعراً غارقاً بتلك المشاعر وحوادث النفس وتأثيراتها على بنية النص.أليس كذلك يا سيد دوفو؟

ج/كنتُ محكوماً أن أفعل ذلك .

س:بدافع أخلاقي وحسب كما تعتقد ؟

ج/لا أرى فضيلة بالانتماء إلى الجانب الأخلاقي فقط،ولكنني كنت مضطراً لابتكار بعض الأساليب التي تجعل القصيدة ظلاً لحركة التاريخ الصيني المضطرب الوحشي الجمالي غير المتناسق طبقياً.

س:يبدو أنك اكتشفت النظرية الطبقية قبل أن يضع أسسها رموز الشيوعية في العالم أمثال لينين وإنجلز وماركس ؟!!

 

ج/أنا عرفت ذلك يوم تنبأت بظهور المخلص الأكبر ماو تسي تونغ على أرض الصين .

س:تقصدُ الزعيم ماو .فاتح عصر الثورة الثقافية في الجسد الصيني بمحاريث الحديد ؟!

ج/أجل.فقد كان زعيماً لمحرقة إستراتيجية.ونقطة على السطر.

س: هل حاولت الاجتماع به هنا ؟

ج/ لا.لم أفعل ذلك بسبب الخوف.

س/هل يُعقل أن تخاف منه قبل الموت وبعده يا دوفو ؟!!

ج/ لست متأكداً من صحة خوفي الاستراتيجي ذاك ،إن كان منه أو عليه .ولكن الشيوعية عند الرب قابلة للأخذ والردّ والمناقشة.

س:هل أنت متأكدٌ من ذلك؟

ج/نعم. لقد سمعت الشيطان الأكبر،وهو يتحدث في مقهى ((الوجود الآخر)) عن فشله في قطع ذلك الحوار ما بين الله وبين ما كانوا يسمون بالملحدين.

س:وأنت .هل كنت مؤمناً بالله ؟

ج/ عندما أجتمعُ به سأقرر.

س:ألا تخاف من أن يلقي بك الربُ في جهنم؟

ج/لن يفعل الله ذلك بعباده .

س: حتى من كانوا ينتمون إلى البوذية أو الطاوية أو الكونفوشيوسية ؟
ج/ لا توجد حدود  داخل رأس المخلوق البشري ،مثلما لا يمكن تحجر الآلهة في ديانة خاصة وتنغلق .الديانات مثل الأنهار،عادة ما تتسرب إلى المنخفضات وتجف هناك.

س:وماذا عن المرتفعات.

ج/ ربما لا تصل إليها الدياناتُ إلا بشق الأنفس .

س:تقصد أن الإلحاد آخر حلقات الدين ؟

ج/بالضبط.هناك الفراغ العام من كل هرطقة.فتحرير العقل من فكرة الديانات وظلالها الفلسفية والروحية،يقود إلى التجلي بمصطلح العدم.

س:كسباً للراحة وتنظيماً للنفس من الشغب الديني .

ج/أجل.فقتل فكرة الجنة والنار ،هي ما يوفر للمخلوقات البشرية التناغم الحيوي مع الحياة على الأرض الذي ينتهي إلى الموت السعيد.

س:هل كنت طاوياً يا دوفو؟

ج/ كلا. لم أحب الموتى يوماً ،لأعيش تحت ظلالهم في مختلف الديانات التي تربط الحي بالميت.

س: في الصين القديمة، يقول البروفيسور رون ويليامز في كتابه التوحيد عند الصينيين القدماء (( أن الحضارة الصينية القديمة مرت بمراحل ثلاث، في المرحلة الأولى كان الاعتقاد بالتوحيد سائدًا، وفي المرحلة الثانية طغت المادية على التوحيد، وفي المرحلة الثالثة المتأخرة سادت المادية بشكل تام.

ثم يقدم رون ويليامز أدلة على ذلك، فباستقراء الكتابات الصينية القديمة نلاحظ ترميزهم للسماء برمز يتكون من جذرين: الأول يعني (الشخص)، والثاني يعني (فوق)، وبالتالي فإن رمز السماء عند الصينيين يعني أصلاً (الشخص العلوي)، أما رمز الإمبراطور فهو يعني ابن السماء، وهذا يوضح أصل تقديس الصينيين لحكامهم.

ثم يعرِّج ويليامز على موضوع حرق الأغصان كطقس ديني عند الصينيين اليوم تعبدًا للسماء، ويشير إلى أن أصل هذا الطقس يعود للحاكم شان Shun عام 2255 ق.م. حيث أمر بحرق الأخشاب كقربان لإله السماء، ويدلل على ذلك من خلال النقوش القديمة، حيث أن الرمز بعد تحليله إلى جذوره فإنه يعني الواحد الأعلى الذي نحرق الخشب من أجله.)) أين أنت من كل هذا ؟

ج/ أنا ما زلتُ أسبحُ في نفسي ،عسى أن أخرج منها قبيل غرقي في قطعة من ظلامها.

س:لماذا فعلت ذلك،هل بسبب خذلانك من أعظم الآلهة ملك السماء الذي ترك عباده معلقين على الحبال،وصار رمزاً للإله الذي اتخذ لنفسه مهمة أن يكون تلك الطاقة المسيّرة للكون ؟

ج/ كلّ الآلهة الذين مروا بتلال عقلي وأكلوا من مخي الزبدة  ،ليسوا سوى أبطال أفلام كارتون لم يعد يصلحون حتى لرفاهية الأطفال.

 

س:

وقد قال فيه آرثر ويلي Arthur waley: (( من عادة الذين يكتبون في الأدب الصيني من الإنجليز أن يقولوا إن لي باو أشعر شعراء الصين ؛ أما الصينيون أنفسهم فيقولون إن دوفو هو حامل لواء الشعراء الصيني )) ما ردّك؟

ج/علينا الخضوع للميزان.

س: أي ميزان تقصد يا دوفو؟

ج/ليس غير ميزان اللغة ،لا الذائقة.

س/ هل لأن الشاعر (لي باو) رومانسي،فيما أنت مسكون بالوقائع كمؤرخ للزمن الصيني؟

ج/ها أنت قلت الحقيقة.ونقطة على السطر.

س/ثمة من كتب عنك قائلاً : ((يُظهر شعر توفو اهتماماً جلياً بأحوال زمانه، ويتميز المدى الشعوري والانفعالي لديه بكونه أكبر وأوسع مما لدى معاصره لي بو، كما وأنه أعمق فكراً.

عاش توفو في مرحلة التانغ بين عامي 712 و770، وقد قيل إن شعره افتقد إلى المواضيع المشحونة عاطفة من مثل الموت والحب. وقد ركز النقد على إحساس توفو القوي بالتاريخ، التزامه الأخلاقي وإجادته التقنية.)) كيف تنظر إلى هذه الفكرة؟

ج/ نظرة الامتنان  بالطبع .

س:هل تصحر شعرك من العواطف مدعاة للبهجة والامتنان ؟!!

ج/ كان الحب قطعة حجر من سور الصين،وصعب علىّ حمله.كنت هارباً من العواطف،كيلا يكتمل انهياري واسقط في هاوية لا يُعرف لها قراراً .

س/ يمكن لهذا صرح بعض النقاد ممن أرخوا لفترة حكم سلالة ((سونغ)) بأن توفو «بالشاعر المؤرخ». و(( لعل قصائده الأكثر مباشرة على الصعيد التاريخي هي تلك المعلِّقة على فنون القتال العسكرية أو على نجاح وفشل الحكومة أو كذلك قصائد النصح التي كتبها للإمبراطور. وإلى ذلك فإنه كتب بطريقة غير مباشرة حول تأثير الزمان الذي عاش فيه على نفسه وعلى أناس الصين العاديين. وهذا يشكل نوعاً فريداً من المعلومات عن التاريخ الرسمي للحقبة التي عاش فيها.))

ج/ لم يستطع الشعر أن يصنع دروعاً لوقاية اللحوم البشرية – جنود الجيش الإمبراطوري- من سيوف الموت إبان حروب الداخل. لقد كنت متعاطفاً ليس مع العساكر وحسب ،بل مع المدنيين من عامة شعوب الصين.

س:كم كان حجم الدمعة بعينيك يا دوفو ؟

ج/ بحجم حبات الرمان .

س:باللون الأحمر أم الأزرق؟

ج/لا هذا اللون ولا ذاك.كانت دمعي بلون الحب الذي فقدته ،فصار حجراً .

س:هل تريد أن تسمع المزيد من الآراء عنك: اسمع ((يتميز شعر توفو بخصوصية مجال موضوعاته المترامي. وقد كان «يوان زن» أول من أشار إلى ترامي إنجازاته على صعيد المواضيع، فكتب ديوان ذاك عام 813 ان سابقه توفو «قد وحّد، بل دمج، في قصائده مزايا لم يقم السابقون عليه بعرضها سوى بشكل منفصل أو أحادي. أجاد توفو نظم كل أنواع الشعر الصيني. ويقال إنه في كل باب من أبواب الشعر حقق إضافات مهمّة أو قدّم أمثلة لافتة عليها. كما وينوّع هذا الشاعر في مستويات اللغة المستعملة، فمن المباشر وللحكي فإلى التلميح والغرق في الفصاحة. ويمكن أحياناً ملاحظة هذا التنوع حتى داخل العمل الشعري الواحد. ويرى البعض أن التحولات الأسلوبية والموضوعية السريعة هي من أجل تقديم مختلف أوجه الموقف. ويُعرف عن توفو كتابته حوالي 18 قصيدة عن الرسم وحده وذلك أكثر من أي شاعر آخر من حقبة التانغ.)) هل كلام مثل هذا ،يمكن أن يرفعك عالياً كالمنطاد .

ج/ المناطيد يا صديقي اسعد لا تفتح قبراً وتطيرُ .

س: هل برأيك أن الشاعر لا يستطيع الطيران؟

ج/بزجاجة خمر صيني،ربما يستطيع الشاعر التحليق خارج المجال المغناطيسي للكرة الأرضية.

س/هل حدث لك مثل ذلك الطيران يوماً يا دوفو؟

ج/أجل.فأنا شاعر الانقلابات الدائمة،لم أستطع النوم في سرير واحد.كنت دائم الطيران فوق الصراعات والحروب .لقد حاول بناء سعادة مختصرة،ومتُ صريعاً على وجهي بمجرد أنني نلتها وسط تلك المحافل الفاجرة بالأموال والمناصب .

س: هل خنت زوجك ؟

ج/أبداً.فقصائدي القاحلة كالصحارى شاهد على ذلك.

س:هل استبدلتَ العواطف بنيل الأرغفة لك وللعائلة دون أدنى خجل؟

ج/ نعم. بمعنى أنني كنت صعلوكاً وشحاذاً على الأبواب.

س:هل شكوّت الربّ على فاقتك القديمة، أو لمتهُ على ما أصابك من ضنك وضيم وجوع ؟

ج/ ولكن الربّ رفّهني في نهاية العمر، لأسقط بعد ذلك صريعاً لما ذقته من متع الأثرياء.

س:والآن.ماذا بإمكانك أن تعمل في السموات هنا؟

ج/سأحملُ سور الصين على ظهري ،لأصنع منه صراطاً مستطيلاً ،يخدم أقدام كل الذين أتعبتهم الكتابة والتأليف،فذاقوا من وراء أفكارهم الجريئة العذابات والآلام والسجون  والمشانق.فهم الآن في السموات ،بمثابة رموز يستحقون الفراديس بجدارة .