ويليام كارلوس ويليامز
(17 أيلول/ سبتمبر 1883 – 4 آذار/ مارس 1963)
3 نوفمبر 2020


ثمة نهرٌ صاعدٌ من الأرض إلى السماء. مياههُ أشبه ما تكون بموجات من سرابِ أصفر، وتجري فيه مراكبٌ لا تَقل سوى شخص واحد لا غير.
هكذا عَلِمنا من (التوكا)، تلك السمكة البرمائية الشبيهة بالحوت الأبيض، عندما ابْتَلَعتنا وانطلقتْ بنا هائمةً كالسهم على مياه نهر (الذكريات) للقاء الشاعر الأميركي ويليام كارلوس ويليامز بعد ذلك الغروب بلحظات.
لم نكنْ قلقين من تلك الرحلة النهرية، أو زاد شعورنا بضغطٍ أو بخوف يشعلُ نارًا في الدورة الدموية، ويجتاح بقية الحواسّ بأي حِسّ مأساوي قد يُواجهنا ونحن ببطن تلك السمكة العملاقة التي كانت تشقُ المياهَ في ذلك الفضاء العظيم.
وما أن بلغ بنا الوقتُ قرابة العشرين فرسخًا من زمن الساعة، حتى هبطتْ بنا تلك السمكة – المركبُ في بحيرة بين جبالٍ عظيمة لها نوافذٌ مطلية بالنحاس، وتشِعُّ بأعين ناظريها. بينما كانت الكلماتُ تَطَايرُ من حولنا كأسراب نحل، وهي تَرَشّنا بمواد تبعث بالأنفس نشوةً غريبةً، قِيلَ لنا إنها لقاحُ أهل الجنة.
وبينما كنا بين آخذ وردّ على ما كان يحدث لنا في ذلك المكان، ظهر علينا الشاعر ويليام كارلوس ويليامز مبتسمًا وهو يصيح: لنجلس إلى طاولة الكون، ونرمي المنطقَ بحجارةٍ من سّجِيل.
وقبلَ أن ينتهي الشاعر الأميركي من كلماته، كانت بيننا فتاةٌ تحملُ على رأسها راداراتٍ تشبهُ الأغصان، وهي تقدم لنا قطعًا من قالب كاتو الدبّ الروسي.
تذوقنا ذلك الكاتو العجيب، ثم طرحنا السؤال على ويليام:

 

(*) ماذا عن طفولة الألم يا سيد ويليام؟
– تلك أصعب مراحل المرض كما أفهم. فأن يبقى الألمُ متمسكًا بطفولته ولا يمضي للشيخوخة، فذلك ما يشكلُّ خطورةً على الحياة.


(*) ربما أدركتَ ذلك بحكم مهنتكَ القديمة كطبيب أطفال. ولكن قل لنا، هل ثمة آلام للكلمات؟
– بالتأكيد. فما تفرزهُ اللغةُ من بروتينات وفضلات وسموم في أرحام الكلمات، تَنجمُ عنها صراعات حادّة تجعلُ بعض الكلمات مرضى، مثلما تجعل رهطًا آخرَ من الكلمات في أعراس تتجاوزُ طفولة الألم.


(*) وكيف تقتلُ الكلماتُ آلامَها برأيك؟
– بالنار الرومانسية طبعًا.

(*) وما هي تلك النار ومن أين تجيء؟
– في رؤوس بعض الشعراء وبعض الشاعرات مستوطناتٌ مُغلَقةٌ لا يسمح بالدخول إليها والتصوير فيها إلا لـ (إناث الالحاد)، حيث تَجْري عملياتُ تخصيب القصائد بتيارات البهجة التي تُجنّبُ النصوصّ الجفاف والابتذال.


(*) وما الدورُ الذي تقوم به تلك الإناث. هل يتماثلُ عملهنّ مع عاملات النحل؟
– بالضبط. تعمل (إناثُ الالحاد) بالتزاوج مع كائنات لغوية فيروسية لتوْلِيد العواطف وخلق أفضل الظروف للمغامرة.


(*) وماذا ينجمُ عن تلك المغامرات برأيك؟
– انتزاعُ اللغة الشعرية من المنطق، وفتح مُدَرّجات المطارات لطيران الكلمات.


(*) دونَ أن تجدَ تلك المغامراتُ اعتراضًا من رادارات اللغة؟
– عندما تنطلقُ الكلماتُ بالتَحْلِيق، سرعان ما يتباطأ عملُ تلك الرادارات أو يتوقف بشكل نهائي. فالحريةُ لا تمنحك جناحًا واحدًا للطيران، وتذهبُ للنوم في سرير روميو وجولييت.


(*) ألا تعتقد بأن ثمة من يُعرقل فكرة التصوير داخل القصيدة، منعًا لطغيانها على جميع الأدوات الشعرية الأخرى؟
– أجل. هناك مدارسٌ شعرية ناضلت بهدف كسر تلك الكاميرات الشمسية وحتى بلوغ مرحلة الديجتال.

(*) وهل لتلك النزعة العدائية ما يبررها بنظر ويليام كارلوس ويليامز؟
– أظن بأن أساتذةَ بعض تلك المدارس كانوا يحاولون تَدْجين المخيّلة درئًا لخطورتها عليهم.


(*) كونها تشكلُ فعلًا إلغائيًا للمهن الأكاديمية التي يمارسونها في النقد والتدريس في الجامعات مثلًا؟!
– ربما. ولكنني أذهب إلى أبعد من ذلك، أن النقد وأساتذته كانوا يسعون إلى تطويق الشعر بمنظومات أخلاقية هو في غنى عنها بنسبة 80%. وقد جَرَت محاولاتٌ كثيرةٌ لتكرّيس تلك الفكرة، فشل أغلبها.


(*) ولمَ يريد الشعرُ التخلصَ من تلك المنظومات الأخلاقية؟
– لأنه لا ينتمي إلى عصر البطالة الذهنية. ولا يرغب بوضع سور الصين حول المفردات الشّهوانية لهذه اللغة أو تلك.


(*) وهل كنت مع الإباحية اللغوية؟
– نعم. فطاقاتُ الشعر لا تتحرّر من ذنوب التردّي والجفاف والترمل ومنظومات الأخلاق الوهمية دون الضغط على اللَغْم.

(*) بأية وسيلة كنت تذهب للشعر يوم كنت على تلك الأرض يا ويليام؟
– عادةً ما أذهب للشعر بسيارة إسعاف.


(*) هل لأنكَ كنت مَسحورًا بزُمُور تلك السيارات مثلًا؟
– نعم. فقد كان جلّ تعلّقي بما يلفظهُ الزُمُور من أصوات وألحان جنائزية لا يقف أحدٌ أمامها متجاهلًا. فكلّ الطرقات تُفتحُ لسيارة الإسعاف بسرعة ودون تَرَدّد.


(*) تقصد أن لا ذهاب للشعر مشيًا أو على درّاجة هوائية أو بزورق أو على ظهر حمار على سبيل المثال؟
– لا يصح أن يذهب الشاعرُ أو الشاعرة لمنازل اللغة بأقدام باردة لا تُشْعِر الكلمات بوقع ذلك الاحتكاك المُولّد للنار.


(*) لماذا التعوّيل على النار في كتابة الشعر. هل الشعر نتاجُ سرقة بروميثيوس لنار الآلهة؟
– تمامًا. فكلّ الأساطير تتلاقحُ متزاوجةً من أجل خلق الذهول والدهشة الفاتنة والمعاني التي تتفوق على كل ما هو مزرٍ في الوجود.


(*) كنت صديقًا للشاعر عزرا باوند. هل تعلمتَ منه شيئًا؟
– كان عزرا باوند غرابًا أشيب اللون يقودُ مواشي اللغة من المراعي إلى المسالخ. يُربي القطعانَ في المراعي المفتوحة، ويستثمرُ أشكالها وحركاتها واستغاثاتها وعصيان بعضها وتمرد البعض الآخر قبل الموت وبعده. عزرا باوند هو الشاعر الذي تعلمتُ منه كيف تُربى النصوصّ وتُجهزّ للذبح دون أسف.


(*) وكيف كانت صورة الشاعر توماس ستيرنز إليوت في ذهنك؟
– سمسارُ لغةٍ بالفلفل الحارّ.


(*) هل كان من الضروري أن تكون تربة النقد صلدّة وصخرية؟
– لا. ليس بالضرورة أن تكون كذلك، إلا أن النقد المشبّع بالأوكسجين، قد لا يكون قاتلًا على الورق أو في الأنفس.


(*) وما نسبة استقلالية الشعر الأميركي عن منتجات شعراء أوروبا؟
– كان التأثير الأوروبي طاغيًا ومخيفا على شعر الولايات عندنا، إلا أنني حاولت أن أكون أول من أسس مصدًا للموج الشعري الأوروبي وذلك من خلال عدم الانصياع للمدارس المهووسة بجعل الشعر جنونًا بمختلف الأساليب حتى دون كتابة، أو أن يكون الشعر الأميركي مرفأ لحمولات المعامل الأوروبية المُنتجة لتلك المدارس.

(*) هل كان ذلك يتعلق بفكرة أن تحلّ التجارب الحديثة للشعر محل المحاربين القدامى للقصيدة؟
– بالتأكيد. والأمر الآخر كان محصورًا بالحفاظ على الهوية الأميركية.


(*) ولكن أميركا ولايات تتعدد فيها الهويات، وهي ليست من جينوم واحد.
– ذلك صحيح.


(*) ولكنكم لا تستطيعون إلا الاحتفاء بأوراق عشب والت ويتمان الجافة. أليس ذلك هو مصدر تراث الشعر الأميركي؟
– ذلك ما لا يمكن إغفاله. وقد نستمدُ قوتنا من تلك الأعشاب حتى لو لم تكن ضرورية ولا تربي العضلات في النصوص.


(*) هل كان من الضروري أن يمرّ الشعرُ الأميركي من بين أصابع ويتمان مثلا؟
– لا أظن ذلك، ولكننا كثيرًا ما نفاجئ بظهور أعراض ويتمان على جلودنا.

(*) كأنك تشبهُ شِعرَهُ بالحساسية المرضية؟
– لا يمكن تصنيف الشاعر والت ويتمان بذلك الطراز الخارق في الشعر العالمي. فنخبةٌ من شعراء أوروبا، يمكن أن يرسلوا ملفهُ إلى دار العجزة.

(*) ما هي أدواتك التي ناضلتَ بها من أجل الحفاظ على بناء قصيدة تلامس التراب الروحاني؟
– ثمة بوقُ وصلٍ للصوت الهادئ ما بين النفس الشعرية العميقة وبين الخارج كميادين لمختلف الأفعال والفعاليات القتالية منها أو الغرامية أو تلك المتعلقة ببنيوية الطبيعة الشخصية للمخلوقات البشرية.

 (*) ألا تعتقد أن النص الشعري الجيد، لا يبنى إلا على حس مأساوي. ما رأي ويليام كارلوس بذلك؟
– أظن أن في ذلك شيئًا من الصحة. فبناء جملة شعرية فائقة القوة، قد لا تتم إلا بوحدات جمالية بالغة القسوة والحزن.

(*) ثمة من يرى (أن المصير الإنساني خاضع كما في الماضي لقوى مجهولة) كيف تنظر إلى هذا التعبير التنظيري؟
– تلك هي القدرية. ولا إيمان عندي بها كنظرية فلسفية.

(*) ولمَ تستنهض قواك ضدّ القدر؟
– كي لا أستغرق بالميتافيزيقيات وينفجر رأسي عبثًا.

(*) ما قصة الـ(الوزن المتغير)؛ تلك الفكرة التي سبق لك أن أعلنت عنها يوم كانت قدماك مغمورتين بتربة تلك الأرض؟
– هو التغييرُ الذي يطرأ على العين، عندما تلامسُّ حقولَ الباذنجان المبثوثة في اللغة فتؤجج صوتَ السواد في النفس.


(*) هل الشعرُ والشاعرُ أسودان في كلّ لقاء سيكولوجي أو في كلّ تماس بينهما؟
– تمامًا. وكل ما يحدث للشعر من توتر وتشرذم وقلق ونكوص، لا يمكن تهدئته إلا بأحضان النساء.

 (*) هل كنت منتميًا للـ(حّصرُم) كما كان عنوان غلاف كتابك الشعري الأول الصادر في عام 1921؟
– لقد سألني نقادٌ كثيرون عن معنى ذلك. كانت كلماتهم تتضمن استهزاء وسخرية، دون أن يدرك واحدٌ منهم، بأن تحت ذلك الغلاف عريشة نبيذ قد تسقي ملايين المتوحدين بنشوة القصائد.

(*) هل أنت شاعرٌ أيديولوجي؟
– لم أكنْ براغماتيًا، ولم تمتلئ معدةُ رأسي بالبصل بعد، لأصبح شاعرًا أيديولوجيًا.

(*) ألا تعتقد بضرورة دمجِ الشاعر بالمجرى الأسطوري، ليكون مُستثنى من آلة الزمن التي عادة ما تنقلهُ جثمانًا إلى المقبرة فالعدم؟
– ليس لدى كلّ شاعرٍ قدرة اختراق جدار الأساطير، ليكوّن لنفسه نقطةً خضراء في تاريخ الأدب البوهيمي للخرافات وما يَصنعهُ الخيالُ من قصص لسدّ النقص في الحياة الباردة الجافة القميئة بوقائع الموتى أو المحنطين.

العري داخل النص الشعري يحتاج شكيمةً وموقفًا صلبًا من القوى اللاهوتية
المحيطة التي كانت تحيطُ بي في أميركا المُثقلة بالجراح
والجرائم والفيروسات والحروب والعنصريات
وعضلات كينغ كونغ الإلكترونية

(*) وأنت يا ويليام كارلوس، على منْ كنت تعوّل في تأليف نصوصك الشعرية. على المرئي أم المعتم المتخفي فيما وراء الحجب؟
– طالما تركتُ رأسي يبحثُ فيما وراء سور الحديقة، ليكشفَ عن أسباب المبهم ويكتبَ عن فضيلة الأشياء الممنوعة من الظهور وجوديًا، أو تلك المُغيبة قسرًا.

 (*) مثل مصابيح الكيروزين تقصدُ؟
– أجل. فأنا ولدتُ في مدينة رذرفورد نيوجيرسي بلا ماء صالح للشرب ولا كهرباء أو طرق تصلح لمشي الأحذية أو هرولتها.

(*) ولكن الفقر المدقع ذلك، لم يتجلَ بقصائدك بشكل واضح؟
– نعم. فأنا مكافحٌ صلبٌ ضدّ تسلل السردّ إلى غرف القصائد والأمكنة التقليدية التي عادة ما تذهب إليها.

(*) تعني أنكَ كنتَ مواظبًا على الانعتاق من لعبة الحكي داخل القصيدة، ومنع تسببهِ بخلخلة الشعرية؟
– تمامًا.

(*) كأنك تنظر للقصيدة كسجن، تجتهد على حراستها منظمةٌ منضبطةٌ بلا معارك ولا خصوم ودون أسلحة؟
– يمكن أن يحدث عند البعض مثل ذلك التصور، ولكنني مؤمنٌ بأن في كل قصيدة حراسًا لا يسيئون التعبير عن ضرورة حماية الشعر من المستهلكين للغة كمادة في سوق الكتاتيب.

(*) وماذا وجدتَ في الكلمات. هل ثمة أرواحٌ في القواميس؟
– ثمة حياة مشتركة للأرواح مع القواميس والمعاجم. فكلما شارفت كلمةٌ على الموت، سرعان ما تهرب من المدافن، وتعيدُ جدولة أحرفها بقيم ومعانٍ وجماليات تختلف عما كان فيها.

(*) هل لك أن تقول لنا كم عدد المرات التي وجدتَ فيها جسدك عاريًا في قصيدة؟
– القصيدة مرآةٌ من ماء، وأنا لم أستطع التوغل في عميق نفسي أبدًا. ربما سأعيد المحاولات وأنا في السموات. فقد تتغير موازين التجاذب والجاذبية، فأقدر على كشف الأسرار الغامضة التي لم أكن أعيها يوم كنت على تلك الأرض.

(*) تقصدُ إنكَ كنتَ متعلّقًا بغموض الليل في داخلك، وربما تحصل معجزة هنا، وتتفكك هياكل عوالم التراجيديات القديمة، وتنتهي من الأنماط الوجودية المُحْزِنة.
– بالضبط. فالعري داخل النص الشعري يحتاج شكيمةً وموقفًا صلبًا من القوى اللاهوتية المحيطة التي كانت تحيطُ بي في أميركا المُثقلة بالجراح والجرائم والفيروسات والحروب والعنصريات وعضلات كينغ كونغ الإلكترونية.

(*) هل كتبتَ في الجنة شعرًا.
– لم انغمس بالرومانتيكية الإلهية بعد. ما زلتُ شخصًا متزنًا يتعامل مع أمكنة ما بعد الموت برصانة وعين ثاقبة.

(*) خوفًا على نفسك من افتراس حواري الفردوس لجسدك مثلًا؟!
– أجل. فنساءُ الجنةِ أجهزةُ تشويش لكل الحواسّ القديمة والمضافة حديثًا التي نادرًا ما تُمنح لأحد من غير الشعراء هنا.

(*) أنت تفاجئنا بالكلام عن الحواسّ المضافة. هل لك أن تقولْ لنا يا سيد ويليام ما المهمات الملقاة على عاتق تلك الحواسّ؟
– لم أقم بتجريبها بعد. ولكن بعضهم أخبرني بأنها حواسٌّ للتكامل ما بين الفيزيقي والسوريالي الذي يسمحُ للشاعر بالخروج من جدول التكوين الديني.

(( ضفة ثالثة ))

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/interviews