تاريخ ومكان الميلاد: 15 يناير 1939، الطفيلة، الأردن
تاريخ ومكان الوفاة: 15 نوفمبر 1973

 

كتابة وحوار :أسعد الجبوري

عندما سألنا المارة عنه في ذلك اليوم الشتوي ،قال لنا بعضُهم ،بأنه في مثل هذا الوقت ،عادةً ما يكون وراء مقود حافلة ترفيه ركّاب الأرض الجدد بين المناطق.
لم نعلق على الأمر شيئاً،اعتبرنا أن وجود الشاعر الأردني تيسير سبول وراء مقود عربة، علامة صحة وابتهاج ومرحلة جيدة ،تثبت بأن الشاعر قد دخل في ماكينة الاندماج مع الآخر.
انتظرنا تحت أشجار السماق لحظات ،حتى أقبلت علينا الحافلة من بعيد.توقفتْ وصعدنا .سألنا الرجلُ السائقُ إلى أين المسار؟
فأجبناه على الفور : أنتَ.
فنظر الشاعر تيسير سيبول بوجهنا بعمق وقال: الآن فهمت.أنتم أصحاب الرغبة بإجراء حوار معي.أجل لقد وصلتني الرسالةُ بالبريد الإليكتروني .تفضلوا بالجلوس.أما أنا فسأدع الركّاب ينصرفون لموائد الشراب .من أجل أن ننهي هذا اللقاء على متن هذه الحافلة .
لم ننتظر طويلاً،حتى طرحنا عليه السؤال وهو يسوق العربة:

س/يبدو أنك كبرتَ مع المدن قبل نشوء أي شيء آخر داخلك؟
ج/هكذا كانت إرادةُ القدر بعد انتقالي من مدينة الطفيلة إلى الزرقاء فالعاصمة عمان .
س/هل تعتبرُ ذلك تحولاً في الجغرافية أم في المعرفة؟
ج/ الترحالُ السريعُ من مكان إلى آخر،قد يوسع في داخل الإنسان مسافة أكبر للمعرفة .فالسفرُ تنويعٌ .وهكذا كان الشعرُ ومن بعده الفلسفة.
س/اجتاحا داخلك؟!
ج/هما كانا وراء حجاب،وظهرا ببطء .
س/ظهورُ الشعر تقصد؟
ج/ ظهوري الوجودي الكليّ تم في دمشق ،بعد أن تركتَ الجامعة الأمريكية في بيروت ،متخلياً عن البعثة التي ذهبت بموجبها في نهاية الخمسينات لدراسة الفلسفة هناك.
س/ولكن تيسير وقع في الشام منجذباً إلى القانون ،وليس للأدب ؟!!
ج/ربما لأن أحداً ما في داخلي ،كان مستيقظاً للدفاع عن حقوق المحرومين والمظلومين على الأرض في الأردن.هكذا كان إحساسي في البداية ،عندما عملت في دائرة ضريبة الدخل،ومن بعدها في سلك المحاماة.
س/ولكنك لم تنه تنقلاتك .فسافرتَ إلى البحرين والسعودية ،ثم عدتَ للعمل في الأردن عام 1964 بفعل فشل مشاريعك .
ج/لم أجد نفسي في تلك المهنة.فطلقتُ المحاماة ،وتوجهتُ للعمل في الإذاعة.حيث قدمت ((مع الجيل الجديد)) .
س/هل كان برنامجاً سياسياً ؟
ج/هو برنامج شمولي تنخرطُ فيه الإذاعة بهموم القوم.
س/ما الذي فعلهُ بك الشعر؟
ج/لقد كان مرضاً بحق.مرضاً دمرّ دماغي على مراحل.
س/ولكن شعرك لم يكن بذلك المستوى الخلاّق بنيةً ومعنى!
ج/إذا كان يُنظر إليه بهذا الشكل،فيكفيني أنه كان ناراً مستعرّة ،أطبقتْ بالتدريج على كلّ ما كان يخصّ صحتي وتفكيري.وليس في النار كما أعتقد مستويات خلّاقة وغير خلّاقة!
س/ ولكن النار تتقدُ حسب ما تتغذى به .أليس كذلك يا تيسير سبول؟
ج/نعم. ولا وجود لمُسَعّر للنار أكثر من اللحم الآدمي.لا الخشب ولا البنزين .
س/هذا ما تعتقدُ به أنت.ولكن النقاد لا يستأنسون بكلام الشعراء الذين يتحدثون بهذه الطريقة الساذجة التي تحاول ابتزاز التعاطف هذا كما أعتقد؟
ج/لم أهدف للابتزاز، ولا إلى نيل التعاطف من أحد.فمثلما خرجتُ للدنيا من أحضان الفلاحة،يمكنني العودة للأرض .
س/تعود شجرةً أم جثةً ؟
ج/الثانية هي الأقرب على ما أظنُ .
س/كيف لم تنتقل هذه الحساسية ولا هذا الذكاء إلى قصائدك؟
ج/كان القلقُ الداخلي اشدّ عنفواناً من اللغة .
س/تعني أن اضطراباتك الداخلية ،حالتْ دون تكوين قصائد هامّة .أي أن تلك الاضطرابات ،منعتكَ من التجانس مع الشعر بالشكل الأقوى؟
ج/بالضبط.هذا بالإضافة إلى فوران عقلي السياسي .
س/هل كان رأس تيسير سبول فرناً ؟!
ج/ بالضبط.كلّ داخل إليه يشتعل بسرعة البرق ودون تأنٍ.
س/قيلَ أنك توقفت فترةً عن الكتابة .هنا نطرح السؤال: أيهما الأكثر تأثيراً على سبول:الشعرُ أم السياسةُ ؟
ج/السياسةُ عندي هي التي تولّد الشعر وتصنع منه القصائد العظيمة المنادية بالتغيير.أنا لم أكن سوى صرخة بين شعوب محطمة وفقيرة ومعدمة العواطف والامتيازات.
س/هل صرخةُ سبول تشبه صخرة سيزيف؟
ج/قبل هزيمة حرب حزيران عام 1973 نعم.كنت صرخة ثقيلة.
س/ وبعد الهزيمة؟
ج/أطلقت النار على النكسة ،لتنتهي من تاريخي الشخصي.
س/أنا أتحدث عن صخرة وصرخة!
ج/ وأنا قلتُ لكَ بأن الصرخةَ تلك،سرعان ما تحولتْ إلى رصاصةٍ ،لتشقَ صخرةَ سيزيف،وتفتتها ،أملاً بإنهاء عذاب الرجل سيزيف.
س/كم من سيزيف عند العرب كما تعتقدُ ؟
ج/لدينا أقوامٌ من ماركة ذلك الرجل الأسطوري.
س/وكلهم يقدمون على الانتحار تخلصاً من الآلام كما فعلت أنت ،عندما اعتقدت بأن تلك الرصاصة نالت من النكسة وليس من رأسك؟!!
ج/كانت صدمةُ الهزيمة مهوّلة،لم يتحملها رأسي إلا بتلك الرصاصة.
س/وماذا ترى بعد موتك.هل انتهى زمنُ الهزائم مثلاً؟
ج/أنا أحتاجُ إلى المزيد من الأعيرة النارية هنا.

 

 

 

 

س/وهل من المسموح استعمال الأسلحة لمن يقطن بين طبقات السماء؟
ج/في بعض المناطق فقط.
س/ماذا تريدُ أن تشير بذلك؟
ج/ مناطقُ العرب مكتظةٌ بالأسلحة الخفيفة والثقيلة .مناطقهم وراء جهنم .أنهم ليسوا بعيدين من هنا كما أعتقد.
س/ولمَ لا تكون معهم هناك ؟!
ج/عرب تلك المناطق ،لا يرغبون بكل من يحمل صفةَ منتحرٍ .هم يعتبرون المنتحرين جبناءً، لا يريدون إكمال طريق الحرب الأبدية المدعومة من الأبالسة ورجال الجان وبقايا المذاهب.
س/هل تودّ تأليف شئ عنهم..أم أنتَ تركتَ تأليف الروايات بعد (( أنت منذ اليوم)) ؟
ج/أنا ألفت من زواجي طفلين جميلين،هما كل عالمي الروائي الذي تركته ورائي.
س/ولماذا لم تكمل سرّدَ الحياة معهما؟ تركتهما لمستقبل الفراغ دون راوٍ ،ومضيت وكأن شيئاً لم يكن !
ج/قطعتُ الرحلةَ ،لأنني لا أريدُ رؤيتهما يغرقان في الظلام العربي بعد حرب حزيران.كنت حادّاً في موقفي وتعسفياً إلى حد كبير.
س/هل أنت نادمٌ على انتحاركَ ؟
ج/بالطبع.فالرصاصةُ التي وضعتها برأسي ،لم تضع للخراب العربي والحروب العربية والفساد العربي نهاية أوحدّاَ.
س/وما الحلُ برأيك ؟
ج/ المزيد من الرصاص .
س/تعني أن تكون لكلّ مواطنٍ رصاصةً للانتحار،كحلٍ شمولي ؟!!
ج/ هذا أفضل .فعدم وجود شعوب من جنس العرب،تعني عدم وجود هزائم وخسائر على الأرض.
س/هل كنتَ تشعرُ ،وكأنك طلاً من الطلل في عالم من الرمال على الأرض ؟
ج/ليس طلاً من الأطلال وحسب،بل كنتُ في نفسي ذلك الوحش الجريح الذي كان يتقدم بالسنّ بشكل مرعب .
س/وعندما خرجتَ من الموت..ماذا رأيتَ نفسكَ وبأي شكل كانت ؟
ج/ما زلتُ أشعرُ بنوع من الشيخوخة ببعدها العشائري هذه المَرّة.
س/هل أقدمتَ على الانتحار تقليداً لشعراء عالميين ؟أي أن الشاعرَ تيسير سبول كان مفتوناً بأفعال من سبقوه إلى الموت انتحاراً ؟!
ج/هناك شئ يمكن الاعتماد عليه،هو أنني ذهبت لخلاص نفسي من جميع التيارات الفلسفية التي كنت أتغذى من ترابها وغبارها وماءها وشموسها وبؤسها ويأسها .
س/كانت الفلسفة عندك نوعاً من التعذيب مثلاً؟!
ج/ليس نوعاً من التعذيب.بل كانت الفلسفةُ تقدمني إلى الموت على صحن من فضة.وكنت في بعض المراحل مرحاً،وقابلاً للتطبيق بشكل فَوريّ .
س/هل التقيت بسارتر أم السهروري أم بمايكوفسكي في هذه الفضاءات ؟
ج/كلما حاولت الاتصال بأحدهم ،يعتذر.فازداد كآبة وحنقاً على ذلك المصير الذي ألقوني بجبه.ولكنني سأنتقمُ من كل الفلاسفة الذين سبق وأن اقتنعت بأفكارهم.
س/هل كان تيسير سبول يتمنى لو ولّد في الغرب وعاش في بلدٍ من بلدانهِ ؟
ج/نعم.ولا تقل لي لماذا.
س/ هل في الشرح نوعٌ من الحرج أو الفضيحة؟
ج/اسمع.أنا هنا استمتع بمختلف الخدمات،وكأنني في الغرب.
س/هل لأنك تزوجت بعدد من حور العين مثلاً ؟!
ج/لا يتعلق الموضوع بالجنس.بل لأنني خارج صندوق الدنيا العربي. ولا أرغب العودة لنقاش حول ما تم لي هناك.
س/ هل تقدر على الانتحار للمرة الثانية في السماء يا تيسير؟
ج/لقد كتب في الماضي((أحزان صحراوية)) وكان شعراً مُقيداً ،سرعان ما تحررت من أعمدته وأوزانه وقيوده بطلقة الانتحار.أما هنا ،فأن التعبير بقصيدة النثر يجعل الشاعر طائراً ملوناً،لا بغلاً يجرّ خلفه عربةً محملةً بالحطبِ والكلابِ والثياب البالية.

س/ولمَ لمْ تتمكن تجربتك الرومانتكية بالتجذر عميقاً في ما كتبتهُ من شعر ؟
ج/كنت ضعيفَ العواطف،ولم يحصل لي حريق غرامي بالمستوى العالي في داخلي.أنا تعرفتُ على الحب ،عندما كان ماراً في الشارع ،وليس في قلبي.
س/ ربما بسبب الطقوس العشائرية والدينية التي كنت تتعايش معها في بيئتك الأردنية؟
ج/ذاك صحيح.فقد سرقني التراثُ والسيرُ الشعبية سنوات ،دون أن أتمكن من فرض أدواتي الرومانتكية على كلّ ما كتبتهُ من شعر ومؤلفات أخرى.
س/ثمة من يضعك ضمن جيل الحداثة .فيما ينفي آخرون عنكَ ذلك .ما رأي تيسير سبول بالحداثة؟
ج/على الرغم من كل الآراء المتعلقة بكياني الشعري الصغير من قبل النقاد والقراء على حد سواء،إلا أنني عشتُ الحداثة ،وكنت مسانداً لشعر التفعيلة وكل ما كان يتعلقُ بمجرى الشعر الحر الذي جاءت به ثورةُ التحديث .
س/والآن.هل من نظريةٍ لاعتمادها في كتابة الشعر هنا ؟
ج/يمكن القول بأنها ليست بالنظريات،بقدر ما هي دروس تُعطى لي من قبل مخلوقات لم أر لها مثيلاً في حياتي.يأتون ،ويلقموننا كيف يمكن أن يكون الشعر في هذه السموات.
س/يلقمونكم كما تُلقم المسدسات بالرصاص تقصد؟!
ج/ أجل. الشعرُ هنا من الأسلحة ؟