بريد السماء الافتراضي.. حوار مع الحلاج

مشهد متخيل لصلب الحلاج عام 922 م (Getty)
أسعد الجبوري أسعد الجبوري 17 نوفمبر 2020

عندما عرضنا عليه فكرة الحوار عبر الواتساب، والاستغناء عن الرحلة الطويلة نحو أعماق السموات، ردّ علينا برفض الفكرة، مشجعًا على أن يكون الحوار مباشرًا وجهًا لوجه.
لم يكن أمامنا إلا الامتثال لرغبة الشاعر العراقي، من أصول فارسية، الحسين بن منصور الحلاج. وهو ما تم فعلًا. دخلنا الكبسولة الإلكترونية لتنطلق بنا نحو الآفاق البعيدة التي سبق لنا وإن عرفنا عنها الكثير من خلال حوارات (بريد السماء الافتراضي)، التي تم إجراؤها مع شعراء من حول العالم، سواءً في العالم السفليّ، أو السفر الفيزيائي عموديًا عبر الزمن إلى السموات بطوابقها العديدة.
بعد أقل من “نصف ساعة ضوئية”، وصلنا إلى نقطة مكان الموعد.
وكان الشاعرُ الحلاجُ، مع حيوان (البانسو) ذي الرؤوس الثلاثة، في انتظارنا على باب صالة مخصصة لأغراض رياضة اليوغا.
أصابتنا الدهشةُ. فلمْ نجد المكان ملائمًا لإجراء هذا الحوار بالضبط. إلا أن حيوان البانسو سرعان ما كشف عن ضرورة قيامنا ببعض من تمارين اليوغا قبل إجراء الحوار، وذلك ما حصل بالفعل. قمنا ببعض الحركات التي عادة ما يمارسها الصوفيون، ليدخل علينا بعد ذلك الشاعر الحلاج وهو بنوبة هستيرية من الضحك. كنا مصعوقين. إلا أن الحلاج سرعان ما توقف عن الضحك قائلًا: لا بدّ من شراب (التوس) المضادّ للتشويش، إنه شرابٌ مُطهرٌ لا يخص إلا من يقومون من الموت، منبعثين بلا قيود من هذا الإيمان، أو ذاك الإلحاد.
كان الحلاج يتكلم، فيما كانت تعبرُ آلافٌ من الأجساد من خلفه. كان منظرًا سينوغرافيًا ملتهبًا. كل ذلك كان يحدث بسرعات خاطفة.
وما إن انتهينا من احتساء بعض الأقداح من ذلك الشراب البنفسجي اللون، حتى دارت الحرارةُ بالرؤوس، وفتحنا باب الحوار مع الحلاج بالسؤال التالي:

(*) كيف وصلتَ إلى السماء، وقد كنت مقطع الأوصال على تلك الأرض، ومفصول الرأس عن الجسم في بغداد العراق؟!
لقد سحبني اللهُ إليه بقانون فيزياء الشغف الإلهي.

(*) أكان ذلك القانون شبيهًا بقوة الطرد المركزي الذي تخضعُ له الكواكبُ والنيازكُ في فضاءات الأكوان؟
أجل. ولا تخضعُ إلى مفهومهِ كلُّ الأرواح في التطبيق.

(*) ولماذا تعتقدُ أنتَ بذلك؟
لأن في كلّ روحٍ شيفرةً مختلفةً عن الأخريات، سواءً بالولادة، أو بالسفر والتنقل ما بين طبقات المجرات الشاسعة.

(*) ولكن السؤال هنا: كيف جمعتَ قطع غيار جسمك المُقَطّع قبل الصَلْب وبعده، لتصلَ إلى هنا وأنت كاملًا من دون أن ينقصك عضو من أعضاء الجسم؟
عندما اجتمعتْ عليّ خطايا الزمان، وأجمعوا على قتلي، بشرور عقولهم، ناديتُ على كلماتي بلغة الباطن أن تَوْصِلَني بالله، لأكتملَ وتعود لي أعضائي المبتورة. وقد حصل ذلك بفضلهِ العظيم.

(*) ورأسك المقطوعة، من أعادها إلى مكانها على رقبتكَ يا حلاج؟
أعادها الشيطانُ الذي قطعها بنفسه.

(*) هل ساورَهُ شعورٌ بالذنب، ففعل ذلك تكفيرًا عن خطيئة عظمى ارتكبها في حقك؟
لا. ولكنه أراد أن يستكمل استجوابي عن لحظة اندماجي بالله.

(*) أكان الاندماج بالله تهمةً؟
وأسوأ من ذلك بكثير. فتحتَ راية البلاط العباسي، كانت الجهالةُ السوداءُ تغمرُ رؤوسَ خدم الخليفة الأعمى عقليًا، حيث يتلقى منهم التقارير، ويأمرُ جلاديهِ بتنفيذها وهو مخمورٌ في

أحضان الجواري وراقصات الهوى من أفاعي السرير الشّهواني.

(*) ولمَ لا يريد خلفاءُ الله وولاته ممن يُسمّون بالراشدين اندماجَ العبد بالمعبود؟
كي لا تضعفَ قبضتهم عن أعناق البشر، فيُفقدهم نشوة التحكم بأرواح الشعوب التي أنتجها الربُ من رحم نعمته على الأرض.

(*) هل الصوفيةُ رحمٌ يا حلاج؟
هي هكذا، تستبطنُ رؤى ما لا يُرى، وتدفنُ ما يظهر تلافيًا للعقاب. فمرة ترى الصوفيةَ رحمًا، ومرة بئرًا تكون.

(*) ألا يتشابهُ الرحمُ مع البئر؟
أبدًا، لا. فالرحمُ إناءٌ للتكاثر والانشطار، فيما البئرُ حفرةٌ للخنق وتوْلِيد كائنات الظلام الجسيم. وكنت أنا الضائع في المتاهة الموجودة ما بين الاثنين.

(*) هل حبُّ الله متاهةٌ؟
أجل. وما من تائه يصلُ إلى هناك إلا بالتجلّي.

(*) تعني التجلّي شعريًا يا حلاج.
وهل ثمة متجلٍّ من بين أقوام الأرضِ، ويتجلّى أكثر من الشعراء؟

(*) كأنكَ تطبقُ قانون نفي النفي على المشايخ من أهل العمائم والأديرة والعوام، فلا يجدون لأقدامهم رقعةً على خريطة الإيمان؟
الإيمانُ كما أدركت درجاتٌ. منه ما هو أرضي يحتاجُ مدفعًا يطلقه قذيفة قد تصل السماء أو لا، فتترنح في الفضاء، لتعود لأصحابه الذين بصموا على لوائح الشرائع والتشريعات المُنَزّلة من دون جدلٍ، أو نقاش، وتسقط معفرةً بالتراب. وهنالك الإيمانُ الجويّ العابر للمعتقدات الكلاسيكية المُنّوِه عنها في الأحاديث والكتب المقدّسة والوصايا.

(*) هل تعتقد بأن من قتلكَ أراد منعكَ من الوصول إلى الله. ولمَ حصلَ ذلك الفعل الإجرامي؟
لقد فعلوا ذلك الجرمَ تحسبًا منهم، إن الوصول لله ممنوعٌ، سواء بالطيران، أو بالتاكسي، أو بالمشي والهرولة، لأنهم لا يريدون تحرير المخلوق من صفة العبد، ومواصفات الدواب الأسيرة للنظام العبودي. فأنزلوه إلى المرتبة الدونية التي لا ترتقي بالمخلوق إلى صورة خالقه، وإن كان ذلك بالمجاز.

(*) وكيف وصلتَ أنت إلى ربكَ يا حلاج؟
أنا وصلتهُ بالجهر صوتًا، من دون خوف من سيفٍ، أو شتيمةٍ، أو حجارةٍ، أو تجويعٍ، وحرقٍ، أو ملامة.

(*) هل لذلك اختلفتَ مع حركات الصوفيين الأخرى، كونها كانت باطنيةً خرساء ومسالمة للوحش السلطاني وطغاة أهل الكرسيّ؟
ما من ديانةٍ إلا وفي تفاصيلها الدقيقة الرماحُ والدباباتُ، المشانقُ والسيوف، المجانيقُ والعبيد والخوازيق والأئمة بالماركات المزورة. وأنا عرفتُ وواجهتُ وقتلتُ.

(*) هل تقصدُ أنكَ كنت صوفيًا ماركسيًا يا حلاج؟
بالضبط. فأنا تجسدتُ بأصحابي وبخلّاني كريحٍ من نارٍ. وهكذا هَبتْ روحي في ثورة الزنج، لتحرقَ دساتير العبودية وموبقات مدارس إفساد العقول. كنتُ ضدّ بوار الأجساد غير المنتجة لكل ما يمت للخلق وللخالق بصلة.

(*) أنت رفعتَ عن لسانك الحجاب، فيما تكدست ألسنةُ كبار الصوفيين تحت التراب خوفًا من أن يُفصحوا عما في ذممهم من وشائج حب الله. أهو خوفهم من سيف الحاكم وحسب؟
لا أعتقد ذلك مطلقًا. فقد كانت جماعات التصوف طبقات وطبقات، منها الوراقي الذي يشغلُ

نفسه بتدوّين الحب لله، ومنهم القماش الذي يتزين بالجبب والعمائم والثياب الخشنة، ومنهم الحَداد الذي يطرق كلامه طرق الحديد كي تبلغ إيقاعات صوته الله. ومنهم العاشق التائه الذي ضل الطريق إلى ربّه، حينما أضاع البوصلة ما بين الروحي والإيروتيكي، فكان كافرًا بالجهالة من دون قصد.

(*) وأين كان موقع الحلاج من قائمة كل هؤلاء؟
كنت الاستثناء الجسور، فكان كيدُ رجال الدين لي في ذلك الزمان، أشدّ من كيد الإبليس في فيلم خدعة آدم بالتفاحة في الجنة.

(*) هل تتسربُ الصوفية الشعرية نحو الجنس الصامت؟
ما من ضابط للشّهوات في الجسد الشعري. لذلك الشاعر الصوفي ليس غير فزاعة زرعٍ في الحقل الإلهي. صوفيته ليست أكثر من هذا.

(*) يا لها من صوفية سريالية. أليس هذا ما تريد قوله؟
بالتأكيد. الشعر خرقٌ للديانات منذ نمو الألسن، والبدء برسوم اللغات.

(*) تقصد إن الشاعرَ لا يصلح أن يكون صوفيًا.
أجل. لا صوف عنده، ولا تصوف معه.

(*) لماذا تعتقد بذلك يا حلاج؟
لأن الشعراءَ من تصاميمَ الآلهة وخياطة ماكيناتهم الشيطلائكية. وهم في نهاية المطاف جناةُ في اللذّائذ، وزُنْاة من دون حدود في مواكب الغرام.

(*) هل هي الثقةُ المعدومة بولاء الصوفية للشعر، والشعر للصوفية؟
لا أعتقد بنفور الصوفية من السريالية، ولا بتجاوزها لمعنى الاتحاد في ما يخصها من وشائج جامعة ومتعارضة ما بين الذات الشخصية التي تعوّل عليها السرياليةُ بتنشيط قدراتها الخيالية، وما بين محو الذات ونفيها عن جسد الصوفي وصولًا إلى الاندماج بما هو إلهي.

(*) ألا تظن بأن للصوفية الكثير من الأصوات التائهة على الأرض وبأعماق المخلوقات من المتصوفة؟
بالضبط. كل صوتٍ مادةٌ خامٌ تنتمي لمذهب ديني وحده، أو لفلسفة تنبعُ عن اتجاه زرادشتي، أو إسلامي، أو ما عداه من المرجعيات التي تعمل على فتح الطريق العرفاني، وتركهِ الوجداني نحو طريق سالكةً نحو السموات.

(*) ثمة من (يرى في عقائد الصوفية من قضايا الحلول والاتحاد ووحدة الوجود إيمانًا صارخًا بتلك المعتقدات مثل إيمان: أبي اليزيد البسطامي، وسهل التستري، والترمذي الملقب بالحكيم، وابن عطاء الله الإسكندري، وابن سبعين، وابن الفارض، والحلاج، ولسان الدين بن الخطيب، وابن عربي، والرومي، والجيلي، والعراقي، والجامي، والسهروردي المقتول، وبايزيد الأنصاري وغيرهم). ماذا يقول الحسن بن منصور الحلاج عن ذلك؟
في البدء، لم أجد نفسي مصنوعًا إلا كوجدان من موادَ مشتتةَ المعادن. ولكنني سرعان ما نضجتُ، فانتقلتُ من ذلك الخليط غير متجانس من الفلزات اللاهوتية الخاملة منها والنشيطة، إلى أن أكون مادة نفسي في مهنة الحب، حتى تلك الساعة التي أصبحتُ فيها مختصًّا بالله وحده.

(*) هل كنتَ شبيهًا للشاعر الفرنسي آرثور رامبو، أو بماذا هو يشبهك؟
كان رامبو موجةً في جسد يشبه المركب السكّران. فيما كنتُ أنا النهر المُتصبّب نارًا بالشوق إلى الله.

(*) أتعتقد بأن الصوفية موجةٌ لا يمكن الاحتفاظ بها على سبيل المثال؟
أجل. الإبهامُ هو عمودُها الفقري. وكلما يرتقي الصوفي درجةً من سلسلة ذلك العمود، تصبحُ

فقرةُ عقلهِ أصغر من فقرة الوجد.

(*) وماذا عن الصوفي من جذر حنبلي؟
عقلٌ بعضلات من الصخر، وتحت رعاية الله.

(*) ما تأثير الجغرافيا على تكوّين الحلاج؟
كان العراقُ أرضًا حمراء، وأضافَ جسدي من دمه لتراب تلك البلاد توهجًا، فأصبحتُ وكأنني ممولٌ لذلك التراب المتعطش للأبد.

(*) لماذا الأحمرُ لا الأزرق، في رأي الحلاج؟
لأن في الأحمر تتضامنُ السيوفُ على المعارف. فيما الأزرق لا يعطي نفسهُ إلا إلى صورة الله في الماء، ساقي خلايا الوجود بحمدٍ من الواحد الأحد الموجود في الأبد.

(*) أيهما تأثر بالآخر: الحلاج بأفلاطون، أم أفلاطون بالحلاج؟
لا علم لي بذلك. لكن كتاب الربوبية لفيلسوف الحلول والاتحاد الذي وضع فيه اليوناني أفلاطون خميرته عن التصوف فتح في رأسي أكثر من باب، لأتشرد وأصبح مُتوّهًا.

(*) تتوّهُ بعبارة أفلاطون القائلة: “النفس التي لا تضاء بضوئه، تظل بغير رؤية”؟
أجل.

(*) وهل خرجتَ من نفسك ذات يوم، لتصبح خارج سياقها باتحادكَ مع الذي هو أنتَ، وأنتَ الذي هو أنت على حد تعبير ابن العربي القائل: (فما أنت هو، بل أنت هو، وتراه في.. عين الأمور مسرحًا ومقيدًا)؟
تُكّبلني اللغةُ في ما تفعلهُ بتصنيع المعاني أحيانًا، حتى أنني لا أجد عقلي إلا في الحمى والالتهاب. وإلا فما الصنيع البلاغي الذي ذهب إليه ابن عربي في ذلك السيرك اللغوي الشبيه بالدَوّامة؟!!

(*) ألا تعتقد بأن الصوفية مذهبٌ لقيطٌ؟
هذا سؤالٌ كثيرُ الذنوب. ولا أعرفُ كيف يمكن تطهيره؟!

(*) ثمة من يؤكد على نمو الصوفية وحركة التصوف كما يلي: (ولا نجعل مصدرًا واحدًا هو المتحكم في نشأة الصوفية، أو منبعها، بل نقر بأن الصوفية ما كانت لتقوم على مصدر واحد،  وإنما شربت من الهندية حتى تناسخت، وانسلخت، واتحدت، وحلت، وشربت من الفارسية فتشيعت، وأقرت بمعتقدات كثير من الشيعة، بل وقامت بها، وشربت من النصرانية فترهبنت، وتمخرقت،  ولبست الصوف، وعزفت عن اللحوم، واعتزلت الناس في صوامعها، ورأت بعين الإيمان ما لا يرى بعين الظاهر. وأخذت من الأفلاطونية فخرج العارف بالله من نفسه حتى يرى نفسه، فوجد هو هو،  ورأى الله فيه فاتحد به فصار هو العابد والمعبود، والعاشق والمعشوق فلو قال: “أنا من أهوى ومن أهوى أنا.. نحن روحان حللنا بدنا” فما كذب، ولو قال عن نفسه: “وإني لأعبدني” فهو المصدق، ولو قال: “أنا هو، فأعبد أنا، ويعبدني” فهو العارف بما نجهل)، فأين تجد نفسك من كل هذا يا حلاج؟
مهما كثرت المصادرُ، وتعددت الأخبار، فأنا مع واحدي الذي حلّ بروحي في الفضاء، بعد

أفول الجسد، وذوبان لحمي وعظمي، في لحظة الهباء المحمود للقادر.

(*) وهل تعتبر حكم القاضي أبو عمر المالكي الذي أمر بقتلكَ بعد أخذ الضوء الأخضر من الخليفة المقتدر بالله، كان من باب تحجيم رقعة الزندقة والتكفير في العراق، كما ورد ذلك في الأخبار؟
ما فعله بي حامد بن العباس، الذي كان وزير الخليفة، هو ما كنت أتمناه وأشتاق إليه وصولًا للحظة للذوبان بالله. فكان الجلد والتعذيب، والصَلب حيًّا، وتقطيع الأعضاء، ومن ثم جزّ الرأس، وإحراقي لأنثر رمادًا في ماء دجلة.

(*) أتظن إنك حصدتَ عقابًا بقدر ما زرعتَ آنذاك؟
وماذا تراني قد فعلتُ من الأشياء المنافية للدين والأخلاق؟

(*) قيل إنك ساهمت بدعم تمرّدِ الزنج والقرامطة. (كان الحلاج ممن يرى التصوف جهادًا متواصلًا للنفس، بالابتعاد بها عن متع الدنيا وتهذيبها بالجوع والسهر، وتحمل عذابات مجاهدة أهل الجور، وبث روح الثورة ضد الظلم والطغيان. ويؤكد اتصاله بالزنج والقرامطة ذلك، وهما من الحركات الثورية المعروفة في عصره. وكان أن دخل بعض أمراء الحكم تحت قيادته الروحية، وكتب الحلاج لهم بعض الرسائل في الأخلاق السياسية، ثم كان أن دالت دولة هؤلاء الأمراء بتغلب أعدائهم عليهم، فألقي القبض عليه وكانت نفسه قد تاقت للشهادة). ماذا تردّ؟
تسع سنوات في سجن الخليفة، بعدها الإعدام صَلبًا بتهمة شبهة التجديف. أليس كل ذاك كان إجراءً لمحكمة الإسلام السياسي على الأرض، قبل حلولها فوق طبقات الغيوم؟

(*) وما أدراك بأن القاضي أبو عمر المالكي قد نال جائزةً من الربّ على صنيعه الذي نُفذ فيك؟
ربما. وسيكتب في حاشية ذلك التقدير الخاص بصاحب مقولة (انا الحق). لقد (قاد الحلاج منهجًا جديدًا في التصوف يرى أن التصوف جهادٌ في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكًا فرديًا بين المتصوف والخالق فقط. وطور الحلاج النظرة العامة إلى التصوف، فجعله جهادًا ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع. ونظرًا لما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه). كل شيء جائز، بما في ذلك منحه جائزة نوبل!

(*) أهو الخوف من منشقين آخرين عن الله غير الإبليس، وذلك لعدم حصول قيامةٍ، أو ما يشبهها، بعد مرور ملايين السنين؟
ما إن تتحرر الروحُ من ربقة الجسد، فتلك هي القيامة.

(*) لمَ تصرّ الصوفيةُ على إعادتنا مكبلين وجائعين ومستضعفين رمادًا، لأن الحياة ببصيرتهم ليس غير ممرٍ لموت البشر وإهلاكهم وتحميلهم ذنوبًا بثقل الجبال. بينما بَذَرَنا الله في الأرض بنور جمال خلقهِ؟
وإذًا، لمَ الولادةُ والتوليد أصلًا، إذا كان العدمُ هو الحلُ الوحيد؟
الأرضُ مختبرٌ للخلق وتخليق البشر ومراقبة أفعالهم ليس إلا.

(*) ألا تصلحُ السموات أن تكون أمكنةً، أو مستشفيات للتوليد، وتنمية الأجساد، ومراقبة المواليد ومحاكمتهم، من دون تحمل أعباء إنزالنا على الأرض، ومن ثم إعادتنا إلى الأعلى؟
إنه الحق بنشرنا بضاعةً في المكان المختار. وما كنت أنا بضائع عنه.

(*) وكذلك كنت مع الشعر مستلهمًا من ينابيع ذلك الحق.
لم أعش في الشعر أكاذيبَ الدنيا، بل نحوت نحو الإلهي، لأستغرق في العشق موتًا.

(*) ولمَ ترغب بأن يأتيك الموتُ وأنت مشغوفٌ يا حلاج؟
لأستعجل الدخول في النقطة.

(*) وهل الله نقطةٌ في رأيك يا حلاج؟
أجل. هو نقطةٌ تجتمعُ فيها الأكوان، ولا يحيطُ بها إلا علمه.

(*) وما الشعر عندك؟
هو الألمُ الخارج من باطنٍ متأملٍ متشبّع بفيض لغةٍ لا تعجز عن تكوّين الكلمات، كقرابين حبٍ

لرمز الحق في الغيب وفي الوجود.

(*) أن تصبح الكلمات من القرابين، أو الأضاحي، أهي كل ما في الشعر من نشوة؟!
إنها قصائد إيمان بما لا يؤمن إلا بسواه على مدار الأزمان.

(*) ولمْ ينزع قلبُكَ في الشعر نحو شيء سواه؟
لم أحسب روحي تميلُ إلى أبواب نفسي التي أغلقتها على نفسي، خشيةً من لحظة شعرية قد تخرج قلبي عن طور العبد للمعبود، فأجنُ وأنتهي كافرًا بحب محبوب محسوس آخر.

(*) وماذا يختزنُ الحلاجُ في مخيّلته سوى الله، والتشبب بالله، والموت وصولًا إلى الله؟
ليس غير نوره. فما إن يجتمع في رأسي النهارُ بالليل، حتى تنبلج في قصائدي شموسهُ وأغرق بالعطر المُطهر لكلّ خطيئة تنتجُ بفعل غفوةٍ قد تأخذني عنه، فأقعُ بجرم الانشغال عن نور الله.

(*) ألا تعدّ مجنونًا وتائهًا بما لا يرضي الخالق الذي وضع العقلَ برأسك؟
أجل. فهو العقلُ، وأنا الوهمُ الذي يريدُ أن يبلغَ حكمته في سبب جنوني ومتاهتي.

(*) ألا تظنُ نفسكَ فلزًا كيمائيًا محلولًا بفيزياء الكون يا حلاج؟
أعوذُ بالله من ناظر مدارس العبث، ومن شياطين نظريات ما قبل الوجد، وما بعد الشغف بالله.

(*) وماذا عن الخمريات في الشعر يا حلاج؟
لقد أصابتني السَّكْرَة الأولى بمجردّ لحظة صلبي. وكلما قطعوّا من جسمي طرفًا، طلبتُ منهم المزيد من الثمالة، حتى فراق التراب والذوبان بالمحبوب.

(*) هل كتبتَ بالله شعرًا هنا؟
لم أفعل ذلك، بعد أن وجدت إن الله لا يقرأ قصائد المنافقين، ولا يمنح شعراء التصوف درجة الشرف على كلّ ما فعلوه، عندما أفرغوا الشعر من جمالياته في السحر وفي المراهقة وفي الشّهوات التي أنبتها الله في الأجساد، فزجّوا به في المقابر والأديرة والمساجد وأضرحة الموتى.

(*) هل اجتمعت بأحد هؤلاء: الرومي، البسطامي، ابن الفارض، الحسن البصري، الجنيد، الغزالي، التبريزي، التلماسي، أحمد الرفاعي، وسواهم من رموز فرق التصوف؟
لم أر أحدًا من هؤلاء، وربما كان الأفْوُلُ لأصحاب الحُلول.

(( ضفة ثالثة))