محمد محمد الخطابي

 1
 حجم الخط

في العاشر من شهر نوفمبر الجاري مرّت 129 عاماً على رحيل الشاعر الذائع الصّيت جان نيكولاس أرثُر رَامبُو (1854 ــ 1891) الذي يعتبر من شعراء فرنسا الكبار على الرّغم من أنّ يد المنون اختطفته في سنٍّ مبكّرة بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره بقليل، إنه يذكّرنا ببعض شعرائنا الذين رحلوا في شرخ العُمر، وريعان الشباب أمثال طرفة بن العبد، وأبو القاسم الشابيّ، وأمل دنقل وسواهم. كما يعتبر هذا الشاعر وأعماله الشّعرية على وجه الخصوص في نظر النقاد والدارسين من المغامرات النادرة والمُحيّرة التي تميّز إبداعات الأدب العالمي خلال القرنين الفارطيْن.
كثيراً ما يتساءل قرّاء أرثر رامبُو ومعجبوه أنْ كيف يمكن أن يصدر شعر في هذا المستوى من الرقّة، والصّخب، والبلاغة، والسّحر، والجمال، عن شاب لم يكن قد بلغ العشرين من عمره؟! كيف يمكن أن يشكّل من حياته وأعماله أسطورة في ظرف سنوات معدودات من حياته القصيرة؟ إنّ مثل هذه الأسئلة تتبادر إلى الذهن عندما نتصفّح ما كتبه وخلّفه لنا هذا الشاعر المُحيّر، أو ما كُتِب عنه من دراسات، وكُتُبٍ، وتآليف، وأطروحات، ذلك أننا نجد أنفسنا أمام حالة إبداعية خاصّة وخارقة، ونوعية متميّزة وفريدة فى بابها فى الخلق الأدبي الخالص الذي لا تشوبه شائبة، بل إنّه يعتبر المادّة الأساسية ذاتها للشّعر كصوتٍ مُدوٍّ في الآفاق، أو كرجع يُسمعُ صداه في عمق الصّحراء وفيافيها .

إبداعاته المُبكّرة

الأصول والمصادر والمظانّ التي استقى منها رامبو كمراجع لشعره وإبداعاته متعدّدة ومتنوّعة، بدءاً بمحيطه الدّراسي المبكّر في المدينة التي كانت مسقط رأسه «شارلفيل» الواقعة بين باريس وبروكسيل، حيث كان لمُعلمه «جورج ايزامبارد» الذي أقام معه صداقة مبكرة عام (1870) بعدما لمس أمارات النبوغ، ولاحظ علامات الابداع المبكّر في الصّغير رامبو خلال تدريسه إيّاه لمادّة البلاغة، أو لموادّ أدبية ولغوية أخرى. كان أستاذه يُعيره كتباً كثيرة، وكان رامبو يلتهمها بشراهة، كِتاباً تلو الآخر، مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو، حيث قرأ هذا الكتاب خفية عن أمّه.
قال عنه مدير مدرسته بعدما تقدّم رامبو لمسابقة أكاديمية أدبية عام (1869) وحصل على الجائزة الأولى في هذه المسابقة: «عجباً إنه حقّاً لأمر غير عادي يتولّد في عقل هذا الفتى الصّغير … عمّا قريب سيتفتّق هذا العقل النابض عن عبقريّ الشرّ أو عن عبقري الخير»!

تأثيرات طبعت شعرَه

كذلك تأثّر رامبو تأثيراً بليغاً بالشّاعر الفرنسي الكبير «شارل بودلير» صاحب «أزهار الشرّ»، حيث كان يطلق عليه لفرط إعجابه الكبير به لقب «ملك الشّعراء». أمّا «فيكتور هوغو» فقد كان يطلق على رامبو الصغير بعد أن تعرّف عليه وأعجب به بـ «شكسبير الطفل». وأمّا صديقه الشاعر «بول فيرلين» فقد كان أوّل من أطلق عليه إسم «الشاعر الملعون»، والذي كان يرى في شعر رامبو «سيرة ذاتية تتّسم بحالة نفسية تثير الدهشة»، ويرى في نثره «كتلاً من الماس البسيط كغابةٍ عذراء، أو كنمر جميل»، كان يرى فيه أيضاً أسطورة الرجل الذي «ينتعل الرّيح»، وقال عنه الشاعر الفرنسي الكبير «ستيفان مالارميه» إنه «ومضة متّقدة، شهاب مُشعّ ينبعث وينطفئ من تلقاء نفسه».
هذا ومن مصادر تأثيراته كذلك المبكّرة بشكل خاص العلوم الغيبيّة التي علقت به، والتي كانت تشكّل بضاعة رائجة لنشاطه الفكري في مقتبل عمره. فضلاً عن الحياة المتقلّبة والغامضة التي عاشها، وقد غرف وتغدّى شعرُه بمختلف هذه التأثيرات التي ضمّنها مختلف قصائده، ورسائله، ووثائقه، وكتاباته، وإبداعاته على وجه العموم .
ويغفل غير قليل من النقاد في معرض الحديث عن التأثيرات التي كوّنت قريحة رامبو، وصقلت موهبته الشعرية تأثير دانتي أليجيري، صاحب «الكوميديا الإلهية»، فضلاً عن أقطاب الشّعر الرومانسي والإنجليزي مثل كولريدج وبليك، وسواهما من الشّعراء الفرنسييّن.

حياة قاسية

لم تكن حياة «رامبو» في طفولته وشبابه حياة عادية، بل إنّه عاش هذه المراحل من عمره بمرارة وقسوة وجفاء على مضض نظراً للصّراع العائلي الحادّ الذي ميّز حياته، حيث كان كثير الفرار من منزله، وكانت أمّه لا تتوانى ولا تنقطع عن ضربه وإهانته، وتعنيفه، إذ كانت امرأة غير عادية، لدرجة أن رامبو نفسه كان يصفها بـ «فم الظلام». والتي كانت تعاقبه مُرغِمةً إيّاه على استظهار قصائد مُطوّلة من اللّاتينية والفرنسية. أضف إلى ذلك هجران والده لأمّه، وعدم الإكتراث بها، يضاف إلى ذلك مرحلة خروجه إلى باريس وتعرّفه على الشاعر النّزِق «بول فيرلين»، ثمّ أخيراً هروبه من العالم المتحضّر!

المرحلة الأخيرة من حياة رامبو قضاها وهو يجوب جبال الألب مشياً على الأقدام عدّة مرّات، مسافراً ومتنقلاً بين ربوع أوربا وأصقاعها، منضمّاً تارةً إلى الجيش الإسباني الكارلى، وطوراً إلى الجيش الهولاندي، وفارّاً مرّةً أخرى منهما.

كان رامبو يتميّز بطبع فوضوي، قلق، ثائر، وناقم ، وكانت به طاقات معرفية هائلة، وإمكانات كبرى لتقبّل العالم. ففى خريف (1871) وصل «رامبو» إلى باريس بدعوة من «فيرلين» الذى فوجئ عندما وجد نفسه وجهاً لوجه أمام شّاعر غضّ الإهاب، طريّ العود، لم يكن يتجاوز سنّه 17 ربيعاً، وهو يرتدي رثّ الثياب وبالي الأسمال، ولا يبعث منظرُه على الرضى والإطمئنان. لقد تنكّرت الأوساط الإبداعية، والأجواء الأدبية في باريس لرامبو ولأشعاره وأعماله. بل لقد تنكّر له فيما بعد حتى «فيرلين» نفسه، ولم يجد رامبو بدّاً ولا ملاذاً لإنقاذ نفسه وشعره وعبقريته سوى الفرار.

هروبه إلى المشرق العربيّ

المرحلة الأخيرة من حياة رامبو قضاها وهو يجوب جبال الألب مشياً على الأقدام عدّة مرّات، مسافراً ومتنقلاً بين ربوع أوربا وأصقاعها، منضمّاً تارةً إلى الجيش الإسباني الكارلى، وطوراً إلى الجيش الهولاندي، وفارّاً مرّةً أخرى منهما. وتأتى بعد ذلك مرحلة انتقاله إلى المشرق العربي (القاهرة، الإسكندرية، حيفا، اليمن ) بل إنّه وصل حتىّ الى بلاد الحبشة .
كان رامبو يتمتّع بقابلية غريبة فى تعلّم اللغات حيث تعلّم عدداً منها، من بينها اللغة العربية، وظلّ متنقلاً بين البلدان، وقد زاول عدّة أعمال منها تهريب الأسلحة، وبيع البنّ، فضلاً عن مزاولته لأنشطة تجارية ولأعمالٍ أخرى.
حاولت الكاتبة «انيد ستاركي» إعادة هيكلة، أو بناء حياة هذا الشاعر المُعنّى خاصّة منذ اللحظة الأولى التى يغادر فيها أسرته، ومنزله ووسطه. حيث تلجأ إلى تحليل دقيق، وتمحيص عميق لبعض الظواهر الحياتية، والملابسات التاريخية، والظروف البيئية التى عاشها رامبو، إلاّ أنّها تقع في أخطاء فادحة وتجاوزات لا تغتفر فى حقّ الشعوب، حيث تتحدّث مثلاً عمّا تسمّيه بـ (الفترة البطولية للإحتلال الفرنسي للجزائر)!، وبالمقابل تسمح لنفسها بالإشارة إلى مصادر الأخلاق الكاثوليكية التى تترى في الكتاب، فضلاً عن تعرّضها لحياة المُجون والمروق التي عاشها كلّ من فيرلين ورامبو بشكل فاضح، حيث تصف الأوّل بـ «الفاسق»، والثاني بـ « المتوحّش» !
عندما بلغ صاحب رواية «الغريب» الكاتب الفرنسي «ألبير كامو» العشرين من عمره، علم وفهم لماذا قرّر رامبو يوماً مّا التوقّف عن الكتابة، لقد فعل ذلك لسببٍ بسيط حسب رأيه، وهو أنّه كان قد قال كلَّ شئ، لذا كثيراً ما قورنت معاناته بحالة رامبو في مكابدته، وتعاسته، وشقائه.

«الأيّام الهشّة» وأعمال أخرى

الشاعر رفعت سلام، مترجم الأعمال الكاملة لرامبو ــ الهيئة العامة للكتاب 2012 ــ يقول عنه: «رغم أنه كان معاصراً لبودلير وكان قد قرأه بشكل جيّد، فإنه لم يرتدِ مِعطفَه بل قدّم تجربته المختلفة، وصوته المنفرد». لقد تعرّف قرّاء الضّاد على سيرة رامبو قبل أن يتعرّفوا على شعره عن طريق الناقد السوري صدقي إسماعيل في كتابه «قصة شاعر متشرّد» (1952). كما ترجم الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا قصائد من شعره في مجلة «شعر»، وفي صيف 1959 صدرت الترجمة التي وضعها مؤسّس السيريالية فى مصر الفنان رمسيس يونان لديوان رامبو «فصل من الجحيم»، وبعد مرور عام نشر المترجم السّوري خليل الخوري كتاباً بعنوان «رامبو، حياته وشعره». وفي عام 2000 أصدر المخرج المسرحي عصام محفوظ كتاباً يحمل عنوان «رامبو بالأحمر دراسة ومختارات». ويشير الكاتب والمترجم العراقي كامل عويد العامري «أنّ الرّوائي الفرنسي فيليب بيسون يروي لنا في روايته (الأيام الهشّة) على لسان إيزابيل رامبو، شقيقة الشاعر آرثر رامبو الذي عاد إلى وطنه من إفريقيا، والذي كان يعاني في مارسيليا من مرضٍ خطير جعله يخضع لبتر ساقه. فيأتي إلى بلدته الأصل آردين، البلدة التي لم يحبها أبداً ويرفضها دائماً، مثلما يرفض أصوله، كما يأبىَ أن يكون إبناً «لصغار الناس» ويتّخذ من مزرعة الأسرة التي لا تزال والدته تعيش فيها مكاناً للنقاهة، في صمتٍ مصحوب بالاستنكار والنفور، بينما كانت شقيقته إيزابيل، هي الوحيدة المتعاطفة معه التي كانت محبطة وموزّعة بين حبّها لأخيها وغضبها من بعده». ويضيف العامري .. «إنّ أخته إيزابيل تتهم أخاها بإحراق حياته، وتقف في مواجهة مأساته ومعاناته الحالية، ومع ذلك، فإنَّ آرثر حريصٌ على العودة إلى إفريقيا، بحثاً عن حبّ عظيم وآخر ضائع، ليستسلم إلى شياطينه ويعترف باعترافات صادمة لشقيقته.

باختصار، فإنّ هذه الرّواية عبارة عن تفريغ غريب للمشاعر الجيدة والسيئة في آنٍ بين أخٍ وأختٍ فضلاً عن الأم … آرثر، ذلك الوجه الخفيّ للشاعر الباحث عن الشمس، الذي تعرفه إيزابيل مبتور الأطراف، تاجر أسلحة، عاد من عدن، وأُجبِر على التعفن في مكانٍ كان يفرّ منه دائماً. وهو الذي كتب في «فصل من الجحيم»، كنبوءة قاتمة: «تعالج النساء هؤلاء المُعاقين الشرسين العائدين من البلدان السّاخنة»، عندما يعود آرثر تصريحاً أو تلميحاً إلى وقائع معيّنة من حياته، تظلّ إيزابيل مذهولة. إمّا أنَّ الكلمات غير مفهومة بالنسبة لها، أو أنَّ الاكتشافات مروّعة للغاية عندها. هكذا تسعى من دون تعليق إلى تدوين كلماته التي يظلّ الربّ فيها مُستبعَداً، على الرّغم من عدم قدرته على الاعتراف بنهايته الوشيكة».
وتجدر الإشارة أنّ حياة رامبو تلقفها الفنّ السابع، فنقلت لنا عام 1995 المخرجة البولندية «أنيسكا هولند» الى الشّاشة الكبيرة فيلمها «كسُوف كليّ» عن نصٍّ مسرحيٍّ للكاتب البريطاني «كريستوفر هامبتون»، حيث قام بدور رامبُو الممثل الأمريكي ليوناردو دي كابريُو، وقام ديفيد ثيوليس بدور بول فيرلين.

٭ كاتب من المغرب

جريدة القدس العربي