حواراتبريد السماء الافتراضي.. حوار مع الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين

حمائم فوق نصب ألكسندر بوشكين في ميدان بوشكينسكايا بموسكو(10/10/2020/Getty)
4 ديسمبر 2020

ليس هناك ما يمنعه من استقبالنا في المكان الذي كان يتدرب فيه. الليلُ السماوي في نهايته. والعربة الفضائية التي تعمل بالوقود الذرّي سرعان ما وضعتنا في المدار الصحيح، لنخرج من بطنها ونلتقي بالشاعر الروسي ألكسندر بوشكين في معسكر التدريب العسكري على الأسلحة النارية. رأيناه في ثياب المبارزين القدامى، يقف إلى جانبه الكاتب الإسباني، ميغيل دي ثيربانتس، الذي رأيناهُ يربط دون كيشوت بالحبل، ويجبره على التدريب بالأسلحة الأوتوماتيكية المتطورة، بعد أن انتزع منه رمحه القديم، فكسرهُ إلى عدد من القطع، ورماه على الأرض.
لم ننتظر بوشكين طويلًا. فبمجرد أن وصلنا، سرعان ما ترك سلاحه الفردي، وتقدم نحونا مع مرافقه (تيكارو)، الحيوان الشبيه بالتنين. تصافحنا وجلسنا على أقرب مصطبة في ذلك المكان الموحش.
لم يستمر صمت الشاعر الروسي بوشكين طويلًا، إذ سرعان ما أخبرنا عن سبب وجوده في هذا المعسكر قائلًا: هنا يستعيد قدامى المحاربين قواهم، ثأرًا لخسائر قديمة أصابتهم في الصميم يوم كانوا على الأرض.
تفهمنا الموقف تمامًا. ووجدناهُ أفضل بابٍ لطرح الأسئلة على بوشكين. وهكذا كان افتتاح الحوار بهذا السؤال:

تمثال لشاعر القرن التاسع عشر في روسيا ألكسندر بوشكين في مطار شيريميتيفو الدولي (31/ 5/ 2019/Tass)

(*) قل لنا يا سيد بوشكين، هل يليقُ السلاحُ بالشاعر؟
أجل. فما إن تفشلَ الكلماتُ بإصابة الهدف في مبارزة ما، حتى تمضي السيوفُ، أو تشقُ الرصاصةُ جسدكَ، فتنتهي صريعًا في هاوية العدم.

(*) هل توجد في اللغةِ معسكراتٌ للقتل بالأسلحة؟
أجل. فلطالما كان الحبُ يُعبِّر عن نفسهِ كجريمةٍ منظمةٍ ضمن نطاق التنفيذ الآلي الأوبرالي للموت.

(*) هل ثمة اختلاف ما بين موت الشاعر، وما بين موت سواه؟
بالتأكيد. فموت الشاعر لا يكون إكلينيكيًا حتى على الورق، فيما يذهب الآخرون عدمًا، بعد أن يزحف التصحرُ على خلاياهم البيولوجية، فينتهون في القبر.

(*) كيف يمكن للشاعر أن يكون نموذجًا؟
أن يكون موقدًا لمختلف الفلزات أولًا، وتكتملُ من بعد ذلك صورتهُ بالتدريج.

(*) هل إن الجغرافيا وحدها، معينٌ لشعرية لا تنضب على سبيل المثال؟
قصدتُ أن تربة جسدي الأفرو- روسي هي تربةٌ كبريتية ترجع جذورها إلى أصولي الحبشية لوالدتي (ناديشد أوسيبافنا) حفيدة الأفريقي (إبراهيم جانيبال) الذي تبناهُ القيصر بطرس الأكبر،
تلك التربة كما عهدتُ، لا تولّد غير النيران.

(*) تعني أن الشعر يحتاج لنيران من مختلف الانتماءات؟
أضف إلى النيران النساءَ والفودكا.

(*) ألا تجد أن في كثرة الحرائق توسيعًا لصيرورة النار التي تأكلُ الأخضر واليابس يا بوشكين؟
التفكير الدائم بوسائل إطفاء الحرائق عادةً ما يتسبب في انحراف الكلمات.

(*) ما المقصود بذاك الانحراف؟
أقصد أن الشاعر يصبح مُضللًا فقط. وهذا ما يفقده الأمل بالانتصار على عتمته الداخلية أولًا وقبل أي شيء لآخر.

(*) هل يقيس بوشكين الشعر على نفسه كنبيل من أسرة النبلاء الروس فقط؟
وأكثر من ذلك بكثير. فالشعر منجمٌ بحراسة الشياطين الذين هم من أوائل نبلاء الخيال والمخيّلة والضلالات الحرارية المتوجة بالفن وبالسحر وبالجمال.

(*) هل كان لك الشيطانُ راعيًا حميمًا؟
أجل. فهو لم يفشل في تكويني، وإعادة هيكلة شعري، منذ بدايات الطريق.

(*) ألمْ يتعامل معك الشيطانُ بعنصرية؟
ماذا تعني بالضبط؟

(*) أقصدُ ألمْ يستفزهُ شَعرُك الأجعد مع شفتيك الغليظتين من أصول أفريقية؟
لا، أبدًا. ربما لأن الشياطين في روسيا ساهموا في تفجير الثورات على مدار العصور، بدءًا بالقياصرة، بالبلاشفة المناشفة، وانتهاءً ببيريسترويكا إعادة هيكلة روسيا في فرن الجحيم الأميركي.

(*) أنت قمت باستغلال منصبك الأدبي، عندما كنت موظفًا في مكتب الخارجية في سان بطرسبرغ عام 1817، عندما حوّلت عمل المكتب من مناقشة المؤلفات الخاصة بالأدب

والتاريخ إلى بؤرة لكتابة المنشورات السياسية لصالح الثوار. أليس كذلك؟
أجل. ولم تنجح الثورة آنذاك، ونُفيتُ على إثر ذلك إلى مقاطعة (Yekaterinoslav)، ومن بعدها كان السفر إلى شمال القوقاز، ثم شبه جزيرة القرم. كنت في تلك الفترة محمومًا بالقصائد المختلفة حتى الجنون.

(*) هل يقود الجنون الشاعرَ إلى الرماد، في رأي بوشكين؟
لم أستطع أن آخذ فكرة العنقاء على محمل جدّي. فمثلما لا يصبح الشعرُ رمادًا، كذلك فإنه لا يولد من العدم.

(*) كيف نظر بوشكين إلى الحرية؟
الحرية أن تحملك الأرضُ، لا العكس.

(*) هل الحريةُ ترابٌ، كما هو الجسد الذي تتحدث عن كينونته الدياناتُ؟
لا أظن ذلك. الحريةُ معضلةٌ دائمةٌ في الشعر، وليس على الشاعر أن يربط نفسه بفكرة أنه مخلوق ترابي، سيعود يومًا من الأيام، ليصبح كتلة من الطين.

(*) وما صورته، كما تراها أنت؟
الشاعرُ مشهدٌ فيزيائي في البيولوجية الكونية التي هي جزءٌ حيويّ من نظرية النسبية للسيد ألْبِرْت أينْشتاين‏.

تمثال بوشكين في ساحة الفنون في المبنى الرئيسي لمتحف الدولة الروسي: بيتر كوفاليف في سان بطرسبورغ (5/6/2019/Getty)

(*) وكيف يمكنك التوكيد على أن التأثير الكهروضوئي هو من جذر شعري، عادةً ما ينمو في الخيال، ليتسرّب في ما بعد إلى موِلّدات النصوص على الورق؟
قد يثبت الدياليك أن الرومانسيةَ طاقةُ بناء، لا تخصُّ الأرواح وحسب، بل تهتم ببناء الفضاءات عبر الزمن ببعده السحري المستند إلى الحلم العلمي النشيط.

(*) هل تعني أن الزمن عبارة عن تكتلات رومانسية؟
لا خلاف على ذلك. فالزمنُ سيمفونيةُ للاستبطانِ في الأنفس العميقة. والشاعرُ العظيمُ هو منهجٌ للتّأمّل الذَّاتيّ الخاص بالحالات الشُّعوريّة، وأبعد من ذلك ربما.

(*) هل اجتمعت بالسيد ألبرت اينشتاين هنا؟
أجل. هو صديقي الآن، ويعمل في تنور عملاق يخصُ إعادة هيكلة بعض الثقوب السوداء في حقول الأكوان.

(*) وماذا عن ثقوب اللغة؟
تلك ثقوب لا تتوافر إلا في رؤوس بعض الشعراء فقط.

(*) هل ثمة تطابق ما بين ثقوب الأكوان، وما بين ثقوب اللغات؟
بالتأكيد. وما يجمع ما بين الاثنين ليس سوى البرزخ العاطفي.

(*) وماذا يوجد في ذلك البرزخ بالضبط؟
هناك مقر الكائنات الجنسية المختصة بصناعة ثروات الحب وإدامتها على امتداد خط الاستواء الرابط ما بين سان بطرسبرغ وغبار النجوم.

(*) هل الشعراء مدنٌ، في رأي بوشكين؟
أجل. مدنٌ مهدّمة.

(*) ولمَ تراها مهدّمة بالضبط؟
من شدّة الأفعال الجنونية لشعراء المياه المتلاطمة، تلك التي لا تتوقف عن تدمير منازل الشعر بالأعاصير المدمرة.

(*) ألا يخشى الشعراء على نصوصهم من التدمير الذي يمارسونه بحق اللغة على سبيل المثال؟
أبدًا. الشعر لا يعيش إلا على قانون نفي النفي.

(*) ولماذا هذا القانون بالضبط. كأن يمحو الشيء الشيء الآخر؟!!
لا استمرار للشعر بالاعتماد على السكون، أو المساكنة.

(*) تعني رفض الشعر للتزاوج مع الآخر؟
بالطبع. فالارتهان للإقامة الدائمة جريمة لغوية تجعل الحواس أشبه ببراميل مليئة بالرمال.

(*) وبماذا تريد للحواسّ أن تمتلئ؟
بالليل.

(*) هل تعتبر الليلَ مادةً، أم سقفًا للشعر، أم هو قعرٌ للغة؟
الليلُ كائنٌ محبٌ للقمار.

(*) هل تعني اللعب والمقامرة بكلّ شيء يا سيد بوشكين؟
ما كان للشعر وجودٌ لولا الليل.

(*) والنساء. لماذا لم تأتِ على ذكرهنّ يا بوشكين؟
لأنني أعتبرهنّ الغلاف الجوّي للشعر.

(*) هل تعني أن كلّ امرأةٍ إنما هي صفقةٌ للطيران فوق مرحلة ما بعد الشعري؟
بالضبط. وعليك أن تتصور ما الذي يحدث في حالة طيران المرأة في مجرى الشعر، وحتى

دخول القصيدة المجال السِرّي لنون النسوة. تلك أمكنةٌ لا تفوح بروائح النحو والصرف وبحور الفراهيدي، بقدر ما هي تفيض بالفلفل الأحمر والشبق والحرائق التي يعاندُ إخمادها جلّ فرق المطافئ داخل اللغة وخارج ثياب الشعر.

(*) لماذا الإصرار على تصنيف مناطق النفوذ الجنسي لدى النساء بمناطق مَشُوبة بالحرائق؟
لأن الشَّهَواتَ عنابر نار.

(*) ولماذا لا تكون لقطات تناغم من دون دخان؟
ذلك يتوقف على خزائن العاشقين، وما تحتوي عليه من مواد وفلزات.

(*) ألا يجد بوشكين أن الجَمالَ جرأةٌ لا يمكن تفادي قوتها؟
ذلك صحيح. فكلما فاض ذلك الجَمالُ بالجرأة على إنعاشنا وسحقنا، كلما استفاضَ بنا الغرق، ما بين ورق اللغة، وما بين حمم البراكين.

(*) متى يصبح الحب فعلًا آليًا؟
ذلك يتوقف على ماركة المحرك، ونوعية البروتين الذي يعمل على إنتاج طاقة التناغم ما بين الأجساد المشغوفة بعضها بالبعض الآخر.

(*) هل عاش بوشكين ذات يوم حبًا ورقيًا في القصائد فقط؟
أجل. ولكن تلك المرحلة لم تدم طويلًا، بل قادتني للوقوع بحضن أجمل نساء روسيا.

(*) تقصد وقوعك صريعًا بحب الكاتبة ناتاليا نيكولايفنا غونشاروفا؟
نعم. فقد فتحت تلك المرأة بابًا واسعًا للنشوة في حياتي.

(*) وهل في الموت من نشوة يا بوشكين؟
وما علاقة هذا بذاك؟

(*) أليست زوجك (ناتاليا) هي من فتحت إليك في الموت أوسعَ الأبواب، لتكون في مبارزة الشرف الدموية تلك؟
نعم. نعم. لقد حاولت التخلص من العار والاستقالة من العمل في خدمة القصر مرارًا. لكن القيصر بطرس الأكبر لم يوافق على إنهاء خدمتي والابتعاد أنا وزوجتي (ناتاليا) عن القصر ومؤامرات القياصرة. لذا فضلت الموت قبل وصول القيصر بطرس الأكبر إلى لحم زوجتي الجميلة (ناتاليا)، فكانت تلك المبارزة المدبرة مع الضابط الفرنسي، جورج دانتيس، المتحرش جنسيًا بامرأتي، والتي انتهت برميي موتًا برصاص المسدس.

(*) تعني أن القيصر بطرس هو من دفع ذلك النبيل الفرنسي إلى قتلك بالرصاص، بدلًا من استعمال السيوف التي قد تنجو منها، وتنتهي فكرة الاستفراد بجمال ناتاليا؟
كانت قصور القياصرة أوسخ من براميل الزبالة. وآنذاك، لم يكن أمامي إلا الدفاع عن شرفي الذي اكتسبته من تقاليد الشرق.

(*) تقصد أن تأثيرات آداب الشرق وقصص تراثه هي التي تسببت في مقتلك يا بوشكين؟هكذا هي العادات والتقاليد في الشرق الدموي الحزين. وقد تعلمت كثيرًا من سجلات تاريخ الفضائح في كتب (ألف ليلة وليلة)، مما دفع بي إلى كتابة روايتي (عبد القيصر بطرس الأكبر) عام (1827)، إلا أن الموت َ كتب علىّ مغادرة الأرض بعد تلك الرحلة القصيرة، من دون أن أنتهي من وضع الفصول الأخيرة من تلك الرواية السوداء.

(*) ولكن تقاليد وآداب بعض شعوب القوقاز، وجزيرة القرم، تتشابه مع تقاليد القسوة وأفعال العنف في آداب الشرق، إلى حد ما. فعنق المرأة معلّق بحمل مشنقة الشرف على الدوام.
أتفق معك. فالحبلُ طويلٌ، ويمتدُ من الشرق الأقصى إلى تخوم روسيا، وحتى أعناق النساء الجميلات.

(*) ألا تعتقد بأن للجمال مرتبةً تُدعى سنّ الرشد، متى ما بلغها الجمالُ منعتْ عنه التحرشَ والاغتصاب والقسوة التي تصل إلى مرتبة الموت؟
الجَمالُ مصيبةٌ مركبةٌ في الشرق والغرب، على حدّ سواء. فإن هو اكتمل، فَقَدَ سنّ الرشد وطاش، وإن هو بلغَ الشيخوخة، فقد روزنامة العقل، ومات قبل المرحلة الإكلينيكية.

عرض فني في متحف بوشكين خلال مهرجان بوشكينليتو بمناسبة 220 على ميلاد الشاعر (6/ 6/ 2019/Tass)

(*) قيل إنك دخلت العرب من ثقوب الرحالة، وفي مقدمهم السيد (مورافيوف)، صاحب كتاب (رحلة إلى الأماكن المقدسة). إلى أي مدى كان تأثير العرب فيك ذهنيًا؟
قلْ كم كان حضنُ الفراعنة خصبًا ودافئًا ليحتوي العرب وينتجهم. ومثلهم البابليون، والسومريون، والأنباط، والكنعانيون، والفينيقيون، وباقي الحاضنات الحضارية في وادي النيل، وما بين النهرين.

(*) ألا يُعدّ هذا التفكير قاسيًا بحق الوجود العربي في المنطقة التي كانت زاخرة بتلك الحضارات؟
لا، أبدًا. لأن العربَ رتبوا أوضاعهم، ولكن بشكل مختلف، تتقدم فيهم التقاليدُ على وسائل الإنتاج الصناعي والإبداعي، إلا في ما ندر.

(*) هل تظنُ نفسك شاعرًا متفردًا في روسيا؟
لا أظن ذلك. فالجَمال الأنثوي المتزين بنيران الفودكا والثورات يجعل من روسيا فضاءات لولادة شعراء بمختلف المدارس والماركات.

(*) كيف هي صورةُ الشعر في ذهن بوشكين؟
مروحةٌ في حقل قمح.

(*) هل تعتقد أن الشعر حقل رومانسي لا غير؟
ليس أجمل من الرومانسية عندما تصبح جذرًا لكل شيء في الوجود.

(*) وما شغلُ الرومانسية في أيام الحروب. هل تنفع في إيقاف الدماء أو تحويل الدم إلى ماء مثلًا؟
الشعرُ، في كل الأحوال، لا يستندُ إلى تعريفات محددة، ولكنه يعني الالتزام برائحة الورود والموتى، على حد سواء.

(*) ما نوع البَذْرة التي تُنبتُ شاعرًا في رأي بوشكين؟
ليس غير بَذْرة الألماس التي تتكوّن من الضغط العالي لتصادم النيازك بالجبال.

(*) تعني إن لم يلتهب جسد الشعر بنار، لا يعطي اللغة إلا ثمرة العجز.
وأضف مفردةَ الجليدِ على ذلك العجز.

(*) إلى أي مدى أخذكَ القرآنُ في الشعر؟
إلى الأمكنة التي كانت بعيدة عن روحي، قيمًا وراحةً ودهشةً.

(*) ولكن روح بوشكين لم تكن شريدةً، أو في منتهى القلق، على ما يُعتقد. فقد كنت مغامرًا باللهو على مختلف الجبهات. فما القلق الذي كان ينتابك آنذاك؟
قلق الصياغات النهائية للقصائد التي كنت أكتبها. فنادرًا ما كنت أتخلصُ من توابعها في نفسي. بالإضافة إلى زلة قدمي في وحول السياسة، وعطور القصور المنبعثة من الأجساد الأرستقراطية.

(*) وعلى الرغم من ذلك، انفتحت عيناك على شكسبير، وموليير، وبايرون، وفولتير، وشعراء من بلاد فارس والهند. من كان له التأثير الكبير في بناء شخصيتك الشعرية؟
ليس من أحد بعينه. لقد بذرَ الجميعُ بتربتي تلك البذُور الشعرية، مما ساعدني على التشبّع بشذرات من الذهب الشعري الراقي والمدهش.

(*) في كتابه الذي خصك به الناقد والأكاديمي الإنكليزي، ت.ج. بينيون: يقول عن شعريتك التالي: (في دواوينه الأخرى، يتحدث عن أجواء الحريم الإسلامية في منطقة «كريميا»، التي نفي إليها لبضع سنوات. كما ويظهر تأثره بالقرآن الكريم في بعض نصوصه الجميلة

والأساسية، وفي قصائد أخرى يتحدث بوشكين عن شعب الغجر الذي خالطه وتعرف عليه وأعجب به. وبالتالي، فقد كان منفتحًا على كافة التأثيرات الأدبية والفكرية والروحية. ولكنه، وتحت تأثير الأدب الفرنسي لفولتير، نشر قصائد مضادة للدين، وهذا ما أثار عليه غضب القيصر والكنيسة الأرثوذكسية)، فبماذا يمكنك الردّ؟
كل ما جاء على لسان الكاتب كان صحيحًا. وما انفجار الكنيسة ضد بعض قصائدي إلا الدليل على قسوة السلطات الدينية التي تحاول قطع الألسن الحرة، وبتر الأصابع التي تثير قضية عزل الدين عن الدولة.

(*) هل تعتبرُ الشعرَ ديانة، أو دينًا لاهوتيًا؟
أجل. هو الدين الأول الذي سبق كلّ الأديان التي فرضت نفوذها على وجه الأرض.

(*) تقصدُ إنكَ كنتَ ملحدًا يا بوشكين؟
لا إيمان للشاعر إلا باللغة التي تستطيع أخذهُ إلى محل من المحلين: الإلحاد، أو الإيمان، من دون أن نغفل أن الإيمان والإلحاد ما كانا ضفتي الوجود.

(*) وماذا وجدت ما بين الضفتين أنت يا بوشكين؟
وجدتُ نفسي في الطوفان الشعري، أي في المياه التي تغطي على الهرطقتين معًا.

(*) هل من أجل أن تغسلهما مما علق بهما من أدران وشوائب وأغبِرة؟
ما من شيء ينجو من القِدَم إلا الزمن والشعر.

(*) ثمة من كتب قائلًا: (إن بوشكين هو الذي أسس الأدب الروسي الجديد عن طريق تحريره من التبعية للآداب الأجنبية، على الرغم من تأثره بها كلها، وبفضل هذا التأثر بالذات. فقد كان يعرف كيف يتخلص من التأثر بالآخرين لكي يبدع طريقه، أو أدبه الخاص. وكل الكتاب الكبار الذين جاؤوا بعده كانوا من تلامذته. نذكر من بينهم غوغول، ودوستويفسكي، تولستوي). ما حقيقة ذلك؟
أعتقد أن في تلك الكتابة تكلفًا ومبالغةً. فلا يمكن للآداب الروسية الانفصال عن آداب العالم، وبخاصة الأوروبية، وآداب الشرق.

(*) تقصد بأنك لم تكن الديك الوحيد لإنتاج البيض بعد تلقيح الدجاج؟
بالضبط. هناك أحصنة وذئاب ودببة روسية، لقحت الكثير من الأرحام، فتوالدت نصوصهم على أرض روسيا مع جريان مياه الفولغا وتجمدها.

(*) هل القصائد نباتات في رأي بوشكين، وبمن تُسقى؟
لا علاقة للقصائد بأنظمة التأليف الزراعي، بقدر ما أن الشعرَ تجريبٌ غير أخوي في أرض الدماغ المستأنس بمخلوقات الخيال.

(*) ولكن ذلك قطعٌ مع الواقعية؟
الخيال أفضل. وهو يطهر مختلف العلوم من فقر الدم.

(*) وهل يعتبر بوشكين الشعر علمًا من العلوم؟
كل جرأة تنتج ظرفًا لفكرةٍ قد تحققُ شيئًا يقود لعلم من العلوم التي قد تكون غامضة.

(*) ألا تظن بأن الشعر علم خاصٌ بتشويش الأدمغة؟
لا مانع عندي من الاتفاق على ذلك. فأحد أهم مكوّنات الشعرية الحارّة، هي البكتريا التي إذا ما أصابت اللغة أفرطت في وضع بيض الشيطلائكة في المخيّلة.

(*) ما الذي تفعله الآن في الجنة يا بوشكين؟
التسكع والندم. فما إن أنتهي من التدرّب على السلاح، استعدادًا لمبارزة القيصر بطرس الأكبر، أو تابعه الضابط الفرنسي، جورج دانتيس، الذي أصابني في مقتل، حتى أذهب إلى مراقبة أعمال بناء المسارح الضخمة في هذا الفضاء الكوني اللامتناهي.

((ضفة ثالثة))

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/interviews/2020/12/4/%D