الموت حطم حلمه بتحويل “كوميديا” دانتي إلى ثلاثية سينمائية

كريستوف كيشلوفسكي (1942 – 1996) (غيتي)

من المؤكد أن هناك في الأحلام السرية، بل حتى في المشاريع المعلنة أو غير المعلنة، لعدد لا بأس به من كبار المخرجين السينمائيين في تاريخ الفن السابع، مكاناً لكتاب “الكوميديا الإلهية” لشاعر النهضة الإيطالية دانتي آليغيري، لم يبارَح حيث ظل الحلم حلماً والمشروع مشروعاً ما ضم هذا الكتاب الإنساني الكبير إلى لائحة الكتب المنتظرة دائماً من يؤلفها. ومع هذا لم يخلُ الأمر من محاولات بدأت منذ بدايات السينما مع ثلاثة مخرجين إيطاليين، هم “برتوليني، وبادوفان، ودي ليغوورو” حققوا بالفعل فيلماً صامتاً عام 1918، يُحكى أنه حقق نجاحاً كبيراً ونحو مليوني دولار في عروضه الأميركية وحدها. ولم يخلُ الأمر من محاولة “تجريبية” حققها ستان براكاج يوماً. كما أن الإيطالي فرانكو زيفيريللي وصل في سنوات السبعين إلى تصميم مشروع متكامل برسوم ديكوراته وملابسه، كان يفترض أن داستن هوفمان سيقوم بدور دانتي فيه، لكنه عاد وطواه ليصبح الآن جزءاً من مقتنيات متحفه في فلورنسا.

دقائق ثمينة في ختام حكاية جاك

وحده لارس فون تراير وفي آخر فيلم عُرض له حتى الآن، اقترب بأكثر ما يمكن من الكوميديا، وذلك حين كرس لها دقائق ثمينة ورائعة عند نهاية “البيت الذي بناه جاك”. أما المشروع الذي يبدو الأكثر اكتمالاً من دون أن يتحول إلى فيلم، فهو بالتأكيد السيناريو الذي تقول الحكاية، إن المخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي، الذي عاش في فرنسا آخر أيامه وعمل فيها، كان يخطط لتحقيقه في ثلاثية حين رحل عن عالمنا عام 1996، بعد ما عاش أعلى ذرى مجده السينمائي بحصول فيلمه “ثلاثة ألوان: أحمر” على سعفة مهرجان كان الذهبية.

مهما يكن، بعد فوز “أحمر” كان كيشلوفسكي قد أعلن أنه في طريقه لاعتزال الإخراج السينمائي، وكان المتفرجون الذين شاهدوا هذا الفيلم الذي شكل الجزء الثالث من ثلاثيته “أزرق، أبيض، أحمر”، رأوا أن أقل ما يمكن قوله عن ذلك الفيلم، هو أنه من تلك الأفلام التي تشكل وصية مخرجيها، فتكون آخر ما يحققونه قبل أن ينتهوا، موتاً، صمتاً، أو اعتزالاً. ذلك أن كريستوف كيشلوفسكي، وصل في ذلك الفيلم إلى ما سماه أحد النقاد المولعين بأفلامه “جوهر الفن”، أي المزج بين المبدع وراويه (الشخصية الرئيسة) في لعبة فنية تمزج بين دور الفنان كبصاص، ودوره كمبدع يعيد إنتاج الواقع صوراً يجعلها تعيد إنتاج حياة متخيلة حلم طويلاً بأن تكون حياته. وعلى الرغم من أن “أحمر” كان فيلمه الأخير، وواحداً من أروع أفلامه، فإنه لم يكن الأول الذي يعبر فيه ذلك المخرج المبدع عن نظرته تلك إلى “دور” الفن وجوهره. فالواقع أن هاجس كيشلوفسكي الأساسي والأول كان، منذ البداية، يتمحور حول نظرة الفنان ورغبته في أن يبدع حياته وحياة الآخرين على مزاجه، فإن لم يتمكن من فعل ذلك في الواقع يفعله في العمل الأدبي أو الفني.

وصولاً إلى “الكوميديا”

ولكن كان لكيشلوفسكي إلى هذا هاجس آخر يتمثل في تحقيق أفلام متعددة تنتمي إلى سياق واحد. وأي سياق! ففي حقبة من مساره الفني رأيناه يحقق عشرة أفلام للتلفزيون، عُرض معظمها سينمائياً على أي حال بعنوان “الوصايا العشر”. والحقيقة أن المرء يبحث عبثاً عن تلك “الوصايا” في ثنايا الأفلام التي كان يمكن تسميتها أي شيء على الإطلاق. غير أن النقاد الذين أحبوا الأفلام كما هي، تسامحوا مع المخرج ولم يسألوه تفسيراً. ولقد حدث الأمر نفسه لاحقاً حين حقق ثلاثية بعنوان “ثلاثة ألوان: أزرق أبيض أحمر”. والذين يعرفون أن هذا التعبير يصف عادة العلم الوطني الفرنسي، وسمعوا من يقول لهم، إن مغزى العلم موجود في ثنايا الأفلام الثلاثة، بحثوا عبثاً عن ذلك المغزى، لكنهم مرة أخرى تسامحوا مع كيشلوفسكي ولم يطالبوه بتفسير. روعة الأفلام منعتهم من ذلك. ومن هنا حين أُعلن لاحقاً أن المخرج وعلى الرغم من إعلانه اعتزاله، يكتب ثلاثية سينمائية مقتبسة من “الكوميديا الإلهية”، وتحمل على التوالي عناوين “الجحيم” و”المطهر” و”الفردوس”، سكتوا حائرين في انتظار الكيفية التي سوف يطل بها عليهم كيشلوفسكي في هذه الثلاثية الجديدة. هل سيكون عملاً بملابس تاريخية؟ عملاً عصرياً”، هل سيكون الجحيم جحيماً والفردوس فردوساً؟ هل سيظهر ممثل في ثياب دانتي، وآخر تحت ملامح فرجيل، وممثلة تلعب دور بياتريس… إلخ؟ كان الفضول كبيراً والترقب محيراً. وراحت الأخبار تتقاطر حول انتهاء كيشلوفسكي من كتابة السيناريوهات أو حول اختيار أماكن التصوير (جرى حديث عن مناطق مغربية!) وحتى الممثلين. ولكن سرعان ما تبين أن المخرج كان يحتضر في تلك الأثناء ليرحل فعلاً بعد ذلك من دون أن يعرف أحد مصير السيناريوهات. بعد حين، سيقال إن مخرجاً من هنا وآخر من هناك سيشتري الحقوق. وسيصل البعض إلى حد الحديث عن بدء تصوير هذا الجزء أو ذاك… وحتى الآن لا ندري ما الذي حدث. المهم أن “الكوميديا الإلهية” بشكل أو بآخر لا تزال تنتظر من يؤفلمها، وتمكنت مرة أخرى من أن تقضي على مشروع وصاحبه!

وصية الفنان الفعلية

أما بالنسبة إلى كيشلوفسكي، فإنه بالفعل مات بعد شهور قليلة من إنجازه فيلم “أحمر”، وبالفعل إذا، كان ذلك الفيلم عمله الأخير ووصيته، هو الذي كان قد وصل إلى ذروة الشهرة، لدى النقاد وهواة السينما، أكثر مما لدى عموم المتفرجين على أي حال. وهذا المخرج البولندي، المولود عام 1942، والذي تحول خلال العقد الأخير من حياته ليصبح مخرجاً أوروبياً، كان قد عُرف أول ما عرف من خلال فيلم عنوانه “الهاوي” عرض في عام 1980، وتحدث عن موظف في شركة في بولونيا تهدي إليه ذات يوم كاميرا سينمائية صغيرة، يبدأ باستخدامها لتصوير الحفلات العائلية والمناسبات المهنية، فإذا بالصورة تكشف، من دون أن يتعمد هو ذلك، حقائق الوضع الاجتماعي ومفاسده في البلد. يومها اعتُبر الفيلم ثورياً، ليس من الناحية السياسية وحسب، بل كذلك من ناحية علاقة النظرة بالمجتمع، والصورة بمبدعها.

ومنذ “الهاوي” لم يتوقف كيشلوفسكي عن العمل، وعن حب السينما. فحب السينما هو مهمته الأولى والأخيرة، كما كان يقول. ويضيف أنه إذا كان كثير من السينمائيين الجادين يأتون من الأدب أو المسرح، فإنه آت من السينما نفسها ومن حب الصورة. وفي هذا الإطار كان يحلو له أن يذكر أنه في فيلمه الجميل “حياة فيرونيكا المزودجة”، قد جعل واحدة من الفتاتين اللتين تحملان اسم فيرونيكا في الفيلم تموت في الدقيقة الـ27 منه، تماماً مثلما يحدث لجانيت لي في فيلم “سايكو” لألفريد هتشكوك.

الاعتزال كنوع من الموت

وبعد “الهاوي”، وقبل أن يبرح بولندا بشكل متقطع وتدريجي، حقق كيشلوفسكي في بلده فيلماً ثلاثياً بعنوان “المصادفة” هو عبارة عن مباراة شطرنج رمزية تدور بين شاب وقطار. وعندما بارح كيشلوفسكي بولندا وقد اشتدت أحداثها السياسية حدة خلال النصف الأول من الثمانينيات، حقق أول فيلم فرنسي له وهو فيلم “فيرونيكا”، وكان مهرجان كان في عام 1971 قد أطلقه كواحد من كبار سينمائيي أوروبا عبر عرض فيلم “لا تقتل” (أحد الأجزاء العشرة لفيلمه عن الوصايا العشر). وفي ذلك الفيلم (فيرونيكا) تحدث المخرج عن “الموت”، الموت الذي كان لا يكف عن تشكيل هاجس أساسي له منذ أيامه الأولى، وهذا الموت نفسه نجده ماثلاً في أفلامه كافة، منذ موت الفتى الصغير، ضد منطق والده الذي قال له الحاسوب إن ابنه لن يقتل إن تزحلق على البحيرة المتجلدة، في الجزء الأول من “الوصايا العشر”، إلى موت فيرونيكا، إلى موت الزوج في الجزء الأول من “أبيض، أزرق، أحمر”. وحتى في الفيلم الأخير “أحمر”، لئن كان القاضي البصاص المتحكم في مصائر الآخرين (جان- لوي ترانتينيان) قد أنقذ “شخصيتيه المخلوقتين” من الموت في المشهد الأخير من الفيلم، فإنه يبدو لنا تحت ملامح الخالق- البصاص (الفنان بامتياز) المعتزل. والاعتزال في عرف كيشلوفسكي هو الموت. ومن هنا حين أعلن هذا الأخير اعتزاله العمل السينمائي بعد “أحمر”، كان من الواضح أنه يموت بعض الشيء في انتظار موته النهائي في ربيع عام 1996.

https://www.independentarabia.com/node