رشيد ازروال

يجمّع الشاعر العراقي أسعد جبوري اتصالاته السرية في كتاب حتى ترفرف في الهواء الطلق، وسمه بـ»بريد السماء الافتراضي – شعراء برائحة الكآبة والجنس والانتحار»(منشورات – ميم للنشر 2018). المؤلف /المحاور الافتراضي تناول كوكبة من شعراء العالم، تفرقهم الجغرافيا والبحار ويجمعهم الشعر والموت.
حوارات أسعد ماتعة بمتخيلها ووقائعها «السير- الغيرية» والنقدية، إذ يدمج حيوات الشعراء بما قيل عن أعمالهم من لدن نقاد عصرهم، أو في عصور لاحقة، حوارات فيها شعرية كثيفة وطرافة رائقة وثقافة واسعة، صهر كل ذلك في نص الكتاب، بما هو احتفاء بالشعر والشعراء، ليس مأتما.. هو عرس الكينونة الشعرية الباقية على هذه الأرض تتجول بيننا كما تتجول الأرواح في السماء.
لغة لزجة تماما كسمكة ماكرة، كلما أردت الإمساك بزعانفها انفلتت من بين يدك بلزوجة، وثمة كثافة شعرية قوية وموغلة بلا ترميز بمفارقات لا تكاد تنتهي الواحدة منها حتى تباغتك الثانية والثالثة وهكذا دواليك، تجد نفسك في «لذة النص» التي لا تهدأ وتيرتها قليلا وإلا تشعرك بأنك وقعت في حبائل الجماليات السيريالية، وأنت تقرأ بعضا من سيرة الشاعر، وما كتب عنه يخطفك الحوار الافتراضي من واقعية التاريخ، ويردك إلى السماء ردا جميلا.
في هذه القراءة الموجزة أعرض لبعض الشعراء الذين حاورهم المؤلف افتراضيا، وهم في البرزخ لا نعلم ما الذي يحدث لهم، بيد أن الجبوري يفترض أشياء مغايرة.

ماتسو باشو…
شجرة الموز تثمر الهايكو:

كثير من الشعراء العرب يعلنون انتسابهم إلى سلالته، وكل يدعي أنه ينتسب لحما وشحما وعظما حتى.. إلى الهايكو، الحمض النووي الشعري لباشو . نقرأ: «بعضهم ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، فيما أنت ياسيد باشو، فولدت وفي يدك سيف ساموراي، أي قدر كان ذاك؟» يجيب باشو بكل أريحية «كان ذلك تقليدا عائليا بالنسبة للمحاربين، لذا فقد تلقيت الدروس على يد مخدومي (يوشيتادا) ابن اللورد الإقطاعي المحلي تودو يوشيكيو مبكرا، ليمتزج دمي ببريق سيوف الساموراي في صومعة شيوخ المعقل. ومن ثم لأنتقل لصومعة (باشو- ان) أي لشجرة الموز في (ايدو) أي طوكيو التي أصبحت تسمى اليوم، والتي منحتني اسمي: باشو».
ويسأله المحاور ما السر وراء نقلة الشعر الياباني من حال إلى حال؟ يرد باشو بكل شفافية ووضوح «كان الشعر الياباني مجموعة غابات للهايكا، والتانكا والسيداوكا وكاتاوتاتا إلخ، لذلك شعرت بضرورة تنظيف تلك الغابات من الأوراق المتساقطة التي دفع بها الخريف إلى الموت، ومضايقتي». وأضاف باشو مرافعا كمحام نزيه «نعم كان الشعر في بلادي بحاجة لعاصفة الهايكو. وقد تم لي التأسيس لشعر مكثف وخال من التعقيدات، ويتمتع بقدر عال من الجماليات التي تعيد تكوين الطبيعة داخل الرحم الشعري ذي المنشأ الصوفي، الذي لا يعتدي على التصنيع اللغوي».

جان دمو… الثمالة المخبوءة في جيب الكنغر:

شاعر عراقي مغترب مثل كثير من الشعراء والكتاب العراقيين، الذين بقدر ما يحملون الجماليات والذكريات والأحلام الدافقة، بقدر ما يحملون وعيهم الشقي إلى القارات البعيدة عن نخلات الوطن والنهرين العظيمين، جان دمو شاعر الأعماق التي تتسكع على السطوح، جليس الثمالة في وحدتها القاسية التي تتشقق لها زجاجات البارات. سأله أسعد:
■ هل تعتقد أن إغراق الآلام بالخمور، سيحد من ضجيج الموت حولك وحول الآخرين؟
□ تسكين الألم بالخمرـ الخمر مرادف للنسيان- لكن، هل يشرب جان لينسى؟ هل الكؤوس أقراص مهدئة من صداع النهاية (ضجيج الموت)؟ أم أنها محاولة لترويض فكرة الموت المرعبة؟ يجيب دمو على السؤال بفلسفته المعهودة – فلسفة الشراب في مواجهة فلسفة السؤال حول الموت (بالتأكيد، فكل قنينة عرق زحلاوي أو مستكي، هي أفضل من مؤلفات عفلق وماركس وميكافيلي وهتلر وسارتر. الخمر غير الحبر، إنه الماء الأول للكتابة التي تقودك نحو الفردوس الموجود داخل أعماقك بدون حراس). الخمرة عند جان، تنتصر على الأيديولوجيات الشمولية، وعلى البعثية التي أتى بها ميشيل عفلق، حتى يفلق المعارضين في السجون المرعبة للقومية المكشرة عن أنياب عسكرية، أو هي ملجأ لنسيان كل هذا القرف.
(ولم أفكر يوما بملاحم التدوين، ولا بحفلات الطباعة، فأنا عشت مدونا أسمالي على حبال الريح).
التسكع شعرا، لا يهم الشاعر إلا المكوث في خمارة، لا يهمه طبع ديوان شعر أو حفل توقيع أو احتفاء، هو يكتفي بنفسه ويحتفي بذاته الشاعرة احتفاء المنتحر في الكأس الذي ذهب مع الريح، لكن شعره رغما عنه لم يذهب، وثمة قراء يتمتعون بنباهة يحفرون أسفل قصائده حتى يعثروا على الكنز المدفون/ الجماليات القارسة.

يانيس ريتسوس… البساطة الخادعة تروض التماثيل:

الوجع الطويل الذي مكث بين أضلع الشاعر الإغريقي المعاصر، عذابات السجن والأسر والرقابة العسكرية الكاتمة للأنفاس وحركة الأبدان، لكنها تفشل في كتم خيالات الشاعر المقطوفة من لحم الوقائع، الشعر ليس مجرد مرهم لآثار التعذيب والرطوبة، وليس خلاصا، الأشعار انتصار على إرادة قتل الجمال. (أنت بدأت الشعر شيوعيا مع الأحداث الدامية في اليونان، دخلت سجونا. ذهبت أسيرا مع الأسرى، وضعت تحت الإقامة الجبرية، وكتبت مجموعات شعرية تحت التعذيب «أثينا تحت السلاح» و»حاشية الانتصار» ثم «يونانية» و»سيدة الكروم»).
في خصوصية الشعر اليوناني فكرة ذات أصول هيلينية عتيقة جدا، غير أن يانيس لا يريد أن يبقى النهار بطوله وعرضه تحت شجرة الأسلاف الوارفة الظلال، لهذا الأفضل له ولشعر وطنه الحديث أن يدخل غرفة الحداثة المضاءة بأضواء النيون ويقطع حبل السرة الذي يربطه بالتماثيل التي فارقت حياة الناس، لم تعد التماثيل تحيا في اليومي. قال النقاد (كان ريتسوس بارعا في ديباجته الفريدة التي استطاعت بعيدا عن أي لعب تركيبي ـ أو ما يسمى» بهدم اللغة «- وهلوسات، أن تجعل من البساطة شعرا عظيما، وقد وفق النقد العالمي في نعتها بـ»البساطة الخادعة»).

والت ويتمان حرر الشعر واستعبد الزنوج:

هذا الكاوبوي الأمريكي المذعور من ضراوة الحرب التي يشنها الشماليون على الجنوب المتعصب لميراث السخرة، يخاف أيضا من السحالي السوداء التي تتحرش بقصائده، بقبعة الويسترن العريضة ولحيته الكثة التي تشبه لحى البراري، وسترته التي تشبه سترة «الفتى بيلي»، أين وضع مسدسه المخبوء عن أعين الكاميرا المفرقعة ذات القوائم؟
يرى فيه نعوم تشومسكي «شاعرا عنصريا مدافعا عن الغزو العنصري»، كان في الحرب الأهلية في خدمة الجنوبيين، وكان مثلهم معاديا للسود، يحرر القصيدة الشعرية ويستعبد السود، متعة القراءة تحدث حتى وأنت تكره مواقف صانع هذه المتعة.

٭ كاتب من المغرب

جريدة(( القدس العربي))