بريد السماء الافتراضي.. حوار مع عنترة بن شداد
عنترة (525 ـ 608)م مع عبلة وشيبوب

كان علينا تتبع أثره في البوادي الغابرة، حيث ولِد، وترعرعَ وعاش فيها. بعد ذلك يمكن الانتقال إلى أبواب السموات التي ارتقى إليها الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد بعد عمر ناهز التسعين من أعوام الفروسية والقتال والفصل العنصري.
قصصُ الشِعر مع حركات السيوف وثوراتها لم تقفْ عند شاعر عربي  واحد بحدّ ذاته، إلا أن أصداءها، وسعيرَ أحداثها المتناقلة من شاعر لآخر، وكذلك من عصر لثانٍ، ارتبطت  بتجربةِ الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد، الشاعر الذي لم يخضْ حروب السيوف وحسب، بل تعداها إلى حرب القلوب، حينما برزت خصوماته القبلية بسبب لون البشرة التي دفعته إلى التشارس مع قومه في معركته العاطفية لكسب قلب عشيقته عبلة.
وما أن فشلت مهمتنا بالعثور على الشاعر  في أرض نجد، بعدما  فشلت رحلةُ البحث عنه بين طبقات السماء، لم نصدق ما قاله لنا كبير الأبالسة (توروكو) عن سقوط الشاعر عنترة من على ظهر بساط الريح في أثناء صعوده إلى السموات .
اعتبرنا الأمر بمثابة نكتة لتزجية الوقت، وتضييعنا بمتاهة أخرى. لكن البحث والمتابعة والتدقيق وضعنا أمام حقيقة واحدة، ألا وهي أن الجاذبية الأرضية لم تسمح لبساط عنترة من اختراق السماء، ما أدى إلى عودة الشاعر إلى الأرض ثانية، بعد نهاية للغيبوبة الكبرى التي كان رأس عنترة غائبًا فيها، الأمر الذي سهل لنا الاجتماع به قرب مجموعة من الأشجار الصنوبرية المتحجرة التي يرجع تاريخها إلى 50 مليون سنة، طبقًا لتقديرات قسم الحفريات في المتحف البريطاني.
جلسنا هناك نتفرَّس في وجوه بعضنا تحت أشعة الشمس الحارقة، فيما كانت أقدامُنا تغوص بالرمال والريح .لكن حدث ما لم يكن متوقعاً،إذ سرعان ما فتح عنترة ثيابه، ليطير بها كالمنطاد من أمامنا نحو السموات.ولكي نقضي أمر الحوار،حلّقنا وراءه ،ونحن نسأل الشاعر عنترة بن شداد، بعد أن توقفت حنجرته عن الحُداء للإبل قائلين:

عنترة بن شداد وأخوه شيبوب كما صورهما المخيال الشعبي

(*) كيف كانت تكوينات الأجساد في صحارى الجاهلية يا عنترة؟
كنا من مكونات الرمال، حيث تكمنُ الفلزات الثقيلة.

(*) تقصد أن تلك الصحارى كانت تبذر معادن الرمال في الدورة الدموية للبشر؟
بالضبط. ولكن لا يحظى كلّ مخلوقٍ بنعمة الصحراء تلك.

(*) هل كان يتمُ توزيع المعادن على الأقوام توزيعًا طائفيًا، أم قبليًا، أم اقتصاديًا، أم ماذا؟
كانت الصحارى تعرفُ لمن تمنح قوتها بالضبط. فعوالم الجاهليات تاريخ بصفحات من حديد له صليل السيوف وبلون قانٍ.

(*) وهكذا فضلتكَ الصحراءُ رجلًا بعضلاتٍ تملؤها الحماسةُ والمعادنُ، فكنت فارسًا ذا بأس عظيم. أليس كذلك يا عنترة؟
لا تظنّن الأمرَ ذاك كان صحيحًا إلى حدّ ما. فأنا من افترستُ تلك المعادن حتى تشبّع لحمي وشبّ نموهُ ليُصبّ بناؤه صبّ الكونكريت المُسلّح.

(*) أنت تتحدث عن الصحارى، وكأنك تتحدث عن بروتينات يا عنترة؟!!
وهي كذلك. فقد كان انعكاسُ الشمسِ على جلودنا بمثابة عملية شبيهةٍ  بتَعْشِيق الزجاج بالخَشب، لتجعل من بعضنا كتلًا صلدة يصعبُ على الرماح اختراقها.

(*) لمَ التأكيد على قوة العضلات، وأنت شاعرٌ يا عنترة؟
لا ضمان لشاعر في تلك الصحارى، ولا في البراري المفتوحة على الغزوات، وهجمات قطاع الطرق.

(*) لذا تريد التوكيد على أن لغة السيوف والرماح هي اللغة الأم التي كانت تسود حياة قبائل الجاهلية. أليس ذلك هو المعنى من وراء كلامك؟
تمامًا. كنت أربي عضلاتي للأيام المجهولة. فما من معركة، أو حرب، وتنتهي بسهولة عندنا

نحن أعراب الجاهلية، سُكّان البوادي، الذين ارتبط مصيرهم بمساقط الغيث، ومنابت الكلأ.

(*) وأين منكم منابت السيف يا عنترة؟
تلك عاداتٌ وموروثاتٌ فرضتها علينا الكرامةُ والغَيْرةُ والحقد والثأر، مثلما حدث في حرب داحس والغبراء التي امتدت على مدار أربعين عامًا تناسل الرماح في اللُحوم.

(*) أوَلمْ تكنْ تلك الحرب لوثةً عقليةً، حجبتْ الشمس عن العقل، فهيّجت الأنفسُ الغبار عن السيوف، حتى قامت قيامةُ الحرب على أحقية فرس من الفرسين (داحس) و(الغبراء)، كأن يكون حارس قوافل تجارة النعمان بن المنذر لمن يفوز بالرهان؟
بالضبط. فقد كانت تلك الحربُ مسابقةً للدم الأعمى بالعروق ما بين أهل عبس وأهل ذبيان.

(*) ولكنها لم تقف عند هذين الطرفين، بعد أن هاجت العواصف الدموية لتشمل الكثير من قبائل العرب. أليس كذلك يا عنترة؟
نعم. وقد اقحمت نفسي فيها مقاتلًا صنديدًا، ليأخذني الموتُ إليه بسهم مسمومٍ رماني به فارسٌ يُدعى الليث الرهيص.

 

(*) وهل شكّلَ موتك وأنت في الثمانين هزيمةً لقبيلة عبس؟
كانت هزيمة مروّعة للعقل، وليس لقبيلة عبس وحدها.

(*) ربما لأن السيف الأعمى يغلبُ العقلَ المنير بالمعارف. أليس كذلك؟
لا أظنُ بوجود سيفٍ أعمى أبدًا. فمن السيوفِ ما هو بصيرٌ ويعرفُ طريقهُ إلى القربان بواسطة الرائحة، وقبل تلطخ حديدهِ بالدم حتى.

(*) كأن للسيوف جيناتٍ تزاحمُ جينات القصائد يا عنترة!
تلك وجهةُ نظرٍ، ولكنها ليست نظرية يمكن البناء عليها. فالمداميك التي تُبنى بها السيوف من بُرادة الحديد هي غير تلك الخلايا اللغوية التي تمتلئ بالشواحن التخيّلية، وجراح الوقائع، وأحداث الطبيعة، التي تشتركُ في صناعة الشِعر.

(*) وهل تعتقد بأن الشعر يُصنع صناعةً؟
بالتأكيد. وما من سلاحٍ إلا وله الغلبةُ بكتابة القصائد عند العرب. وأنتَ إن نظرتَ لبحور الخليل الفراهيدي، لغرقت بموجات من الدماء مدًّا وجَزَرًا.

(*) ألا يعني هذا بأنك تُنظرُ للعنف، وتجعل الشعر من ميادين القتال يا عنترة؟
والجمال.. أليس ميدانًا للقتال في سبيل الحب؟

(*) الشاعر المغرمُ لا يستندُ إلى نظريات تبررُ العنفَ وتفتح للقتال أبوابًا في الأنفس الإنسانية. أليس كذلك؟
ما من مغرمٍ بامرأة إلا ويشعرُ بجسده رمحًا مُلتهبًا، لا يهمهُ سوى أن يطفئ نارهُ بماء المحبوب. ونقطة على السطر.

(*) أنتَ تأخذنا إلى ذاك المدار الناري، ربما لأنك فشلتَ في الحب، ولا ترغب في إقفال الملف حتى تأخذ الثأر لنفسك باستعادة المفقود، أو الفقيد. أليس ذلك هو ما ترمي إليه يا عنترة؟
لم أفشل في حبي لعبلةَ أبدًا. أنا اخترتُ الهوى، فيما أراد والدها النوى، فنال من قلبي بصدري،

مما لا يمكن نسيان تلك الفعلة العنصرية التي مكنتها وضاعةُ أهل الشر والمال والبرستيج.

(*) ألا تظنُ إنك أخطأت الاختيار يوم اتخذتَ من عبلة عشيقةً تصلح للزواج؟
بلا أدنى شّك، عبلة كانت كنزًا. ولكن لا تنسَ بأن من يقابلها كان سيفًا فارسًا لا يشق له غبار في زمن جاهلي، يوم كانت فيه العضلات مقدسةً وثمينةً بما يعادل الذهب والمجوهرات.

(*) ولكنك خلطتَ الدم وغبار المعارك بطقوس الشغف والرومانس، فكيف بشاعر أن يقول:
ولقد ذكرتكِ والرماح نواهل………… وبيض الهند تقطر من دمي
فودتت تقبيل السيوف لأنها………. لمعت كبارق ثغرك المتبسم
أليس في ما قلته، هنا، غزلًا بحديد السيف ولمعان نصله المنقوع بالدم، وليس غزلًا بالمرأة التي تحب؟
كانت لحظةُ موت برقي، اندمج فيها السيف بالغرام، فكنتُ فيها فدائيًا بلا حدود، فيما عبلة كانت غمدي الدافئ.

(*) وماذا كنتَ ترى في عبلةَ يا عنترة؟
كنت أرى فيها ما يرى الماءُ بباطن الأرض.

(*) ولكن الفرق ما بين ماء النهر، أو السحاب، وبين الدم الحربي، شاسعٌ. فالأول يفتحُ للأزاهير والقمح والتفاح طريقًا إلى الحياة، فيما الدمُ لا يفتح للبشر إلا الطرق إلى التعازي والمدافن.
عندما تقعُ فريسة للشغف، فيمكن للمرأة في لحظة التداخل والدمج أن تفرز ما فيكَ من كوارث وأزاهير وحنظل وبطيخ، فتنزل عليها نزول هلالٍ من التجلّيات.

(*) أنت خطفت عبلةً في لحظة تصادم مع الموت. رفعت جسدها بذراعك الأيمن، لتحطها يدكَ على سرج حصانك، وقفزت لتكون خلفها حافظًا لظهرها من الرماح. أكان ما فعلته بدافع إبعادها عن سرير الغير، أم كان تحدّيًا لأفكار عمّكَ الرافض لمبدأ زواجك بها أصلًا؟
هم شيدّوا ما بيني وبين عبلة سور الصين، وأنا انتزعت أحجار ذلك السور حجرًا حجرًا حتى تلاشى تمامًا.

(*) هل تعتبر عبلةَ غنيمة حرب؟
وأكثر من ذلك بالطبع. فليس صحيحًا أن قلبي وحده كان كرة نار، بل طوقتني حرائق الغرام من كل حدب وصوب، حتى اكتمل احتراقي بها، يوم انفرط عقدها في عقدي.

(*) وهل تسربَ بياضُها إلى سوادك، وانتهى التفاوت العنصري ما بينكما حقًا؟
لولا سواد عنترة، ما كان لعبلة أن تشرق قمرًا. وتلك هي المعادلة التي جعلت من التوازن

محض طاقة لكتابة القصائد، وسقيها بما وراء البوح من اختراقات للوجدان.

(*) ما الوقت الذي يذهب فيه عنترةُ للشِعر؟
وقتما يكون قلبي موقد حنين، فأمسحُ الأطلالَ بإصبعي، وأستنهض الحماسةَ بالنفس لتعلو الغيوم فوق قومي.

(*) هل تكتفي القصائدُ بأن يكون الشاعرُ فارسًا مقاتلًا؟
أنا خضتُ غمارَ معارك حرب داحس والغبراء، وجعلتُ من كلماتي تروسًا لا تنفذ منها السهام، ولا الرماح. وتلك ميزةٌ لم توفرها اللغةُ لشاعر في التاريخ الجاهلي، ومن بعده الإسلامي، إلا لمامًا.

(*) وهل يليقُ بالشاعرِ أن يأخذَ اللغةَ للقتال، فتسبح بالدماء؟
القصيدةُ التي لا تقف على شَفِير الهاوية، وتمارسُ القتلَ، لا يصح أن تبقى حيّة في المعاجم، أو على أكتاف الأنفس المجبولة بالعرفان.

(*) وهل تصح هذه المقاربة، يا عنترة، ما بين القتل، وبين العرفان؟
في الشعر، لا يوجد تحاملٌ على السيف، مثلما فعل أفلاطون حين تحامل على الشعر، فأفرغ المدينةَ الفاضلة من الشعراء خشية من قوة نبض الكلمات واشتداد سعير حرائق الحواس المنتجة للجماليات.

(*) ربما لأن في الشعر من الشر ما ليس لجهنم من حطب!
أظنُ إنه أراد التعامل مع أحجار الجدران، وأصوات المواشي، تحاشيًا من انتماء أهل الأرض للشعر، فتضعف مواقفُ الفلاسفة وأهل السلطة.

(*) تقصد إن أفلاطون كان ديكتاتوريًا.
بالضبط. وقد ناضل من أجل الانتقام من بروميثيوس سارق النار من الآلهة.

(*) هل لك أن ترشدنا إلى موضع معلّقتك من بين معلقات هؤلاء الشعراء: امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى، النابغة الذبياني، علقمة بن عبده (الفحل)، وطرفة بن العبد، والأعشى؟
أنا لم أكتب شعرًا تنافسيًا بالفروسية والفخر والحب والحماسة والخيال والبلاغة والمعاني العميقة مع الآخرين، إنما أردتُ تعليق اسم عبلة وعطرها وصوتها على أستار الكعبة، وفزتُ.
هلْ غَادَرَ الْشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَـرَدَّمِ   أَمْ هَل عَرَفْتَ الْدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي وَعِمِي صَبَاحًا دارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي.

(*) هل حسبتْ ذلك فوزًا للإغواء الوجداني بعبلة يا عنترة؟
تمامًا. وكانت المُعلّقةُ تدوينًا تاريخيًا لوأد العنصرية القبلية التي طالما شتمتني، وعابت علىّ سواد لوني، وهزالة انتمائي العائلي. معلقتي عَلْقَتهم على حبال الريح.

(*) هل كنت ثملًا يوم مقتلك يا عنترة؟
لا. لم أكن سكرانًا إذاك، ولكن فرسي خذلتني، عندما سقطتُ من على ظهرها أرضًا، ونالني

من الأعداء رمحٌ مسمومٌ كتب لي نهاية العمر، لأصعد إلى هنا برفقة عزرائيل وأنا معفرٌ بالدمِ والشعر والغرام الأخرس.

(*) هل كرهت العودة للأرض يا عنترة؟
أجل. فلا قتال في السموات ولا سيوف.

(*) وهل أمكنة السماء مُملّة وتصيب المرء بالكآبة؟
كل مكان لا تملؤه عبلةُ، هو، في نظري، عبارة عن ضريح. وكلّ زمان لا تكون عبلةُ عقاربُ ساعته، فلن يكون إلا برزخًا تموت فيه طراوة الفيزياء، وتكثر فيه الموانع والسدود والعراقيل.

(*) أتعني أن الحبَ بمثل ما يكون مصححًا للوجود، فغيابهُ خطر على الوجد والوجود يا عنترة؟
تمامًا. فأنا عشتُ حقبة رومانسية دفينة، إلا أنها سرعان ما انتهت بفعل سيطرة قوانين (الأبارتايد) القبلية التي وضعت سور الصين ما بين قلبي وسيفي.