“منذ اليوم الثالث صرفت النظر عن وضع كتاب عن هذا البلد”

رولان بارت (غيتي)

 

 

كانت عميقة وطويلة جداً تلك الـ”الأوووووف” التي أطلقها المفكر والباحث الفرنسي رولان بارت ما إن استقر في مقعده في الطائرة التي ستحمله من بكين إلى باريس. كانت صرخة/تنهيدة تكفي وحدها لإعلان رأيه في ما حدث له خلال الأسابيع الثلاثة السابقة التي استغرقتها تلك الزيارة الصينية التي سيقول عنها إنها كانت واحدة من خيبات الأمل التي صدمته أكثر من أية خيبة أمل أخرى في حياته. يومها اكتفى بـ”الأووووف” لكنه بعد ذلك بسنوات حوّل العبارة إلى كتاب في نحو 250 صفحة حمل عنوان “دفاتر الرحلة إلى الصين” صدر بعد رحيله بأكثر من دزينة من السنوات.

تفاصيل خيبة أمل

غير أن قرّاء بارت لم يكن عليهم أن ينتظروا كل تلك السنوات التي تلت رحيل صاحب “أسطوريات” و”الكتابة عند درجة الصفر” كي يطلعوا على مجريات الرحلة وتفاصيل خيبة أمل الكاتب، إذ إنه على أية حال قد نشر، بعد شهر واحد من عودته إلى باريس وتحديداً 24 مايو (أيار) 1974 مقالاً طويلاً عن تلك الرحلة عنوانه “…الصين إذاً” وأعاد نشره في كتيّب مضيفاً إليه مقدمة وملحقاً بعد ذلك بعام. لكن الكتاب سيأتي أكثر تفصيلاً ليشرح بلغة تحفل بالتهكم كيف أن تلك الرحلة أثرت فيه سلباً وبدّلت بصورة جذرية ما كان لديه من أفكار وتوقعات حول الصين الماوية التي كانت محور حديثه ورحلته في ذلك الحين.

يومها كما قد يتذكر كثر اليوم، كان شيء ما في بكين وسمعتها العالمية يجتذب شبيبة العالم الثائرة وينقلها في انتفاضاتها من يسار ستاليني بليد إلى يسار ماوي تفترض أنه ديناميكي وثوري وتغييري في مسعاه لبناء إنسان جديد. كانت، وقبل تحركات شبيبة العالم وطلابه تُقدّم بوصفها نموذجاً يحتذى في صراعها مع “الإمبريالية الغربية” وتنافسها مع “التحريفية السوفياتية” وراحت تنتشر التنظيمات المنادية بأفكار ماوتسي تونغ ومن بعد ذلك ممارسات “ثورته الثقافية”. ولن يكون من المبالغة القول هنا إن صين ماو صارت في نظر كل أنواع اليسار حامية للثورة العالمية.

بين رفاق مسحورين

في ذلك الحين كانت لا تزال لدى رولان بارت بقايا من فكر يساري دفعته بالتأكيد إلى الاستجابة التي وُجهت إليه وإلى عدد من محرري مجلة “تيل كيل” الثقافية الفكرية وعلى رأسهم فيليب سولرز الذي سيكون طوال أيام الرحلة الأكثر حماسة لكل ما يراه بل لما لن يُسمح له بأن يراه، ما جعل بارت يستنكف تأدباً عن إبداء رأيه الحقيقي أمامه في كل ذلك. لم يرِد إزعاج رفاقه في الرحلة بل دوّن كل انتقاداته وملاحظاته على صفحات مجموعة من الدفاتر التي ستكون لاحقاً في أساس المقال الذي نشره في “لوموند” كما في أساس الكتاب الذي صدر بعد ذلك.

من الآن يمكننا القول إن ما دوّنه رولان بارت في تلك اليوميات يبدو في أحيان كثيرة أشد قسوة تجاه البلد المضيف مما كان كاتب مثل أندريه جيد قد دوّنه إثر قيامه بتلك الرحلة الشهيرة إلى موسكو أيام ستالين والتي بدأها شيوعياً متحمساً لينهيها منشقاً غاضباً ومغضوباً عليه.

صحيح أننا نجد في ثنايا اليوميات البارتية نوعاً من التعاطف ونلمح تفاصيل ما بدا له إيجاباً في تنقله بين مدينة صينية وأخرى بين اليوم الأول للوصول وحتى المغادرة، نظافة القطارات مثلاً، حتى ولو في ثنايا كلامه أنها نظافة مخصصة للضيوف الفرنسيين. ومثل ذلك ما يصف به أناقة الجادات الكبرى، واكبها منعهم مثلاً من العبور في أزقة ضيقة. لكن المحصلة الإجمالية لرحلة دامت ثلاثة أسابيع لم يتمكن خلالها بارت من العثور على فنجان شاي واحد وحين يؤتى له مرة به يعجز عن إدراك إن كان المشروب شاياً أو قهوة أو ماء ساخناً!، إذن، بارت، وربما على عكس سولرز ومارسيلين بلينيه وفرانسوا فال وغيرهم من رفاق الرحلة، لم يرَ ما هو صيني على الإطلاق فيها.

الغرب في الصين الماوية

بدا له كل شيء هنا غربياً بل يقلد كل ما هو غربيّ بشكل ينعكس الافتخار به على وجوه المرافقين الصينيين الذين لا يفوت بارت التلميح إلى أنهم هنا لمراقبتهم ومنعهم من أي شيء يريدون دراسته حقاً. ومن هنا يتوقف بارت كثيراً عند زيارة كان قد قام بها إلى اليابان أسفرت عن وضعه واحداً من أهم كتبه، “إمبراطورية الإشارات”، معترفاً أن واحداً من الدوافع الرئيسية التي حدت به إلى تحمل مشقات السفر كان رغبته في أن يكتب في الصين وعنها كتاباً مماثلاً “غير أنني صرفت النظر عن المشروع منذ الأيام الأولى للرحلة إذ أدركت أنني لن أرى فيها سوى ما يريدني المسؤولون أن أراه، وهو مطابق تماماً لما تنشره الدعاية السياسية الصينية في العالم وبالتالي لا يحتاج المرء لزيارتها من أجله” كما سيقول لاحقاً. وبارت إذ صرف النظر عن ذلك المشروع الذي كان أساسياً بالنسبة إليه سيبدله بكتابة تلك اليوميات تغلفها السخرية وتستبطن خيبة الأمل.

الحقيقة أن اليوميات ستبدو في نهاية الأمر مسلية حتى وإن بدت في ما تسكت عنه “شريرة” للغاية حتى في تعاطي كاتبها مع أبسط الأمور: من مسائل الطعام الذي يقدّم إليه وإلى رفاقه وهم يتنقلون من مقاطعة إلى أخرى وهو نفسه دائماً، إلى وصف الاحتفالات بعيد العمال في الأول من مايو، احتفالات “يُعهد بها إلى راقصين من الأطفال ومغنين من الأطفال وموسيقيين من الأطفال في أجواء احتفالية أغلب جمهورها من الأطفال، أحسست أمامها وكأنني أتفرج على لوحات ساذجة للجمركجي الفرنسي روسو”.

تجوال بين أربع مقاطعات

توزعت جغرافية رحلة العشرين يوماً وأكثر على أربع مقاطعات صينية رئيسية كما يفيدنا بارت في “دفاتره” التي كان لا يعجز عن إيجاد الوقت الكافي لملء صفحاتها حتى ولو كان على متن قطار ليلي أو طائرة بمحركين تقطع المسافة بين شانغهاي ونانكين مثلاً متأرجحة فوق وديان عميقة وجبال تبدو كأنها مستعدة لاستقبالهم بترحاب لو سقطت بهم الطائرة. والرحلة التي بدأت في شانغهاي سوف تختتم في بكين. ستكون في مسارين بالطائرة ومثلهما بالقطار. أما الأكثر متعة فكانت تلك المسيرة من لو يانغ إلى سيان والتي قطعوها بقطار نوم “مريح ومليء بوسادات ناعمة رخوة… بدا لنا أن تلك العربة كانت مخصصة لنا وحدنا أما في خارجها فكان كل شيء رمادياً مغبراً ومظلماً… ناهيك بأن الطقس كان عاصفاً”. مهما يكن فهو يخبرنا بأنه ورفاقه والوكالة التي تستضيفهم “ممثلة بمرافقينا المبتسمين دائماً بدَونا كأننا عابرو جدران: نعبر جدران المحطات والفنادق والمصانع من دون أن ندري كيف، من دون أن نتوقف لملء استمارة أو إعلان هويتنا”. كان يبدو له أن الصين كلها عالمة بوجودهم تنتظرهم في كل زاوية بلهفة لا تخلو من فضول، وتودّعهم عند كل نقطة بابتسامة هي نوع من ديكور إلزاميّ. أما مسار القطار نفسه، يستطرد بارت فكان بطيئاً: أقل من مئة كيلومتر خلال ثلاث ساعات. مهما يكن، في سيان كانت “المتعة مضاعفة” حيث “زرنا معرضاً لفنانين محليين. الواقعية تسيطر تماماً بما في ذلك لوحة تمثل سكرتير الحزب يقرأ كتاب “أنتي داهرنغ” لفردريتش إنغلز!”. وطبعاً كان بارت يفضل لو أن السكرتير في اللوحة يقرأ كتاباً صينياً… لكونفشيوس مثلاً لعل وعسى. لكن المفكر الفرنسي كان قد ذكّرنا منذ اليوم الأول الذي دوّن فيه يومياته أن كونفشيوس بات ممنوعاً في صين الثورة الثقافية بعدما قرأه الصينيون مئات السنين أليس كذلك؟

https://www.independentarabia.com/node