آراءكتابة الفهرس.. "ما لم يُفهرَس بعد"

(منير الشعراني)

أهذا هو الفهرس؟
هل يمكن تجريد الكتاب من الفهرس، أو إمكان الاستغناء عنه؟ وهنا كيف يمكن التعامل مع الكتاب؟ ألا نواجه إرباكات في إقامة علاقة قرائية معه؟ منذ متى كان للكتاب هذا التصرف الذي يهمّش الفهرس، أو ينحّيه جانبًا، وفي الوقت ذاته، منذ متى كان للفهرس هذا “السلطان المبين” على محتوى الكتاب، حتى وإن لم يكن له من أثر مباشر؟
من ناحية أخرى، سأعدُّ الفهرس، باسمه وما يمكن أن يتردد باسمه، وما يشغله، أو يثيره، كما لو أنه كائن حي، كائنًا من لحم ودم، أجالسه وأنادمه، وأسايره في بعض الحالات، إنما أيضًا أحاول جس نبضه، التعرف على نقاط قوته وضعفه، ما إذا كانت هناك حدود فاصلة بيننا، فأتمكن من عبورها بطريقة ما، ما إذا كان يسلس القياد في هذا التحرك، ما إذا كان ينفتح لي على أسرار تعينني في هذا المسلك البحثي: الدرسي الخاص، ما إذا كان حقيقيًا، أم نصف حقيقي؟!
من خلال تجربة بحثية في الورق، في الفضاء الإنترنتي، وما هو ملتقَط سماعًا، ذهب بي متخيلي كثيرًا، بحيث أرى فيه ما لم يكن يُرى من قبل، وأنه من المستحيل ضبطه في مفهوم معين، أو تحديد لونه، شكله، حجمه، عمقه وسحره؟
من جهة أخرى، يستحيل ضبط مسار مفهومي حول الفهرس، تحديد بداياته، وضع سيرة ذاتية عن نشأته، وكيف ومن أين، ومن كان الأول، ووفق أي معيار تم التعامل معه، وينظَر إليه؟!
من المؤكد، أيضًا، أن ما يخصُّ “فهرست” ابن النديم، قبل أكثر من ألف عام، لا يُعتدُّ به هنا إلا كمثال عابر، لا ينير موضوعنا، إلا قليلًا، وهذا القليل لا يخلو من منغّصات. من ذلك: أنّى لابن النديم مثل هذه الكلمة “الإيرانية”؟ وهل تمكن حقًا من منحها حقها في الإيضاح، أي جهة علاماتها الفارقة؟ هل ضم ابن النديم – حقًا- إلى كتابه كل العناوين الموجودة في زمانه، أوَ ما كان يجب عليه الحرص على ضمه، ليكون للكلمة شرف نيل اللقب الريادي في ذلك؟
ولماذا “الفهرست”؟ ألم يكن هناك من مفردة مقابلة، إلا إذا أرجعنا ذلك إلى شرف مقام العلم العالي، و”المتمدن” جهة الشرق، وتلك الخبرة الملموسة في إطار التعامل مع الكتاب، وفن كتابة، وإخراجه وإظهاره إلى النور، وأبعد من إيران، صوب الشرق، وصولًا إلى الهند

والصين؟!
هل تعني المفردة “الموسّعة”؟ أي ربما مقابل الـ”Fireh؟”، بمعنى الواسع؟
الفهرس الذي يستبدّل أحيانًا بالبيبلوغرافيا، أي ما يكون صنيع كتاب بمحتوياته!
في مصنَّف ابن النديم “الفهرس، تحقيق: رضا تجدد، نسخة إلكترونية”، نقرأ بدايةً (هذا فهرست كتب جميع الأمم، من العرب والعجم، الموجودة منها بلغة العرب، وقلمها في أصناف العلوم، وأخبار مصنّفيها، وطبقات مؤلفيها، وأنسابهم، وتاريخ مواليدهم، ومبلغ أعمارهم، وأوقات وفاتهم، وأماكن بلدانهم، ومناقبهم، ومثالبهم، منذ ابتداء كل علم إلى عصرنا هذا، وهو سنة 377 هـ. ص 3).

نسخة قديمة من “كتاب الفهرست للنديم” لابن النديم

ويشار إلى “الفهرس”، من خلال معان عدة، بالكاد تخرج عما ذكرنا، أي ما يجعل الفهرس في مقام الدليل لمعرفة عناوين داخلية، أو نقط معرفية تفيد القارئ. وحاول العرب القيام بوضع بعض مصنفات على هذه الشاكلة (ينظر، في المجلد الأول، من: فهارس: قصة الحضارة، إعداد وترتيب: محمد عبدالرحيم، دار الجليل، بيروت 1992، صص 28-30)، أي إن المفهوم العلمي للفهرس، وكيفية التعرض له، علميًا، لم يحن بعد.

الفهرس، وانفجار الدلالات
علينا ألا نلهث وراء المعاني والمتخيلات المتخيَّلة، إن جاز التوصيف، إذ إن الذي يسعفنا في القول هو أن لدينا أكثر من “شبهة” حول المفردة، ليس لأنها غير مفهومة، وإنما لأن هنالك نقاط استناد كثيرة، إلى جانب علامات فارقة نسِبت إليها.
وإذا كان هنالك من إمكان للمضيّ قدمًا أكثر في هذا المنحى، وهو متشعب ومتداخل السمات، فهو أنه من خلال قابليته للتنوع والتناثر والانتقال بين تصورات مختلفة، يضع كل معنى بأموره أمام مسؤولية التوصيف والتعريف الدقيقين، أي ما إذا كان جديرًا بحمل صفة “الفهرستي”؟
ذلك ما يعزّز فينا، من ناحية أخرى، قوى المتخيل المعرفية أكثر من ذي قبل، كأن نستعين

بمجمل ما نعرفه مما هو مطبوع ويشير إليه، فلا أوضح في هذا المقام من اعتماد أمثلة مختلفة، لنزداد قربًا منه، لنمعن النظر برويَّة أكثر في مفهومه، في ما إذا كان الذي ينسَب إليه، أو يعرَف به، هو حقيقته، أم أن حقيقته في نطاق المؤجَّل دائمًا، وهو ما ينبغي الاشتغال عليه؟
بينَ أنْ يكون الفهرس في أول الكتاب، وأنْ يكون في نهاية الكتاب، ثمة علاقة مختلفة، انطباع مختلف، لا يقتصر على مجرّد ألّا خلاف في أن يكون بدايةً أو نهاية، بما أنه في المحصّلة يسمح لنا بقراءة الكتاب من خلال جملة من العناوين الصغيرة التي تكوّنه، أو تحدد مقامه الاعتباري.
عدا عن ذلك، نرى أن المعتبر فهرسًا، أو فهرستًا، يقبل كثيرًا من “النزالات” المعرفية، أو لنقل: السجالات بالذات، جراء خلط التسمية، وسهولة الأخذ بالاسم من دون رد، كما لو أن ما وضِع باسمه يعنيه، وليس من معنى آخر خارج حدود الكتاب. ربما المشكل يبدأ من هنا، من نقطة القول بأن مخطط الفهرس قد وضِع، وأن في الإمكان السير عليه، والتحرك في “متن” الكتاب؟!
إن ما يحال على عالم “العتبات” يظل محل مساءلة تلو أخرى، لأننا كثيرًا ما نجد كتبًا: الأدبية، ومنها الروائية والشعرية خاصة، كما لو أنها في غنى عنه، وهناك كتب يكون حضور الفهرس فيها محدودًا، أو ضعيفًا، وهناك اختلاف بين كتاب وآخر للمؤلف نفسه، ربما تقارب الموضوعين يطرح سؤال الاختلاف، وتبعًا لأي تصور، مخطط، منهج بحثي كان له هذا المعطى الفهرستي؟
أعني بذلك أنَّ ما هو مخفي، ما يبقى رهين السر، هو في الكيفية التي يفكر فيها الكاتب حين يضع فهرسه، أو “المحتوى”، ومتى يضعه، وأين، أو يثبته؟ وهل يتعامل معه على أنه ضرورة لا غنى عنه؟ وهل يكون وضع الفهرس عن قناعة أم لا؟
في الجانب المقابل، ما إذا كان المسجَّل باسمه هو حقيقته، أي لا يقبل التنوع، أو الإضافة، فتلك قضية فهرسية أخرى، عندما يطرح القارئ سؤالًا من نوع: هل ما ثبّته الكاتب هو ما اعتبره متطابقًا مع مكونات الكتاب؟ وهل أودع الكتاب فهرسه من دون أن يقلقه تصوره عن دقة وضعه؟
في هذا السياق غير المتصل، لا يظهر أن الفهرس إلا أن يكون الاسم الممنوع من الصرف، بحيث إن كل ما يحال عليه، ضمن إطار القائمة الاسمية “أسماء كتب، كتلك التي عُرِف بها ابن النديم”، أو لهذا الكم الهائل، وربما اللامتناهي، من الصيغ التي يمكن أن يركّب منها، من دون أن تكونه، أو يكونها بالذات. فالفهرس أكبر مما يدوّن ضمن جدول، أو في صفحة واحدة، أول الكتاب، أو نهايته، وهو أدنى مقامًا مما يسجَّل باسمه، إنما لمن يرى أن ما هو مسطور في صفحة الكتاب فائض على عنوانه الحامل له: الفهرس. وبالتالي، لا يغدو الفهرس مجرد حامل عبارات تترى، وضمن عائلة معرَّفة بمفردة واحدة هي: الفهرس، وهذا وهْم من أوهام العلم المتاح، وليس العلمَ المتعدي لاسمه، أي لحظة ربطة الفهرس بما هو معرفي، وما يمكن أن يُتخيَّل فيه.
هنا، هل يمكن القول إن لكل كاتب فهرسه، كما يفهمه، وكما يتداوله داخل فكره وتصوره، ومن ثم متخيله، وكما يتفاعل معه بوعي، أو من دونه؟ وبالتالي، فإن لدينا كعملية حسابية ما يعجز العد عن تثبيته، ونحن نستدعي كل الذين اعتمدوه بطرق شتى قديمًا وحديثًا. يعني ذلك أن الفهرس، ولكي يكون فهرسًا، فهو متحول، هندسي، نسْبي، افتراضي، بالنسبة للكاتب الواحد ذاته، لحظة إقامة علاقة معه. من زاوية مختلفة، قد يعيش مخاضًا لا يَخفى إيلامه، وهو يبحث عن السبل الأفضل لسَلسَلة عناوين تعنيه، أو يضمها هو إليه، وله في كل مؤلَّف سيرة حياة ومسيرة تجاذب على مستوى البنية الإنشائية للكلمة الواحدة، وما يكونه في تقديره، والإيقاع الجمالي بالمقابل.

المنتظَر في قراءة الفهرس ككتابة كاشفة
أن نفهرس هو أن نترك بصماتنا، إن أردنا منحَ اعتبار فعلي لأنفسنا، بوصفنا كتّابًا فعليين، ومن خلال فاعل الفهرس، وما يكونه على صعيد الممارسة الدلالية، وربطه دائمًا بمَشَغل قيمي داخل الكتاب. ولهذا، لا يكون هناك من خط يتحرك في اتجاه واحد، إنما في أكثر من اتجاه وحالة.
من المؤكد، هنا، أن الناقد، وبمقدار يقظته المعرفية، لا يدّخر جهدًا في متابعة ليس المرئي،

وإنما ما أغفل، أو اعتقدَ أن الكاتب قد غفل عنه، ولم يشأ تثبيته لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بحساسية الفكرة، أو العبارة، فيكون اعتماد عبارة أخف، ليجد النص عبوره إلى القارىء. إذ من السهل القول إن لدينا حرب عناوين، ومدى ارتباطها بنصوصها. وعلى المنوال نفسه، يكون الكاتب في مواجهة تحد كبير بصدد حقيقة مكوّناته العنوانية: الفرعية، وكيف عاش مناخاتها.
لا يغيبن عن ذهن أي قارئ أن ليس من كتاب بخلوّ من الفهرس، ليس لأن هناك وضعًا قدَريًا يلازم الكتاب، أي كون الكتاب الغفل من الفهرس لا يعتدُّ به، إنما لأن القارىء ذاته يعاود السؤال عنه، كما يطرح سؤال الفهرس على كاتبه، إن لم يكن موجودًا، وعن حكمة هذا الإلغاء.
بصيغة أخرى، إن كاتبًا ما، حتى على صعيد الرواية، وهو يحرّرها من كل أساليب الدعم للقارىء: فراغات، إشارات، رسوم، تباعدات بين صفحة وأخرى… إلخ، لا ينبغي غضّ النظر عن خاصية مذوَّبة في بنية النص، مهما تضاءل حجمه، وهو أن كاتبه كان أثناء تسطيره يقوم بسَلسلة أفكاره، تعابيره، كما لو أنه يقيم علاقاته مع عناوين تسهّل له مهمة الكتابة، وإن لم يكتبها.
إن الفكرة المفصلية للكتاب تتجلى في وجوب عدم الثقة بالفهرس كفهرس، حتى بالنسبة إليه، بالنسبة لمن يقرأه إخلاصًا للمعرفي فيه، وإنما تقليب صفحته على وجوهها.
الفهرس في واقع أمره يقابل الواقع الذي يتكون من أبعاد أربعة، حيث إن ما يضاف إلى كل من الطول والعرض والعمق، عامل الزمن غير المستقر، وما يصطحبه قيميًا معه.
أن يكون الفهرس في مكانة الغريب، ربما يكون ذلك الانطباع الأول من جهة الترتيبات التي تمثّل مجموع الكتاب، لأن الغريب ليس ما في اليد، وإنما ما على الشجرة، أو ما يحلّق عاليًا، وثمة إرادة للنظر فيه، وسعي إلى كيفية التمكن منه، رغبة في معرفة المزيد من العميق.
وأن يكون الغريب ممثّلًا فهرس الكتاب، فلِكي يتم التدقيق فيه أكثر، حتى يكون في مقدور المعني به: ناقدًا بصورة خاصة، دوام الربط بين العناوين السريعة وأبعادها النفسية والثقافية.
لا بد أن نتوقف عند هذه النقطة، وهي أن الفهرس لا يتواجد ضمن كتاب، إنما يكون له حضور يتلبسنا جميعًا، إذ يستحيل وجود من يمكنه ادعاء أن ليس له من صلة به، ولا بأي شكل من الأشكال، أي أن الفهرس لا يكون نزيل صفحة، أو عدة صفحات، في أول الكتاب، أو خاتمته، أو قد لا يكون له أي وجود أصلًا، ذلك إجراء متَّبع ضمن أطر ثقافية، أو بحثية أكاديمية، أو مدرسية معينة حصرًا، ولكن هذا الذي ننحّيه جانبًا، وندفع به صوب الكتاب، نخالف حقيقتنا، وهي أننا أنفسنا فهرسيون، وأن فهرسة الكائن البشري أكثر من كونها تاريخية، إنما ملازمته:
بالنسبة للذين لا علم لهم بأمور الترتيب، والانتقال من فكرة إلى أخرى، لا يعني ذلك أنهم

مجرَّدون من تأثير الفهرس، أو ليس للفهرس حضور في حياتهم. إن حق الفهرس بالكلام، والشهادة على أنه هو من يعطي لكلامه معنى، هو من يمنحه قابلية التعبير عن أي شيء، يبرز من خلال شعوره غير المقدَّر، أو غير المفكَّر فيه، أن ما يتفوه به كلغة يفهرسه.
الفهرس في أصل تكوّنه هو أن ليس له من أصل، طالما أنه لا يصنَّف بسهولة، لأنه خارج نطاق أي بحث ينقّب فيه، وأمامه مخطط يعتمد عليه، إلا انطلاقًا مما هو قائم، لأن نظام الفهرس يتجلى في كونه منزوع النظام ذاتيًا. نعم، لا نظام للفهرس، ولهذا نشهد أهليته للتحول، ولهذا نجد أن كل ما يدخل في نطاق “ثورة الطباعة/ الكتاب/ الميديا/ وسائل التواصل الاجتماعي..”، ينبغي ألا ينسينا فضيلة هذا الذي يجري حصره في رقعة ورقية، أو شفافة “إلكترونية”، أي ما يُسمى بـ”الفهرس”. وبالتالي، فالفهرس كما هو مشاع عنه، من حيث الدقة، ليس فهرسًا، فثمة له في أعناقنا كثيرًا من سِدَاد الدَّين: أن نفهمه أكثر، أن نتعرف إلى حقيقته التي تتمثل في مواقع كثيرة، وأن لا ينحصر في صياغة تعبيرية محددة، وأن ما يتداول باسمه في الكتب وغيرها، ليس أكثر من التأكيد على أن الموجود جوهر الوجود، والفهرس أكبر من مفهرِسه هنا.
الكتاب حضور جسدي، عضوي، وهو متكامل. يمكن هنا الاستغناء عن بعض الأعضاء، فلا يفنى الجسم/ الجسد بالمفهوم الإنساني، لكنه من حيث المتعارف عليه يغدو ناقصًا، من لحظة الشعور بالتنازل. الكتاب في وحدته، ثمة ما يشير إليه، ما يفصح عنه تمامًا. هنا يُذكَر العنوان. تصوروا كتابًا من دون عنوان، تصوروا أن أحدًا ما يقرأ صفحات طوالًا، ومجلَّدًا، لكنه خال من عنوانه، ومن أي إشارة، لا في الخارج، ولا في الداخل، كتاب “متروس إلى آخره”، كيف يمكن النظر إليه؟ كيف يتم تقييمه، شرحه؟
عنوان الكتاب يتوسل فهرسه لكي يضاء من الداخل، فهو أبوه رغم اعتبار بعضهم أنه ابنه. الفهرس ليس ابنًا يُتبنى من عنوان الكتاب، أو وهو يدخل في طاعته، إنما نظيره، وربما يكون العنوان الرئيس ابنًا لما سَيَلي، لأب قادم له حضور طاغ، أب يُشعَر بأنفاسه: الفهرس.
بالطريقة هذه، ألا يغدو الفهرس أبعد من كونه المستور في الداخل، وأعمق مما يشار إليه على سطح أملس، أو مصقول، وفي متن معلوم، لأنه ينتشر بتأثيره في جسد الكتاب مجتمعًا؟

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/opinions