بريد السماء الافتراضي.. مع الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ

توفيق صايغ (1923 ـ 1971)
كانت الشمس في تلك الليلة تعاني من كسوف حادّ، وكان علينا أن لا نغامر ونذهب في تلك الرحلة الشاقة داخل مجرى شبكة عظيمة من الأسلاك الإلكترونية، من أجل إجراء حوار مع شاعر منكوب متشرد ما بين الأرض والسموات.
أن نمتنع ولا نذهب خوفًا؟ لا. خاصة ونحن نزلنا بين أقوام متصارعين، منهم من يحمل سيوفًا، وآخرون يتخندقون وراء مدافع ضخمة تحكي بلغات غريبة، وهي تلفظ من فوهاتها الدخان.
أن نخوض المغامرة ونمضي قدمًا مع مخلوق من طراز (وزفارين) الشبيه بالنمور الأسطورية ذات الأجنحة، ذلك هو القرار.
لذلك أبطلنا فكرة الخوف فينا، وهيأنا جميع وسائل الأمان للذهاب، من أجل إجراء هذا الحوار مع الشاعر الفلسطيني، توفيق صايغ، في مستوطنات (الجراد) الواقعة في ما وراء التلال الشمالية في خامس سماء، تلك التي ذَكرّتنا بتاريخ الخامس من حزيران/ يونيو المثقل بالدم والإحباط والانكسار والفجيعة، كما هو مُدوّنٌ في التقويم الأرضي.
ما إن هبطنا هناك، حتى تقدم نحونا الشاعر توفيق صايغ معانقًا، وهو يحمل بيده حقيبة من الزجاج كانت تفوّر بها موجات من سوائل متبخرة. أخبرنا عنها الشاعر بأنها حقيبة لحفظ دموع الموتى من شهداء وقتلى ومعذبين ومشردين.
ولكي لا نستغرق في الحديث عن حقيبة الدموع، حاولنا الدخول بالحوار مباشرة، بعد أن غادرنا ذلك الحيوان الضخم (وزفارين)، الذي حملنا إلى هذا المكان المغطى بالأدخنة والغيوم ورائحة الأسبرين.  قلنا للشاعر:(*) ما وجه التشابه ما بين الشعرِ والماء، في رأي الشاعر توفيق صايغ؟

أظن أن التشابه قائمٌ منذ ولادة اللغات. وهو واقعٌ وصحيح. فالماء ظلٌ للشعر مدًّا وجزرًا، كما الشعرُ ظلٌ للأمواج في حركة النوّ.

(*) وكيف يبدأ الشعرُ جريانه في الجسد؟
بما يشبه دورة الماء في الطبيعة. كلاهما يثوران على الأراضي الجافة.

(*)تقصد أن الاثنين يحاولان إقصاء التصحر عن جلد الوجود؟
بالضبط. فقد كان دور الشاعر، وما زال، مشابهًا للراعي الذي يبحث لمواشيهِ عن الحقول الحافلة بالأعشاب والثمار.

(*) وهل يحتاجُ الشعرُ إلى التغذية، مثلًا؟
تمامًا. فما من كلمة إلا وتحتاج إلى ما يحفز طاقتها لتستمر بالتوالد وتوليد المعاني، في مجرى اللغة العام. لذلك، فكلما تشبّعت الكلمةُ بالشمس، منحت المعاني فيضًا بالبلاغة والثمار.

(*) تقصدُ أنها ستكون أكثر نضجًا.
ذلك مؤكد. ولا أعتقد أن فراغ الكلمات من الطاقة يجعلها قابلة للحياة.

(*) الحياة في الأنفس، أم الحياة على الورق؟
كلُّ نفسٍ، في نهاية المطاف، أوراقٌ بخلايا جذعية.

(*) ألا تعتقد بأن الشعراء، جميعًا، هم قصيدةٌ مركّبةٌ واحدة؟
لا أظن ذلك. فالشعراءُ بطبيعتهم وبطباعهم هم من المعادن المتنافرة الفلزات، لا رابط يربط بينهم إلا الجنائز والتعازي والدراماتيكيات.

(*) لمَ كل هذه القسوة يا توفيق؟
أنا خبرتُ أغلب شعراء جيلي، وبلغت أسفل درجات الأنفس التي تغطيها تلك اللحوم الفاسدة،

التي تمشي مستندةً على أكوام من العظام المنخورة المريضة المسرطنة بنقي العظام.

(*) تقصدُ الشعراء الذين تفرقوا عنك بعد الفضيحة التي تعرضت لها مجلة “حوار”؟
بالضبط.  ذوو الرُّشد، أي الشعراء الذين سرعان ما بلغوا سنّ الرُّشد مندفعين برشق وجهي بأحجارهم (الكريمة) تطهيرًا للذنوب.

(*) عن أية ذنوب تتحدث يا توفيق؟
عن عمليات تطهيرهم لذنوب الكتابة في مجلة (حوار). كلهم كانوا شركائي، وقبضوا من بيت المال الأميركي.

(*) ولم تخدع أحدًا؟
بالتأكيد لا. فهيئة التحرير، وكتّاب المجلة الحميميين الأوائل، كانوا على علم بالدعم الخارجي الذي يموّلُ المجلة. إلا أن أحدهم أراد كسرَ ظهري، ليس رفضًا للدعم والتمويل الخارجي الذي تتلقاهُ المجلة، بل كان هدفهُ إيقافها وتدمير سمعتي. وقد نجح.

(*) هل خاض توفيق صايغ في مأساة شعرية؟
أجل. فأنا أشعر على الدوام، حتى بعد الموت، بأنني نزلتُ إلى الحياة من طاحونة، وليس من رحم امرأة.

(*) وإلى ماذا تعزو ذلك؟
أعزو ذلك إلى الشر والخير، باعتبارهما قوتين تتخاصمان في باطني.

(*) وأنت. ماذا ستفعل بعد موتك الآن؟ هل ستكتفي بالنظر إليهما مغمورًا بنشوة المصارعة؟
أجل.. كنت أنتظر أن يقتلَ أحدهما الآخر، وأستريح.

(*) من هما الرمزان للشر والخير الشعري، في رأيك يا توفيق؟
هناك رموز كثر، وربما لا يمكن استثناء أحد إلا ما ندَر.

(*) هل تتصورُ شاعرًا بلا مخيّلة؟
لا، أبدًا. وقد قيلَ لي هنا إن من يصل أبراج السموات السبع من دون مخيّلة، ستُفتح له بوابات الجحيم، فيذهب فيها ويستقر هناك بكل رفاهية.

(*) ومن أخبرك بذلك؟
ليس الشيطان كما تظن، ولكنه فيكتور هوغو.

(*) لا أعتقدُ بأن شاعرًا تلمس جهنم الأرض الحمراء بروحه مثل هوغو، ويصرح بمثل ما قلته لي. قد يكون أحدُ تلاميذ الشيطان هو من فعل ذلك.
ولمَ تظننّ أن الشعراء نُسخ عن أنبياء، أو ملائكة؟

(*) ولكنني لا أعتقد بأن أرواح كلّ الشعراء غرفٌ بلا مصابيح وتملؤها العناكبُ وتتزينُ بالأثاث المحطم والهواء الميت.
وأنا لا أسوغُ لنفسي تَصوّر الشِعر غيمةً كاذبةً مُتَصَحرِة.

(*) لماذا صرت شاعرًا، وليس خيّاط ملابس، أو بائع طيارات ورق؟
تمنيت أن تكون نفسي طيارة ورقية.

(*) طيارةً ورقية خيطتها يد امرأة، على سبيل المثال!
وهكذا فعلتُ، وانتهكتُ، ومتُ قهرًا، من ذلك القرار الذي اتخذته ذات يوم بوضع خيوط حياتي بيد امرأة كسرت خزائني في مفترق الريح، لتذهب مع الإبل في القافلة التي كانت تقطع السراب.

(*) كيف يمكن أن تقدمَ الحبّ في المشاهد التي عشتها على التراب القديم يا توفيق صايغ؟
أنا عشتُ في دوامة التكتّم الغرامي مريضًا، ولم يكن لقلبي من طريق للخروج من لعنة الحب، ولا من لعنة التورط به، ولا التخبط في خياناته، والجنايات التي تترتب على الارتباط الثنائي.

(*) ألا يلتفت الشعرُ للحب في أثناء دخوله للغة؟
لا يلتفت وحسب، بل يصعد على السلّم الموسيقى، ويغني بحنجرة مشتعلة تمنع التهكّم وسرقة خزائن النصوص.

(*) هل تظنُ أن الشاعر يتمتع بقصائده. متى وكيف؟
لا توجد علامات فارقة لحدوث ذلك، ولكنني أستطيع التوكيد بأنني ما كنت أشعر بالدفء بعد كتابة كل نص.

(*) وما مردّ ذلك، كما تعتقد، يا توفيق؟
أعتقد بأن كل حرف بالعربية يملك شيفرة خاصة به، تجعله غير قابل للارتباط بالحرف الآخر الذي لا يحبه.

(*) وهل كانت الأحرفُ في زمانك مُخيفةً، لتعلنَ تذمرك الشؤم من مخاطرها؟
الأحرفُ العربية حرفيةٌ، مثلها مثل النساء العربيات، لا تستطيع التعايش مع مخلوقات محيطها من دون حذر ومناورات وتصادم خفي.

(*) وهل يحدث ذلك من أجل تحقيق نوعٍ من التطهير للشوائب اللغوية، كما ترى؟
هنالك ملايين من الكلمات التي عادةً ما تخرجُ من المعاجم وتعود إليها، وهي في حالات يرثى لها من المرض، وتعاني من الجراح والمرارة والاحتراق والتصحر والبؤس.

(*) هل كان ما فعله بروميثيوس، عندما سرق النار، متعلقًا برغبة عنده، لتخليص الشعر من الظلمة واليباس ومرجعيات الأسلاف؟
لا أعتقد بذلك.

(*) لمَ تقول ذلك؟
أقول ذلك، لأن مختلف الأجيال الشعرية لم تستخدم تلك النار التي سرقها بروميثيوس من الآلهة، بحرق القصائد والنصوص المتخمة بالغازات والغبار وأصوات المدافن.

(*) ألمْ تكن أنتَ واحدًا من أولئك الشعراء؟
أنا كنت قارئًا جيدًا لتلك النار فقط.

(*) ولم تحترق بها، أو تختنق بأدخنتها!
أجل. ولكنني كنتُ متكتّمًا على ما فعلتهُ تلك النيران في داخلي. حاولت أن أكون الإطفائي الوحيد لتحقيق الخلاص الروحي، ولكن من دون فائدة.

(*) من دون فائدة!! لماذا تقول ذلك يا توفيق صايغ؟
لأنني شعرتُ بأن أغلب مراجعي في الشعر ماتوا، فقمت آنذاك بمحاولة عزلهم عني لأنتصر

لحداثة شعري. وتلك كانت القصة بالضبط.

(*) ولكن شعرك لم يحمل ملامح ثورة في التجديد، ولا شيطنة في التأليف. ظلت قصائدك صورًا لشبه صنيع من مضوا.
ربما، لأنكَ لم تقرأ نصوصي بعمق.

(*) ما هو تفسيرك للعمق يا توفيق. أن نستعمل المشارط في القراءة لندخلَ حفارين لجيولوجيات الأعماق مثلًا؟
ليست كل قراءة هي عمل جراحي بالتأكيد. وقد ناضلتُ لمنع دخول فرق المشارط النقدية للتفتيش عن موتى الكلمات، بعد تعرضها لجفاف المعاني، أو انعدام المواد البلاغية الحافظة للنصوص.

(*) وما الذي يحول دون وصول ذلك الجفاف إلى حقول النصوص؟
بالنص الفارغ من الكراهية.

(*) حتى مع عدو اللغة، على سبيل المثال!
ليست أعظم من الحروب ما بين اللغات. من المؤكد أن جيوشًا من الكلمات تهرب، ومن المؤكد أن قبائلَ من الكلمات تدخل مضمار المصارعة للفوز بنسخة من نصّ عابر للغات.

(*) ما هو ذاك النص العابر للقارات، أو اللغات، في رأيك؟
أعتقدُ أنه النصّ الذي لا ينحني لريح، أو يهرول وراء حرف جرّ.

(*) كأنك تريدُ نصوصًا مثل كتلٍ صخريةٍ، لا يمكنُ التعويل على حركتها، أو الانخراط بانسيابيها خارج المناخ العام للتأليف؟
عندما تحمل النصوص نطفًا من القلق الوجودي، فسيكون علينا التصفيق لنجاح الحيامن باختراق جدار الصوت الجنسي.

(*) من أجل أن تكون النصوص حَبالى وهنّ في الطريق إلى الولادات؟
بالضبط. فالكلمة التي لا تملك رحمًا، تشبهُ غرفةً على سطح القطب المتجمد الشمالي.

(*) هل تعتبر القطب منفى؟
أبدًا.

(*) وما هي المنافي التي كانت في رأسكَ، بل وأين أصبحت بعد موتك يا توفيق؟
ثمة بلاد تُسمى فلسطين، ومثلما كان حبُنا البليغ مرتبطًا بها، فستكون هي آخر منافي الوجود.

(*) هل ثمة نسخة من فلسطين، هنا؟
أجل. فكلّ شهيدٍ من الديار المحتلة يمثلُ عند الله بلادًا اسمها فلسطين، قُبةً، وقلبًا، وقصيدة.

(*) هل تقصدُ أن الله لا يحتفل إلا بمن يقتلون برصاص جندِ إسرائيل ومستوطنيها؟
أدخلنا في الفرن، وجلسنا مستمعين لأوراق العهد القديم، ونحن نصفان. نصفٌ كلّهُ نار، وآخرٌ

خبزٌ فطير على مائدةٍ يتربعُ عرشها الزقومُ من دون منازع.

(*) كأنك أنزلتَ قهركَ وتيهكَ وجوعكَ متشرذمًا ما بين مجموعاتك الثلاث: “ثلاثون قصيدة”، و”القصيدة ك”، و”معلقة توفيق صايغ”. ما ردّك يا توفيق؟
لم أرَ طريقًا واضحة الملامح وأنا أذهب إلى الشعر. كنتُ لاهوتيًا بالسرّ. وعلمانيًا بالنشر. ومتألمًا بالشعر. أدركتُ بأنني توفيق الغراب ساعةً، وفي ساعة أخرى، لا أرى بنفسي إلا توفيق الشبيه بسيزيف وهو يحمل بلادًا، سرعان ما تصعدُ به من أسفل الهاوية إلى الأعلى، وتسقطُ الصخرةُ ولا ينتهي هو من التعذيب الأسطوري.

(*) هل في هذا الذي تقوله علاقة ما بصديقتك الإنكليزية كاي، تلك المرأة اللعوب التي نحرت استقرارك النفسي، وجعلت جسدك قطعة من صحراء تعوي بها الذئاب؟
وماذا تريدني أن أفعل بالمرأة (كاي)، التي ربما لم تتلمس في أعماقي سوى الصراخ والحطام والأحلام الممزقة؟

(*) نحن نسأل مُستفسرين فقط.
وأنا أعترف بأن حبي كان في جميع الاتجاهات خطأ بخطأ. لم تكن هاك بوصلة للقلب، ولا أحمر للشفاه.

(*) هل كان ذلك بسبب عسكرة روحك وتلاطمها في ثياب الخاكي، ليُختمَ بك المطاف كبطل فارغ في النهاية؟
لم أكن شاعرًا قويًا في الكينونة العامة للغة. أخذني النسيانُ إلى النهر. وجلستُ هناك متأملًا كيف كانت الأمواجُ تتحوّل إلى رمال.

(*) وما الذي ستفعله في السموات الآن. هل ستكرر تجربة إصدار مجلة “حوار”؟
تمامًا. وهذه المرة بتَمْوِيلٍ من هنا.

https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/interviews/