الفيلسوف ويليام حقق إبداعاته وعينه على نجاحات أخيه هنري الروائية

الروائي هنري جيمس (يسار) وشقيقه ويليام جيمس (غيتي)

لم يحدث هذا كثيراً في عالم الإبداع. صحيح أنه كثير ما كان يحدث لأخوين أو أكثر أن ينجحا محققين مكانة متساوية في مجالين إبداعيين، ولكن كان من النادر لهما أن يبلغا قمة الشهرة معاً، بل بالتنافس بينهما، وعين كل منهما على الآخر يحاول وسعه التفوق عليه. ولنضف إلى هذا أن أعين الاثنين معاً كانت شاخصة لفترة طويلة من الوقت على أبيهما، وهما يحاولان وكل من ناحيته، التفوق عليه. ولئن كنا هنا سنركز على واحود من الأخوين فإننا نعرف أننا دائماً سنجدنا في حضرة الآخر كما في حضرة الأب، لأن لا مفر لنا من ذلك. فهم جزء أساس وكبير من الإبداع العالمي. ومن نتحدث عنهم هنا هم، ويليام جيمس الفيلسوف البراغماتي (الذرائعي) الأميركي الكبير، وأخوه هنري جيمس الروائي الذي اشتهرت أعماله بالغوص في العلاقة المركبة بين العالمين القديم (أوروبا) والجديد (أميركا)، وطبعا والدهما هنري جيمس الأب الذي كان من مفكري أميركا ولاهوتييها الكبار، وانتقلت تلك العدوى الفكرية المميزة منه إلى ولديه.

لا مفاضلة بين الثلاثة

طبعاً لن يكون من الصواب هنا المفاضلة بين الثلاثة، ولكن ليس من الصواب كذلك عزل أي منهم عن الآخرين. فكل واحد كان مبرزا في مجاله، ومن دون أن تكون بالضرورة أية منافسة منطقية بينهم. ومع ذلك إذا وضعنا الأب هنري جيمس الأول جانباً باعتباره سبقهما بما لا يقل عن جيل في الإبداع والتفكير والشهرة، ولم يشعر أي من الابنين بأي ضيق من وجوده في حياته، يمكننا أن نتوقف عند ويليام وهنري الابن، لنجد كيف أن جزءاً كبيراً من تطلعهما إلى المكانة الفكرية والإبداعية إنما تجسد من خلال ذلك التنافس الذي اندلع بينهما منذ الصبا، ويبدو أن الأب كان هو من أطلقه لإيمانه بأنه سوف يحرك ما لديهما من مواهب وطاقات فيجعل من كل منهما سيداً في ميدانه. واللافت أن الأب كان يعتقد أن تخصص كل منهما (ويليام في الفلسفة وعلم النفس، وهنري في الكتابة الروائية وكتابة النقد الأدبي)، سيحول دون تحول التنافس بينهما إلى عداء. ولكنه هنا كان مخطئاً إلى حد ما حتى وإن كان على صواب في اعتقاده الأول. إذ يرى كثر من الباحثين والمؤرخين أن كل واحد منهما ما كان له أن يتحول إلى ذلك المبدع الكبير الذي صاره لو كان وحيد أبيه!

التراث الأوروبي محوراً

مهما يكن من أمر، قد يكون مفيداً أن نتوقف هنا عند فارق أساس بين الأخوين ويليام وهنري جيمس، وعلى الأقل في المجال الفكري، ففي وقت هيمنت فيه على روايات هنري الكبرى فكرة أساسية تتعلق بمحاولة “العودة” إلى أوروبا من موقع قد يشي بفشل القارة الشمالية الجديدة في خلق فكرانيتها الخاصة التي تتناغم مع تاريخها، وهو أمر يظهره من خلال التناقضات والتمزقات التي تعيشها شخصيات أميركية في رواياته يحدث لها أن تعيش ولو فترة في أوروبا، اشتغل ويليام على تطوير، إن لم نقل على خلق، أيديولوجية أميركية عملية هي “البراغماتية” انطلاقاً من أعمال “مؤسسها” تشارلز بيرس، وبالتوافق مع الفيلسوف الأميركي الكبير الثالث الذي اشتغل عليها، جون ديوي. والحقيقة أننا لو غصنا في كتابات ويليام جيمس “البراغماتية” المتكاملة مع كتاباته في مضمار علم النفس، وحاولنا تطبيق استنتاجاتها على ما يتعلق بالشخصيات الأميركية المحورية في روايات شقيقه هنري، سيفاجئنا البون الواسع الفاصل بين عقليتين من الصعب القول إنهما نشأتا وتكونتا في بيت واحد وفي بيئة فكرية واحدة. بل سيبدو الأمر وكأن واحدهما يرد على الآخر.

بين الماضي المجيد والحاضر العملي

صحيح أن “البراغماتية” حاضرة في تصرفات شخصيات روايات هنري، لكنها ليست حاضرة كاختيار سلوكي مرغوب فيه، بل كسلوك مرفوض يتناقض مع “العواطفية” الأوروبية والحماس الذي تبديه القارة للتمسك بكل ما يمت إلى عظمة ماضيها بصلة، فيما نعرف أن “البراغماتية”، وعلى الأقل كما فسرها ويليام جيمس، تنطلق مع التلاؤم مع الواقع وقبوله دون أحاسيس خاصة. بالنسبة إلى الفيلسوف من الواضح هنا أن هذه “البراغماتية” التي لا تتمسك بالماضي ليس لنفورها منه بل لكونها واقعية، لا تريد أن تناضل وتضيع وقتها للحسم بين اختيارين يبدو أحدهما كما الآخر ملائمين لسيرورة العيش على قدم المساواة، لكن أحدهما (البراغماتي) يسهّل القبول بما يستجد شرط ألا يكون ضاراً، فيما الآخر (العاطفي) يبقي على ألق للحياة لم يعد يبدو منطقياً أمام زحف الواقع. صحيح أن هذا الكلام يبدو هنا تبسيطياً، لكنه يوضح الفكرة التي حركت ويليام جيمس في اختيارات فلسفية تتناقض كلياً مع اختيارت أخيه.

فلسفة في متناول الإنسان

ففي نهاية الأمر، يرى ويليام جيمس أن “البراغماتية هي الفلسفة الوحيدة التي تضع نفسها في متناول الإنسان، ذلك أن سيرنا على درب المعرفة يوجه، في كل خطوة من خطواتنا، من طرف تفضيلاتنا ومصالحنا وحاجاتنا”. ولهذا، “بدلاً من أن نأخذ كمعيار للحقيقة مبدأ ذهنياً أو عقلياً غير شخصي على الإطلاق”، ها هو ويليام جيمس يقترح علينا أن نتبنى فلسفة تلائم حاجاتنا وتطلعاتنا. وهنا (وتبعاً لمبادئ البراغماتية) لا يتعين علينا استبعاد أي فرضية إن كانت نتائجها ستتبدى مفيدة لحياتنا التي نعيشها، “بالتالي فإنه، في مسرى نمط تفكيرنا، من المؤكد أن الحقيقي، مثل الصائب، ليس سوى ذاك الذي يبدو ملائماً لنمط تحركنا وفعلنا وسلوكنا”. وفي هذا المعنى يرى ويليام جيمس أن “حقيقة فكرة ما، ليست خاصة من خصائص تلك الفكرة موجودة في جذورها، وإنما هي حقيقة تكتسبها الفكرة لاحقاً، الفكرة “تصبح” حقيقية… لأنها تكتسب حقيقيتها مما يحدث، من تضافر الوقائع العملية”.

خلق الحقيقي لا رصده

في هذا الإطار يؤكد ويليام جيمس أيضاً، أن الفلسفة ليس من مهمتها “رصد ما هو حقيقي” بل خلقه وإبداعه في شكل عملي. “إننا، يقول جيمس، نحصل على قطعة الرخام، لكننا نحن الذين ننحتها لنحولها تمثالاً”. ويقيناً، إن في وسعنا أن نستنتج من هذا كله أن ويليام جيمس لم يكن ليرى في تاريخ الفلسفة سوى “صراع بين شتى الأمزجة الفردية” بدءاً بأكثرها “رهافة” (العقلية) وصولاً إلى الأكثر “بديهية” (التجريبية). ومن هنا، يبدو لنا من المنطقي أن يكون مؤرخو البراغماتية في القرن العشرين، سواء كانوا من أنصارها أو من منتقديها، رأوا فيها، بعد كل شيء “نزعة إنسانية تتنوع أطيافها بتنوع المثال الأعلى الحياتي الذي يدافع عنه كل فيلسوف من فلاسفتها”. أما لدى ويليام جيمس، فإن البراغماتية، تتخذ (وفق تحليل ثاقب لبعض كاتبي سيرته) “شكل نزعة روحية دينامية وتطورية في شكل خاص”. أما مفكرنا العربي الراحل د. زكي نجيب محمود، فيرى أن “جيمس إنما أراد أن يحتفظ لكل فرد إنساني بإرادته المستقلة لتقع عليه مسؤولية الخليقة…”.

قبل فرويد بزمن طويل

وويليام جيمس (1842 – 1910) الذي كان كما رأينا، ابناً للفيلسوف هنري جيمس، وشقيقاً بكراً للكاتب الروائي الأميركي الكبير المسمى بدوره على اسم أبيه، هنري جيمس، متحدر من أسرة من مهاجرين إيرلنديين وأمضى طفولته مثل أخيه في سفر متواصل حول أوروبا، قطع سنوات دراسة مجدية ومعمقة في مدرسة هارفارد الطبية، قبل أن يبدأ في المشاركة في رحلات علمية واستكشافية قادته إلى البرازيل حيناً وإلى ألمانيا حيناً آخر. وهو منذ عام 1890 بدأ ينشر مؤلفاته تباعاً، وكان أهمها في البداية “التحليل النفسي” الذي كان فتحاً في مجاله قبل صدور أعمال فرويد. وهو أمضى بقية عمره في التأليف والتعليم. ومن بين أهم مؤلفاته التالية، “الصور المختلفة للتجربة الدينية” و”إرادة الاعتقاد” و”مثل الحياة”.

https://www.independentarabia.com/no