أسعد الجبوري يتحدث إلى "النهار" عن الشعر والرواية والرقيب المتوحش

أسعد الجبوري يتحدث إلى “النهار” عن الشعر والرواية والرقيب المتوحش

علاء الخازن

منذ ظهوره على الساحة الأدبية كشاعر بمواصفات حادّة ونادرة، وهو يمضي قدماً في كتابة نصوصه من دون أن يلتفت إلى أحد، وأن ينام على مصاطب مدرسة شعرية بعينها. الشاعر والروائي الدانماركي من أصل عراقي أسعد الجبوري شكل ظاهرة الاختلاف المميز مع الآخرين، عندما وضع قدمه على جسر شعري، قاطعاً التواصل مع كتابات الآخرين وتجاربهم، ممن سيطرت عليهم مشاغل الانتماء الإيديولوجي السطحي، فأغرقوا نصوصهم بدم السياسة، تاركين الشعر عبداً في حضرة السلطان وأئمة المرجعيات الأدبية. عندما حدثت في الأيام الأخيرة فضيحة سحب الجائزة الأولى عن رواية “ثعابين الأرشيف” لأسعد الجبوري ضمن مسابقة دمشق للرواية العربية التي أنشأها اتحاد الكتّاب العرب، رأينا أن نستطلع الأمر من صاحب الرواية ذاته. فكان هذا الحوار.

* أنت شاعر ترسخ اسمك من خلال 11 مجموعة شعرية، فما الذي أخذك إلى الرواية؟

– الرغبة بدخول الماراثون.

* تقصد الخروج من العزلة في القصيدة إلى الهرولة في عالم السرد؟

– الشاعر في القصيدة طيرٌ يتشكل روحياً من جميع مفردات الطيران. إلا أنه في الرواية، يتحول إلى سارد بالاعتماد على الإزميل الذي به يسبر التاريخ اللغوي لمختلف الأحداث .

* ما الأكثر تأثيراً فيك في اللحظات المدلهمة الصعبة، الرواية أم الشعر؟

– كلاهما يعمل عندي من دون انفصام. تماماً مثلما مذكر ومؤنث، وهما يحاولان صياغة مشروع شهواني عظيم لرواية أو لقصيدة على كتف جبل مطلٍ على هاوية عظيمة.

* ما قصة النانو الشعري الذي اخترعته منذ سنوات. هل كان بدافع تهكمي مضادّ للهايكو العربي على سبيل المثل؟

– لا. لم يكن كما توقع البعض، لكن نانو حالة استثنائية غير مرتبطة بالمدارس الأدبية وصراع رموزها في العالم العربي. فعندما تقدمنا بالإعلان عنها في ذلك البيان، كنا نعني أن الشعر يجب أن يمر بمرحلة من التكثيف يجمع ما بين البريق الخيالي وشهوة التكثيف اللغوي المختزل لطقوس الروح وحركة الأبراج اللغوية التي عادة ما تجعل أقدام الشاعر أجنحةً .

* كيف تنظر إلى الشعر بشكل عام؟

– الشعر سرابٌ روحي، يمكن تحويله إلى طاقة لتهدئة الأنفس المضطربة بطريقة ما. وهو هوسٌ للتعبير عن اللغات النائمة في الباطن الإنساني العميق.

* هل أصبتَ بذلك الهوس؟

– كلّ ما أثيره بالشعر، هو البلاغة التي تنتمي إلى المعاني المتشظية للكلمات. فأن تجعل اللغة مأوى لأيتام الكلمات، هو غير أن تجعلها منصةً لإطلاق الطيور في الفضاءات. هذا هو هوسي بالضبط. أن أكسرَ الأقفال، وأجعل الريح مفتاحاً وحيداً للنص.

* هل لكلّ نصّ طقسه الخاص عندك؟

– ليس بالضرورة أن يحدث ذلك. لكنني أميل إلى فتح مجرى اللغة في عالمي، لأجعل منه مجرى للزمن التعبيري غير القابل للتوقف أو التحنيط أو التعفن.

* شعركَ يُقلق القارئ، ويقيمُ بينكَ وبينه مسافةً. هل تتعمد حصول شرخ من ذلك القبيل؟

– الشرخ الذي تتحدث عنه طبيعي للعلاقة بين الطرفين. فلا يمكن أن يترك الشاعر نفسه حبلاً على سطح العالم، يعلق القارئ عليه قطع غسيل وسط تيارات الريح. ان مصير المؤلف ليس هو مصير القارئ بالتأكيد. وكل ذلك يتبع ما يسمى بهواء النصوص الذكي .

* ما قصة هواء النصوص الذكي؟

– الهواءُ الذي يجعل الشعر خيطاً حريرياً متدفقاً، لا يقدر القارئ التحكم بتمزيقه مهما برع من ذكاء.

* تملك في رأسك مخيّلة ملتهبة مضطربة مختلفة منتصرة للفانتازيا. كيف شيّدتَ تلك المخيّلة لتكون كما المصفحة في مقدمة رأسك؟

– تلك المخيّلة، سلّطتها الآلهةُ على عقلي، فكانت لها الأبراج اللامتناهية في الرأس وفي بقية الحواس أيضاً.

* أنت شاعر تعمل من أجل لا نهائيات اللغة في الشعر. أليس كذلك؟

– ما يهمني أن لا يتسرب التصحر إلى اللغة، فيصبح نمو الكلمات في الرمال فقط.

* هل يمكن الشاعر الاعتماد على سقاية تربته اللغوية بالكحول، كي تصبح أفضل تربة للشعر؟

– الشعر بتكوينه الايجابي العام، هو حانةٌ تغصّ بالكلمات. حانةٌ لا تغلق أبوابها بسبب موتٍ أو قصف أو تصليحات أو فقدان المرشد الإلهي لمفاتيح اللغة.

* أنت قتلت الأنساق الإنشائية في القصيدة العربية، فشطبت عنها تلك المكونات. لماذا فعلت ذلك؟

– بهدف طرد القصدية عن الشعر. أردتُ للشعر أن يكون عالياً، ولا ينحني للوظائف اليومية أو يسقط مغموراً بمستنقعات الإيديولوجيات القاتلة المسببة لتعطيل الدورة الدموية في اللغة.

* لندخل عالمك الروائي. كيف حدثت تلك النقلة من الشعر إلى الرواية بعد 11 مجموعة شعرية، وتأليف سبع روايات كانت آخرها “ثعابين الأرشيف” التي أحدثت بلبلة في الأوساط الأدبية والثقافية منذ شهر؟

– الانتقال من الشعر إلى الرواية، تحول غير آليّ في مجرى اللغة. فالانتقال من الشعر كطاقة للتعبير المنتج من المخيّلة، إلى ضفة السرد الأخرى، عملٌ اندماجي بشكل من الأشكال. يختلط في مناطق، مثلما ينحسر في مناطق أخرى من التأليف الروائي .

* هل تعني أن الشاعر مخترع جيد للرواية؟

– نعم. ولكن ليس إذا كتب روايات بخلايا شعرية قائمة على التوافق العائلي بين الشعر والسرد، أي بأن يجعل مصدر الكتابة من نسل أبوي مشترك واحد .

* كتب الناقد حسين سرمك حسن عن روايتك “ديسكولاند”: لا تكاد تخلو صفحة في الرواية من استثمار التأملات الفلسفيّة العميقة والحكم والأمثال التي تكشف عن تجربة خاصّة بالراوي وبشخصياته وغالبا ما تستدعي تعليق القراءة لما تثيره من تقاطعات مع ذاكرة المتلقي ونظرته للحياة”…

– أنا أكتب من دون خرائط على الدوام، وأحاول تجنب كل الموضوعات والأحداث التي كتب فيها الآخرون. ومثلما أنا مصاب بفيروسات التخيّل الموصول ما بين الفانتازي والواقعي العميق لما رواء العالم وما تحته، أنقل تلك العدوى إلى أبطال رواياتي، ممن يشرفون على خلق أحداثهم بالطرق والوسائل التي يعتمدونها. ثمة حرية لشخوص رواياتي بالأحلام وبالهذيان وبالفوضى وبالتصادم مع الجدران .

* هل تأثرت بروايات طقوس أميركا اللاتينية؟

– البتة. لم أقرأ للكثير منهم. أغلبهم بضاعة مستوردة فاسدة في رعاية دور نشر لا تعرف من مصادر الأدب سوى النصب والاحتيال والقروش.

* لنعد إلى قصة حجب جائزة دمشق للرواية العربية عن “ثعابين الأرشيف”…

– هناك حقيقة تكاد تكون أم الحقائق وراء ذلك، وهي أن الرواية تمردت على عقل الرقيب وتجاوزته من دون خوف، ولم تعطه اهتماماً. فكانت أكبر وزناً من جميع أدواته الفاشية بالقمع وقص رقاب الكلمات.

* ثمة من يقول بانحياز رئيس اتحاد الكتاب العرب نضال صالح إلى رواية “كتاب دمشق: حاء الحب راء الحرب” لصديقه الشخصي وزير التربية هزوان الوز لأن تاريخ الوز الأدبي ليس له الأثر الواضح. كما أن أحد خبراء الكتابة في الشام – ومن لجنة التحكيم بالضبط- يجزم بأن السيد نضال صالح هو كاتب رواية “كتاب دمشق: حاء الحب راء الحرب” التي أراد تعليقها وساماً على صدر صديقه الوزير الوز. ما ردّك؟!

– لا أدخل في القيل وفي القال. ولكن كان هناك لعب خبيث ووقح وفاسد. أتحدث عن رواية أثارت الرعب في حصون الرقابة الرسمية، حينما هتكت أهم حصون المحافظين ممن يتدثرون بالدين غطاءً أخلاقياً واقتصادياً وسياسياً في الباطن الشامي، حيث تتأسس القيم على أس المال النقدي والرأسمال الجنسي المشرعن وفقاً لإرادة “الأخوان المسلمين” في الدين السوري.

* لكنك استعنت بالأرشيف. هل كان ذلك من أجل تعزيز موقف الروائي، بالاعتماد في عالم السرد التاريخي، أم هي فكرة لفضح حقائق ربما لا تزال غائبة أو غائمة عن الناس؟

– أردت توثيق ما كان غائباً عن العقل العربي. استخرجتهُ من كهوف التاريخ الجاهلي، لأمضي به مرفوعاً إلى منصات أيامنا المعاصرة. لم يكن التدوين إلا من وثائق الأسلاف، ممن تمت الاستعانة بهم كشهود على جذور الإرهاب الفكري والتحريم. فأصول التكفير كانت كلها من تربة العقل العربي القديمة، التي يقوم الخلفاء بحفرها وقلّبها وإعادة إنتاجها من جديد.

* إذا كنت تعرف أجواء الفساد سائدةً بتلك الدرجة، فلماذا اشتركت في مسابقة “جائزة دمشق للرواية العربية”؟

– فعلت ذلك دار النشر الدمشقية، “الينابيع”، لقوة إيمانها بأن رواية “ثعابين الأرشيف” من الأعمال الروائية الضخمة والمهمة التي لا تضاهيها رواية على مختلف المستويات. كتب الناقد صلاح صالح عضو لجنة تحكيم الجائزة: أخطر ما في آليات الرقابة أن يتقمّص المبدع نفسه شخصية الرقيب الذي يحلّ في دماغه، متحوّلاً عبر الحلول إلى رقابة ذاتية طاغية، تمارس قمعاً أخطر وأكثر سطوة ممّا تمارسه الرقابة الخارجية. وأفترض أن انتصار المبدع الفنان على الرقيب الماثل في رأسه لا يحدث إلا بعد معركة ضارية يخوضها المبدع ضدّ نفسه (ويخوضها أيضاً كل امرئ في مرحلة ما من عمره) وضدّ إرثه الثقافي الراكد المترسّب في ذاته الجوانية العميقة المتشكّلة ثقافياً ومعتقدياً. فالانتصار على الذات المتشكلة عبر آلاف السنوات هو الانتصار الأهمّ الذي يمكن أن ينجزه المبدع المعني بتجاوز عطالته الذاتية الراهنة، من غير أن يغيب عن الأذهان اتّساق ما نسوقه مع الموروث الإسلامي الذاهب عبر الحديث الشريف إلى أنّ الجهاد الأعظم هو الجهاد الذي يخوضه المرء ضد نفسه وأهوائه. وأدّعي أنّ الذين أنجزوا مثل هذه الانتصارات الحاسمة على الذات قلائل عبر التاريخ إلى درجة الندرة، وأدّعي أنّ إنجاز المادّة الإبداعية مرهون بإنجاز هذا الانتصار الذي يصعب إنجازه من غير شجاعة متأصّلة في الصميم، لأن الخوف من الذات أخطر أشكال الخوف. وأدّعي أنّ الرواية التي أنجزتها، ما كان لها أن تُنجز لو لم أستطع أن أنجز انتصاري الحاسم على الرقيب القابع في دماغي، قبل خوض أي مواجهة مع بقية الأطراف القامعين، بغضّ النظر عن مدى قربها، وابتعادها عن الذات، وعن مدى خطورتها، وقدرتها على إحلال الأذى المتراوح بين اللوم، والتضييق، والمنع، والتهميش، والإلغاء الجسدي من الحياة، والنفي من رحابة المستقبل، بما فيه المستقبل الثقافي للمنطقة.

أثير نقطتين: تتعلّق الأولى بمدى الشأو الذي بلغته الرقابة الذاتية خلال عملية القراءة التي أجراها المحكمون الذين رأى بعضهم أن “الرواية” تعاني مشكلات فنية تمثّل أبرزها في كثرة المقبوسات النصية الطويلة ذات الطابع غير السردي، التي تنفّر القارئ من متابعة القراءة، وتنصرف بذهنه إلى ما يلي متعة قراءة الرواية بوصفها رواية. تتعلّق الثانية بسلطة المؤسسة الثقافية التي يمثلها اتحاد الكتاب العرب في مثال “ثعابين الأرشيف” وخطورة ما تمارسه من وأد للإبداع، وتعقيم له، وتقليم لاستطالاته المتنافرة مع ما تراه المؤسسة متنافراً مع توجّهاتها العامة، وجريان إجراءاتها في ظلّ “حرية التعبير” التي يصونها الدستور السوري، الحرية التي أفترض أن تدافع عنها مؤسسة اتحاد الكتاب، بوصفها اتحاداً طوعيّاً للكتّاب المبدعين، ومدافعاً صلباً عن هذه الحرية التي تبدو متاحة في وطننا السوري خارج مؤسسة الاتحاد، أكثر مما هي متاحة داخلها، بعد أن مارست دورها القامع، بوصفها مؤسسة قبل أيّ اعتبار آخر، فلكلّ مؤسسة وظيفتها القامعة، بدءاً من مؤسسة الأسرة.

https://www.annahar.com/arabic/article/579969-%