الطوفانُ في قلب النصّ

 ريجينا ملّوك

                                                                                                                                 
كتب أسعد الجبوي: القراءةُ الأولى لمجموعة الشاعرة ريجينا ملُوك (تارة خلف قلبي ..وتارة إليك)) الصادرة عن دار الفارابي اللبنانية، تمتحنُ قدرةَ الذهنِ على القفز من ضفة السكون إلى ضفةٍ الانتباه إلى مجرى النصوص المتعرج غير المستطيل غير المربع المغلق،ولكنه قريب من مثلث سريع،يشق مياه الذهن السوداء كطوربيد تطاير منه أضلاعه الثلاثة: الروح واللغة والبرق.
فيما القراءة الثانية لكتاب هذه الشاعرة السورية،يمنح القارئ هواءً مستعجلاً بالأوكسجين،لأن النصوص تهجمُ بكسر النمطية ،وتتوالد بالتجلّيات المجازية الى حدود بلاغة شجاعة غير معروفة في الشعر السوري إلا فيما ندر.
هنا لا نكتبُ دراسة نقدية،بل نقدم ريجينا ملُوك شاعرةً متحررة من الصنمية اللغوية وأغلال التأثيرات والخطاب السردّي ،لأن شعرها حقق معنى الإنحراف النوعي عن العادية ،عندما اختارت ريجينا الصدمة الكهربائية لفتح الطريق أمام قارئ رؤيوي ممتاز ،قد يندمج بتلك الشيطنة الشعرية التي تارةً تلعب مع اللغة لعبة القطة والفار،وتارة أخرى تشطرنج الكلمات على مسرح المعقول واللا معقول،فتكتب بفيض روحها القلقة الشبيهة بخزنة بنك محمولة على ظهر قطار تلاحقه بنادق عصابات الكاوبوي.
لقد استطاعت هذه الشاعرة الكينونة الأيقونة التي لم تأخذ حقها بالانتشار في العالم العربي بشكل موجع، تتقدمُ أكثر من رمز وجيل شعري. هذا ليس مديحاً مجانياً،فمن يقرأ نصوصها، سيبتلعهُ الطوفانُ وجدانياً وحربياً ودراماتيكياً ،لأن ريجينا مسحت في كتابها هذا الخيبة عن وجه الشعر .تعالوا هنا لقراءة شاعرةٍ من هذا الطراز المحكوم بالبراعة والتميز.إنها الطوفانُ في قلب النص.
يدي مَملوءة بالماء
 
 
أستعيضُ عن تلعثمي بكوب ماء
لا أرغبُ بشربهِ
أضعهُ أمامي على الطّاولة
وأحاولُ أنْ أنسجَ حولَهُ هالةً من الضُّيوف
أُراكِمُهُم في كُمِّ قميصي
وأُخرِجُ منهُم وجهكَ كي أراهُ ضاحكاً
يندلقُ قليلٌ منه..
البحرُ خلفَ رأسي يموجُ بالصَّخب
سُلَّمُ البيت ينهمرُ كُلَّما مدَّتْ جارتي يدَها لتلقي التَّحيَّة عليَّ
أنكمشُ كأنّي يرقة
وأزحفُ باتّجاه الحقول التي داستها عقولُ الميّتين في عيني
من أينَ لي كُلُّ هذهِ الجرأة،
ويدي مملوءةٌ بالماء؟
أقاومُ أنْ يأتيني صوتكَ
فأفضَحُ نفسي، وتسيلُ المياهُ من أصابعي
مذ كنتَ هناكَ في كوب الماء على الطّاولة
وأنا أُفكِّرُ كيفَ لي أنْ أُعيدَ ما أخذهُ الضَّبابُ من نظَري
وأنا أنشرُ الغسيلَ على النّافذة
وأُقنِعُ جلدي الجافّ أنَّ الشَّمس ستعيدُهُ نبيذاً
أصيرُ بلحظةٍ مجهولةَ اللَّون
كُلُّ ما حولي يشيرُ إليَّ
لكنَّ وجعي عميقٌ بلا ابتسامةٍ واضحة على شفتيهِ
بلا عصفورٍ ينقرُ اللَّحمَ الميتَ على يدِ صاحبهِ
أُلصِقُ بهِ اسماً مُستعاراً
وأُناديهِ كُلَّما عطشتُ، وتركَتْني المياهُ في الكأس وحيدة
وجهُكَ في يدي يحاولُ أنْ يخرُجَ
هوَ أيضاً لا يعرفُ السِّباحةَ في المياه الآسنة
سأهديه منديلاً يُلوِّحُ بهِ حينما يغرق..!!.
 
مَجاز
 
عندما تضَعُ الإبرَ جانبَ بعضها بعضاً
كُنْ حذراً..
الإبرُ الأكثرُ أنوثةً على الرَّفّ الأعلى من القلب،
الإبرُ العصيّة على الأصابع على الرَّفّ الأدنى؛
بينهما..
ثمّة إبرةٌ واحدةٌ لخيطٍ وحيدٍ
وثمّة ثقبٌ واحدٌ أُخيطُ منهُ جسَدي
وأنفجرُ!.
 
قصيرةٌ على النِّسيان
 
يا الله ..
شمسٌ خلفَ ظَهري
تنحني كلّما لمستُ الملحَ في النّهر
والعُشيباتُ نامَتْ
وهيَ تغنّي للغرقى..
_ كيفَ سأجمعُ كلَّ هذهِ الحصى
وأرميها عنّي،
وأنا قصيرةٌ على النِّسيان..؟!.
 
نافذة
 
أرمي عيني في البئر
وأُجرِّبُ:
كيفَ تبدو الدَّوائرُ بعينٍ واحدة؟
كيفَ تبدو النَّوافِذُ والحقولُ؟
كيفَ يصعَدُ آخِرُ حجَرٍ من أسفلِ البئر
ويجلسُ وحيداً في وجهي..؟!.
 
مَسافات
كُنْ خجولاً لمَسافةٍ قصيرةٍ
كجنديٍّ يتحسَّسُ ذاكرتَهُ قبلَ المعركة
بعدها..
تمدَّدْ على امتداد الوقت مُدَّعياً الإصابة..!!.
حنين
 
ليسَ عليكَ أنْ تعيدَ تشكيل مَعالِمي
كي تشبهَ صوتكَ
قفْ على جذعِ قلبي
وارم ِإبرةً في المُنتصف:
_ ماذا لو
صمتُّ أنا
وصرَخَتِ الغابةُ..؟!.
 
الرَّصاصة والهاوية
 
قالت لي صديقتي ذات يوم: الرَّصاصة التي تسمعينَ صوتَها لا تخافي منها.
صديقتي كانت تتكلَّمُ من ناحية علميّة، فالرَّصاصة القريبة لا تسقط شاقوليّاً على رأسكَ، أمّا أنا فقد تأمَّلتُ كثيراً في هذه الجملة وأنا استعرضُ شريط ذاكرتي: كثيرةٌ هيَ الرَّصاصات التي تلقيتُها، ولم أسمعْ صوتَها!
كنتُ أراها فقط وهيَ تسيرُ ببطءٍ مع الهواء الدّاخل إلى جسَدي.
مرَّةً كنتُ أبتلعُها عن طيب خاطرٍ، ومرَّةً ألفظُها ككلمة نابية لم أستخدمها من قبل، وجميعُها كانَ لها إمّا شكلُ غيومٍ بريئة أو مُصارِعينَ أشدّاء!
كانت هذه الرَّصاصات زوّادتي كي أدركَ معنى أن يكونَ الإنسانُ مرميّاً كجُثّةٍ، وهو ما يزالُ يتنفّسُ، ولأنَّني كنتُ عاجزةً عن الاقتناع أنَّ الموتَ هو السَّبيلُ الوحيدُ للحياة؛ حاولتُ دائماً أن أضعَ حزني في علبة الرَّصاصات التي جمعتُها، وأُحكِمَ الإغلاقَ عليهِ.
أرى الآنَ الرَّصاصة فاتنةً ومُثيرةً كما لم أرَها من قبل..
أراها قادرةً أن تُحرِّكَ الهواءَ السّاكن حولَ مخيِّلتي، وتجعلُني أترقَّبُ إلى أيِّ جهةٍ سوفَ أسقطُ، وأيِّ طريقٍ سوفَ تُعبِّدهُ ركبتاي بمحبّةٍ: التَّرقُّبُ هوَ الشُّعورُ الأجمَلُ الذي يسيرُ بكَ إلى الهاوية.. الهاويةُ التي ظننتُها ذات يومٍ حفرةً عميقة، وقامتْ هيَ بانتشالي..!!.
 
كيمياء الذّاكرة
 
لنْ يصعدَ التّيهُ في الذّاكرة ما لم أقمْ أنا بدفعِهِ إلى الأعلى، فهوَ أشبهُ بطفلٍ صغيرٍ يريدُ أنْ يبنيَ الحالمونَ له سريراً ملوَّناً، ثمَّ يرمونَهُ إلى السَّواد!
لن يصعدَ..
عبثاً أُحاولُ، وأعصرُ أفكاري بمُفردي: الفكرةُ كائنٌ صغيرٌ لا يعيشُ من دون الحاجة إلى من يرعاهُ ويمسكُ بيدهِ علَّهُ يعبرُ إلى الطَّرف الآخَر من الجسَد..
/ … جسَدي الذي يختزنُ ذاكرةَ الأشخاص الذين مرّوا،
وأنا أُغمضُ عينيَّ عنهُم. /
الذّاكرةُ فاتنةٌ قويّةٌ جميلةٌ، فمَنْ قالَ إنَّها تحتاجُ إلى التّيه أو الفكرة كي تصبحَ ذاكرة..؟!
… هيَ فقط تريدُ أنْ تبنيَ لي درجاً متيناً كُلَّما صعدَ إليه أحدٌ ما نزلَ التّيهُ مكانَهُ مُحاوِلاً أنْ يجعلَ منّي مسرحاً دائماً للنِّسيان.
 
كابوس
 
أُنقِذُ نفسي من البرد
أجدلُ ضفائري أمام المرآة
وأتخيلُ امرأةً تُشبهني
تُهجِّئُ لي حروفَ اسمي كابوساً تلوَ آخَر
كأنِّي لُعبَتُها الوحيدة على الشَّجرة
بينما ينامُ أطفالٌ غريبونَ على كتفي
يحضنونَ عناقيدهم المُتدلّية من أفواهِهِم
يُؤرجحونَ أقدامهم الصَّغيرة على حافة العالَم
ويُغنّونَ للعاصفة
هل كُلُّ هذا الموت لشفاهي
وهناك كائنٌ غريبٌ في الخارج يعوي بتُهمة الحياة؟
العاصفةُ تمرُّ في عيني
أرسمُ رصيفاً دافئاً لمن تبقّى فيها
يكتبونَ أشعارَهُم في البقعة الهائلة البياض
ويقولونَ أشياء لا أفهمُها
أُوسِّعُ أُذني كي يناموا
من دونِ ضجيجٍ يخرجُ الهواءُ منها خفيفاً
والأشجارُ تتبعهُ أفواجاً
لم أرَ شيئاً يُطِلُّ على مجزرة كهذا الصُّراخ!
يأتي الصَّباحُ كسيحاً
يخرج المُوظَّفونَ بياقاتهم الحزينة
ينثرونَ أيّامَهُم مِزَقاً على الطُّرقات
يوزِّعونها على العاصفة بأياديهم المُلوَّثة بالوحل
ينبتُ الضَّباب من أضلاعهم
ويصعدُ حافياً إلى عيني
لا شيءَ يستحقُّ التَّفكيرَ بطريقةٍ مختلفة
سأسكنُ قليلاً إلى نفسي:
… ثمّة مقعدٌ وحيدٌ في هذا الكون البارد ينتظرُ كوبَ شاي ساخن وجريدةً للأخبار اليوميّة.
 
 
 
وردة
 
تقفزُ وردةٌ من بين نهديَّ
تُغوي الورودَ جيِّداً في العالم
وتتركُ ( الفازا ) فارغة..!!.