الشاعر السوفياتي أعطانا مفاتيح الحكاية وهو يبتسم بمكر

يفغيني يفتوشنكو (1933 – 2017) (غيتي)

 

تعود حكايتنا هنا إلى العام 1980 حين كان كاتب هذه السطور في موسكو مشاركاً في مهرجانها السينمائي، وكان من مفاجآت المهرجان يومذاك عرض فيلم عن رائد روسي لعصر الطيران وصواريخه قام فيه بدور العالم تسيولكوفسكي الشاعر الذي كان مالئ الدنيا وشاغل الناس حينها، يفغيني يفتوشنكو.

كان تمثيل يفتوشنكو في الفيلم هو المفاجأة، ومن هنا حين التقينا الشاعر في إحدى قاعات فندق روسيا لموعد يتعلق بحوار معه، نشرناه حينها في مجلة عربية كانت تصدر في باريس، أصرّ على أن يكون الحوار مقتصراً على الفيلم ودوره فيه مع تجنب الخوض في أية أمور سياسية، بخاصة أنه كان ثمة إشاعات تتحدث عن “قرب انشقاقه ومبارحته وطنه”.

نفى الشاعر تلك الإشاعات أمامنا قبل أن يسألنا عن رأينا في الفيلم كنوع من توجيه دفة الحديث، مضيفاً أن من يريد الانشقاق لا يقوم بمثل ذلك الدور البطولي في فيلم مولته السلطات وتراهن عليه كوسيلة لإعادة الاعتبار لاهتمامها بالفن السابع.

الشاعر ممثلاً

كان أول سؤال طرحناه عليه يعبر عن دهشتنا كوننا تركناه شاعراً لنلتقيه الآن ممثلاً سينمائياً، فابتسم مستغرباً وهو يستكمل سؤالنا بمرح، “وربما تجدني مخرجاً عما قريب”، قبل أن يتابع “لو أنكم تقرأون سيرتي بشكل جيد لن يدهشكم أن تتعرفوا الآن على فني كممثل. ترى ألم يخبركم أحد أنني عضو في نقابات الفنانين السينمائيين؟” وهنا كانت المفاجأة مضاعفة.

أجرينا الحديث يومها ليختمه يفتوشنكو قائلاً وشيء من المكر يلوح في عينيه، “ذات يوم ربما أعلن سراً سينمائياً يدهشكم بأكثر كثيراً من دهشتكم اليوم”؟ عندما ألححنا عليه أن يكشف لنا “السر” قال إنه يتعلق بفيلم إيطاليّ كبير حقق قبل نحو 15 عاماً، وكان طلب منه أن يقوم ببطولته لكنه اعتذر لأسباب سيكشفها يوماً، وحين ألححنا أكثر ابتسم بمزيد من المكر وقال، “فتشوا في فيلموغرافيا بيار باولو بازوليني”. هل سنجد اسمك هناك مرتبطاً بأحد الأفلام؟ لا! أجاب منهياً الحديث ملحاً علينا بدوره ألا نشير إلى هذا الأمر عند نشر الحوار. وهكذا كان، بخاصة أننا افترضنا أن الشاعر السوفياتي يمزح لا أكثر.

رسالة من بازوليني

بعد ذلك مرت الأيام ثم السنوات ونسينا الموضوع لزحمة العمل والسفر والحروب وإلى ذلك لاختفاء اسم يفتوشنكو نفسه عن الساحة السينمائية، ومثل ذلك غياب اسم بازوليني نفسه الذي كان قتل قبل خمس سنوات من لقائنا يفتوشنكو، ثم ذات يوم من خريف العام 1991 وفي باريس كانت مناسبة ما دفعتنا إلى تصفح كتاب صدر يومها مترجماً إلى الفرنسية يضم عدداً كبيراً من رسائل بعث بها بازوليني إلى أصدقاء له منتشرين في أنحاء العالم من دون أن تصحب أكثرها ردود الأصدقاء عليه.

وإذ تصفحنا الكتاب وجدنا أنفسنا أمام نص رسالة بعث بها بازوليني إلى “صديقي يفتوشنكو”، وبسرعة التهمنا الرسالة التهاماً وقد قفزت إلى ذاكرتنا إشارة الشاعر في قاعة فندق روسيا قبل ذلك بأكثر من عشر سنوات، وزاد حماستنا أن الرسالة مؤرخة على الشكل التالي: “روما، 1963”.

رسالة شاعر إلى شاعر

 تقول الرسالة، “عزيزي يفتوشنكو، أنت لا تعرف هذا لكنني أفكر فيك منذ عام، لسبب أقل ما يمكن أن أقوله مفاجئ، وها أنا أقوله لك هنا بكل بساطة، لأن لدي الآن انطباع بأنني أعرفك شخصياً، بل إنني أعتقد أننا أصدقاء منذ زمن، ولذا أرغب في أن تلعب دور السيد المسيح في فيلمي المقبل عن “الإنجيل بحسب القديس متى”. وصدقني لست أدري منذ الآن كل ما قد يترتب على هذا، ولسوف نتحدث معاً عن هذا “الأمر المفاجئ” الذي يهمني كثيراً، إن قُيّض له أن يتحقق، فكيف أتتني هذه الفكرة؟ ربما كنت تعلم أنني، بما أني لست محباً للسينما على أية حال، لا أبحث عادة من ممثلي أفلامي بين النجوم المحترفين، فأنا حتى الآن لا أستعير ممثلي أفلامي الما – دون – بروليتارية إلا بين عموم الناس “نيللا ستردا” أي في الشارع كما يقال في إيطاليا.

واصلت الرسالة مبرراتها قائلة، “أما بالنسبة إلى دور السيد المسيح فأرى أن شخصاً من الشارع لا يمكن أن يكون كافياً، فإلى جانب التعبيرية البريئة التي يحملها ابن الشارع، لا بد من أن تكون لدينا حصة من ضياء العقل ونور المعرفة، ومن هنا فكرت بالشعراء.

وإذ فكرت بهم كان اسمك أول اسم خطر في بالي، إنه لمن شأن كل الناس أن يجدوه أمراً غريباً أن أختارك أنت الشيوعي بالذات لتلعب دور السيد المسيح، ولكن ألست أنا بدوري شيوعياً؟

مهما يكن، فإن الأسباب المثلى التي تكمن خلف مشروعي هذا بالغة التعقيد، لكني سأبسطها لك هنا باللجوء إلى العبارات التي سأضعها قبل عناوين الفيلم والتي ستقول: “يريد هذا الفيلم أن يسهم بقدر ما يمكن لفيلم سينمائي أن يفعل، في مسيرة السلام العالمي التي شرع في تحقيقها نيكيتا خوتشيف، يوحنا الـ 23 وجون ف. كنيدي”. لست أود هنا أن أضيف إلى هذا أية تبريرات أو تفسيرات أخرى، فهذه فكرة قد تعجب المرء في حد ذاتها وقد لا تعجبه، ولكن في انتظار ذلك أشير عليك بقراءة إنجيل متّى”.

لماذا كل هذا الغموض؟

طبعاً نعرف أن بازوليني حقق فيله هذا بين عامي 1963 و1964 من دون يفتوشنكو الذي لا نعرف، وربما لن نعرف أبداً الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى التراجع بعدما كان متحمساً، كما قيل لنا لاحقاً أول الأمر، كما لا نعرف ما إذا كان ندم لاحقاً على استنكافه عن المشاركة في المشروع، وهل كان ذلك لأسباب سياسية أو مهنية، لكننا نعرف أن الفيلم أتى ثورياً واجتماعياً من نوع لا شك في أنه كان من شأنه أن يدفع يفتوشنكو إلى قبول العمل فيه لو أنه قرأ السيناريو مبكراً.

لم نفهم كذلك أبداً السبب الذي جعل الشاعر السوفياتي يلقي أمامنا بتلك الإشارات الغامضة حول الفيلم، ومن ثم يلقي ظلالاً ماكرة من الغموض، بل ويطلب منا عدم الإشارة إلى الموضوع برمته. والحقيقة أننا حين نشرنا الحوار لم نشر إلى هذا الموضوع على الإطلاق، ولم نعرف أبداً ما كان عليه رد فعل يفتوشنكو على استجابتنا لمطلبه، وهو الذي كنا بعد نشر الحوار أرسلنا إليه نسختين من المجلة عن طريق الصديق الراحل محمد دكروب الذي كان في موسكو حينها، فتبرع بإيصال النسختين ثم نسينا الموضوع تماماً.

الحياة أيام ستالين

بقي أن نشير هنا إلى أن يفتوشنكو المولود عام 1933 في مدينة زيما جنوبي سيبيريا، والذي رحل العام 2017 في الولايات المتحدة حيث كان يدرّس الأدب الأوروبي في مرحلة أخيرة من حياته، قسم فيها وقته بين روسيا والغرب، كان أخبرنا في الحوار نفسه، وهذا نشرناه يومها بالطبع، أن علاقته بالسينما لا بأس بها وكانت بداياته فيها عبارة عن إسهام في كتابة سيناريو فيلم “سوي كوبا” (1964)، وهو إذ أعلن لنا أنه عازم على أن يشتغل مخرجاً على فيلم يكتبه عن طفولته السيبيرية، لا يبدو أنه اشتغل على هذا المشروع عملياً بل أبدله بفيلمين حققهما لاحقاً، وتحديداً بعد سقوط المنظومة الاشتراكية التي كانت علاقاته بها تتراوح بين المهادنة والتوتر، لكنها وعلى عكس ما حاول أن يقول بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تصل أبداً إلى مرحلة الانشقاق، علماً بأن واحداً من الفيلمين المذكورين يطاول نوعية الحياة أيام حكم ستالين، ولا تبدو فيه الحياة يومها كئيبة كآبة الحياة في عهد بريجنيف!

https://www.independentarabia.com/nod