الشاعرة المصرية جويس منصور

س/تحدثت عن مراكب تسبح في مياه تخرج من الصخر.وتحدث رامبو فيما مضى عن المركب السكران .ما الذي يميز مركبك عن مركب رامبو برأيك ؟
ج/ثمة فرق شاسع ما بين المركبين بالطبع.رامبو كان يستعمل الخمر وقوداً لمركبه.فيما كان مركبي يعمل بطاقة الحب.
س/ولكن الخمر والحب من فصيلة (أثنية) واحدة .إلا تعتقدين بذلك؟
ج/أنا معك.ولكن الحب هو خريطة طريق الخمر ومشتقاته.هكذا كان علىّ أن أدخر ذلك الإيمان القوي بمثل فكرة من ذلك القبيل.
س/إلا تعتقدين بأن الإيمان بفكرة محددة يُفسد الحياة الشعرية،لأنه يمنع التنوع من أن يأخذ مداه في مكونات الشاعر وتكوينه جسداً ولغةً ورؤى؟
ج/كما أظن،فلا عهد للشيطان بنمط فلسفي واحد موحد،لأنه سيد التبدلات،ولا يريد لنفسه أن يكون أسير نظرة ضيقة.أما أنا فقد حاولت أن أسد الفراغات بسوريالية كانت تحتاجني.
××
الشاعرة المصرية الفرانكوفونية جويس منصور
في بريد السماء الافتراضي
_____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون

■ ثمة من يعتقد بأنك لم تخرجي من رحم أمٍ ،إنما ظهرت على الدنيا من بين صفحات الإنجيل .
ما ردّك سيدة إيميلي ديكنسون ؟
ـــ لا أعرف أن كان ذلك صحيحاً أم لا.فأنا وقتذاك ،لم أشعر إن كنت قد نزلتُ من رحم أمي، أو من بين سطور ذلك الكتاب الذي تتحدثون عن ارتباطي به. ولكنني في كل الأحوال جسدٌ من ورق.
■ وعندما شبّ طوقكِ ودخلتِ لعبة الأدب،ألمْ تعرفي الخيط الواصل ما بينك وبين المسيحية المحافظة التي جذبتك إلى طقوسها بشكل مبكر ؟
ـــ طالما تستولي الدياناتُ علينا غريزياً،لتعزز مكانتها بالسيطرة على الأرواح .ذلك أمرٌ طبيعي من الأعمال الراديكالية التي تقوم على نظرية المسح الطوبوغرافي للعقل،ومن ثم زراعته بما يناسب المعادن الموجودة في تربته.■ ولكن ألا تعتقدين بأن السيطرة على الأرواح إيمانياً،تبدأ من نقطة إرهاب الكائنات البشرية بالجحيم ومشتقاتهِ ،ومن بعد ذلك يأتي وقتُ التلاعب بمشاعر تلك المخلوقات وشؤون حواسّهم ؟
ـــ يمكن أن يحدث ذلك ،ويمكن لا.كلّ شئ مرتبطٌ بما يحددهُ رجالات المرجعيات والمؤسسات المرتبطة بالكتب المقدسة وتقاليد الأديان وقوانينها التي نجحت بتنظيم حركة الموت في حيوات البشر .

■ حتى إذا لم يضع الربّ شيئاً من تلك القواعد أو الدساتير اللاهوتية مثلاً؟
ـــ أنا أقرأ في الإنجيل وليس في جبهة القس أو المطران .

■ وهل كانت القراءات واضحةً جليّة ؟
ـــ على الورق نعم.
■ هل من أجل ذلك بدأتْ إيميلي ديكنسون الانكماش على ذاتها بشكل مكثف ومبكر؟
ـــ لا أعرف بالضبط،إن كنت ولدتُ منكمشةً أم حدث ذلك بفعل الانغماس بالظلام اللاهوتي أكثر فأكثر.لقد لُقنتُ فكرة العقاب والثواب بشكل مستعجل، وعملتُ مسرعةً على الوصول إلى ذلك الوعد بالحصول على الضوء في نهاية النفق.

■ ولكنك كنت من عائلة لها خبرة في الحياة العامة.الأب سياسي وطني والجد من مؤسسي جامعة جامعه (إميرهست) والأخ برتبة محامي.فكيف تم تصنيفك بـ «صوفية نيو إنغلند»
ـــ ربما لأنني لم انشر في حياتي غير بضع قصائد.
■ بضع قصائد فقط ..ذلك كل ما كتبته إيميلي؟!!
ـــ لا .لقد كتبت أكثر من ألف قصيدة ،وجمعتها خياطةً في دفاتر من الورق .فعلتُ ذلك ،لأدفن كلّ حواسي الشعرية في خزائن غرفتي الخاصة.

■ وغرفتك الخاصة ..هل كانت المرقد أم المحرقة لما كان يهبّ ويشتعل في أعماق إيميلي؟
ـــ لقد سبق لي وأن رسم خريطة حياتي بحدود معينة.والتزمتُ بعدم تجاوز خطوط تلك الخارطة حتى الموت.

■ طوال 25 عاماً لم تغادر إيميلي ديكنسون أمهيرست، في ولاية ماساشوستس.غادرتها من حين لآخر لزيارات قصيرة إلى فيلادلفيا وواشنطن ولاستشارة طبيب عيون في 1864 و 1865.
هل هو الخوف الذي استطاع بناء تلك العزلة الحديدية لقتلك داخل أسوارها ؟!!
ـــ لم أر في الخارج سوى بيض الشياطين.لذلك قررت ألا أكون شاهدة على تفقس تلك المخلوقات الشريرة.

■ بمعنى إنك كنت تدافعين عن شئ؟ ما هو بالضبط؟
ـــ كنت أخشى على رموزي الروحية من الفساد ليس إلا .

■ الربّ أم الشعر ؟
ـــ الاثنان معاً.فقد كان الربّ يرعى قصائدي في أعماقي السحيقة،ولذلك حافظتُ عليها من النشر والتداول.نشرتُ عشر قصائد فقط.

■ كيف تخشين على قصائدك من الضوء،وقد قمتِ بدفن ما يناهز الألفي قصيدة في خزائن الملابس المظلمة ؟
ـــ أن أدفن أرواحي في الظلام،أفضل من أن أعرضها للشرر المتطاير من أعين مخلوقات لا تتماشى مع رؤاي في عزلتي التي أطلقتَ أنتَ عليها تسمية العزلة القاتلة.

■ هل تؤمنين بالسحر ،وتتجنبين الاحتكاك بالسحرة ؟
ـــ أجل.لقد أقفلتُ أبواب العالم على نفسي مبكراً،أي من الساعة التي اجتحتُ بها نفسي بموجات التطهير. كان السحرةُ وقتها،يتجمهرون حولي ،وكل واحد منهم يحاولُ قطف جزء من جسدي.إلا أنني تمكنتُ من الفرار وكسر حصارهم وسجنهم في أحدى فاترينات المطبخ.
■ أين وجدت إيميلي نفسها :في الشعر أم في الرسائل التي كتبتها ؟
ـــ هذا سؤال يحتاج إلى معالجة فلسفية.ولكنني سأقول ،بأن الشعر والرسائل مثل حركة المدّ والجزر التي تنتابُ أعماقي .فما أن تصل عربة الخيال إلى رأسي،حتى تتداعى القصائد للنهوض والسيطرة على الروح.إما عندما تتعبُ تلك العربة،سرعان ما تنهض الرسائلُ كبديل للتعويض عن حرائق الجسد.

■ لماذا كنت قاسية على نفسك إلى تلك الدرجة العنيفة ؟
ـــ قاسية .يعني كيف؟!!
■ بمعنى أنك فرضتِ على جسدك الحصارَ ،منعاً له من أن ينتفع بالشهوات؟
ـــ ربما كانت الشهوات محطةً لم يخترها عقلي على النحو المثالي.ولكنني في كل الأحوال ساهمتُ بطرد جسدي عن اللذّة ،والابتعاد عنها بشكل مازوخي .
■ كأن لم تجدي حبّاً على سبيل المثال ،غير الحبّ الموجه لذاك المتدرب في مكتب محاماة والدك، ومن بعد فشله ،كان التوجه نحو رجل الدين المتزوج الذي انغمر قلبك به عن بعد ؟
ـــ سأقول لك شيئاً مهماً.لقد رميتُ قلبي إلى الكلاب الضآلة ،وعشتُ بفطيرة مَحشوّةٍ بمُربيّات الحنظل في قفص صدرٍ ،كان مفتوحاً أما العواصف والأمواج والتداعيات المرعبة.
■ هل كان جسدك بلحم أم بخشب ؟
ـــ كان جسدي طاولةً أُنموذجية لمختلف الآلهة السرييّن .

***
الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون
في بريد السماء الافتراضي

_____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________

الشاعرة السورية سنية صالح

س/هل كنتِ بروح واحدة ؟
ج/عشتُ بأرواح متعددة،وكلها ذهبت مع الريح.
س/نتيجة وجود سياط القسوة؟
ج/تماماً.فأنا خرجت من الرحم الأول ،لأتحمل مشقات ما كانت الأرحامُ تنتجه من قبل وجودي في ذلك العالم الذي ولدت على ترابه.كل شيء كان متورماً بنوع من الآلام.
س/هل كنت تدركين تلك الآلام بوعي سياسي أم بوعي بيولوجي محض؟
ج/أنا ولدت سمكةً في حوض من الكآبة.
لذلك كان الماء في الحوض أو الأكواريوم القديم، ليس مالحاً وحسب،وإنما ساماً إلى درجة ما. أعني إلى درجة تمنع السّمَ أن يفعل بالجسد فعلتهُ فيقتل.
من هناك يمكن القول، بأنني وجدت نفسي خليطاً إيديولوجيا بيولوجياً مشتركاً ، أراد أن يجد لنفسه موطئ قدم على تلك الأرض.
س/وهل وجدتْ الشاعرة سنية صالح تلك البقعة من التراب؟
ج/نعم.ولكنها كانت ضيقة على قدمي.
س/هذا كلام كبير على شاعرة لم يتفق النقاد على وزن أو أهمية معادنها الشعرية في تربة اللغة العربية.فكيف كانت الأرض ضيقة على قدمك؟!
ج/منذ كتاباتي الشعرية الأولى،حاولت الاستغناء عن النقاد أو العمل النقدي ،لأستطيع التشكل مع الشعر ومع نفسي أولاً وقبل كل شيء آخر.
س/في شعر سنية صالح مقابر متناثرة..هل كان جميع سكان تلك القبور من معارفكِ ؟
ج/لم أعتبر الشعر يوماً إلا مقبرة بفم فاغر ودون أسنان ،ليس لاحتواء قطع غيار الجسد وحدها،بل لدفن اللغة التي لم تنقذ أحداً يوماً ،لا شاعراً مهماً مثل رامبو ولا راعيا من الرعيان الذين يجوبون الحقول والصحارى بقطعانهم بحثاً عن الكلأ.
س/ هل الشعر في الخلاصة:مقبرة؟!!
ج/ نعم.تلك هي إرادة الروح التي عادةً ما أغني معها نوعاً من ذلك الطرب السرّي ،بعدها أتعب محتضنةً الليل ،لأنام معه على وسادة من حجر.
س/أحس بأن ثمة نسبة عالية من الرطوبة الكافكوية في مخزونك المعرفي الداخلي.هل هو بفعل التأثر أم بفعل التجربة؟
ج/قرأت كافكا بقرف،ثم ما لبثت أن أبعدت كتبهُ عني، لاستأثر بنفسي كغبار يخرج مما كان يتفتت بين رحى طواحيني التي كانت تعمل دون توقف.
س/هل كان الماغوط مصدر كل تلك الآلام التي كانت تتصارعُ وتتفتتُ في قاع سنية صالح ؟
ج/هو بعضها.
س/كيف؟
ج/ كان محمد حانقاً على العالم بشكل دائم،وسرعان امتدت ظلال ذلك الحنق علىّ ،فنالت مني قسوته .بعبارة أدق:شملني حقده وحنقه،حتى غرقت بمياهه السوداء لفترات مظلمة طويلة على الرغم من قلبه الايجابي في الكثير من الأحايين .
س/بعد انتقالك إلى السموات ،هل اجتمعت بالزوج الماغوط؟
ج/أجل .اجتمعتُ به ،ولكنه فضل عدم التعرف علىّ متنكراً حصول زواج بيني وبينه. وعندما حاولت تذكيره بابنتيه (سلاف وشام) قال عنهما :أنهما نجمتان يهديانه لقراءة ما على الأرض من ياسمين وحوادث وشعر حديث.
س/ولم يقم بلمّ شملكِ زوجة كانت له، أو يدعوك إلى فنجان قهوة أو كأس في أحد هذه الأمكنة الفاخرة؟
ج/بالعكس .تكلم معي بلغة ترابية باردة،وأخبرني بأنه خرج من سجنين كانا بحياته في سوريا:سجن المزة وسجن سنية.بعدها أطلق ضحكةً لم أعهدها عنده من قبل،ثم اختفى بين الأعشاب التي كانت في ذلك الساحل.
س/كأن الشاعرة سنية صالح تحاولُ الانتقام من الزوج الماغوط ؟!!
ج/لست في ذلك الوارد.فأنا هنا بلا تلك الحيوانات السرطانية.لذلك تراني أجلس في هذا الجناح المخصص لي مع العنادل ،وكلما شعرت بتنمل يجتاح يدي،أفتح خطاً هاتفياً مع من تركتهم يتعذبون من أجلي على الأرض الأولى.
س/اشعر بأنك تحاولين الانتقام من البعل القديم!
ج/ لا .فبقدر ما حطمني في الزمن القديم،فأنا لا أملك الرغبة بتحطيم تمثاله هنا أو هناك. ولا بعبادته كقديس خالٍ من الذنوب والخطايا.
***
الشاعرة السورية سنية صالح
في بريد السماء الافتراضي
_____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________